تجمد تمامًا مكانه، وكأن الدنيا ضاقت به. ينقل نظراته بيني وبين الفلاشة التي في يدي، كأنه يتمنى ألا أكون رأيت ما فيها. ابتسمت بألم، هدمت أمانيه، وأوصلت له أنني عرفت كل شيء. "سميرة هددتني كما هددتك. قلت لها أنني سأذهب لأحكي لبابا كل شيء. هددتني بأنها ستقول له إنني كنت أرمي نفسي عليك، وأنها رأتني عدة مرات مع عدة رجال قبل ذلك، وهي لم ترضَ أن تحكي لي." هززت رأسي ودموعي تنزل على وجهي. "تفتكر كان بيدي إيه أعمله يا سليم؟
وأنا عاجزة، مش عارفة أتصرف من قلة خبرتي، ومعنديش أم توجهني للصواب والخطأ! غلطت؟ أيوه غلطت لما مشيت وراها، بس أغرتني! أغرتني يا سليم وأنا في سن لم أكن أستوعب فيه عواقب ما أفعله. بس حتى لو لم أكن أنا وافقت، لكانت عرفت تبتزك أيضًا! "منة... " خرج صوته ببحة ضعيفة. فقاطعته وأنا أضع الفلاشة في يده وأغلق عليها. "أنت حر الآن. أعتقد كده تقدر تطلقني من غير قلق."
قمت ووقفت وأنا أمسح دموعي، وتحركت لأمشي، ولكنه أمسكني من ذراعي. التفتت له. وللحظة، اتصدمت لما لقيت عينيه مليئة بالدموع. يبادلني بنظرات ضعف، قلة حيلة، تأنيب ضمير! كان عاجزًا. سليم الفترة هذه كلها كان عاجزًا! "لم أكن أتخيل أن تصرفاتي الطايشة هذه ستكون نهايتها. بس صدقيني، كانت أول مرة. والله العظيم كانت أول مرة أشرب فيها مرة يا منة، ولم تتكرر مرة أخرى! هو الذي طلب مني أن أعطيه الحقنة. أنا نفذت ما طلبه فقط!
أغمضت عيني بألم. "وصلت للفلاشة إزاي؟ "متهيأ لي آن الأوان أن تعرف. لم يعد هناك شيء يُدارى يا سليم! شدني بالإجبار حتى جلست بجانبه. أخذ نفسًا طويلاً، وتحدث وهو يحتوي يدي بين يديه، كأنني سأهرب منه.
"صاحب الشقة كان يعرف أنا ابن مين. ركب لنا كاميرا في الشقة ليُبتزني بالفلاشة مقابل مبلغ كبير. وفعلاً، أعطيته المبلغ وأخذت منه الفلاشة. تركتها تحت وسادتي ودخلت آخذ شاور. سميرة دخلت غرفتي لترى هل نُضفت أم لا. ولما لم تجدها نُضفت وهي تزيل فرش السرير، وقعت الفلاشة." ضم شفتيه. "و... أخذتها. وبعد أن عرفت محتواها، بدأت تبتزك بها." هز رأسه دون أن يعلق. كان بداخلي صراع، لم أقدر أن أتقبل أن سليم الذي أحببته هو الذي في الفيديو!
"تفتكر عشان كنت طايش وصغير، ده مبرر على ما فعلته؟ بص لي بنظرة مليئة بالعذاب. "لم أكن أعرف! "وأنا لم أكن أعرف أيضًا يا سليم! " رددت بسرعة. فكمل. "كما كنت أنت طايش وأغرتك تجربة المخدرات، أنا كنت طفلة عمري 14 سنة وأغرتني الفلوس والعربيات... وأنت... سكت قليلاً وهو لم يرفع عينه عني. كان مكشوفًا أمامي، دون أن يُداري مشاعره أو يخفيه. كانت أول مرة أرى فيها سليم الحقيقي.
"وأنت كنت فوق كل هذه الأشياء. كنت طفلة تحبك ولديها هوس بك. والمشكلة أنني لسه الطفلة التي تحبك أيضًا! قلتها وأنا أضحك بألم. رفع يده وحاول أن يقرب مني، ولكني منعته وأنا أقول: "لماذا ترى أن هذا مبرر لك، وليس مبررًا لي؟ لماذا ترى أنك ضحية طيشك، وأنا سني لا يشفع لي؟ أنت قاتل يا سليم. تعرف يعني إيه تتسبب في موت واحد! سكت ونزل رأسه وهو يضغط على عينيه بقوة، كأنه يتألم من تأنيب ضميره. "شوفت الكلام بيوجع إزاي؟
شوفت مجرد أنني ضربت الحقيقة في وجهك، حتى لو كان غصب عنك. حتى لو كان أول مرة. شوفت إحساسك بإيه؟ أنا كنت أعيش هذا الإحساس كل يوم على يدك يا سليم! ترك يدي ورفع يديه ليمسح على وجهه بعنف. الضغط الذي كنا فيه كان شديدًا بدرجة رهيبة. "طوال السنين هذه وأنا لا أعرف أعيش بشكل طبيعي بسبب ما فعلته! أنا كنت أتعذب يا منة دون أن أتكلم أو أبين. سافرت وهربت حتى أبتعد عن كل شيء يذكرني بما حدث، حتى أبتعد عن عين سميرة التي
كانت كل نظرة منها تقول لي: أنا أعرف حقيقتك! "وأنا كنت أتعذب أيضًا يا سليم، وأنت لم ترحمني. قبلت أن تراني أتألم أمامك من كلامك وسكتت! سكت ولم يقدر أن يرد، فهززت رأسي عدة مرات ووقفت ونويت أن أخرج، ولكني تجمدت مكاني. "أنا أحبك! "من وأنتِ طفلة كنت أراكِ ملزمة مني، كنت أحس أنكِ تعوضينني عن أني لا أملك أخوات. لم أكن أعرف حقيقة مشاعري تجاهكِ غير أنكِ غالية عليَّ جدًا. كنت حزينًا أن الأذى الذي جالي كان لكِ دور فيه!
ارتفعت وأنا أسمع اعترافه لأول مرة. قد إيه تخيلت أنه يقولها لي وأنا أجري عليه بضمه، قد إيه تخيلت أنني أعيش معه حياة طبيعية في بيت دافئ مليء بالحب. ولكن الحواجز التي بيننا أصبحت أعلى مني ومنه. "كان نفسي أسمع الكلمة دي منك من زمان. بقالي 6 سنين بتمنى أسمعها وأشوفها في عينيك! دمعت وهو يبص لي بعجز. لم يكن قادرًا أن يقوم من مكانه، وكنت أتألم من العذاب الذي أراه في عينيه.
"مش عارفة هقدر أكمل معه بعد ما صورته اتكسرت قدامي ولا لا! الصورة المثالية التي خلقتها له. أعتقد الموضوع يحتاج وقت. لي وله، يمكن جروحنا تداوي." "هنتطلق يا سليم كما كنت تريد. مش كان اللي مانعك تعملها هي سميرة؟ خلاص مبقاش فيه شيء يمنعك." قام وقف، ومد يديه احتوى وجهي بينهم، ونظراته كانت مليئة بالإصرار. "ولماذا لا نكمل يا منة؟! ضحكت بألم.
"مبقتش عايز تكمل معي إلا لما حسيت أنك مبقتش مجبر عليَّ. لما الحاجة التي اتجبرت أن أتزوجك عشانها انتهت. رغم أن مشاعرك لم تتغير، بس كنت برضو رافضني. لم يكن عندك مشكلة أن تتخلى عني عشان بس تحس أنك تفعل شيئًا بإرادتك! "لا يمكن أن نكمل يا سليم وأنت ترى أنني تسببت في شقلبة حياتك، وأنا أراك مدمنًا تسببت في قتل واحد! حسست يده ارتجفت. كان كلامي قاسيًا عليه، بس ستظل هي الحقيقة حتى لو كانت توجع. فميلت على يده بوجهي،
وقولت وأنا أبتسم بألم: "يمكن في وقت آخر، في زمن آخر، أو في عالم آخر. يمكن... نكون مع بعض وقتها." انتهيت من كلامي وشلت يده من عليَّ، وتركته ونويت أن أخرج من الغرفة وأنا أمسح دموعي. كمية الألم الذي أشعر به لا توصف. لماذا أنا بالذات قصة حبي الوحيدة تكون بهذه الصعوبة والعجز؟ لماذا لم نكن مثل أي اثنين طبيعيين أحبا بعضهما وتزوجا وعاشا في بيت دافئ؟ لماذا الدنيا ضدي بهذا الشكل؟! "منة...
لم أقدر ألا أنظر له. التفتت لصوته الضعيف. نظراته كانت كلها توسل، أول مرة أراها في عينيه. مد يده لي. "أنا عايزك جنبي... دلوقتي بس. حتى لو لآخر مرة. خليكي جنبي، عايز أجرب إحساس قربك من غير حواجز مرة!
شهقت بألم وأنا أبكي غصب عني، ولم أقدر أن أقاوم وجريت عليه، ضمته بقوة. كان يتشبث فيَّ كالغريق الذي وجد وسيلة نجاة. بعد، وطبع قبلة عميقة على جبهتي. كانت أول مرة أكون بقرب سليم لهذه الدرجة. فضلت نائمة في حضنه، وهو كأنه ما صدق وغرق في نوم عميق وهو يضمني بقوة، كأنها آخر مرة سيراني فيها. ومن يدري، ربما تكون آخر مرة فعلاً!
لم أقدر أن أنام وفضلت أقوم لأحفظ اللحظات التي لن تتكرر هذه في عقلي، حتى أستمتع بكل لحظة في قربه الذي تمنيته منذ سنين. كنت أبص له وأتأمله وهو نائم، وأداعب شعره بحنان. الحواجز بيننا بدل أن تقل، تكبر. فيه شيء انكسر وكبير! مش عارفة إزاي ممكن أكمل معه وأنا أرى له دور في إنهاء حياة واحد. هو غلط، وأنا غلطانة. إحنا الاتنين ضحايا ومذنبين في نفس الوقت. يمكن بقينا متساويين دلوقتي. أنا شقلبت حياته، وهو أذنب في حق إنسان!
وبمقاومة كبيرة من نفسي، قدرت أن أقوم وأخرج دون أن يحس. لو كان عليَّ، كنت فضلت في حضنه عمري كله، ولم يكن يكفيني كمان! نزلت لتحت، وكانت الساعة أصبحت 2 بعد الظهر تقريبًا. كل الوقت هذا كنت أتأمله فقط!
مش عارفة جبت الجرأة التي تجعلني أنزل من غرفته في عز النهار دون أن أخاف، بس وقتها أحسست بتبلد في مشاعري. كنت أريد كل شيء أن ينتهي. بس لقيت الكل متجمع في بهو القصر. بصيت لهم باستغراب، فاكتشفت أن والد سليم رجع من السفر وكان عامل لهم مفاجأة تقريبًا. فعشان كده محدش كان يعرف.
كانت سميرة وبابا من ضمن الموجودين. تحركت نحوهم، فالتفتوا كلهم وعلى وجوههم كل معالم الاستغراب من وجودي في القصر، وأيضًا نازلة من فوق، وأنا بقالي 6 سنين ممنوعة من دخوله. وقفت نادية، والدة سليم، وتحدثت بحدة. "ماذا تفعلين فوق يا بت أنتِ؟!
لم أرد عليها، وتحركت نحوها. كنت جامدة، وحسست أن كل المشاعر التي كانت بداخلي اتمحت، مثل الإنسان الآلي بالضبط. وقفت في المنتصف وفضلت ساكتة. ولكن نظراتي كانت على سميرة، التي حسيت أنني سأفعل شيئًا، فكانت تهددني. ولكن لم أهتم. "متهيأ لي لازم اللعبة هذه تنتهي، ولا إيه يا سميرة؟ حسيتها تلجلجت، فـتحدث أكرم، والد سليم، باستغراب. "لعبة إيه؟ ابتسمت بشر. كانت بداخلي قوة غريبة، كانت قوة بقدر عذاب قلبي طوال السنين هذه كلها.
"لعبة زواجي أنا وسليم التي كانت تحت التهديد." شهقت سميرة بخضة، وكلهم لم يكونوا يستوعبون ما أقول. قربت مني سميرة بسرعة وشدتني بعنف من ذراعي وهي تهمس من بين أسنانها. "هل جننتِ؟ ماذا تفعلين يا متخلفة؟! جذبت يدي منها وتحدثت بقوة. "جرا إيه يا مرات أبويا، مش لازم نعرفهم برضه أنك كنتِ تهدديني أنا وسليم عشان يتجوزني، ولا إيه؟ رفعت عيني من عليها وبصيت للي موجودين.
"سميرة منذ 6 سنين هددت سليم بأنها ستلبسه في قضية قتل بعد ما دبرت له كمين مع واحد دفعته عليه. وكمان هددتني بأنها ستقول إنها رأتني مع أحد لو قلت لأحد أن سليم تزوجني بالتهديد. قررت أنتقم منها وأغير معظم الحقائق. كان لازم أظهر وجهها الحقيقي." صرخت بجنون. "كاذبة، كاذبة، لم يحدث هذا الكلام! "تنكرين أنكِ استخدمتيني حتى أصلي للفلوس والجاه وأن أبقى سيدة القصر عن طريقي أنا وسليم بعد ما أدخلتنا في لعبة قذرة؟!
"أي كلام هذا الذي تقولينه يا منة؟! " قالها بابا بزعيق وهو يتجه نحوي وملامحه تبدو عليها الغضب. "منة لم تكذب! تحركت نظراتهم كلهم إليه. كان ينزل على السلالم وهو يراقب وجوه الكل، حتى ثبتت عينه عليَّ، وكان يبص لي بامتنان. قرب ووقف بجانبي. "سميرة فعلًا هددتنا نحن الاثنين، ونحن الاثنين كنا ضحايا جشعها وطمعها. وكلامي مقابل كلامك يا سميرة! "سأثبت لكم أنه كاذب. سأثبت لكم أن ابنكم الحيلة ليس ملاكًا."
تحركت نحو البدروم الذي مكانه تحت سلالم القصر. "الذي تبحثين عنه لن تجديه يا سميرة. لا تتعبّي نفسك! " قالها سليم وهو يبص لها بسخرية. كانت تبادله بعدم استيعاب، حتى نقلت نظراتها إليَّ، فلقيتني أبتسم لها بشماتة. وقتها عرفت أنني وجدت الفلاشة وأعطيتها لسليم أيضًا. برقت وعيناها احمرتا، وحسيت أنها على وشك الجنون، وجريت نحوي وهي تصيح. "ماذا فعلتِ! ماذا فعلتِ يا متخلفة! أفسدتِ كل شيء! كل شيء تم التخطيط له دمرتيه!
أنتِ كنتِ تطولين هذا العز لولايا! منعها سليم من أن تصل إليَّ بعد ما شدني خلف ظهره. حسيت أنها استحالة أحد يصدقها بعد ما انكشفت أمامهم، فصارت تصرخ وتشد في شعرها بجنان. كيف لا تجن وهي وجدت أن كل خطتها باظت، وخلاص ستخسر كل شيء، وستخسر الغنى الذي كانت فيه. "كذب، الاثنان كاذبان. سليم قاتل ومنة كانت مع... هنا تدخل والد سليم وفجّر ما لم يكن أحد يتوقعه عندما قال: "كذب إيه يا سميرة؟
أتوقعها منك بصراحة. ما أنتِ كان ممكن تفعلين أي شيء من أجل المال، حتى لو ستخونين زوجك معي! شهقت وعيني اتسعت بصدمة، وصدمتي لم تقل شيئًا عن الذي كانوا في القصر. "أي كلام هذا يا أكرم بيه؟! " تكلم بابا بحدة. انكمشت هي على نفسها وهي تبص لأكرم بيه برعب حقيقي، كان باين عليها الذعر. ابتسم لها بخبث. "احكي، أو قولي أنتِ." ارتعشت شفتيها. "كذب! كلهم كاذبون! كل ما يقولونه كذب!
"زوجتك يا ناجي كانت تتزوجك لأنها ترى فيك طريقًا يوصلها للجاه والثراء عندما عرفت أنك تعمل معي، وساكن هنا في القصر. وكانت خطتها أن توقعني، بس كشفتها. وعشان خاطر كبرياءك، وخاطر البنت اليتيمة التي معك، أغلقت على الموضوع. بس لم أكن أعرف أنها اتجهت لابني حتى تحقق غرضها الحقير."
بص لها بابا بدهشة وهو يحس أن الدنيا تنهار من حوله، يحس أنه لأول مرة يرى الوجه الحقيقي لزوجته وجشعها. الوجه الذي عمره ما شافه قبل كده أو كان أعمى عنه. "هي حصلت! "لا لا، لم تحصل! " كانت تهز رأسها بجنون. فكمل والد سليم. "لماذا تنكرين أنكِ جئتِ لي المكتب تعرضين نفسك عليَّ؟ بس للأسف يا سميرة، لم أكن أهبل لدرجة أن ذوقي ينحدر بهذا الشكل. من يهين واحدة زيك! "لا تصدقه! "اخرس!
" صرخ بابا وهو يضربها بقوة بالقلم لدرجة أنها وقعت على الأرض. شدها بعنف ودون تردد، رماها برا القصر وسط مقاومتها وصراخها بأن سليم قاتل، وأنني كاذبة، وأن والد سليم كاذب. ولأن كلامها لم يكن مرتبًا، فالكل رأوها تفعل هذا لأن خطتها باظت.
كنت أراقب ما يحدث بصدمة وخوف. حتى لم أحس بسليم وهو يحاوطني ويضممني إليه بحماية. رفعت عيني إليه، فابتسم لي بامتنان. بادلته، ولكن تبدلت ابتسامتي للحزن. خلاص كل شيء انكشف، واللعبة انتهت. والذي بيني أنا وسليم أيضًا انتهى. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!