أعوام على إصابته الحادثة المشؤومة التي تسببت بإصابته بالشلل، مما جعل الفتاة التي أراد الزواج منها تتخلى عنه. ولولا ثقته بنفسه، ومساعده جاك صديقه الذي أصر أن يرافقه لإجراء جلسات علاج طبيعي ليعود للوقوف على قدميه مرة أخرى، ولكن بمساعدة عكاز أصبح رفيقًا له بعد الحادث.
وذات يوم، أثناء ما كان ليون يجلس في مكتبه يراجع بعض أوراق الشركة الخاصة به، توقف عن عمله حين تناهى إلى سمعه طرقات على باب مكتبه. ترك الأوراق من يده ثم تحدث قائلًا بصوته الأجش: "تفضل." أدارت الخادمة مقبض الباب ثم دلفت لتتحدث إليه، وهي تخشى النظر في عينيه، وترتجف من شدة خوفها منه، فهو أثناء عمله لا يريد من أحد مقاطعته. تحدثت إليه الخادمة قائلة:
"سيدي، هناك امرأة مسنة وبرفقتها فتاة صغيرة بانتظارك بالخارج تريد مقابلتك لأمر هام." قطب ليون جبينه، وضيق عينيه، وهو ينظر إلى الخادمة ثم قال لها: "حسنًا، أدخليهم لغرفة الاستقبال، وسآتي لهم في الحال." نهض ليون من خلف مكتبه، وأخذ عكازه ليستند عليه، فمنذ الحادث الذي أصابه بالعجز، وهو لا يستطيع مفارقته. ثم ذهب باتجاه غرفة الاستقبال.
وما أن دلف إلى الغرفة بطلعته المهيبة، وعطره النفاذ، وقعت عيناه على الفتاة الصغيرة ذات الشعر الذهبي، والبشرة البيضاء، التي ما أن شاهدته إلا وانزوت في صمت إلى جانب المرأة المرافقة لها، وأخذت ترمقه بنظرات مذعورة، وقد تملكها الذعر من هيئته. تحدث ليون بحزم بصوته الأجش، وألقى التحية على السيدة، متجاهلًا وجود الفتاة التي ما أن شاهدها شعر أنها ستكون مصدر إزعاج شديد له. ليون: "مرحباً سيدتي، هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟ السيدة:
"بنبرة خنوع، نعم سيدي، أنا المربية الخاصة بابنة عمك لارا، لقد توفي عمي وزوجته، وقد أوصى أنه لو حدث لهم شيء أن أجلب لك ابنتهم لتكون تحت وصايتك." ثم التفتت لترمق لارا بحنان، وتضمها إلى صدرها بود، كأنها تدرك مدى خوفها منه. حين استمع ليون لكلمات السيدة، احتلت علامات الغضب ملامح وجهه ثم هتف بها: "هذا ما كان ينقصني! أن أتحمل مسؤولية طفلة صغيرة. لا، هذا كثير. فكيف لي أن أعتني بتلك الصغيرة؟
أنا لدي أشغال كثيرة، وليس لدي وقت لرعايتها." تحدثت إليه المربية قائلة: "لا تحمل هماً سيدي، أنا سوف أقوم برعايتها. فقط مطلوب منك أن تنهي إجراءات وصايتها، وتقوم بالتقديم لها بالمدرسة لتكمل تعليمها. أما أي شيء آخر يخصها فاتركه لي. ولا تنسى أنها أصبحت وحيدة بهذا العالم، ليس لها سواك."
تأفف ليون بغضب، ثم استدار تاركاً إياها، وعاد ليكمل عمله، ثم أمر الخادمة أن ترشدها لغرفتها. ثم التفت قبل أن يبتعد، ووجه حديثه للمربية بصوت حاد قائلاً:
"لا أريدك أن ينتابك القلق، سوف أرسل بطلب المحامي لينهي إجراءات الوصاية، ومن الغد سأكلف أحد العاملين لدي ليبحث لها عن مدرسة مناسبة. لكن أريدك أن تنتبهي عليها، أن تلتزم بأوامره، وغير مسموح لها الاختلاط بالغرباء، وغير مسموح لها أيضاً الاقتراب من غرفة نومي أو غرفة مكتبي، وأن تلتزم الهدوء، ولا تكون مشاغبة، ولا تعاقبها أشد عقاب."
"حسناً، يمكنك أن ترافقها إلى غرفتها، وأنا سوف أرسل بطلب المحامي الخاص بي لإنهاء إجراءات الوصاية. أرجو أن تنبهي عليها ألا تخالف أوامري حتى لا أضطر إلى معاقبتها." المربية: "لا تقلق سيدي، سوف أتحدث معها، وتأكد أنها لن تخالف أبداً أوامرك، وستكون فتاة مطيعة."
حين ذهبت لارا مع مربيتها للغرفة التي خصصها لها ليون، أخذت لارا تتأمل الغرفة بفرح شديد. لقد كان أثاثها فخم، لكن يسيطر عليها جو من الكآبة. الستائر ذات لون غامق، وتبدو لمن يراها للوهلة الأولى سجن انفرادي، وليست غرفة نوم. والنوافذ تبدو كأنها لم تفتح من زمن طويل. استدارت لارا لمربيتها لتحدثها قائلة، وهي تدبدب بقدمها بالأرض بتذمر: "ماذا يظن نفسه ذلك ليون؟
منذ أن شاهدنا، وهو لا يتوقف عن إصدار الأوامر. أقسم أنني لن أنصاع لأوامره مهما فعل، ثم إنني لست بطفلة صغيرة، أنا عمري خمسة عشرة عام." مربيتها وتدعى مارى، بحب، وهي تضمها لصدرها بحب أمومي: "طفلتي المشاكسة، يجب أن تتبعي أوامره حتى لا يغضب عليك ويعاقبك. مزاجه حاد دائماً، وأنا أخشى عليك من أن يعاقبك." لارا:
"لكن مظهره يثير الرعب في نفسي كلما شاهدته. إنه يشبه شيطاناً يريد أن ينقض على فريسته، لكن لن أستسلم لسيطرته، وسوف أتغلب على الشعور بالخوف الذي يعتريني عندما أكون بحضرته." مارى: "ليكن بعلمك أني قد حذرتك يا طفلتي المشاكسة، وأعتقد أنك لن تتراجعي حتى يعاقبك."
ذهب ليون لغرفة مكتبه، وهو يستند على عكازه. دلف إلى الغرفة، ثم حين أصبح بداخلها، جاهداً ليصل إلى الأريكة، وحين أصبح قريباً منها، ترك عكازه، واستلقى عليها لينال بعض الراحة، وحتى يقوم بمد قدمه قليلاً، حتى يستطيع أن يعود بعد قليل لمتابعة عمله. ثم أمسك هاتفه، وطلب رقم المحامي الخاص به، وطلب منه أن يتحرى عن أملاك عمه، وأن يأتي له بأوراق الوصاية من أجل أن يقوم بإجراءات الوصاية على ابنة عمه.
ثم بعد أن نال قسطاً من الراحة، سمع صوت طرقات على باب مكتبه، فاعتدل، وجلس على الأريكة، ثم أمر الطارق بالدخول. دلت الخادمة إلى الغرفة، ثم تحدثت إليه قائلة: "سيدي، جئت لأخبرك أن الغداء جاهز." ليون: "حسناً، ابعثي أحد الخدم لينادي لتلك الفتاة ليخبرها أن تأتي لتناول الطعام." الخادمة: "أمرك سيدي، سوف أرسل لها أحد الخدم." نهض ليون، ثم أمسك عكازه، وذهب لغرفته ليبدل ملابسه، ويغتسل قبل أن يعود لتناول الطعام.
صعد السلم بصعوبة شديدة، ثم وصل إلى غرفته، دلف إليها، ثم ذهب للمرحاض ليغتسل، ثم ارتدى ملابسه، وهبط إلى أسفل متجهاً إلى غرفة الطعام. جلس على رأس المائدة. بعد قليل، تقدمت لارا، وهي ترتجف من شدة خوفها منه. كانت تهابه منذ اللقاء الأول، فهو دائماً متجهم الوجه، وتخشى لو يعاقبها لو أخطأت بأي شيء. تقدمت ببطء من المائدة، وجلست، وحاولت أن تتظاهر بالثبات رغم أنها ترتجف من الخوف لمجرد شعورها أنه قريب منها.
انتهت الخادمة من وضع الطعام، ثم انصرفت. بدأ ليون يتناول طعامه بصمت، وهو يرمق لارا من وقت لآخر بنظرات نارية. أما لارا، فكانت يدها ترتجف من شدة خوفها منه. وما أن همت برفع الملعقة إلى فمها من شدة ارتجاف يديها، سقطت الملعقة من يدها لتصدر ضجة كبيرة. مما أغضب ليون بشدة، يرمقها بنظرات نارية، ثم صاح بها بغضب قائلاً: "أنتِ أيتها الفتاة، ألم تتعلمي كيف تمسكين بالملعقة؟ هل أنت بلهاء؟ هل أنت طفلة تحتاجين لمن يطعمك بفمك؟
غضبت بشدة لارا من صياحه الغاضب عليها، فتركت الطاولة وفرت هاربة، تركض لغرفتها، وهي تبكي بقهرة من معاملته الجافة لها. دلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها من الداخل. زفر ليون بغضب، ثم نهض تاركاً الطعام، متجهاً لغرفته لينال قسطاً من الراحة. المساء، خرجت لارا من غرفتها، وقررت أن تخرج إلى الحديقة عليها تتخلص من غضبها حين تجلس بالحديقة قليلاً.
نزعت حذائها من قدمها وأمسكتها بحذر، وتسللت ببطء شديد، وتمنت أن لا يراها أحد حتى تستطيع الخروج. أغمضت عينيها حين كادت تصل إلى الطابق الأرضي بسلام، وأخذت تبتهل إلى الله شاكرة. ثم تقدمت بخطوات بطيئة وهي تنظر إلى موقع خطواتها. ثم حين كادت تبلغ نهاية السلم، اصطدمت بجسم صلب أمامها، مما جعلها ترفع عينيها تطالعه بذعر شديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!