الفصل 5 | من 9 فصل

رواية تكسرات الروح الفصل الخامس 5 - بقلم نادية شعيب

المشاهدات
19
كلمة
2,914
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

البارت الخامس ليلى: (بصدمة) بس علاقتي ببيسان أكبر من كده! (ثم تكمل بتحدي) وأكبر منك أنت شخصيًا. تميم: (وهو ما يزال يرتدي قناع البرود رغم العاصفة التي تهب بداخله) أنا وقتي ضيق ومش فاضي أتناقش معاكي. عاوزة كام يا ليلى؟ ليلى: أنت جاي تدفع ثمن كرامتي اللي دوست عليها؟ تميم: مش بالظبط كده. أنا جاي أنقذ كرامتي أنا، لأني مستحيل أعتذر لك. لكن حكاية كرامتك دي سيبيها على جنب دلوقتي، لأني مش هدفع في كرامتك فلوس طبعًا.

تقف ليلى فجأة وقد امتلأت غضبًا، وتشير بيدها في اتجاه الباب: اطلع بره! (تخرج كل حرف من بين أسنانها بغضب يوحي بنشوب حرب) تميم: (بهدوء شديد ووجه صامت غير مقروء) فكري الأول وردي عليّ، وبلاش القرارات غير المدروسة. أنتي ممكن تاخدي مبلغ يريحكم العمر كله. ليلى: اطلع بره قبل ما أفقد أعصابي وأعمل أكتر من كده! أنا هسكت لك بس عشان خاطر بيسان. يتجه تميم إلى الباب ويستدير إليها ويكمل بثقة: هستنى قرارك. معاكي لبكرة بالليل.

يصل تميم إلى الباب ويتحدث بتهديد دون أن يلتفت: وطردك ليا ده هحاسبك عليه بعدين. سلام يا لولة. تغلق ليلى الباب بغضب شديد وهي تصرخ: في ستين داهية! إنسان وقح بيهددني في بيتي! لتسمع صوت تميم من الخارج: سمعتك على فكرة! تصيح ليلى دون أن تفتح الباب: وغبي كمان! في مكتب زين القاضي يدق الباب. زين: ادخل. تميم: طلبتني يا جدو؟ زين: تعالى يا تميم. يدخل تميم ويجلس على الكرسي المقابل لجده.

يمد له زين يده بملف: خد الملف ده يا تميم وادرسه كويس. دي أوراق صفقة أجهزة كهربائية لدول أفريقية. تدرسها وتعمل اللازم. تميم: حاضر يا جدو. زين: عملت إيه في موضوع المنشاوي؟ تميم: في واحد من رجاله القريبين بنحاول نجنده لصالحنا، ومعتز شغال على الموضوع ده، وإن شاء الله تكون في أخبار كويسة في أقرب وقت. زين: على خيرة الله. خلي بالك من نفسك كويس يا تميم. (ويكمل محذرًا بسبابته) وإوعى تأمن لحد.

تميم: أنا فعلًا شغلي في لندن علمني ما أمنش لأي حد بسهولة، لأن كل إنسان له ثمن. زين: المهم عندي سلامتك. تميم: ما تقلقش عليّ يا جدو. أنا برضه حفيد الثعلب الكبير، ما حدش يقدر عليّ بسهولة. يبتسم زين ابتسامة اطمئنان ويكمل بثقة: طب يلا روح على مكتبك وادرس الصفقة دي كويس. في مكتب تميم يجلس تميم على مكتبه يتابع أعماله، فيدق الباب. تميم: ادخل. يدخل معتز بخطوات واثقة ثابتة: السلام عليكم. تميم: أهلًا يا معتز. عملت إيه؟

معتز: نفذت أوامرك يا باشا. قابلت الراجل وعرضت عليه طلباتك، بس هو عاوز يقابل حضرتك. تميم: (باندهاش) يقابلني ليه؟ مش أنت عرضت عليه مبلغ كويس؟ معتز: أيوه يا فندم. هو ما عندوش مشكلة إنه يتعاون معانا، بس عاوز يقابلك الأول. تميم: أوكي. حدد معاه ميعاد وأمن مكان كويس وبلغني. أما نقابله نشوف عاوز إيه. معتز: حاضر يا فندم. هتصرف وأبلغ حضرتك. تميم: عاوزك تشوفلي سكرتيرة. معتز: أوامرك يا باشا. تميم: في خلال يومين بالكتير.

معتز: إن شاء الله. يرن تليفون تميم. يتناول تميم الفون ليجد سليم يتصل. يفتح الهاتف. تميم: ألو سليم، إزيك عامل إيه؟ سليم: إزيك يا صاحبي؟ وحشتني. لندن وحشة جدًا من غيرك. تميم: أنت كمان وحشتني يا سليم. أخبارك إيه؟ عملت إيه في الشركة؟ سليم: (ساخرًا) أنت قاعد في مصر في حضن جدك وسايبني أنا أولع هنا! تصفية الشغل من ناحية وجنان بيرلا من ناحية! تميم: (مستفهمًا) مالها بيرلا؟

سليم: هتتجنن من وقت سفرك ومصممة إنك نزلت مصر عشان تتجوز مصرية. تميم: سيبك منها. قولي عملت إيه في الشغل؟ سليم: كام أسبوع إن شاء الله أخلص وأنزل مصر. تميم: ياه! كام أسبوع كتير قوي! أنا محتاجك قوي معايا. سليم: خير يا صاحبي في إيه؟ تميم: الموضوع اللي كان قلق جدو كبير فعلًا يا سليم. سليم: خير طمني. تميم: مش هينفع أتكلم في التليفون. أما ترجع نتكلم وهتعرف كل حاجة. سليم: تمام يا صاحبي.

تميم: حاول تخلص بسرعة. أنا محتاجك هنا. أنا حاسس إني لوحدي من غيرك. سليم: (بصوت نسائي) أنا كمان يا روحي مش عارفة أعيش بعيد عنك أكتر من كده! تميم: (ساخرًا) أنا رأيي خليك عندك أحسن. أنا مرتاح من هزارك الرخم. سليم: (بحنان أخوي) أنا بحاول أفكك يا صاحبي. يلا سلام دلوقتي. أشوفك في مصر. تميم: ترجع بالسلامة إن شاء الله.

(ويغلق الخط ويسرح متذكرًا ليلى عندما فتحت له الباب بتلك الملابس البيتية، وكم كانت جميلة مثل الطفلة الصغيرة البريئة. ويحدث نفسه) هي البنت دي بتتحول فجأة! قلبت واحدة تانية وطردتني واتعاملت معايا وكأنها السفيرة عزيزة ورفضت الديل بتاعي! أنا مش عارف أعمل إيه معاها عشان أرضي جدو. أنا ما أقدرش أعتذر لها. دي بنت متعجرفة ما تستحقش. لازم أشوف حل تاني. في قصر القاضي بعد مرور يومين يدخل تميم إلى بهو القصر ليجد مديحة في انتظاره.

مديحة: حمد لله على السلامة يا تميم. تميم: الله يسلمك يا ديحة. أنا هموت من الجوع. عاملة أكل إيه؟ مديحة: (بسعادة وابتسامة واسعة) عاملة لك محشي ورق عنب. تميم: الله يا ديحة! محشي ورق عنب! أحبك أكتر من كده إيه يعني؟ مديحة: يعني لو ما كانش في محشي ما كنتش هتحبني؟ تميم: أحبك طبعًا، بس بمحشي ورق العنب بحبك أكتر. أمال فين بوسي؟ مديحة: جوه في مكتب جدك.

تميم: هروح أنده لها على ما تحضري الأكل. عاوز أكبر طبق ورق عنب في العالم على السفرة يا ديحة. كمان خمس دقائق. مديحة: أنت تؤمر يا حبيبي. ألف هنا على قلبك. يتجه تميم إلى غرفة جده ليسمع أصواتًا قادمة من الغرفة فيبطئ من خطواته ويمشي بحذر إلى أن وصل إلى الباب ليسمع ليلى وهي تتحدث. ليلى: فهمتي يا بوسي؟ بيسان: فهمت طبعًا يا لولة. تغلق ليلى الحاسوب الخاص ببيسان. ليلى: (وقد ارتدت ثوب الجدية) أنا عاوزة أتكلم معاكي في موضوع مهم.

بيسان: خير يا ليلى؟ ليبتلع تميم غصة تجمعت في حلقه خوفًا من أن تخبر بيسان بحديثه معها وينصت باهتمام أكبر. ليلى: أنا عاوزاكي تتعودي الفترة الجاية دي على عدم وجودي في حياتك. أنا مش دايمًا هكون معاكي. تتفاجأ بيسان وتتحدث بصوت باكي: ليه يا ليلى؟ أنتي زعلانة مني؟

ليلى: لا طبعًا يا بوسي. أنا ما أقدرش أزعل منك، بس هو ده الطبيعي. كلها كام شهر ونتخرج وأنا هدور على شغل وأنتي هتشتغلي في شركة جدك وكل واحدة هيكون لها كارير خاص بيها. بيسان: يعني مش هنتقابل بعد التخرج يا ليلى؟ ليلى: لا طبعًا يا بوسي هنتقابل. بيسان: لا يا ليلى. أنا ما أقدرش أستغنى عنك. أنت صاحبتي الوحيدة. لو كان عندي أخت كنت أحبك أكتر منها برضه.

ليلى: وأنا والله يا بوسي بحبك زي نور بالظبط، لكن دي طبيعة الحياة. كل واحدة فينا هيبقى لها حياة مختلفة. أنتي لازم تتعودي على عدم وجودي معاكي على طول. بيسان: أنا عارفة إنك بتقولي كده علشان أنت زعلانة من مامي وتميم. كل ما تيجي عندي تحصل لك مشكلة مع حد فيهم. أنا بعتذر لك بالنيابة عنهم وجدو كمان اعتذر لك. ليلى: الموضوع مالوش دعوة بوالدتك أو أخوكي خالص. بيسان: (بحزن)

أنتي يا ليلى بتفكري تقطعي علاقتك بيا وأنا بفكر إن إحنا نشتغل مع بعض بعد التخرج. أنا نفسي نشتغل أنا وأنتي في شركة جدو. (وتكمل بحماس) إحنا لو اشتغلنا مع بعض هنقدر ننجح قوي ونعمل مشاريع ناجحة جدًا. ليلى: أنا مستحيل أشتغل في شركة جدك حتى لو آخر شركة في مصر. بيسان: ليه يا ليلى؟ ليلى: (بارتباك) يعني علشان أنا مش عايزة أشتغل مجاملة. أنا عايزة أشتغل بمجهودي وتعبي علشان أنا أستحق الشغل مش مجاملة من حد.

بيسان: أنتي ما تعرفيش جدو. جدو مستحيل يجامل في الشغل. ليلى: أنا عارفة جدك كويس بس مش هبقى مرتاحة لو اشتغلت في شركتكم.

بيسان: على العموم خلي الموضوع ده نتكلم فيه بعدين بعد التخرج. أنتي عارفة يا ليلى طول ما إحنا سوا أنا بحس إني مش لوحدي. عارفة أنا طول عمري لوحدي ما ليش أخوات غير تميم وهو مسافر من زمان وكمان دايمًا مشغول عني. أنا مش فاكرة أي ذكريات تجمعني بتميم. أكتر حاجة فاكراها يوم سفره أول مرة. ده كان أسوأ يوم في عمري. أنا فضلت أعيط طول الليل ومكلتش لمدة يومين. (ثم تكمل بسخرية موجعة)

كنت عاملة إضراب عن الأكل. كنت مفكرة إنه لما يعرف إني مضربة عن الأكل هيرجع بس هو مرجعش. مفيش ذكريات حلوة لنا سوا. يعني عمرنا ما خرجنا اتفسحنا سوا. مالناش صور مع بعض. ليلى: إن يكون عندك أخ ده شيء جميل في حد ذاته.

بيسان: كلامك صحيح بس أما يكون في بينهم علاقة طبيعية. أنا وتميم ما فيش بينا علاقة الأخوات اللي أنتي متخيلها. عمره ما اتصل بيا عشان يطمن عليّ. كان يا دوب يسأل جدو عني أما يتصل بالصدفة ولما ينزل مصر إجازة ينزل بالعافية عشان جدو ضغط عليه ويقضي وقته كله بره القصر. عمره ما اتكلم معايا زي الأخوات. عمره ما هزر معايا. عمره ما حضني وحسسني إني مهمة عنده. عمره ما اتكلم معايا عن أحلامه في شغله... في حياته...

عن مواصفات البنت اللي يحلم يتجوزها، عمره ما جاب لي هدية. ليلى ضاحكة تحاول إخراجها من حالتها: يمكن مش معاه فلوس ولا عليه أقساط. بيسان: تميم أخويا غني جدًا على فكرة، وجدو بيقول إن شركته في لندن ناجحة جدًا. ثم تكمل بيأس: بأقول لك حتى ما لناش صور مع بعض، يعني ما فيش أي ذكريات نحكيها لأولادنا أما نكبر. كان نفسي نعمل حاجات كتير سوا. وتسرح

تفكر وتنظر إلى الأعلى: مثلًا كان نفسي أما يحب أول حد يعرف، أكون أنا، يجي جري يحكي لي عنها. كان نفسي نسافر سوا، ندخل سينما سوا، نلعب في الجنينة سوا، حتى نفسي نتخانق سوا. كان نفسي يعلمني ركوب الخيل. تقاطعها ليلى ضاحكة لتخرجها من حزنها: ممكن تجيبوا أي متخصص يعلمك ركوب الخيل، ولا ما معكوش فلوس يا بخيلة؟ تبتسم بيسان بحزن: لأ يا ليلى، أنتِ مش فهماني. أنا كنت عاوزة تميم هو اللي يعلمني، ويعلمني السباحة كمان. عارفة؟

كنت أوقات لما أحلم بكابوس، نفسي يكون نايم هنا في أوضته، وأدخل جري عليه علشان أطمن بوجوده، لكن لما كنت بأحلم حلم وحش كنت بأجري على دادة عايدة. إحنا أخوات بالاسم بس. أنا بأفتكر إني عندي أخ من الحراس اللي أجبرني على وجودهم معايا في الكلية. ليلى ساخرة: أحمدي ربنا إنه جايب لك حرس بيدفع لهم دم قلبه. أنا يا ستي بأشوف الويل في الشارع وفي المواصلات كل يوم.

بيسان: كلامك صح، لكن الحرس بيحموني علشان ده شغلهم، وبياخدوا عليه فلوس مش خوف عليا. يعني حتى حمايتي رمى حملها على الحراس. عارفة لما بأشوف بنت في الكلية أخوها بيوصلها بأزعل أوي. ثم تكمل بدموع: بأحس وقتها إن أنا أفقر بنت في العالم. ليلى بحزن وكلمات بطيئة تتعثر على شفتيها: للدرجة دي يا بوسي؟

بيسان: قبل ما أعرفك يا ليلى، صاحبتي الوحيدة كانت دادة عايدة، حتى مامي دايمًا كانت مشغولة عني. عمري ما كنت في جدول مواعيدها. كنت بأسمع جدو يتخانق معاها علشان تهتم بيا شوية. عارفة؟

كنت بأفرح لما بأسمعه بيتخانق معاها عشان كنت بأفكر إن بكرة الصبح هتهتم بيا وتاخدني تفسحني، لكن ما كانش في حاجة بتتغير. مامي عمرها ما اتغيرت ولا هتتغير، وهأفضل طول عمري مش في حساباتها. وبابي الله يرحمه مات وأنا كنت صغيرة قوي، حتى مش فاكرة أي حاجة عنه. يعني يا ليلى القصر الكبير اللي أنتِ شايفاه ده، وناس كتيرة بتحسدنا عليه، ما فيش بين سكانه أي علاقة إنسانية. إحنا ساكنين هنا مش عايشين هنا.

كل هذا تحت سمع تميم الذي يتألم بشدة من وقع كلمات أخته التي نزلت عليه كصاعقة عصفت به. كانت كل كلمة وكأنها لكمة عنيفة أصابت قلبه في مقتل. كانت كل كلمة وكأنها أفعى تلتف حول عنقه ليشعر وكأنه مكبل داخل دائرة من الذنوب التي ارتكبها مغلقة عليه بإحكام لا فرار منها ولا نجاة، متسائلًا: هل سببت لكِ كل تلك الآلام يا صغيرتي؟ هل أوجعتكِ إلى هذا الحد؟ هل أنا سبب كل تلك الندبات الراقدة داخل زوايا روحك؟

هل تلك التي تتحدث وتصف أوجاعها بكلمات وكأنها سيف بتار هي نفسها تلك الصغيرة التي كانت تتمسك بيدي وتبكي وتترجاني ألا أتركها وأرحل؟ هنا يتذكر تميم... نعم كانت تبكي وتترجاني عندما سافرت في المرة الأولى... ثم المرة الثانية ثم... ثم صمتت... توقفت عن الترجي... توقفت عن البكاء... وكأنها تعلن عن يأسها في صمت تعلن انتهاء أملها... لقد خذلتها دون أن أدري وكأنها ألد أعدائي... بأي ذنب خذلتك... بأي ذنب تعاقبين؟

ليتذكر قول نور: "لو اعتذرت مئة سنة قدام وبكيت دم مش هنقبل اعتذارك". هل صدقت عندما قالت ذلك؟ هل صدقت في كلماتها؟ هل أحتاج إلى الاعتذار مئة سنة قدام وأبكي دمًا؟ هل أحتاج إلى طلب السماح لتغفر لي صغيرتي؟ عشرات وعشرات من الأسئلة التي لا توجد لها إجابات تصفعه بقوة ليفيق على حقيقة واحدة: نعم... نعم أحتاج إلى مغفرتها فالخذلان أكبر جريمة عندما ترتكب في حق من نحب. هنا تبدأ ساعة الندم في الدوران وتعلن أولى دقاتها. أنا...

نادم... نادم بشدة، لكن هل هذا يكفي؟ هل تستطيع القلوب البريئة المجروحة الغفران؟ هل من سبيل إلى الغفران يا صغيرة؟ هل ستغفرين لي كل تلك الجرائم التي ارتكبتها بحق قلبك البريء؟ أم أنه بات دربًا من المستحيل؟ بعد أن ألقيت بكِ داخل بئر مظلم منذ أن كنتِ صغيرة، وتركتكِ للوحدة تنهش جدران قلبكِ الصغير، والآن تبحثين عن الدفء عند الغرباء، تبحثين عن الأمان الذي سلبته منكِ بقسوتي دون أن يرف لي جفن.

بعد أن ألقيت بكِ داخل بئر مظلم منذ أن كنتِ صغيرة، وتركتكِ للوحدة تنهش جدران قلبكِ الصغير، والآن تبحثين عن الدفء عند الغرباء، تبحثين عن الأمان الذي سلبته منكِ بقسوتي دون أن يرف لي جفن... لسنوات وسنوات والمسافات تتسع بيننا دون أن أشعر حتى صارت كخندق عميق... سامحيني يا صغيرة أم لم تعودي بحاجتي؟ هل تعودتِ غيابي؟ هل أخذت تلك ليلى مكاني؟ أعتذر... أعتذر يا صغيرتي حقًا... حقًا سأظل أعتذر ما حييت.

ليتذكر قول ليلى: "علاقتي ببيسان أكبر منك أنت شخصيًا". هل صدقت عندما قالت ذلك؟ هل انتهى وقتي؟ هل أصبح وجودي والعدم سواء؟ قسمًا بربي لأمحو كل تلك الذكريات وأضع مكانها كل ما تطلبين... وتريدين... وتشتهين... قسمًا بربي ستعيشين كل ما أردتيه وتمنيتيه ولم تحظي به. قسمًا بربي لأجعل عقارب الزمن تدور باتجاه أحلامك فصبرًا صبرًا يا صغيرة أخيها. سأحقق لكِ كل ما أردتِ... فأنا الآن هنا... أنا الآن معكِ وفقط...

أنا الآن لأجلكِ وفقط... سنبدأ عهد جديد... عهد يبدأ بكِ ولأجلكِ ومعكِ بل والأكثر منه سأجعلكِ أغنى الفتيات. يرفع تميم يده ويحاول أن يدق الباب لكن هيهات فقد تيبست أطرافه. يسأل نفسه: هل أستطيع مواجهة تلك الصغيرة التي أصابت وأخطأت أنا؟ كم هو صعب على النفس مواجهة أخطائها... كم هو صعب الوقوف أمام من وضع بك كل آماله وخذلته... كم هو صعب المرور فوق أحلام أحدهم مرور المنتصر والتظاهر بالبراءة وكأن شيئًا لم يكن.

ليحسم أمره ويدق الباب دقات بطيئة خائفة. بيسان: ادخل. يفتح تميم الباب ويدخل بخطوات ثقيلة مثقلة بذنوب سنوات لا يعرف عددها... خطوات المذنب الخائف... المترجي... وهو يردد لنفسه: عاقبيني... عاقبيني إذا كان العقاب سيكفيكي... عاقبيني إذا كان عقابي سيبرأ جراحك... أعترف بذنبي... أضع عمري وأيامي تحت تصرفك فافعلي ما شئتِ اقتَصّي مني حتى تبرئي...

جئتك متذللًا معترفًا بأخطائي. جئتك مكبلًا بقيود تلتف حول عنقي تكاد تزهق روحي فرفقًا بأخيك. تنظر إليه بيسان مندهشة وتسأله بخوف: مالك يا تميم؟ تتعثر الكلمات على شفتيه تبحث عن مخرج فيسكت مطولًا. تنظر إليه بيسان وليلى بخوف لتتحدث بيسان: مالك يا حبيبي أنت كويس؟ ليشعر تميم وكأن نظراتها البريئة تقتله لينطق بعد طول صمت ونظرات

تائهة وهو يردد في نفسه: لقد تعلمت الدرس وحفظته عن ظهر قلب، علمت خطئي وقسمًا بمن خلق حبك في قلبي لن أعيده. تلكمه بيسان بخفة في كتفه: أنت مالك يا تميم؟ تميم: أنا... أنا بخير. ويتجه بنظرة إلى ليلى نظرة المهزوم: إزيك يا آنسة ليلى عاملة إيه؟ ليلى: بخير الحمد لله إزيك يا باشمهندس؟ تميم: خلصتوا مذاكرة ولا لسه؟ بيسان: خلصنا من بدري، إحنا كنا بنتكلم مع بعض شوية. تميم بكلمات مهتزة: لو في حاجة واقفة قصادكم أنا ممكن أساعدكم.

ليلى بغضب مكبوت: شكرًا يا باشمهندس، ما فيش حاجة واقفة قصادنا الحمد لله. يدخل الجد زين: مساء الخير يا بنات، مساء الخير يا تميم. يرد الجميع: مساء الخير يا جدو. زين: أهلًا يا ليلى منورة يا حبيبتي. ليلى: منورة بحضرتك يا جدو. يرد زين برسمية: أنا شايف إنك خلاص رضيتي عننا. ليلى: أستغفر الله يا جدو أنا عمري ما أزعل من حضرتك. زين: يعني قبلتي اعتذار تميم؟ يندهش تميم وليلى وينظران لبعض بعدم فهم.

ينظر زين إلى تميم متشككًا: هو تميم اعتذرلك؟ ليلى بارتباك: آه... آه اعتذر وأنا قبلت اعتذاره. تحت نظرات تميم المندهشة. زين باطمئنان وابتسامة مرحة: الحمد لله نتعشى سوا حلاوة الصلح. ليلى: أنا آسفة يا جدو الوقت اتأخر ولازم أروح. زين بثقة: تاكلي الأول وبعدين تميم هيروحك. ليلى: لأ... لأ يا جدو بلاش تتعب الباشمهندس. زين: اسمعي الكلام يا ليلى. ليلى بيأس من إقناعه: حاضر يا جدو. في غرفة السفرة.

يجلس الجد على رأس الطاولة وبجانبه تميم، والجهة الأخرى تجلس بيسان وبجوارها ليلى. تضع بيسان لليلى الكثير من الطعام في طبقها. ليلى بخجل: كتير كده يا بوسي؟ بيسان: كلي يا ليلى، ديحة بتعمل ورق عنب تستاهل عليه جايزة أوسكار. يضحك زين ملء فمه: أنتي اخترعتي الجايزة دي يا بوسي ولا جبتيها منين؟ ليلى بعد أن تذوقت الطعام: الأكل تحفة فعلًا يا بوسي.

كل هذا وتميم ليس هنا، هو في مكانٍ آخر حيث يعد ذنوبه التي صفعته في وجهه في غفلة لم يكن يحسبها. بيسان تصفق بيدها أمام وجه تميم: أنت فين يا تميم؟ ينتبه تميم على صوتها: أنا هنا يا بوسي. بيسان: أنت مابتكلش ليه؟ هو أنت تعبان؟ ثم تكمل بخوف: تحب نكلم الدكتور؟ تميم: لأ يا حبيبتي أنا كويس. زين: مالك يا تميم أنا ملاحظ إنك ساكت وحتى مكلتش حاجة. تميم: لا يا جدو أنا بخير. زين بضحك: بخير إزاي؟

أنت العادي بتاعك بتاكل خمس أطباق ورق عنب. وينظر في طبق تميم ويكمل: أنت لسه في أول طبق. ثم يكمل ساخرًا: ولا مديحة سبقتك ع الأوضة بكل ورق العنب اللي في المطبخ؟ تميم: أنا بخير يا جدو. يقف برسمية وينظر إلى ليلى: لو كنتِ خلصتِ يا آنسة ليلى اتفضلي أروحك. تقف ليلى: الحمد لله أنا شبعت، ممكن حضرتك تخليك ومعتز يروحني؟ زين بثقة ونظرات ذات مغزى: تميم هيروحك يا ليلى.

يشير لها تميم بيده لتتقدمه ليلى، يخرج تميم وراءها، يركبان في الخلف وفي الأمام يركب معتز لتنطلق السيارة ووراءها موكب من أربع سيارات. تتحدث ليلى بصوت منخفض يسمعه تميم: خمس عربيات وكل الجاردات دي عشان أروح؟ ثم تلتصق بالباب لتبتعد عن تميم قدر الإمكان وسط صمت ملئ بالتساؤلات ليقطعه تميم: أنتي ليه قولتي لجدو إن أنا اعتذرت لك... ليلى بلامبالاة ودون أن تنظر إليه: فين المشكلة... تميم يرفع حاجبه مندهشًا: يعني مستغرب موقفك؟

ليلى: كل الموضوع إني مش منتظرة اعتذارك عشان كده مش فارق معايا تعتذر ولا لأ. وتكمل ساخرة: لإن موقفي من حضرتك مش هيتغير، وكمان رأيي فيك مش هيتغير. تميم: بس... بس... بس إيه مكنة في الرد. تكمل ليلى بعدم اكتراث له: غير إن علاقتي ببوسي مش هتتغير علشان لها أخ وقح زيك. كانت كلماتها بسيطة لكنها دهست كرامته للمرة التي لا يعرف عددها.

هنا تدرك ليلى من نظراته المشتعلة وقبضته الفولاذية التي التفت حول ذراعها حتى بات إفلاتها منه شبه مستحيل أنها في موقف قد لا تُحمد عقباه. ليصيح فيها تميم بغضب مرعب يهدد بنشوب حرب: أنا غلطان، أنا قلت أفتح صفحة جديدة معاكي بس للأسف أنتي ماينفعش مع لسانك اللي عاوز قطعه ده الذوق. هنا تنكمش ليلى في نفسها بعد أن شعرت ببوادر الخطر تتسلل إلى قلبها لتهمس بخوف: أنا... أنا.

لتنحرف السيارة فجأة وتتوقف ويتفاجأ الجميع بوابل من الرصاص ينهال على الموكب في مشهد تتوقف عنده الحياة وتحبس الأنفاس وتبلغ القلوب الحناجر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...