في يوم الرحلة في التاسعة مساءً، توجه أحمد مع ندي إلى منزل آدم، حيث سيقلهما أحمد بسيارته إلى محطة مصر لاستقلال القطار إلى الأقصر، ومن ثم تبدأ الرحلة النيلية من الأقصر إلى أسوان. ودعهم أحمد عند محطة القطار وانصرف بعد أن أوصى آدم فوق السبعين مرة على ندي، وأن يعاملها كأخته حتى يردها إليه مرة أخرى.
أمسكت ندي في يد آدم وتوجها يبحثان عن كراسيهما في القطار. سلمت ندي في طريقها على بعض من أصدقائها. لكن تغيرت ملامح وجه آدم عندما جاء أحد الشباب مقبلاً على ندي يصافحها. لكن مد آدم يده بدلاً عنها وسلم عليه وعرفه بنفسه. قال آدم باقتضاب وابتسامة صفراء اعتلت وجهه: أهلاً.. أنا آدم خطيبها. حسن: إزيك؟ إيه الأخبار؟ أنا حسن معاها في الكلية. نظر آدم إلى ندي ونيران الغيرة تطل من عينيه وهتف بصوت غير مسموع: ممم حسن.
استكمل حسن حديثه موجهاً كلامه لندي ومتجاهلاً آدم: إحنا قاعدين هنا يا ندي.. معانا فرح وجنى.. تحبي تيجي تقعدي معانا؟ ندي: لا شكراً، أنا وآدم الكراسي بتاعتنا قدام. حسن: عمتاً لو احتاجتي حاجة إحنا هنا. بلغت الغيرة مبلغها من آدم، فأردف وهو ينظر لحسن بنظرة تحذيرية: لأ شكراً، مش هتحتاج حاجة طول ما أنا موجود. انصرف حسن لصديقاته. جلس إلى جوار فرح وهتف في حنقه: دي رحلة لطلبة الجامعة، خطيبها جاي معاها يعمل إيه؟ نظرت
له فرح باستحقار وقالت: وإنت مالك؟ كل واحد حر على فكرة.. بعدين خطيبها بيخاف عليها. حسن: هناكلها يعني لما تيجي لوحدها؟ شعرت جنى بالغيرة من اهتمام حسن بندي فردت عليه بحدة: إنت مالك ومالها؟ مركز معاها ليه؟ حسن: خلاص اسكتي اسكتي. شعر آدم بالضيق والغيرة على ندي، فما إن جلست إلى جواره حتى تحدث بغضب. أدم: بقي متعرفيش حسن ها؟ مش ده اللي اتصل بيكي قبل كده. ندي:
على فكرة أنا فعلاً معرفهوش، بس هو صاحب جنى وفرح وأنا مبطيقهوش.. وأول مرة كنت أعرف إن فيه حد في الدنيا اسمه حسن يوم ما اتصل بيا وإحنا سوا. أدم: على فكرة لو عايزة تروحي تقعدي معاهم اتفضلي. قالت ندي مطمئنة غيرته: أنا جاية الرحلة معاك إنت ومش عايزة أقعد غير معاك إنت.. ومش عيل صغير زي ده اللي يخليك تغير.. أنا مبمليش عيني غيرك. صمت آدم وضم كفيها بين راحتيه في حنان. هدأت كلماتها من روع غيرته قليلاً.
كان الطريق إلى الأقصر طويلاً ومرهقاً، فغفى آدم من شدة الإرهاق. استيقظ بعد ساعات لا يعلم عددها. فتح عينيه فوجد ندي تغفو ورأسها مسند على كتفه. كانت دقات قلبه تتصارع وهو ينظر لملامحها من ذلك القرب. كانت قريبة قرباً تروي مشاعره، ود لو طبع قبلة على جبينها، لكنه آثر نصيحة صديقه بألا يرتكب أي حماقة. وضع يده على خدها بحنان وهمس باسمها. فتحت ندي عينيها في كسل. أدم: مش حلو حد يشوفنا كده.. عدلي راسك يا حبي. تلملمت
ندي وقالت بصوت ناعس: الناس كلها نايمة وأنا رقبتي وجعتني. أدم: معلش يا حبيبتي استحملي. ابتسمت ندي وهي تبعد رأسها عن كتفه وتعتدل في جلستها. ابتسم آدم بدوره وهمس: شكلك حلو وإنتي نايمة. رفعت ندي حاجبها مستنكرة وقالت بسخرية: علشان كده صحيتني؟! أدم: مش عايز حد يشوف حلاوتك غيري وده حقي.. عارفة نفسي لو كنت أقدر أحبسك في أوضة متشوفيش حد ولا حد يشوفك غيري أنا بس. هتفت ندي بدلال: أخس عليك يا دومي عايز تحبسني؟ هو ده الحب؟ أدم:
هو إنت لو عندك جوهرة غالية هتسيبيها للي رايح واللي جاي يشوفها ولا هتهتمي بيها وتبعديها عن الناس وتخافي حتى إن حد يجرحها بعينيه. ابتسمت ندي بخجل، فاحمرت وجنتاها. أدم: طيب بذمتك ينفع الخدود الحمرا دي حد غيري يشوفها. ندي: بس بقي يا أدم. أدم: ما طول ما إنتي بتحلوي كده بتغريني أقول أكتر. ندي: بس بقي يا أدم حد يسمعنا. ضحك آدم بخفة: دلوقتي حد يسمعنا مش من شوية كلهم كانوا نايمين. ندي: خلاص بقي.
وقف آدم ولا يزال يبتسم لمنظر ندي ووجنتيها الحمر التي تعصف بروحه وقلبه وقال: أنا هاروح أشوف حد بيعمل قهوة ولما أرجع نشوف الموضوع ده.. تحبي أجيبلك معايا؟ ندي: إنت عارف مش بشرب قهوة. أدم: مش عايزة حاجة تانية؟ هزت ندي رأسها بالنفي. بعد دقائق عاد آدم يحمل كوباً من القهوة. ندي: اتأخرت ليه؟ أدم: الراجل في آخر القطر حرفياً. ابتسمت ندي: حلوة القهوة؟ عقد آدم حاجبيه وقال: أوحش قهوة دقتها في حياتي. ضحكت ندي: طيب بتشربها ليه؟
ابتسم آدم وهمس لها: علشان عاوز أفوقلك. ندي: وده مدح ولا ذم؟ أدم: مدح يا نوني طبعاً. ابتسمت ندي، فأردف آدم: عمتاً إحنا خلاص داخلين المحطة أهو.. حمد الله على السلامة يا حبي. ندي: الله يسلمك. دقائق وكانوا قد وصلوا إلى الباخرة الراقدة على ضفاف النيل. كانت المناظر من حولهم خلابة تأخذهم إلى عالم من السحر والجمال. وزينت البواخر ضفاف النيل ومن خلفهم تظهر الجبال وهي تحتضن المسطحات الخضراء والنيل بين ذراعيها.
انطلقت السفينة تشق مياه النيل بهدوء، ضوء الشمس ينعكس على سطح الماء فتلألأت، والهواء العليل يلف المكان بحميمية. جلس آدم يحتسي قهوته ويستمتع بالمناظر الخلابة، حين اقتربت ندي منه بهدوء. ابتسم لها آدم ما إن شعر بوجودها وقال: حطيتي شنطك في الأوضة؟ ندي: آه خلاص.. هاقعد مع فرح في نفس الأوضة.. قريبة من أوضتك على فكرة. أدم: تفتكري دي صدفة.. اتفقت مع الولد اللي في الريسبشن طبعاً. ضحكت ندي: مفيش حاجة بتعدي عليك أبداً. ابتسم لها
آدم وهو ينظر لعيونها بحب: أبداً. ندي: يلا علشان نتغدى أنا جعانة أوي. أدم: أخلص القهوة حاضر ونروح. ندي: حلوة القهوة دي عن بتاعت القطر؟ أدم: بكتير.. تحبي تجربي؟ هزت ندي رأسها بإيجاب. أدم: بس إنتي مبتشربيش قهوة. ندي: أنا عمري ما دُقت طعمها قبل كده.. ماما الله يرحمها دايماً كانت تقولي عيب البنت تشرب قهوة.. بعدين أنا ملاحظة إنك بتحبها أوي. أدم: تحبي أطلب لك واحدة؟
نظرت له ندي بعينيها العسلية التي انعكس عليها ضوء الشمس فأضحت ساحرة وهمست بعينين يملؤهما الحب: لأ.. أنا عايزة أشرب القهوة اللي إنت بتشرب منها. ناولها آدم فنجان القهوة فارتشفت منه رشفة صغيرة وناولته الفنجان مرة أخرى. أدم: عجبتك؟ أومأت رأسها بإيجاب: حلوة. ابتسم آدم وهو يقول: إنتي عارفة أمي بتقول اللي تشرب من فنجان واحد تجري وراه. رفعت ندي حاجبها وقالت: هو أنا محتاجة أجري وراك يا أدم؟ اقترب منها آدم وهمس:
أنا اللي جريت وراكي يا نوني.. ثم تنهد وهو يقول: آه لو تعرفي أنا طلبت إيدك كام مرة من أحمد وهو يرفض. صاحت ندي بدهشة: بس أحمد عمره ما قالي.. هو قالي بس يوم الحادثة. أدم: أنا حاسس إنه كان خايف يقولك فتوافقي.. بس إنتي عمرك ما قولتيلي وافقتي تتجوزيني ليه؟ أشاحت ندي بنظرها عن عيني آدم، فشعرت أن عينيه تخترقها وهمست: تفتكر ليه؟ أدم: يعني ليه أنا مش أي حد تاني؟ اعتري ندي الخجل واحمرت وجنتاها وهمست:
بصراحة لما كنت بتيجي البيت وبشوفك مع أحمد كنت معجبة بيك. أدم: مجبتيش على سؤالي. سرحت ندي في الأفق الممتد أمامها وقالت: قلوبنا مش بإيدينا يا أدم.. مش بنختار حد ونقول هو ده اللي أنا هأحبه وأعجب بيه.. فجأة وبدون مقدمات كده بتلاقي حاجة بتشدك للي قدامك وإنت مش عارف إيه هي ولا علشان إيه......
أقولك على سر.. لما كنت بتيجي عند أحمد البيت، أنا كنت بأقف في البلكونة بس علشان أشوفك وإنت خارج من البيت وبتركب عربيتك.. المشاعر يا أدم مفيهاش ليه. ابتسم آدم لكلامها وهمس: عندك حق.. قوليلي إيه أكتر حاجة بتحبيها فيا؟ ندي: اممم... حنيتك.. وإنت إيه أكتر حاجة بتحبها فيا؟ أدم: براءتك... بس أنا أول مرة أعرف موضوع إنك كنتي بتبصي عليا وأنا مش واخد بالي ده، مكناش بنتكلم يعني وقتها كانت إيه أكتر حاجة كانت بتشدك ليا؟
عضت ندي على شفتيها خجلاً: إنت عارف.. أنا بحب شكل دقنك أوي، أنا فاكرة لما كنت بتحلقها كان بيبقى نفسي أقولك متعملش كده تاني. مرر آدم أصابعه بين شعيرات ذقنه: وأنا أكتر حاجة بحبها فيكي عينيكي. ندي: لسة عايزني أشرب من فنجانك علشان أجري وراك؟ قال آدم بمكر وهو يغمز لها: القهوة دي أنواع كتيرة وحظك أنا بحبها كلها.. بعد الغدا بقي بحب أشرب قهوة باللبن. ابتسمت له وهي تقول: ماشي يا أدم بعد الغدا أجرب قهوة باللبن معاك...
يلا بقي نروح ناكل علشان أنا جعانة أوي.. كمان علشان نلحق، هنروح معبد الكرنك بعد الغدا. ضحك آدم: لأ قصدك بعد القهوة. جذبته ندي من يديه: يلااا بقي بجد جعانة.
انطلقا إلى الغذاء ومن بعدها ذهبا إلى معبد الكرنك. كانا مأخوذين بجمال وعظمة وعراقة التماثيل الفرعونية، والتي تحمل كل منها قصة ومعنى، أخذ يشرح لهم المرشد عن أسباب بناء المعبد وإلى ماذا يرمز كل تمثال فيه. كانت الشمس على غير المتوقع في هذا الوقت من الشتاء حارة من فوق رؤوسهم. كانت حماسة ندي تنسي آدم أي تعب يشعر به.
عادا مرة أخرى إلى الباخرة وبدأ آدم يشعر بالإرهاق والصداع، فاستأذن من ندي أن يذهب ليرتاح قليلاً في غرفته على أن يتقابلا على العشاء.
وقبل أن تخرج ندي من حجرتها للعشاء اتصلت بآدم فلم يجيبها. انتظرت قليلاً عساه يعاود الاتصال بها كعادته، لكنه لم يفعل. ظنت أنه لا يزال نائماً. تعلم عنه تلك العادة التي تكرهها كثيراً، يضع هاتفه على وضع الصامت حين ينام حيث أنه يستيقظ من أقل صوت بجانبه. عاودت الاتصال به مراراً وتكراراً لم يجب. بدأ القلق يتسلل إلى قلبها، لكن صديقتها فرح طمأنتها أنه ربما يكون لا يزال نائماً. قررت ندي أن تخرج إلى حجرة آدم وتطرق الباب لعلها توقظه. فعلت لكنها لم تجد أي استجابة منه. طرقت الباب عدة مرات أخرى لكنه لم يجب. بدأ القلق يعتري ندي، حاولت صديقتها فرح أن تطمئنها وهما لا يزالان واقفين أمام باب غرفة آدم.
هتفت فرح: يمكن سبقك على المطعم تعالي نروح نشوفه هناك. ندي: بس أنا عارفة آدم مش هيروح من غيري. فرح: يمكن يا ستي بلاش قلق تعالي نروح نشوفه. انطلقا إلى المطعم. جالت ندي بنظرها بين الحاضرين فلم تجده. ساورها القلق أكثر. قررت أن تعود هي وفرح إلى حجرة آدم مرة أخرى وطرقت الباب لكنه لم يجب. صاحت ندي بقلق: أعمل إيه يا فرح أنا قلقت عليه أوي.. خايفة يكون تعبان. فرح: جربي تطلبي من الريسيبشن يفتح لك أوضته. ندي: تفتكري هيرضوا؟ فرح:
اشرحي لهم الظرف يمكن يرضوا.. تعالي بس نتعشى وبعدين اعملي كده. هتفت ندي بقلق: لأ روحي إنتي أنا مليش نفس.. هاشوف آدم الأول.
ذهبت ندي إلى موظف الاستقبال وشرحت له الأمر وطلبت منه أن يأتي معها ويفتح حجرة آدم للاطمئنان عليه. تفهم الموظف الوضع ووافق أن يفتح لها حجرة آدم. توجه معها إلى الحجرة وفتح بابها، دلفت ندي تبحث عن آدم. وجدته مستلقياً على سريره عاري الصدر يهذي ومحموم. هالها منظره اقتربت منه ببطء ووضعت يدها على جبينه، لم تستحمل حرارة جسده لثوانٍ معدودة. توجهت إلى موظف الاستقبال الذي لا يزال يقف عند باب الحجرة صارخة: مفيش دكتور هنا؟
ده تعبان أوي وحرارته عالية. موظف الاستقبال: حاضر يا فندم هابعت لحضرتك الدكتور حالاً. قال كلماته وانصرف لإحضار الطبيب. بينما عادت ندي مرة أخرى إلى جوار سرير آدم وهتفت باسمه عسى أن ينتبه لوجودها. لكنه كان لا يزال يهذي ويهمهم. دقائق وكان الطبيب يدلف إلى الحجرة مع موظف الاستقبال. الطبيب: هو إيه اللي حصله؟ هتفت ندي بقلق واضح على ملامحها:
معرفش هو لما رجعنا كان بيقول إنه مصدع وعايز ينام بس حاولت أصحيه كتير مبيصحاش وحرارته عالية. كشف الطبيب على آدم ثم توجه لندي بنظره وقال: عنده ضربة شمس.. محتاج تعملي له كمادات ويفضل دوش ساقع بس لو مش قادر يقوم ممكن ترشي على جسمه مايه ساقعة علشان تنزل الحرارة ويشرب مايه وسوائل كتير. ثم فتح حقيبته وأخرج منها أدوية وناولها لندي:
اديله من الدوا ده دلوقتي قرص وواحد الصبح والدوا التاني ده اديله قرص كل 12 ساعة.. بس أهم حاجة تنزلي الحرارة. ثم توجه بكلامه لموظف الاستقبال: ممكن تجيب لها بخاخ مايه وقطع تلج.
انصرف الطبيب وتبعه موظف الاستقبال وبعد لحظات عاد ومعه بخاخ المياه والثلج. تناولته منه ندي وشكرته. وانصرف وبقيت ندي ممسكة بالباب في تردد. تخشى أن تترك الباب مفتوحاً فيراها أحد زملاءها في غرفة آدم. أم تغلق الباب وتكون هي وهو وحدهما في غرفته. كانت في حيرة من أمرها حسمتها مجرد أن رأت إحدى صديقاتها في الجامعة في بداية الممر المؤدي إلى الغرف فأسرعت بإغلاق الباب.
توجهت حيث فراش آدم وبدأت في عمل الكمادات له. رفعت رأسه قليلاً في محاولة لإعطائه كوباً من الماء كتعليمات الطبيب، لكنه وجدته يهتف في هذيانه "بحبك". ابتسمت ندي رغماً عن دموعها المنسابة على خدها. وعادت لوضع تلك الفوطة الصغيرة المحملة بالثلج على جبينه الساخن.
دقت النظر في ملامحه المستكينة في ضعف. وجنتيه التي احمرا بفعل الحرارة، تقاطيع وجهه الحادة المنمقة. شعره المجعد، لحيته التي تعشق، ثم توجهت بنظرها إلى صدره العاري الذي يغزوه الشعر، ثم وقعت عيناها على أثر ذلك الجرح الطولي ببطنه من أثر العملية الجراحية. شعرت بالألم يملأها ما إن رأته ولم تستطع أن تكبح رغبتها فمدت يدها وتحسسته بلطف، انتفض جسده أثر لمستها، فأبعدت يديها مسرعة، لكنه كان لا يزال في حالة الإغماء.
ظلت ندي إلى جواره حتى الصباح تقوم بعمل الكمادات على جبينه، حتى هدأت حرارته وعادت إلى طبيعتها. ومن الحين للآخر ترفع رأسه وتعطيه قليلاً من الماء. حتى غفت رغماً عنها على إحدى المقاعد بجوار فراشه.
فتح آدم جفونه في صعوبة وكأن ثقلاً معلقاً بأهدابه. لازال رأسه يؤلمه وتخونه قواه العضلية. يرفض جسده أن يستجيب له. دار بعينيه في كل ما حوله محاولاً إدراك أين هو وماذا حدث. حتى وقعت عيناه على ندي النائمة على المقعد بجواره. هتف باسمها بصوت ناعس ضعيف، فاستيقظت فزعة ظناً منها أنه عادت إليه الحرارة وعاد إلى هذيانه مرة أخرى. اعتدل آدم محاولاً الجلوس وقال متعجباً بصوت ضعيف: ندي... إنتي دخلتي هنا إزاي؟ أسرعت ندي إليه بلهفة:
آدم إنت فوقت أخيراً.. إنت كويس؟ أدم: حاسس بس إن راسي تقيلة.. هو إيه حصل؟ ندي: جاتلك ضربة شمس امبارح. فزع آدم: امبارح!!! يعني أنا نايم من امبارح؟ ندي: آه يا حبيبي كنت تعبان أوي... لما لقيتك مبتردش من امبارح كلمت الريسيبشن وفتحولي الباب، ولما لقيتك تعبان كده جبت الدكتور وهو اللي قال إن عندك ضربة شمس ولازم تشرب سوايل كتير وكمادات فا قعدت جنبك وعملتلك كمادات طول الليل.
أدرك آدم أنه كعادته ينام عاري الصدر ولا يزال على تلك الهيئة. تحامل على نفسه وقام من فراشه وارتدى أول قميص قطني وجده في حقيبة سفره. قال في عدم فهم وهو يرتدي ملابسه: يعني إنتي هنا من امبارح يا ندي؟ ردت عليه ندي ببراءتها المعهودة: آه.... يعني كنت عايزني أسيبك وإنت في الحالة دي؟ اعتري آدم الغضب وصاح: إنتي مجنونة يا ندي إزاي تعملي كده؟ لما الناس تعرف إنك بايتة عندي في الأوضة هيقولوا عنك إيه؟
لما صاحبتك تعرف إنك منمتيش في سريرك امبارح عارفة هتبصلك إزاي؟ وضع رأسه بين كفيه وأردف بانكسار: لو حد شافك وإنتي خارجة من أوضتي دلوقتي هيبقي شكلك إيه؟ كنتي بتفكري في إيه لما عملتي كده؟ انسابت دموع ندي على خديها وردت عليه بانفعال: مكنتش بفكر يا أدم... كل اللي كنت بفكر فيه إني قلقانة عليك.. وعمري ما كنت هاسيبك وإنت في الحالة دي وإحنا في وسط النيل مفيش مستشفى أو حاجة ممكن تسعفك... مكنش في غيري كنت عايزني أسيبك؟
على قدر العصبية التي كان يشعر بها آدم من فعل ندي، إلا أنه كان يخشى عليها من عواقب أفعالها. كان يستمع لكلماتها وهو منكس الرأس ثم قال بضعف: كنتي سيبني أموت ولا إن حد يمسك بكلمة أو يظن فيكي ظن سوء. قالت ندي من بين دموعها: بعد الشر عليك يا أدم.. محدش يقدر يقول عليا حاجة.. ولو على فرح هي عارفة إنك تعبان وكانت معايا وأنا قلقانة وبادور عليك لما مرديتش عليا...
ولو إنت متضايق من وجودي أنا هاخرج، ومتخافش هما كلهم اتحركوا راحوا البر الغربي محدش هيشوفني لما أخرج. رفع آدم رأسه من بين راحتيه وقال بحزن: دلوقتي كلهم هياخدوا بالهم إن إحنا الاتنين مش معاهم. هتفت ندي بحدة: أنا آسفة يا أدم أنا هاخرج دلوقتي.... بس على فكرة أحمد كلمك كتير جداً طول الليل.. هو كلمني أكتر من مرة وسأل عليك وأنا قلت له إنك تعبان وقلت هتنام.
قالت ندي كلماتها الأخيرة وفتحت الباب وانصرفت في هدوء. ظل آدم يفكر كيف كان بهذه القسوة معها بعد أن سهرت طوال الليل تمرضه. أخذ حماماً سريعاً ليقلل من حرارته التي بدأت في الازدياد مرة أخرى وتناول قرصاً من الدواء خافض للحرارة، وقرر أن يعوض ندي عن أسلوبه معها، اتصل بها على هاتفها. لم تجب، أرسل لها رسالة نصية: "أنا مستنيكي في المطعم نفطر سوا، أنا عارف أكيد مأكلتيش حاجة من امبارح".
لم تجبه على رسالته، لكنه تلقى إشعاراً بأنها قرأت الرسالة. صعد إلى المطعم على سطح الباخرة وطلب قهوته كالمعتاد وجلس في انتظارها. رآها تصعد الدرج لسطح الباخرة بعد أقل من 5 دقائق، كان لا يزال يبدو على ملامحها الضيق وأثر البكاء. جلست إلى جواره في صمت دون أن تنطق حرفاً. همس آدم بضعف: أنا آسف.. شكراً على اللي عملتيه علشاني.. بس أنا كنت خايف عليكي وقولت الكلام البايخ اللي قولته من خوفي عليكي. نظرت له ندي بحب وقالت:
إنت حاسس بإيه دلوقتي؟ أحسن؟ أدم: مصدع شوية، إن شاء الله يروح الصداع بعد القهوة. ندي: إنت المفروض تاكل الأول قبل القهوة وأصلاً مش المفروض تشرب قهوة مفروض تشرب سوايل كتير. أدم: أعمل إيه ما إنتي سبتيني ومشيتي ومقولتليش التعليمات دي... عمتاً خلينا نفطر علشان منتأخرش. هتفت ندي في استغراب: نتأخر على إيه؟ أدم:
أنا سألت وقالوا لي الباخرة هتفضل واقفة لحد الساعة 6، وبما إني كنت السبب إنك تضيعي رحلة الصبح فا قولت لازم أعوضك ونخرج نتفسح أنا وإنتي لوحدنا. قالت ندي بحزم: لأ مش هنخرج إنت تعبان.. هتاكل كويس وتشرب مايه وسوايل كتير وتنام علشان تبقى أحسن مش هنخرج وتتعب أكتر، الدكتور قال امبارح لازم راحة. أدم: ما أنا نايم من امبارح، بعدين أنا قررت خلاص ومش هارجع في كلامي، وإنتي مفروض تسمعي كلامي ولا إيه؟ ندي:
هاسمع كلامك بس مش على حساب صحتك. نظر آدم لعيونها بحنان: سيبيني أ صالحك بطريقتي ومتنشفش دماغك. ابتسمت ندي: حاضر. هتف آدم بحماس: تفطري و10 دقايق بالظبط ألاقيكي قدام باب أوضتي اتفقنا. تناولا الإفطار، واستعدت ندي في عجالة وتوجهت إلى غرفة آدم الذي كان مستعداً من البداية. توجها معاً إلى الاستقبال حيث هتف موظف الاستقبال حين رأى آدم مقبلاً: العربية مستنية بره يا أستاذ آدم. ندي: هنروح فين؟ أدم: هتبقى مفاجأة إزاي لو قولتلك.
انطلقت السيارة وسط الطرق، وآدم وندي يستمتعان بجمال المدينة. دقائق ووقفت السيارة على هضبة، وكان المنظر يأسر اللب حيث تتطاير المناطيد الهوائية في السماء، والبعض منها كان لا يزال على الأرض يستعد للصعود إلى عنان السماء. كان المنظر يبدو وكأنه مشهد من فيلم رومانسي. أمسك آدم بيد ندي وساعدها للصعود إلى إحدى المناطيد، ودلف خلفها. همس آدم وهو ينظر لها بعينين لامعتين: عجبتك المفاجأة؟ ابتسمت ندي بسعادة كطفلة صغيرة وصاحت: أوي.
ابتسم آدم وهمس بحب: لسة زعلانه مني؟ ندي: أنا مكنتش زعلانه، بس مكنش ده رد الفعل اللي مستنياه منك إنك توبخني بدل ما تقولي شكراً.. إنت مش عارف أنا كنت هاتجنن عليك إزاي طول الليل وإنت تعبان. أدم: وإنتي مش عارفة أنا باتجنن عليكي إزاي كل يوم وأنا شايفك قدامي ومش معايا. ابتسمت ندي واحمرت وجنتاها من الحياء. وراحت تنظر في الأفق مع آدم لتلك المناظر الطبيعية التي أسرت روحيهما.
أما في المطعم، جلس حسن مع فرح وجنى وبعض من الأصدقاء. هتف حسن موجهاً كلامه لفرح: أمال صاحبتك العروسة فين؟ ردت فرح باقتضاب: معرفش. هتف حسن بخبث: مش شفناها من امبارح ولا نزلت معانا الصبح ودلوقتي مش هنا. احمر وجه جنى من الغيرة وصاحت: إنت مركز معاها كده ليه؟ مالك ومالها. حسن: أصلها يعني عاملة نفسها خضرا الشريفة وهي.... قاطعه فرح بعصبية: اخرس قطع لسانك أو إوعى تقول نص كلمة على ندي. حسن:
والله أبقى اسألي صاحبتك كانت فين امبارح وبتعمل إيه؟ جنى: إيه الكلام اللي إنت بتقوله ده. حسن: أنا مبقولش كلام أنا شفتها داخلة أوضة خطيبها امبارح بالليل وبتقفل الباب وراها. صاحت فرح: إنت حيوان وغبي ومش فاهم حاجة، ندي دي أحسن واحدة فينا وإنت بتقول الكلام ده علشان إنت غيران علشان مدلكش وش ومبتعبركش. تعجبت جنى وهي تنظر لفرح: هي فعلاً منامتش في الأوضة يا فرح؟ فرح:
أنا مش هارد عليكوا، حتى إنتي يا جنى، أنا كنت فاكرة إني صاحبتها، تصدقي اللي بيقوله الحيوان ده عليها. قالت فرح كلماتها وانصرفت عائدة إلى غرفتها. وجدت ندي قد عادت. فهمست لها بعتاب: ندي إنتي كنتي فين من امبارح؟ ندي: آدم كان تعبان أوي يا فرح مش إنتي كنتي معايا.... الدكتور قالي لازم أفضل أعمله كمادات لحد الحرارة ما تنزل، فضلت قاعدة أعمله كمادات لحد الصبح على ما فاق. فرح: ومن الصبح كنتي فين؟ اعتري الضيق ملامح ندي من
أسئلة فرح المستمرة وصاحت: هو في إيه يا فرح، هو تحقيق؟ خرجنا اتمشينا شوية ورجعنا. فرح: مش تحقيق بس أنا خايفة عليكي، الناس بتتكلم. لم تفهم ندي كلمات فرح فأردفت مستأصلة: بتتكلم على إيه؟ هتفت فرح بارتباك: يعني كله بيقول هي ليه جايبة خاطبها معاها.. هو موجود بصفته إيه... يعني إنتي عارفة كلام الناس بيبقى رخيم. صاحت ندي: هما مالهم أصلاً.... اللي بيتكلم قول له ييجي يعيش حياتي...
أنا مليش في الدنيا دي كلها غير أحمد وآدم، مستكترنهم عليا كمان. فرح: متزعليش نفسك يا ندي.... أنا عارفة اللي إنتي بتمري بيه، وأي حد بيقول عليكي نص كلمة إنتي عارفة إني في ضهرك وبادرد على أي كلب يتكلم... المهم تعالي ارتاحي شوية إنتي شكلك مرهق أوي. ندي: فعلاً منمتش من امبارح. فرح: طيب يلا هاسيبك تنامي وأصحيكي ننزل سوا.... علشان في حفلة بالليل بعد العشا. ندي: ماشي.
غفت ندي واستيقظت على ميعاد العشاء. راسلت آدم لتلاقيه عند باب حجرتها حيث أنها في الطريق إلى المطعم. تناولا طعامهما سريعاً وتوجها إلى الحفلة لكن استوقفهما حسن وجنى في طريقهما إلى الحفلة. قال حسن بتهكم: يارب تكونوا انبسطتوا وإنتوا لوحدكوا، أصلنا مشفناكوش من امبارح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!