بينما علي كان يستعد للقاء سارة، فقد اتفقا على اللقاء في إحدى المطاعم الشهيرة. وقف علي أمام المرآة وهو ينظر إلى نفسه في تفاخر وإعجاب. وسيم ويعلم ذلك، تتهافت الفتيات على التقرب منه، مما يزيد إعجابه بنفسه. يعلم أنه إذا أراد أي فتاة حصل عليها، مما يجعله يزهد في فكرة الزواج والارتباط الأبدي. دائما ما يردد "واقطف وردة واحدة ليه لما ممكن أفضل قاعد في الجنينة عمري كله".
لكن سارة لم تكن كأي "وردة" قابله من قبل. بسيطة، رقيقة، لكنها في نفس الوقت جريئة. تتحدث بحرية بلا أي تصنع أو تكلف. محجبة، لكنها في نفس الوقت ليست متزمتة. مدللة، لكنها ليست فاسدة. هي الشيء ونقيضه، وربما هذا ما كان يجذب علي لها. حين اقتربت من الطاولة التي يجلس عليها، ابتسم لها ابتسامة واسعة وهمس: أنتي وحشتيني. ابتسمت سارة وقد احمرت وجنتيها، لكنها قالت بمرح: هو إيه اللي وحشتيني؟
هو إحنا اتقابلنا كام مرة أصلاً علشان أوحشك؟ بعدين مش إحنا بنتكلم كل يوم يبقى وحشتك إزاي؟ رفع علي كفيه باستسلام ورد ضاحكًا: إيه ده كله؟ ده أنا بقولك وحشتيني، هو أنا بقولك بحبك؟ رفعت سارة حاجبها وقالت بحدة مفتعلة: هو أنا هاسيبك تقولي بحبك؟ ابتسم بثقة وهتف: وإيه المشكلة بقى؟ سارة: لأ مشكلة ومشكلة كبيرة كمان. إحنا صحاب أه، تحبني وأحبك وتقولي نتجوز والكلام ده لأ. رفع حاجبه وقد بدا على ملامحه الإعجاب بها وقال: يا سلام.
هتفت بثقة ممزوجة بالدلال: أيوه طبعًا. هو أنا هاتجوز أي حد كده. غمز بعينيه بثقة وقال: إيه يا بنتي ده؟ هو انتي تطولي أصلًا؟ رفعت حاجبها بتحدي وهتفت: لأ عادي أطول، ميغركش إني أقصر منك. ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره وقال: هو انتي هتفضلي تتلامضي كده؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها وهتفت بثقة: آه، عندك مانع؟ لو زهقت قوم امشي. نظر علي إلى عمق عينيها وهمس: عاوزاني امشي؟ هتفت سارة بلهفة لم تستطع أن تخفيها: لأ...
بس لو انت عاوز تمشي اتفضل. أبتسم بثقة: لأ وأنا مش عاوز أمشي. حاولت أن تتصنع سارة الثقة والغرور مثله وهتفت بتحدي بدا واضحًا على نبرة صوتها: أنا مبيفرقش معايا على فكرة. ضحك علي: لأ ما هو واضح. سارة: لأ أنا باتكلم بجد. أنا مش فارق معايا موضوع الجواز ده ولا بفكر فيه أصلًا. تعجب علي من حديثها وقال بجدية ممتزجة بالمزاح: هو انتي شايفة إني بقولك هاتي رقم بابا؟
أنا كمان مش عاوز أتجوز على فكرة، أنا عاوز أنبسط في الدنيا دي. وبصراحة الستات بعد الجواز بيتحولوا، بيبقوا نكدية بعد ما كانت لذيذة، وتزيدلها 20 كيلو كده وتضرب البوز 24 ساعة. سارة: أنا كمان عاوزة أنبسط. ومحدش يقولي جيتي إمتى، لا متنزليش، ويخنقني. ومش الستات بس اللي وزنها بيزيد بعد الجواز، الرجالة كرشها بيضرب والقرعة بتظهر وبيبقى منظر صعب أووي. رفع علي حاجبيه بمشاكسة وقال: هو كل كلمة ليها رد عندك؟ مفيش كلمة تعديها كده؟
ابتسمت سارة بثقة وهتفت: هو انت مش عاوزني أرد على كلامك؟ أكيد كل كلمة هتقولها ليها رد. ضحك علي بخفة ولمعت عيناه وهو يهتف: لمضة أوووي. بقولك إيه، أنا هاخرج مع أصحابي الويك إند الجاي، هنكون جروب كبير وكده، تحبي تيجي معايا؟ سارة: آه، هي بتبتدي بعاوز أعرفك على صحابي وبتنتهي بماما عاوزة تشوفك. ذم علي شفتيه: أنا غلطان، مش عاوزك تيجي معايا. أسرعت سارة تهتف: خلاص خلاص هاجي. بس صحابك لذاذ كده ولا هيخنقوني؟ ابتسم علي بثقة وهتف:
لأ هتحبيهم أوي. هكذا كانت كل أحاديث علي وسارة، بين الجذب والشد. كان جل ما يعجبه فيها هي آراء سارة الصريحة والواضحة، تعبيرها عن آرائها بكل حرية. بينما في منزل خالد لم تكن الأحوال أفضلها. فبعد زواجه من يارا ازدادت المشاكل بينهم، خاصة بعد رفض يارا التام للإنجاب. فهي على حد قولها لا يمكنها تحمل مسؤولية طفل، بينما خالد يتوق لأن ينجب طفلاً من صلبه. أليس البنون زينة الحياة الدنيا؟ كيف يحرم نفسه من هذه الزينة؟
أليسوا الأطفال أحباب الله؟ كيف لا يحبهم هو؟ وحين اجتمع على العشاء خالد ويارا لأول مرة منذ أسبوع، كان مليئًا بالمشاحنات والمشادات بينهما. همست يارا وهي تمسك بكفيه الممدودة على الطاولة: خلاص يا حبيبي مش زعلان؟ ابتسم خالد بحب حقيقي وهتف: حبيبتي، انتي عارفة أنا مبزعلش منك. ممكن بس أضايق شوية لكن مبزعلش منك. رفعت يارا كفه إلى شفتيها تقبلها وهمست:
إحنا حياتنا حلوة كده يا حبيبي، مبسوطين مع بعض، بنخرج وقت ما بنحب ونرجع وقت ما بنحب، ليه دايما حاسس إن في حاجة ناقصاك؟ ابتلع خالد غصة في حلقه وقال بكسرة: علشان ناقصنا إن نبقى أسرة. هي دي سنة الحياة. ابتسمت يارا بحزن وهمست: برضه بتلف وترجع لموضوع الأطفال. إحنا حياتنا حلوة كده، لو جه أطفال صدقني حياتنا مع بعض هتبوظ. قال خالد بحدة:
ولو حياتنا فضلت كده برضه مش هتبقى أحسن حاجة. بعد 10 سنين ولا 15 سنة بعد ما نزهق من بعض، هنفضل وشنا في وش بعض كده العمر كله؟ همست يارا بعينين لامعتين من الحب: أنا عمري ما أزهق منك أبدًا. بعدين مش ممكن نجيب أطفال ويكونوا نقمة علينا؟ نخسر حبنا وحياتنا بسببهم؟ ليه موقف حياتنا بالمنظر ده؟ زفر خالد زفرة حارة وقال:
انتي أصلًا مش مهتمة باللي أنا مهتم بيه، ومش موقفة حياتك. انتي شغالة والبيزنس بتاعك كويس ومركزة في نجاحك الشخصي. صمت خالد للحظات ثم أردف بمرارة: هو انتي مش عاوزة تخلفي مني؟ لمعت دمعة في عين يارا وهمست وهي تشدد قبضتها على يد خالد: خالد، انت عارف لو في يوم من الأيام هبقى عاوزة طفل، فا مش عاوزة غيرك يكون باباه. عاوزاه يكون شبهك، حتة منك. نظر خالد لعمق عينيها وهو يتساءل: طيب إيه؟ هتفت يارا بنفاذ صبر:
خالد من فضلك كفاية كده. إحنا بقالنا 4 سنين بنتكلم في الموضوع ده بس. مفتكرش إننا عمرنا اتخانقنا على حاجة تانية. طب تعالي نتخانق على مصروف البيت، أهو من باب التجديد. صمت خالد في يأس، وكذلك يارا. كل منهما متأكد من حب الآخر، لكن كل منهما يتعجب في نفسه كيف لا يفهمه الآخر في ذلك الموضوع بالأخص. لا يكسر صمتهم سوى جرس هاتف خالد. نظر خالد إلى الهاتف المضيء باسم أحمد، وأجاب بفتور. أحمد: ألو. خالد: يا أبو حميد إزيك.
أحمد: الحمد لله تمام. بحاول أكون كويس. خالد: ليه؟ في إيه؟ ماما فيها حاجة؟ أحمد: لأ ماما الحمد لله وضعها مستقر. بقولك إيه أنا زهقان ما تيجي ننزل. خالد: والله جيت في وقتك، يلا بينا أنا قدامي نص ساعة وأكون عندك. أحمد: ماشي. أنا كلمت علي بس هو في السينما مع سارة، وأدم عنده شغل. خالد: طيب أنا هاعدي عليك. *** وفي إحدى المقاهي تقابل الصديقان، وكل منهما يحمل جبال من الآلام فوق ظهره.
هتف أحمد بضيق بعد أن أخذ نفس طويل وحار من سيجارته ثم حرر دخانها في السماء: أنا بفكر أطلق مريم. خالد: وأنا كمان. ابتسم أحمد بمرارة: انت كمان إيه؟ بتفكر تطلق مريم؟ تغيرت ملامح خالد إلى الجدية وقال بضيق بدا واضحًا على نبرة صوته: لأ، بفكر أطلق يارا. تعجب أحمد من كلام صديقه، فهتف مستفسرًا: ليه كده؟ انتوا بتحبوا بعض أوي، ولسة في بينكم حب وعشرة. قاطعه خالد: احكيلي انت الأول ليه عايز تطلق مراتك؟
تنهد أحمد بألم وأرتشف من كوب القهوة الموضوع أمامه وتنهد وقال: مبقتش أحبها خلاص. كرهتني فيها بأفعالها. عاوزاني ليها وبس 24 ساعة، مش مراعية ظروفي وظروف أهلي وأنا خلاص مبقتش قادر أستحمل. خالد: طيب ما تقعد وتتكلم معاها. أحمد: بقالي سنين باتكلم بس خلاص مبقاش في حاجة تانية تتقال. خالد: طيب أستخير وشوف هترتاح لإيه. تعلقت عيني أحمد بالفراغ أمامه وتحدث كما لو كان اتخذ قراره بالفعل:
أنا فعلاً صليت استخارة ولقيت نفسي مرتاح للطلاق. حاسس إني كده هعرف أركز أكتر في شغلي ومع أمي وأختي. كمان الحمد لله مفيش أطفال. خالد: ربنا يعملك اللي فيه الخير. هو معلش سؤال سخيف، هو انتوا مفكرتوش تجيبوا أطفال؟ أحمد: بصراحة لأ، كنا مأجلين. انت عارف ظروف الحياة وشغلي وشغلها مكنش هيبقي في وقت لأطفال. كمان لسة بدري. وأهو دلوقتي الحمد لله إننا متسرعناش. انت عارف جوازتي بمريم جت إزاي، ملحقناش نعرف بعض أوي.
اطلق خالد تنهيدة حارة: أهو ده بقي السبب اللي أنا عايز أطلق يارا عشانُه. رفع أحمد حاجبه وهتف: الأطفال؟ حرك خالد رأسه بيأس وقال بصوت مبحوح من الألم: رافضة الفكرة تمامًا. وأنا مش عارف ليه هي مصممة تحرمني من حقي إني أكون أب. حاسس إنها مبتحبنيش عشان كده رافضة يكون ليها أطفال مني. أحمد: متقولش كده. انت عارف ومتأكد إنها بتحبك. انتوا بقالكوا سنين بتحبوا بعض. صمت أحمد قليلاً، ثم أردف متسائلاً: طيب هي رافضة ليه؟
خالد: بتقولي مش هتتحمل مسؤولية طفل. أحمد: طيب ما تتكلم معاها بالراحة. هو كده كده انتوا لسة صغيرين، يعني حتى لو خلفتوا بعد 10 سنين تمام. هتف خالد بحدة من ثورة المشاعر بداخله: وليه نستنى 10 سنين؟ ليه منتمتعش بذريتنا وإحنا صغيرين ويبقى إحنا نقدر نربيهم ونخلي بالنا منهم. بس هي منشفة دماغها. أحمد: بصراحة أنا شايف إنه مش سبب إنكم تطلقوا. انت ممكن تسيبها شوية، تبعدوا عن بعض يمكن تعيدوا تفكير انتوا الاتنين.
حرك خالد رأسه مؤكدًا: ممكن أعمل كده فعلًا. يمكن لما نبعد شوية يبقى عندي قرار حاسم. سرح أحمد بتفكيره قليلاً، ثم هتف كما لو كان وجد فكرة عظيمة أضاءت في تفكيره: تعالى اقعد معايا في البيت. مريم سايبة البيت، وأنا قاعد لوحدي. عقد خالد حاجبيه وهتف: للدرجة دي المشاكل وصلت بينكم. أحمد: آه. هي مش قادرة حتى تتعامل بإنسانية مع أهلي. بفكر بكرة أروح أقابل باباها وأخلص الموضوع.
خالد: فكر تاني برضه. مش انت اللي أقنعتني أدي فرصة تانية لنفسي ول يارا؟ ادي نفسك فرصة انت كمان. قاطعه أحمد وهو يهتف بحدة: أنا أخدت قراري خلاص واديتها فرص كتير. تنهد خالد: ربنا يعمل الصالح. أنا كمان هاقعد مع يارا أسبوع كمان يمكن الدنيا تظبط. لو مظبطتش هاجي أقعد معاك. أحمد: بيتك يا صاحبي، تيجي أي وقت. هتجيب يارا معاك خروجة يوم الجمعة؟
خالد: مش عارف بفكر. انت عارف كده كده هي هتيجي، هي صاحبة الجروب كله. حتى كانت بتقولي في ناس من أصحابها هييجوا. أحمد: الله، ده أدم عامل حفلة بقى. خالد: انت عارف هو بيحب اللمة. وفعلاً بقالنا كتير متجمعناش كده. ده حتى علي قالي هيجيب سارة معاه، هتكون فرصة حلوة نتعرف عليها. أحمد: خلاص أشوفك الجمعة إن شاء الله. أنا يادوب الحق أروح عشان ماما عندها ميعاد عند الدكتور. خالد: تجب، أجي معاك؟ أحمد: تسلم يا صاحبي، يلا سلام.
خالد: سلام. انصرف أحمد وبقي خالد يفكر فيما عليه أن يفعل مع يارا. يعلم أنه يحبها، بل أنه يكاد يقسم أنه لم يحب سواها من نساء العالمين، ومتأكد من حبها له، لكن نقطة الخلاف الأبدية بينهما هي الأطفال. يتعجب تصرفاتها كثيرًا، فقبل زواجهما وحتى في أيام الخطوبة لطالما كانت تحلم مثله بقطيع من الأطفال يملأ عليهم المنزل، لكن تغير شعورها تمامًا بعد الزواج ولا يدري لذلك سببًا. ***
وفي يوم الجمعة كما هو متفق عليه، تجمع الأصدقاء. فقد اعتادوا أن يجتمعوا كل فترة مع زوجاتهم وأصدقائهم. وكان علي قد انتهز الفرصة لكي يعرف أصدقاءه على سارة. كان من بين الحضور هدى، صديقة يارا منذ الجامعة وتعمل معها في مركز التجميل الخاص بها، وبعض الأصدقاء المشتركين بين الشباب وزوجاتهم وبعض الأصدقاء القدامى. كان أول الحضور هما علي وسارة، فقد فضلا أن يأتيا مبكرًا فتتاح لهما الفرصة أن يجلسوا سويا قبل أن يأتي الجميع.
دارت سارة بعينيها في المكان، ثم استقرت عينيها على علي وقالت لمناكفته: أنا خايفة صحابك ميبقوش لذاذ كده ودمهم خفيف. ابتسم علي بثقة: صحابي لذاذ زيي بالظبط. هتفت سارة بمرح، وقد أطلقت ضحكة خفيفة: ما دي حاجة تخوف. تعلقت عيني علي بسارة لبرهة، ثم همس وهو يقترب منها ويسند بمرفقيه على الطاولة: هو إحنا هنقضي الوقت كله بنتكلم فيه على صحابي ولا إيه؟ هما هييجوا دلوقتي وهتشبعي كلام معاهم. رفعت سارة حاجبها بتحدي: أعمل إيه يعني؟
ابتسم علي وهمس بمداعبة: كلميني عن نفسك.. عننا.. قوليلي وحشتني. تدللت عليه سارة وهمست: لأ مش هقول حاجة. نظر علي إلى عمق عينيها وهمس: خلاص أقول أنا... أنا معجب بيكي جدًا. حاولت سارة إخفاء خجلها، لكن فضحتها وجنتيها التي ازدادت حمرتهم، وهتفت ممازحة لتخفي خجلها: إيه ده!! هو انت كل ده مكنتش معجب بيا؟ بقالنا شهرين نعرف بعض ومكنتش معجب بيا؟؟ عقد علي حاجبيه وهتف: لأ على فكرة مش ده الرد اللي كنت مستنيه خالص.
ابتسمت سارة بخفة وهمست: خلاص اعتبرني قلت الرد اللي انت كنت مستنيه. صاح علي بنفاذ صبر: ياربي، هو كل حاجة بلماضة كده؟ مستكبرة تقولي إنك معجبة بيا. أحمرت وجنتي سارة أكثر حتى بدت وكأنهما تحترقان، لكنها حافظت على هدوئها وقالت: لأ هي مش فكرة استكبار بس...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!