كنت أظنها نهاية العالم عندما جاءت تلك الرصاصة واخترقت صدري واستقرت داخل أضلعي بجوار ذلك النابض بيساري. كنت أظنها نهاية أحلامي التي قضيت سنوات عمري وأنا أبنيها. كنت أظنها جاءت لتأخذني من تلك الحياة الظالم أهلها. لكنها في الحقيقة جاءت وفق بوصلة لتصحح الخطأ وترمم المتصدع. تنحرف السيارة فجأة وتتوقف، ويتفاجأ الجميع بوابل من الرصاص ينهال على الموكب في مشهد تتوقف عنده الحياة وتحبس الأنفاس وتبلغ القلوب الحناجر.
يجذب تميم ليلى إلى أحضانه بسرعة وينحني فوقها ليحميها من تلك الرصاصات التي تخترق جسد السيارة. مرت ثوانٍ على هذا الحال وجسد ليلى يرتعش بخوف شديد. يسحبها تميم ويضعها في دواسة السيارة. تميم بصراخ: انزلي هنا، ما تتحركيش خالص. ترفع ليلى رأسها بخوف شديد وتصيح برعب وعيون باكية: أنت رايح فين؟ وتتمسك بذراعه. خليك هنا متنزلش من العربية. يضع تميم يديه الاثنين فوق رأسها لينزلها في الدواسة
مرة أخرى ويحذرها بسبابته: ما تتحركيش من هنا خالص، واوعي تنزلي من العربية مهما حصل. ثم يستدير ليفتح جراب سري موجود بظهر المقعد الخلفي ليخرج سلاحه الخاص ويشد أجزاءه. فتصرخ ليلى فيه باكية: أرجوك يا تميم، ما تنزلش من العربية، الحرس كثير بره، سيبهم يتصرفوا. كل هذا والطلقات تنهال على الموكب ويتعامل معها الحراس بحرفية شديدة بأوامر معتز.
تميم: ما تخافيش يا ليلى، أنا لازم أنزل، مش ينفع أسيب الحراس لوحدهم. ما تخافيش، مش هيحصلك حاجة، إحنا كلنا هنا هنحميكي، مستحيل يحصل لك حاجة وأنا موجود. تتمسك به ليلى أكثر حتى كادت تقطع قميصه: لأ، مش هسيبك تنزل. تميم بانزعاج: سيبينى يا ليلى، دقيقتين وهـرجع. ليلى بخوف شديد: وعد هترجع؟ تميم بثقة: هرجع. ثم ينزل من السيارة ويستدير إليها مرة أخرى: اوعى تنزلي من العربية تحت أي ظرف، حتى لو مرجعتش.
ثم يغلق الباب عليها ويسير بمحاذاة السيارة مستخدماً جسد السيارة كساتر من الرصاصات التي لا تتوقف. وهو يتحرك بخفة محترف إلى أن وصل إلى معتز الذي يستخدم الباب الأمامي كساتر ضد الرصاص. يصيح تميم في معتز: الضرب للقتل، مش تهويش يا معتز. معتز: الضرب في المليان، مش في الهوا. تميم: صوت الطلقات مكتوم. ثم ينصت باهتمام: الضرب من أربع أسلحة مختلفة، واللي بيضرب متخصصين.
(تميم مدرب على استخدام الأسلحة وأنواعها المختلفة في مدرسة متخصصة في لندن) لينتبه فجأة على تلك التي تفتح الباب بهدوء وتخرج رأسها من السيارة ثم تنزل منها. يشير لها تميم بفزع شديد: خليكى عندك. ليلى ببكاء: أنا خايف..... وقبل أن تكمل كلمتها يسمع تميم صوت صرخة مكتومة جعلت قلبه يترنح ليرى مشهد لن ينساه طيلة حياته. الرصاصة وقد أصابت صدرها واخترقت أضلعها. يقطع تميم المسافة بينه وبينها في أقل من لحظة، يحملها بين يديه قبل أن
تصل الأرض ويصيح فيها بفزع: ليلى... ليلى، فتحي عيونك. تنظر إليه ليلى بضعف ثم تغلق عينيها مرة أخرى. ثم يسمع منها تأوهات متألمة تخرج من شفتيها ووجهها الذي يكاد تنسحب منه الحياة، وتهمهم ببطء.... تميم.... ثم تغمض عينيها لتغيب عن تلك الحياة التي تضرب ولا تبالي. ينسحب مطلقي الرصاص بعد أن تمكن الحراس من إصابة بعضهم. يحاول تميم كتم مكان
الدم ليفيق على صوت معتز: شيلها بسرعة يا تميم، حطها في العربية، لازم توصل المستشفى حالا، شكل الرصاصة جت في القلب. يحملها تميم، يضعها في الخلف ويجلس بجوارها واضعاً رأسها على رجله. يركب معتز السيارة على كرسي السائق ويقود بسرعة رهيبة. يصرخ فيها تميم وهو يربت على خدها: فتحي عينيك يا ليلى، خليكي معايا.
ثم يصرخ في معتز: بسرعة يا معتز، البنت هتموت. وهو ينظر إلى ليلى نظرات فزعة. ليسرع معتز أكثر لتبدو السيارة وكأنها تلتهم الطريق. في غضون دقائق تصل السيارة إلى المستشفى، ثم ينزل تميم بسرعة وينحني ليحملها على ذراعيه ويجري بها إلى داخل المستشفى، ووراءه الحرس. يصرخ بفزع: دكتور بسرعة.
يهرع إليه مجموعة من الأطباء بعد أن حدثهم معتز أثناء الطريق. يضع تميم ليلى على السرير المتحرك برفق ويدفعه معهم إلى غرفة العمليات وهو متشبث بيد ليلى ويحاول الدخول وراءها، لكن يمنعه الأطباء. ليمسك تميم أحدهم من ياقته بعنف ويديه ملطخة بالدماء، مهدداً إياه: لو حصل لها حاجة، ههد المستشفى على دماغك. الطبيب بفزع من هيئته: إن شاء الله مش هيحصل حاجة يا فندم.
يتركه تميم. يدخل وراءها ويظل تميم أمام غرفة العمليات يزرع الممر ذهاباً وإياباً، ويدعو الله أن ينقذها، ويفرك يديه بغضب ويحدث نفسه: قسماً بربي، لاشربن من دم اللي عمل فيكي كده. اللي ضربوا نار علينا كانوا قاصديني أنا، هي اتصابت بسببي أنا. يقترب منه معتز بهدوء حذر: اهدى شوية يا تميم. تميم وهو ينفخ نيران الغضب: اهدى.... اهدى إزاي بس يا معتز؟ البنت ممكن تموت بسببي أنا، معرفتش أحميها.
ثم يكمل بيأس: كان بيني وبينها متر واحد ومعرفتش أحميها. لو حصل لها حاجة، عمري ما هسامح نفسي. يربت معتز على كتفه ويتحدث بهدوء: روح أنت ارتاح يا تميم، وأنا هفضل هنا. يرد تميم بصوت زرع فيه كل غضب العالم: أنا مش همشي من هنا غير ورجلي على رجلها. يفتح معتز عينيه بصدمة وذهول ويسأل نفسه: هو ده تميم اللي كان لسه بيتخانق معاها في العربية؟ ده كان خلاص هياكلها. يتجه تميم إلى باب غرفة العمليات ويدق عليه
بعصبية ويصيح بصوت جهوري: حد يخرج يطمنا أحسن أهد المستشفى على اللي فيها. معتز بصدمة: اهدى يا تميم، إن شاء الله خير. ويحاول إبعاده عن الباب ويحدثه بهدوء: تعال ننزل تحت في الهوا على ما ليلى تخرج من العمليات. يدفعه تميم بشدة: سيبني يا معتز، أنا مش همشي من هنا إلا أما أطمن عليها، أنت ماشوفتش حالتها كانت عاملة إزاي.
ثم يأتي أحد الحراس يحمل بيده حقيبة ليلى وبداخلها هاتفها يرن. يأخذ منه معتز الحقيبة ويعطيها لتميم، لينتبه تميم على صوت الهاتف. يفتح الحقيبة ويخرج الهاتف ليرى اسم أختها ينير الشاشة. يتحدث تميم بصوت مسموع: هقولها إيه دي. ليصمت الهاتف دون أن يجيب عليها. في نفس الوقت يخرج الطبيب. يهرع إليه تميم: خير يا دكتور. الطبيب بهدوء: الحالة مصابة بطلق ناري وحالتها خطيرة، ولازم تعمل العملية حالا.
تميم بفزع واستنكار: يعني إيه حالتها خطيرة؟ الطبيب: بعملية، الرصاصة جنب القلب وفقدت دم كتير. تميم بغضب شديد: اتصرف، هاتلها دكاترة من بره أو نسفرها بره، المهم عندي تعيش. الطبيب برسمية: المستشفى هنا مجهزة وفيها دكاترة على مستوى عالمي. تميم وقد نفذ صبره: مستوى عالمي إيه اللي بتتكلم فيه، وأنت واقف تناقشني وليلى جوه بتموت. الطبيب: هي بتجهز للعملية.
تميم يرفع سبابته في وجه الطبيب محذراً: قسماً بربي، لأمحو أسماء كل دكاترة المستشفى من سجل الأحياء لو ليلى مخرجتش على رجلي. يتركه الطبيب بفزع ليندس داخل غرفة العمليات مرة أخرى. يعود هاتف ليلى ليرن من جديد. يفتح تميم الهاتف ويرفعه ببطء إلى أذنه ويرد: الو. تصيح نور دون أن تنتبه: مبترديش ليه يا ليلى؟ يصمت تميم للحظات. نور بغيظ: ردي عليا يا ليلى، ساكتة ليه؟ هنا يبتلع تميم غصة ظلت عالقة في حلقه ويجيبها بتلعثم: أيوه يا نور.
نور بخوف: مين معايا؟ تميم: أنا... أنا تميم القاضي. نور بصوت خائف مهتز وكأنها شعرت أن أختها بخطر: فين ليلى؟ تميم: ليلى.... ليلى كانت.... ثم يصمت. لا تسعفه الكلمات. تصيح نور بغضب وحدة: ليلى فين؟ تميم: بكلمات هاربة من فمه: ليلى...... ليلى كانت معايا في العربية و.... ويعني إضرب علينا نار وليلى...... ثم يصمت. تصرخ نور برعب: مالها ليلى، انطق. تميم: وكأنه وجد مخرج: هي اتصابت في دراعها وجوه في العمليات.
تشهق نور وتخبط على صدرها: يا نهار أسود، إنتوا في مستشفى إيه؟ تميم: في مستشفى...... نور بهلع: أنا جاية حالا. وتغلق الخط. يغلق تميم هاتف ليلى ليجد هاتفه يرن. يخرج الهاتف من جيبه ليجد جده يتصل. يفتح تميم الخط. زين بخوف: اتأخرت ليه يا تميم؟ تميم بصوت هادئ: أنا.... زين وقد انتبه إلى نبرة صوته المهتزة: في إيه يا تميم؟ أنت فين؟ تميم: أنا.... إحنا في المستشفى. يقف زين ويهتز الهاتف في يده: إيه مستشفى... مستشفى ليه؟
تميم: اتعرضنا لكمين واتضرب علينا نار. زين وقد وصل قلبه إلى الحلقوم: أنت.... أنت بخير يا تميم؟ تميم: أنا بخير يا جدو، بس ليلى.... زين: مالها ليلى؟ تميم: اتصابت يا جدو وحالتها خطيرة. زين: أنا جايلك حالا. ويغلق الخط بيد مهتزة وهو يردد: استر يا رب.
بعد مرور نصف ساعة يصل الجد زين إلى المستشفى ويصعد إلى غرفة العمليات ليجد تميم بجوار الباب ينفخ نيران الغضب. يهرع الجد زين إلى تميم يحتضنه ويربت على كتفه ثم يخرجه من أحضانه وينظر إليه نظرة فاحصة من رأسه إلى أخمص قدميه: الحمد لله إنك بخير، الحمد لله. طمني ليلى عاملة إيه؟ تميم بخوف شديد: ليلى في أوضة العمليات وحالتها خطيرة، الرصاصة جت جنب القلب.
زين: إن شاء الله خير، ما تخافش، ليلى بنت قوية وإن شاء الله تقوم منها بالسلامة. يتحدث معتز برسمية: أنا هروح أحجز لحضرتك جناح عشان ترتاح فيه. تميم: لأ، جدو هيروح، أنا اللي هفضل هنا لحد ليلى ما تقوم. زين بنبرة صارمة: روح يا معتز، احجز جناح عشان نرتاح فيه على بال ليلى ما تقوم بالسلامة. لتصل نور في نفس اللحظة. تتفاجأ بوجود تميم وثيابه ملطخة بالدماء، وفور رؤيته تفقد نور وعيها. يهرع إليها معتز يحملها ويذهب بها لغرفة خاصة.
زين بهلع: هاتوا دكتور يطمنا عليها بسرعة. يذهب تميم إلى غرفة الأطباء ويدق الباب بيده وقدمه بغضب ويصيح: فين دكاترة المستشفى الزفت دي. ويفتح الباب بعصبية مفرطة. يفزع الأطباء داخل الغرفة ويصيح أحدهم: أنت يا غب... ويقطع حديثه بدهشة متسائلاً: مين... تميم القاضي؟ ويقترب منه محاولاً احتضانه ثم يتراجع بعد رؤية ثيابه الملطخة بالدماء ويسأله: إيه الدم ده؟ أنت مصاب؟ تميم بعد أن هدأ قليلاً: لأ، أنا مش مصاب. أنت بتشتغل هنا يا جاسر؟
(جاسر الغازولي طبيب جراح صديق معتز منذ الطفولة من عائلة تتمتع بثراء فاحش، شخصية ذكية خفيف الظل مجتهد لا يستسلم بسهولة، يمتلك من الشجاعة ما يؤهله لتخطي كل العقبات التي تعترض طريقه ولا يخشى مواجهة التحديات، طويل القامة رياضي ذو شعر أسود وعيون سوداء وذقن وشارب كثيفين) جاسر: آه، بشتغل هنا. أنت بتعمل إيه هنا وإيه الدم اللي على هدومك ده؟ هو أنت مصاب؟ تميم بنفاذ صبر: قلت لك مش مصاب يا جاسر.
جاسر بتفهم: هو أنت اللي جاي مع الحالة المصابة بطلق ناري؟ تميم: أيوه، عايز أطمن عليها. الدكاترة دخلوا أوضة العمليات وما حدش خرج يطمنا. جاسر: أنا هروح أطمن وأجي أطمنك عليها. تميم: بسرعة يا جاسر، الله يخليك. يذهب جاسر وتميم باتجاه غرفة العمليات بخطوات سريعة. يدخل جاسر ويراقب تميم الطريق بانتظار خروجه. ثم يخبط مقدمة رأسه بيده متذكراً: أنا نسيت نور اللي مغمى عليها دي كمان. ليتناول هاتفه ويتصل بمعتز،
وعندما يجيب يحدثه: هاتلها دكتور يا معتز، وخليك جنبها هي وجدو. معتز: هاجيبلها دكتور وتعالى أنت ارتاح شوية، أكيد العملية هتطول. تميم: اعمل بس اللي قلتلك عليه. يخرج جاسر فيغلق تميم الخط ويركض إليه: طمني يا جاسر. جاسر بهدوء شديد: ما أخبيش عليك.... ثم يصمت. تميم وعيناه مثبتة بوجه جاسر: انطق يا جاسر. جاسر: يقذف الكلام دفعة واحدة: حالتها خطر يا تميم، للأسف.
يسمع تميم تلك الكلمات البسيطة لتتجمد أطرافه وتنسحب الدماء منها، ويفقد قدرته على صياغة أي رد، وتتجمع غصة داخل أعمق نقطة بقلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!