أبعدت، قلتها بضعف وأنا أدفعه بقوة. حسيت إني اكتفيت من كل اللي بيحصل ده، اكتفيت من تصرفاته المتناقضة اللي كلها عكس بعض. شوية أحس إنه بيحبني بس الماضي واقف عائق قدامنا، وشوية أحس إنه بيكرهني. مسمعش كلامي وشدد من ضمي، فرجعت أدفعه بكل قوة كانت موجودة عندي في الوقت ده. "قولتلك ابعد يا سليم!
قدرت أخلص نفسي من بين إيديه، ففضل قاعد مكانه باصصلي بنظرات غريبة، كإنه كان بيتعذب. بس قررت إني مش هفضل أديله مبرر كل شوية على حساب نفسي. "ابعد عني بقى يا سليم! أنا مبقتش فاهماك، أنت عايز إيه مني بالظبط! مرة ترفعني لسابع سما، وتسيبني طايرة وأتفاجيء بيا بقع لسابع أرض! بس أنا مش هفضل استحمل كل ده، أنا اكتفيت." تحاملت على نفسي ووقفت، فوقف هو كمان.
"أنت نفسك مش عارف أنت عايز إيه. بس وقت ما تعرف، متجيش ليا، لإني مش هفضل مستنياك لحد ما تعطف عليا وعلى قلبي الموجوع. هشيلك من حياتي يا سليم! وشه احمر، وعيونه كانت أكتر. كان بيتعذب فعلًا وأنا شايفة كل ده، بس كان لازم اللعبة دي تخلص. سبته ونويت أمشي. مسكني قبل ما أعدي من جنبه، وشاور بعينه على إيدي الزرقة والوارمة وبصوت ضعيف: "إيدك... "وجعها أهون من اللي حاسة بيه في قلبي."
نفضت إيده عني، وطلعت لفوق ومتلفتش أبصله حتى عشان مأضعفش قصاد عيونه. فضل هو متابعني وأنا ماشية، اتنهد بألم وقعد على حافة النافورة وهو دفن وشه بين إيديه. مبقتش عارفة هل بعد كل اللي بيحصل بينا ده لسة فيه أمل بينا ولا لأ. حاليًا مبنعملش حاجة غير إننا نجرح في بعض. مبيهونش عليا أنا اللي بتألم قصاد كل نظرة وجع في عينيه بالضعف، بس هو بيجبرني بتصرفاته للأسف. ولكن هل أنا فعلًا هقدر أشيله من حياتي زي ما قولت؟
أعتقد لأ. لسليم حبه اللي جوايا أقوى مني، أقوى من إني أتخطاه. مجاليش نوم خالص، فضلت نايمة على السرير باصة للسقف لفترة طويلة، ومكنتش ببكي. كإني استنفذت كل دموعي على نفس الحاجة لسنين طويلة. بس اللي عرفته إن لازم كل حاجة تخلص، ولازم السر اللي متداري يتعرف. أعتقد كفاية لحد كده. اللعبة تخلص قبل ما نكره بعض، أو بمعنى أصح قبل ما أكرهه. كرهي لسليم هيبقى عظيم بمقدار حبي ليه. مش عايزة ييجي اليوم اللي أتمناله فيه الأذى.
كانت الساعة بقت 3 الفجر تقريبًا. اتعدلت وأنا باصة قدامي بشرود وبفكر في حل، حل أنا اتأخرت فيه أوي بس هو اللي سابني وسافر. سابني من غير ما يودعني أو حتى يسمع مبرراتي. سابني من غير ما نقدر نتصرف مع بعض. يمكن كان يبقى فيه أمل بينا وقتها. يمكن كنا طلعنا إحنا الاتنين بأقل الخساير. بس هو استعجل في البُعد.
قومت اتسحبت وفتحت أوضة سميرة، واللي كان لحظي راحت زيارة لأهلها هي وبابا وهييجوا بكرة. فضلت أدور في كل الأدراج، وتحت السرير، بس ملقتش حاجة تفيدني. اتجهت لدولاب هدومها، فلقيت درج صغيرة في الآخر، فتحته ولكنه مكانش فيه حاجة مهمة غير مفتاح عتيق صغير باللون الدهبي. قفلت الدولاب بعنف ووقفت أشد في شعري وأنا حاسة إني خلاص بقيت على مشارف الجنون.
وفعلًا قررت أعمل حاجة مجنونة، وهي إني أدخل القصر اللي بقالي سنين طويلة مدخلتوش. أو بمعنى أصح محرم عليا. اتسحبت لجوا على أطراف صوابعي وأنا بتلفت حواليا وبرتجف من الخوف لحد يشوفني ووقتها هتكون كارثة فعلًا لإني ممنوع إني آجي هنا خالص.
المكان كان هادي وضوء خفيف بس هو اللي منور الطريق. كنت عارفة خطواتي كويس، واتجهت للأوضة القديمة اللي كنا قاعدين فيها في القصر. دخلتها وأنا بتأمل أثاثها، كانت نضيفة ومفيهاش أي تراب ومحافظين عليها وكأنها مسكونة. لوهلة رجعتلي كل ذكرياتي اللي عيشتها هنا واتبدلت نظراتي للحزن، بس هزيت راسي عشان أنفض الذكريات دي عني لإن ده مش وقتها.
فضلت أدور في الأدراج برضه وفي كل مكان في الأوضة إني ألاقي حاجة مفيدة. ملقتش. قعدت على السرير وأنا ملامحي كلها يأس. الظاهر إن سميرة حويطة حبتين تلاتة، بس كنت متأكدة إنها ماسكة دليل مادي على سليم، لإن لو غير كده كان كدبها مثلا أو مهموش وقدر يطلع من الموضوع بدل ما هو بقاله ٦ سنين خاضع ليها.
لعبت في شعري وأنا بحاول افتكر أي حاجة ممكن تفيدني، ولوهلة اتنفضت مرة واحدة وافتكرت الأوضة اللي في البدروم اللي كانت سميرة بتحط فيها حاجاتها القديمة زي أثاث شقتها القديمة قبل ما تتطلق، ومكانش فيه أي حد بيخطي الأوضة دي غير هي بس. سميرة واخدة سلطة فعلًا هنا أكبر من حجمها بكتير.
خرجت من الأوضة بسرعة ونزلت لتحت. كان المكان ضلمة شوية، لحد ما لقيت نفسي قصاد باب عتيق، حاولت أفتحه بس كان مقفول. لمحت صندوق متعلق في الحيطة، شيلته فلقيت فيه المفتاح. فتحت الباب ودخلت.
على عكس باقي القصر كان مترب شوية ومليان أثاث وانتيكات قديمة. زفرت بضيق وحركت إيدي قدام وشي من ريحة الكتمة اللي في المكان وبدأت أدور في كل ركن وكل حتة في الأوضة، لحد ما لقيت صندوق كبير تحت أثاث ومفارش، شيلت الحاجات منه وأنا كلي خوف إني أتقفش أو حد يحس بيا.
فتحت الصندوق ودورت في الحاجات اللي فيها، فشوفت صندوق صغير خالص محطوط تحت الحاجات وكأنها بتأمن عليه. مسكته وأنا بتفحصه باستغراب، وجيت أفتحه مفتحش. حدفته بغيظ وأنا بزفر بنفاذ صبر وقلة حيلة، وقعدت مكاني وأنا حاسة إني مش هقدر أستفاد حاجة من اللي بعمله. لوهلة افتكرت المفتاح العتيق اللي لقيته فوق في أوضة سميرة، ومن شكل الصندوق عرفت إنه مفتاحها. رجعت جريت خدته، وعدلت كل حاجة مكانها، وخرجت من الأوضة. "مين اللي هنا؟
شهقت برعب ورجعت لجوا تاني وقفلت على نفسي الباب بعد ما سمعت صوت نادية هانم من برا. ولحسن حظي قبل ما أقفل الأوضة، الظاهر إن أنا نسيت نفسي وأنا بدور وعملت دوشة. "أنتِ جيتي يا سميرة؟ قربت ناحية الباب فسندت على الحيطة وأنا حاطة إيدي على بوقي ومبرقة برعب. فتحت الباب ودخلت بصت في المكان بتعجب وأنا واقفة وراها بحاول أمنع النفس اللي بتنفسه حتى. "غريبة."
هزت كتفها بقلة حيلة وخرجت مرة تانية. وقتها سمحت لنفسي إني بس أقدر أتنفس بشكل طبيعي. حطيت إيدي على قلبي وأنا بتنفس بعنف. نادية هانم مبتحبنيش. ممكن توصل لدرجة إنها بتكرهني. وهي بنفسها اللي كان أول شرط من شروطها إني مدخلش القصر أبدًا. وطول السنين دي كنت بحاول محتكش بيها على قد ما أقدر عشان مجربش أذاها.
استنيت شوية اتأكد إنها بعدت، وبعدين خرجت على أطراف صوابعي، قفلت الباب بهدوء ورجعت المفتاح في العلبة تاني، وطلعت من البدروم وأنا بتسند على الحيطان وبتأكد فيه حد برا ولا لأ. ولما اتأكدت من خلو المكان اتسحبت وخرجت برا القصر بسرعة ورجعت طلعت على الدور بتاعي. دخلت جيبت المفتاح من أوضة سميرة على طول، ورجعت أوضتي وأنا حاسة إني فعلًا هلقي حاجة. فتحت الصندوق، وبصيت للي موجود باستغراب، كانت.. فلاشة!
سميرة عاينه فلاشة في صندوق ليه؟ فضولي جابني أعرف محتواها وسبب إن سميرة مأمنة عليها للدرجة دي. جيبت اللاب توب بتاعي، ووصلت الفلاشة فيه فظهرلي ملف فيديو، فتحته وأنا كلي استغراب. وكل ما كان الفيديو يتقدم كانت ملامحي بتتبدل للصدمة. حطيت إيدي على بوقي وأنا برتجف وبمنع نفسي إني أصرخ، ودموعي خدت مجراها من غير ما أقدر أتحكم فيها. كان موجود فيه سليم!
ومش لوحده، هو ومجموعة شباب، قاعدين في شقة من شكلها باين عليها مشبوهة. كان شكلها مريب، وكانت بالفعل قاعدة مشبوهة، مليانة مخدرات ودخان كثيف من كتر السجاير الممنوعة اللي كانوا بيشربوها. ومن ضمنهم شباب كانوا بيشموا بودرة. كان وضع مقزز بالمعنى الحرفي، مكنتش اتخيل إنه كان بالوضع المقرف ده.
ولقيت سليم بيتكلم مع واحد، وبعدها ملاله حقنة مليانة بسائل معين، وابتدى يدخلها في وريد الشخص اللي جنبه وهما بيضحكوا بطريقة غريبة وكأنهم مكانوش حاسين بالدنيا. وفلحظات ابتدى الشخص ده يتشنج، ومال على اللي جنبه وهو قاطع النفس. اتقلبت الفيديو لدوشة، كلهم باين عليهم إنهم بيصوتوا، سليم بيخبط على دماغه بعنف وهو مش مصدق وبيعيط، مش مصدق إنه اتسبب في قتل واحد. الشباب بيلفوا حوالين بعض وهما مش في وعيهم عقلهم مش مستوعب إيه بيحصل ولا حتى قادرين يفكروا. سليم بيهز في الراجل وهو بيصرخ. شوية انهيارات ولوم وخناق لدرجة إنهم ضربوا بعض، وبعدين وقفوا وابتدوا يفكروا.
وفلحظة لقيتهم بدأوا ينضفوا كل حاجة حواليهم، ويمسحوا المكان من أي أثر موجود ليهم، وبعدين سابوه وخرجوا. كل ما كان الفيديو بيتقدم كنت بحس بنفسي بيضيق، كأني بغرق. مش قادرة اتخيل إن سليم كان بالقذارة دي. كنت عارفة إنه كان شاب طايش وهو صغير بس مش للدرجة دي. كان بيتحكي عن تصرفاته قدامي بس عمري ما صدقت. ما صدقت غير الصورة اللي سابهالي. مصدقتش غير معاملته ليا اللي كانت بريئة ونقية.
الكارثة كارثتين: شربه للمخدرات وتسببه في قتل واحد. ده السر اللي سميرة كانت ماسكاه عليه ومخلياه خاضع ليها من غير تردد. ده السر اللي اتسبب في عذابي أنا وهو. جرحنا في بعض وكل واحد كان بيتفنن في إنه يوجع التاني بسببها. بكيت وانهارت مكاني وأنا بعيد الفيديو كذا مرة وبتأكد من اللي أنا شايفاه، وقدرت أحفظ كل لحظة في الفيديو في دماغي.
اتحركت بخطى بطيئة كأني مش واعية. وفعلًا كان شكلي مرعب. وشي باهت متغرق بالدموع وعيوني حمرا ومبرقة وشعري مش مترتب. كل الحرب اللي جوايا كانت منعكسة على حالتي.
كنت عارفة طريقي كويس وحافظاه من سنين، فتحت باب الأوضة براحة وقفلته ورايا، كانت ضلمة خالص زي ما بيحب. أعتقد قدرت أفهم إيه سر حبه للون الأسود والضلمة، كان بيحس إنه بيتدارى وراهم، إنهم بيخفوا حقيقته. مشيت لجوا وأنا بستنشق ريحة برفانه اللي مالية الأوضة، وبصيت عليه، كان رايح في النوم، شعره الناعم مشعث ونازل على وشه بفوضوية.
سحبت الكرسي وحطيته بهدوء قدام سريره، وقعدت أتأمله. معرفش قد إيه بس كنت بحفظ ملامحه في قلبي. مديت إيدي وابتديت أملس على ملامحه وأنا ببصله بعيون مليانة دموع، مش متخيلة إن الملاك اللي قدامي ده كان بالشكل ده. كنت برسم ملامحه جوايا بإيدي اللي ماشية على وشه. رفعت شعره من على جبهته بحنان، وميلت عليه وطبعت قبلة عميقة على خده مليانة مشاعر متضاربة عكس بعض، فنزلت دمعة من عيوني غصب عني عليه خلته أتململ بضيق وفتح عينه.
متحركتش ولا حركت إيدي من على وشه، فضل يرمش كذا مرة كأنه بيتأكد إني قاعدة قدامه فعلًا ولا بيحلم، وفلحظة اتعدل وفتح نور الأباجورة من جنبه وهو بيبصلي باستغراب. "منة! أنتِ كويسة؟ فيكي حاجة؟ إيدك فيها حاجة؟ ابتسمت ابتسامة مليانة ألم وأنا شايفة الخوف الصادق اللي باين على وشه، ومديت إيدي ملست بيها على وشه بحنان.
"من ساعة ما وعيت على الدنيا وأنا مش شايفة قدامي غيرك، كنت حب طفولتي ومراهقتي وشبابي، كنت سبب كل فرحة في قلبي، وكنت سبب كل وجع فيه. أنا عمري ما اتمنيت راجل غيرك يا سليم، عمري ما حبيت غيرك أبدًا، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة عشانك، بس أحس إنك بتحبني مش كارهني! أحس إن ليا مكان جواك ولو قليل!
نزلت دموعي والغصة اللي في قلبي كانت مؤلمة بشكل لا يطاق، حس وقتها إني مش في حالتي الطبيعية، فاتعدل وقرب مني وضمني وهو بيملس على شعري بحنية. "شششش اهدي.."
"أنتَ كنت عارف إني مكنتش واعية على حاجة، مش بريئة ولكن مكنتش عارفة عواقب تصرفاتي. كنت عارف ومتأكد إني ضحية زيي زيك بالظبط وإن سميرة استغلتني أنا كمان، وأنا عارفة إنك من جواك مش بتلومني على اللي حصل، ولكن كل اللي بتعمله ده كان من احساس العجز وقلة الحيلة اللي كنت فيه، كنت بتحاول تفرغ النار اللي جواك فيا يمكن تنشغل عن دوشة دماغك، عشان كده كنت بتصارع نفسك عشان كده كنت بتعمل الحاجة وعكسها. شوفت أنا لقيت لك ازاي ميت مبرر؟
بس وأنتَ بتعمل كده كنت بتموتني بالبطئ. بتزود كرهي لنفسي. بتحسسني إني مسخ." حسيته بيقاوم حاجة جواه، فشدد على ضمه ليا من غير ما يتكلم، مكانش عارف يقول إيه في موقف زي ده، متعودش أساسًا إنه يبوح باللي حاسس بيه. ولكني بعدت عنه، وبصيت في عينيه اللي كانت بتتهز بتوهان وملامح وشه المتشنجة، رفعت إيدي قدام عينيه. "اتفضل. دلوقتي سميرة مش هتقدر تبتزك تاني، دلوقتي تقدر تنهي اللعبة وأنتَ متطمن.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!