في المستشفى دخل غرفة ماجد كعاصفة هوجاء، والخوف يلتهم قلبه كما تلتهم النيران سنابل القمح. اتجه إليها سريعًا، جلس بجوارها واحتوت راحته وجهها وتحدث بنظرة يملؤها الخوف: -مالك يا غزل بتعيطي ليه؟ ابتلعت غصة مريرة واقتربت حتى أصبحت بأحضانه. -بابا تعبان قوي يا جواد. مسح دموعها بحنان ونظر لداخل عينيها: -بابا كويس حبيبتي ليه بتقولي كده؟ مش كده يا عمو ماجد؟ أخرجها بهدوء متجهًا لماجد، ثم سحب نفسًا عميقًا وجلس بجواره:
-فكرت في كلامي ولا لسه؟ أمسك ماجد يديه ثم نظر لغزل لكي تقترب منه. وقفت واتجهت إليه وجلست أمامه بعدما وقف صهيب، مسد حسين على شعرها بحنان: -بابا كويس حبيبتي، ثم رمق جواد بنظراته: حضرة الضابط بس اللي كان طالب منه إيدك وجينا النهاردة كلنا عشان نكتب كتابكم. سكنت ثوانٍ تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من سرعة دقات قلبها، ثم اتجهت بأنظارها لجواد، تقابلت نظراتهما للحظات وتذكرت حديثه بالأمس. فلاش باك
كانت تجلس على فراشها تتحدث مع نهى. دخل عليها غرفتها دون استئذان، وقف أمامها: -إيه المسرحية الهزلية اللي بتعمليها أنت وصهيب؟ ضيقت عينيها متسائلة بعدما قامت بإغلاق هاتفها: -إزاي تدخل كده بدون استئذان؟ من إمتى وأنت قليل الذوق كده يا آبيه؟ رفع حاجبه بضيق واستفزاز من طريقتها: -والأمورة عايزة أستأذن وأنا داخل أوضة مراتي! -مش فاهمة تقصد إيه؟ نزل لمستوى جلوسها وضرب على الفراش من حولها:
-متختبريش صبري يا غزل، علمناهم السرقة سابقونا على البيوت... شغل الهبل واللؤم ده مش عليا... أشوفك مرة تانية تقعدي جنب صهيب بطريقتك غير المحترمة دي متلوميش غير نفسك. رفعت حاجبها: -أنا بعمل شغل هبل ولؤم يا آبيه؟ طيب إزاي جمعتهم مع بعض مش متفقين خالص؟ جذبها من خصلاتها بقوة: -لا أنا مبهزرش، متعرفيش في الحاجات دي ممكن أعمل إيه. -شعري يا آبيه بيوجعني. لم يكترث لحديثها وجذبه بقوة قائلًا بغضب:
-فين دبلة مليكة يا بت وإياكِ تلبسي دبلة تاني لحد مهما كان. اقترفت بسمة عذبة شفتيها واقتربت منه حتى أصبحت قريبة للحد غير المسموح: -ليه؟ ما هو أنا كده كده هلبس دبلة... أنت زعلان ليه؟ مضايق ليه؟ شعر بمدى حماقته وفداحة تصرفه فزفر بغضب... ثم ألقاها على الفراش وخرج من الغرفة كالذي يطارد عدوًا. جلست بعد خروجه تتمرمغ في فراشها وهي تضحك بسعادة، فكلما تذكرت نظراته وغيرته المجنونة وحديث صهيب تشعر بفراشة تدغدغ معدتها...
ظلت على هذه الحالة ولكنها وقفت فجأة... "ده بيقولي أوضة مراتي"... ثم وقفت واتجهت تبحث عن دبلة مليكة. عودة للمستشفى وزعت نظرها بينه وبين والدها: -هو ينفع حد يتجوز بنته يا بابا؟ جف حلقه وارتعدت مفاصله من ردها... اتجه بنظرة لوم لوالده. -جواد من فترة حبيبتي كلمني على الارتباط، هو كان مقرر يفسخ خطوبته مع ندى شخصياتهم مختلفة، وهو مش هيلاقي أحسن منك وكمان مربيكي وعارفك كويس...
ثم ابتسم لها: جحا أولى بلحمه يا زوزو مش كده ولا إيه؟ أردف بها حسين بهدوء. تبادلت النظرات بينها وبين جواد وتذكرت حالته الأيام الأخيرة. قاطع النظرات صهيب عندما اتجه لماجد: -قوم بس يا عمو وإن شاء الله نعمل فرح الناس كلها تتكلم عنه. نظر ماجد إلى حسين وأشار بعينيه أن يقترب منه. جلس حسين بجواره ورغمًا عنه تساقطت دموعه.
-"شوفت يا صاحبي كده وصلنا لمفترق طرق، طول عمرك كنت الأخ والصاحب الجدع يا حسين وربي يشهد عليا عمري ما فكرت أبعد عنك". نظر حسين لجواد ثم اتجه إليه: -متتكلمش يا ماجد وإن شاء الله كله يرجع زي الأول. -إيه اللي هيرجع يا حسين؟ ابني اللي مات زعلان مني ولا مراتي اللي اكتشفت إني أكبر مغفل؟ المهم غزل يا حسين... أمانة عندك يا صاحبي. تذكر جواد حديث جاسر،
ظل حديث يتردد بأذنه: "غزل يا جواد اتجوزها، اوعدني إنك تتجوزها وتكون سندها، ممكن بابا يعمل فيها زي ما عمل فيا، أنت أكتر واحد أتمنك عليها يا صاحبي، هنتقابل وأسألك عليك". حزنه على صديقه اخترق جدار روحه تطعنه بخناجر مسمومة، شعر أن روحه تنسحب ببطء كلما تذكر كلماته. نزل وجلس على عقبيه أمام ماجد وأردف ودموع عينيه خانته للتساقط: -جاسر مش زعلان منك هو قالي كده والله يا عمو، جاسر بيحبك أوي وقالي أقولك كده. نظر ماجد إليه:
-مقالكش حاجة تانية يا جواد؟ ضيق عينيه ونظر إليه مستفهمًا، هو أبعد معرفته بوصيته لغزل: -"لا قالي قول لبابا أنا بحبه مش زعلان منه". -عارف يا ابني؟ استغرب جواد حالته. نظر ماجد إليه: -حلمت بيه بيقولي وافق على وصيتي لجواد. شعر أن الأرض تميد به وشعر بصغر حجمه، كيف كان له أن يترك وصية صديقه. نظر إلى حسين قائلًا: -أنا خليت الممرضة تتصل بالمحامي وجه... عشان أكتب كل أملاكي باسم غزل عشان عمها ما يحاولش معها...
ثم نظر لجواد: وجواد يكون الواصي عليها حتى تعرف تحافظ عليهم يا حسين... أنا عارف إنك مش هتقصر معها يا جواد، لإنك بتعتبرها أغلى من روحك. أغمض عينيه بقهر من نفسه ومن الأحداث التي تدور حوله: -أنا هتجوزها يا عمو، وأنا اللي هكون مسئول عليها... ووعد مني أحاول أحافظ عليها لحد ما توصل للي عايزاه... وده قولتهولك امبارح... نظر لغزل وأردف: غزل مستحيل تتجوز حد غيري... مش أنت موافقة يا زوزو ولا لسه عندك لعبة جديدة؟
نظرت للأرض وابتسمت... ضربها صهيب على رأسها: -القطة أكلت لسانك يخربيتك اتكلمي ليرجع في كلامه... ده زي أمشير كل ساعة بحال... ضحكت عليه. اتجهت بنظرها لجواد ثم لوالدها: -وأنا عمري ما أأمن لحد غيره يا بابا... حتى صهيب ده بشك في عقله. ضحك جميع من بالغرفة. تنهد حسين براحة عندما وافق كل من جواد وغزل. دخلت الممرضة وأردفت محذرة: -كده كتير أوي يا بشمهندس... نظر إليه... ثم نظر لجواد وغزل: -وتعالوا جنبي عايزكم. -حاضر.
اتجها إليه... -بس كفاية كلام. أردف بها عندما وجد تنفسه قليل، وضع له تنفسه الصناعي... جلس بجواره وربت على يديه وبجانبه غزل التي تنظر لوالدها بعمق أردفت متسائلة: -بابا ليه كتبت كل حاجة باسمي؟ ونظرت لجواد: وليه أنت عايز تتجوزني دلوقتي؟ ضغط والدها على يديها: -عشان عايز أطمن عليكي يا قلبي وأفرح بيكي وبعدين حضرة الضابط هو اللي مستعجل... أنا هسيبك شوية مع بابا وهخرج. خرج جواد إلى والده. ضمه والده من أكتافه:
-طول عمري مش بستنى منك غير كده يا جواد، ربنا يبارك فيك ويحفظك يا ابني. نظر صهيب مبتسمًا له: -عمو حبيبي هو اللي بيتعب بيحلو كده؟ بس كفاية وحشتني. أردف بها بعدما سقطت دمعة من عينيه. أمسك يديه وقبلها: -يالا خف بسرعة البيت وحش من غيرك... حاول ماجد أن يرفع يديه ويملس على وجهه بحنان ولكنه لم يستطع... جلس أمامه صهيب: -أؤمرني بس وأنا تحت الطلب... حتى ممكن أجازف وأتجوز البت صاحبة اللسان السليط دي. ابتسم له ماجد بحب:
-كان نفسي بس فيه اللي سابقك وخطفها منك وهو بالذات مقدرش أقوله لا. نامت على صدره: -قوملي يا بابا مبقاش عندي حد غيرك. نظر إليها وبكى عليها... كيف لي أتركك صغيرتي ربي يتولاكِ برحمته. -غزل أنت موافقة على جواد؟ وقفت عن الحديث ولم تتكلم... نظر والدها لشرودها وحاول أن يعلم إذا كانت مقتنعة بجواد أم لا. -غزل أنت بتحبي مين أكتر بابا ولا جواد؟ نظرت لصهيب ضائعة ماذا تجيبه وكيف لأبيها أن يسأل مثل هذا السؤال.
-بابا أنت حبيبي وكل حاجة حلوة ليا إزاي بتقارن نفسك بجواد؟ ابتسم ماجد ابتسامة كادت أن تخرج من شدة آلامه: -"مش ده جواد اللي كنتِ دايماً بتقولي إنك بتحبيه أكتر حاجة في الدنيا؟ انخرطت في البكاء وتحدثت: -كان مجرد كلام يا حبيبي أنت عندي أغلى واحد في الدنيا... -طيب عشان أنا أغلى واحد في الدنيا لازم توافقي على اللي هقوله. ارتجف قلبها ولا تعرف لماذا. ضغط ماجد على يديها ونظر لصهيب:
-جواد بيحبك يا قمري وطلب مني أسرع بجوازكم، هو طلب مني امبارح كده. نظرت بتشتت لوالدها ثم إلى صهيب الذي أدار وجهه للجهة الأخرى، حتى لا ترى حزن عينيه عليها. -غزل عايز أكتب كتابكم النهاردة، لازم تسمعي كلام بابا... قاطعهم دخول جواد والمحامي ووالده إليهما. الأستاذ أمين. جلس أمين المحامي بجانب ماجد وجلس أمامهما جواد ووالده... ظلت غزل واقفة بمكانها لا تتحرك لا تبدي أي ردة فعل.
اتجه إليها جواد بنظره ووجد حالتها هكذا آلمه قلبه عليها... تساقطت دموعها بغزارة عندما تحدث والدها بصوت متقطع للمحامي أن يكتب كتابهما. هنا لم تستطع الصمود وصرخت بصوت باكي فجأة: -بابا أنت مخبي عني إيه؟ ليه السرعة دي ده جاسر لسه ميت قريب... حتى مش مستني تخرج من المستشفى. ضمها صهيب بقوة: -غزل حبيبتي بلاش تعملي كده بابا تعبان بلاش نتعبه. وقف جواد سريعًا واتجه إليها ورفعها من الأرض وضمها بقوة إلى أحضانه وبدأ يتحدث إليها:
-حبيبتي ليه بتعملي كده؟ بلاش توجعيني يا غزل عشان خاطري. رفعت رأسها من أحضانه وهمست له: -أنتوا مخبين عليا إيه يا جود؟ بابا هيموت صح؟ أغمض عينيه بقوة وقهر وألم عليها، لقد شقت قلبه لنصفين، نظر إلى المحامي ووالده حتى يكملوا عقد القران ثم همس لها: -ده مجرد أمان عشان باباكي خايف عليكي وحاسس إنه ممكن يحصله حاجة... ويا ستي اعتبري أنا اللي مستعجل، نظر لها: أنا وحش يا زوزو فين بحبه أكتر من روحي. -ليه دلوقتي يا جواد؟
فجأة كده جيت في بالك واكتشفت إنك عايزني وأنت لسه سايب واحدة من أسبوع كنت بتقول حبيبتك... قولي ليه وليه رافض حد يقربلي؟ مجرد كلمة فقط زلزلت كيانه... نظر بتيه لعينيها الساحرة وأردف متخبطًا من مشاعره: -كنتِ عايزة حد تاني... ومين قالك إني هوافق ولا أأمن لحد عليكي... ولا حد ممكن ياخدك مني ببساطة حتى لو كان الحد ده صهيب... بعدين نتكلم حبيبتي، مش دلوقتي. قبل جبينها متجها لوالدها.
تنهد صهيب أخيرًا براحة ونظر لهما، وحث جواد للذهاب إليهما. نظر جواد نظرة أخيرة إليها وشعر أن الأرض تميد به عندما وجد دموعها تغرق وجهها بغزارة. ظن حينها إنها رافضة شخصه. ياترى كلامك ليا صحيح ولا تخمين يا غزل؟ غزل، لو مش عايزة الجوازة دي، وحاسة إنك هتقابلي شخص يكون فتى أحلامك بجد، وقتها هنفترق ماشي، بس دلوقتي لازم نكمل جوازنا. أردف كلماته ثم تركها.
خطى إليهما وكأن جدران الغرفة تطبق عليه. تم عقد القران غير الموثق لعدم وصول غزل السن القانوني. ظلت تنظر له وهو جالس. يالك من أحمق يا حبيبي، كيف لك أن تتخيل أن قلبي يميل لسواك؟ جذبها صهيب وخرج بعدها. وقف يمازحها عندما وجد حزنها. أقول مبروك يا مرات أخويا ألف مبروك، المفروض تقوليلي يا عمو صهيب. ابتسمت على مزاحه وتغير مزاجه. تسلملي يا أبيه ربنا يخليك ليا دايما، بحس بوجودك جنبي. وشكرًا، لولا وجودك ما كان أبو الهول نطق.
ضحك عليها. وصل جواد إليهما واستمع لحديثهما الذي أوجعه ولا يعرف لماذا. هل تضايق من حديثها لصهيب؟ ادخلي لبابا يا غزل عايزك. دخلت بهدوء لوالدها، رفع يديه إليها أن تتقدم. -مبروك يا حبيبتي، عايزك تعرفي جواد أحسن شخص وشكلك بتحبيه أوي، هو كمان بيحبك، أنتِ عنده أغلى من أي حاجة. صدمني بكلامه ما كنتش أتوقع إنه بيحبك أوي كدا. ممكن تكوني لسة صغيرة بس أكيد فاهمة مشاعرك كويس. ونظراته زمان قولتها له لكن هو ضحك واتريق.
ثم أكمل استرسالًا لحديثه: -عايزك تعرفي إنك أغلى حاجة عندي وعمري ما فكرت غير في سعادتك. قبلت يديه. ربنا يخليك ليا يا حبيبي يا رب. روحي مع جوزك دلوقتي أنا عايز أرتاح. تحركت لتخرج ولكنه أوقفها. "غزل"!! نظرت له وعيناها تغشاها الدموع. رفع يديه. أسرعت إليه وألقت بنفسها داخل أحضانه وبكت بقوة. -أوعى تسيبني يا بابا. ضمها بحنان. -ربنا يسعدك يا حبيبتي ويرحم أخوكي. دخل جواد عندما تأخرت بالداخل.
صوب نظراته لها، وجد دموعها تسقط بصمت. خطى إليها بخطواته الواثقة. -ينفع كدا تعيطي النهاردة؟ دا فال وحش على فكرة، مش كدا يا عمو؟ أغمض ماجد عيناه لعدم قدرته على الكلام. جذبها من يديها للخارج. -بابا تعبان تعالي نمشي. اتجه بها للخارج وقف بجانب صهيب الذي ينتظره. بسط يديه إليها. نظرت لداخل مقلتيه، ودقات قلبها تتصارع كالطبول، أحقًا أصبحت زوجته؟ شبكت أصابعها بأصابعه. هنروح فين؟ هنا قاطعهم صهيب. عازمكم على العشا.
توجه بنظره لجواد. يارب ذوقي يعجبكم. ضمه صهيب لأحضانه وهمس له: "جواد إنسى كل حاجة، افتكر حبيبتك بين إيديك وبس. دي فرصة جاتلك على طبق من ذهب". تركه جواد جاذبًا غزل من يديها. وصلا لسيارته، فتح بابها واستقلت بها وتحرك بالاتجاه الآخر للقيادة. وضعت رأسها على النافذة وتساقطت دموعها بغزارة فجأة. صدمته حالتها. اهتزت نظراته إليها. شعر أن شيئًا غريب يحدث له. اقترب ومسح دموعها بحنان: "ممكن أعرف إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
لو شايفة جوازك مني هيقهرك أوي كدا صدقيني ما كنتش اتجوزتك". فتحت عيناها وصوبت نظرها داخل عينيه. "دا اللي فهمته يا جود". أردفت بها بصوت باكي. ملس على جانب وجهها: "غزالتي بقت صعبة عليا ما عدتش بفهمها". وضعت خدها على يديه الذي لامس خديها به: "ولا عمرك هتفهمني. أنا تعبانة أوي ومحتاجة أرتاح". ثم أغمضت عيناها. أوعي تقولي ناوية تروحي للدكتور النفسي الأهبل، ما أعرفش ليه حاسس الدكتور الأهبل دا صهيب. قهقهت فجأة على رغم حزنها.
طيب والله صهيب دا العاقل اللي في عيلتكم. -آه صهيب هو العاقل، لما دا يكون عاقل فين المجنون يا حبي؟ شعرت بعاصفة داخل قلبها من مجرد كلمته التي قالها بعفوية. احتوت كفه بين راحتيها وحاولت أن تجمع شتات نفسها. -جواد ليه اتجوزتني؟ ليه فجأة كدا؟ وياريت تكون واضح، عايزة أعرف السبب الرئيسي. نظر لوجهها الذي يشبه الوجه الملائكي بهدوء. نعم قلبه يذوب كقطعة شوكولاتة معها فقط. جذبها بهدوء إلى موضع قلبه.
ممكن نتكلم بعدين، اليوم كان طويل ومتعب جدا النهاردة في الشغل. وقام بقيادة السيارة. ثم نظر إليها وهي في حضنه وعلى كتفه. ورغم إنها فعلتها كثيرًا قبل ذلك إلا اليوم هناك شعور لذيذ لديه. لا يعرف هويته. جذبها بقوة وقاد السيارة بيد واحدة وهو يستنشق عبيرها. شعرت بدقات قلبه تحت خدها. أغمضت عيناها تستمع لدقاته ودفء حضنه تتمنى لو يتوقف الزمن هنا فقط، لم تعد تطلب شيئًا آخر غيره.
مسحت رأسها بعنقه مما أدى إلى ارتفاع وتيرة أنفاسه من فعلتها البريئة، ولكنها جعلته كنيران مستعرة. بعد دقائق وصل إلى المكان المنشود الذي أخبره به صهيب. نزلت بهدوء من السيارة واتجهت إلى الناحية التي بها جواد. أغلق سيارته وجذبها من خصرها متجها بها إلى مكان يطل على النيل محجوزًا خصيصًا لهما. دخل وجد أضواء شموع خافتة، تزين مائدة الطعام التي توضع في ركن هادئ وموسيقى هادئة. أجلسها وجلس بمقابلتها وابتسم بهدوء مردفًا:
-والله صهيب دا مالوش حل، دا المفروض يكون دكتور في الحب. ضحكت عليه. -هو فعلا حاجة نادرة، بحبه جدًا، بيمشي معاك على الطريقة اللي بتكون موجود عليها. رفع حاجبه ونظر لها بهدوء مخيف. بتحبيه؟ والله حبك برص إنتِ وهو. تعرفي اللي بتقولي عليه دا؟ كان ماشي مع نص بنات الجامعة، كل شوية أجيبه من مصيبة. وخليفته زفت سيف. -ويترى حبيبي كان مؤدب؟ يا إلهي ماذا قالت هذه الطفلة من كلمة حتى اخترقت جدران قلبي؟ أتناديه بحبيبها؟
نعم فأنا رَجُلها الأوحد. ملست على يديه بحب. بكلمك ما بتردش ليه؟ وضع يديه على الطاولة واقترب منها حتى وضع جبينه فوق جبينها، وأردف بقلبه قبل لسانه: -قولتي إيه من شوية؟ لا تشعر بنفسها كأن جسدها مخدر بالكامل من حرارة أنفاسه التي تضرب بشرتها الناعمة. وضعت يديها على خده. -جود مش عايز تقولي حاجة؟ تحكيلي أي حاجة، عايزة أعرف كل حاجة. وضع سبابته على شفتيها.
فشعر بضعف قلبه لمجرد لمس شفتيها، بل ضعف كيانه بالكامل ورغبة وحيدة وهو أن يتذوق حلاوة شهدها. أغمض عيناه عن ذكرى تذوقه لشفتيها. وضعت يديها مرة أخرى على خديه مستمتعة بلحظتهما هذه. أمسك يديها وقبلها، مما جعلها تشعر بفراشة تدغدغ معدتها. نظر لحالتها التي أصبحت عليها، هو لا يقل عن حالتها أبدًا، ولكن عقله استجاب وأرغمه لخروجه من نشوة القرب. وقف وبسط يديه: -تعالي نرقص.
وقفت بابتسامتها ورقتها مما شعر أن هلاكه سيكون على يديها الليلة. حوط خصرها بيديه ووضعت رأسها في مكانها المفضل. اعتدلت ونظرت لداخل عينيه. دا مكاني المفضل، لازم أحس بنبضك ليا لوحدي. عصرها بين أحضانه. -ووعد مني عمره ما أكون لحد غيرك، يا قطعة من روحي. هنا أصبحت ساقاها كهلام لم تحتمل كلماته ولا لمساته لخصرها وهي في أحضانه. دقات قلبه تعمل كالطبول. أهذا عشقها وحدها؟ هل هذا حقيقة أم خيال؟ رددت في سرها.
أحمدك ربي على تعويضك لي. وضعت رأسها في تجويف عنقه ورأت كيف إنه لم يستطع بلع ريقه بسبب تحريك تفاحة آدم لديه. رفعت نظرها مما أدى إلى تلامس شفتيها إلى عنقه. هنا فقد السيطرة بالكامل على نفسه. نزل بنظره إليها وقام برفعها حتى أصبحت بمستواه، وأردف بصوت متهدج بمشاعره التي جاهد طويلًا لدفنها بداخله وإعلانه الزائف إنها ابنته. اقترب حتى اصطدم بوجهها القريب جدا ونظراتها التي خدرته بالكامل وتبعث في جسده قشعريرة لذيذة. ولم يختلف الحال بما أصابها، فقرب أنفاسه الحارة واختلاطها بأنفاسها، شعرت بأن الأرض تميد بها ولم تقو على الوقوف. ألقت بثقل حملها عليه، وكان أكثر من مرحب بذلك.
اقترب للحد غير المسموح لشفتيها وكاد أن يقبلها، لولا رنين هاتفها الذي أيقظ عقله لأرض الواقع. أمسكت هاتفها بيد مرتعشة لم تقو على الوقوف. فهم حالتها، جذبها وجلس بها على المقعد. -أيوة يا نهى. أردفت بها بصوت مرتجف من كم المشاعر التي كانت عليها للتو. وقف واتجه ينظر للنيل بهدوء وبدأ يلوم حاله. إزاي تعمل كدا؟ إنت غبي. فجأة تساقطت دموعه رغما عنه، لوجع قلبه الذي بدأ يدمي لاشتياقه لها وهي بين يديه. نظر للسماء وكأنه يناجي ربه:
ربي أزل تعب قلبي. ربي أخشى من فقدانها. ربي اجعلها لي قرة أعين. ربي الاختبار صعب وثقيل، ربي نجيني من وجع الفراق. أطرق رأسه للأسفل يقاوم رغبة قوية في البكاء. لماذا تضعه الحياة داخل هذا الاختبار الصعب؟ كيف سينجو ويخطو من كل هذه العقبات ولما لا وقلبه العقبة الأكبر؟ خرج من حديثه مع نفسه عندما وجدها وقفت بجانبه ووضعت رأسها على كتفه.
لذيذة، جميلة، مرحة، منيرة كالبدر ليلة التمام، رغم حضورها بلباسها المعتاد إلا إنه يراها كأجمل عروس في ليلة عرسها. ضمها لأحضانه. -ليه قولتيلي على موضوع الدكتور اللي رحتي له إنتِ وجاسر؟ اعتدلت ثم اتجهت موالية ظهرها. -عشان دي الحقيقة. لوهلة صدمته بردها ولكن استكمالها جعل الراحة تسكن شريانه. حبك مختوم في قلبي. جاسر الله يرحمه كان عايز يثبت لنفسه ويثبتلي إني موهومة بحبك. ما يعرفش إن روحي فيك.
أغمض عيناه مستمتعًا بكلماتها. حاول تهدئة مشاعره ولكنه يشعر بأن قلبه سيقفز من صدره. رد عليها بلوم واستنكار: ليه قولتيلي الكلام الأهبل بتاع المقبرة؟ جلست أمامه على السور. كنت مستني إيه وأنا شايفة نظراتك ليا مشتتة حسستني بضياعك وكأني قدامك واجب ولازم تهتم بيه. شفت نظرات أول مرة أشوفها. ودا يديلك الحق تكسريني كدا؟ يأست يا جواد وإنتَ عارف اليأس بيعمل إيه، بيكون زي العدو اللي عايز يخلص منك، كنت محتاجة أمل إني أكون خاصة.
تقومي تنسبى نفسك لراجل تاني؟ إزاي تدي نفسك حق إن راجل غيري طلب إيدك لو حتى أخويا؟ أو حتى مسرحية هزلية؟ أردف بها ونيران الغيرة تنهش بقلبه. قوليلي المفروض أتصرف إزاي؟ وضعت يديها على وجهه عندما لاحظت عصبيته، إنه محق. كيف تجاهلت نظرات عشقه لها؟ ثم حركتها على نبضه قائلة: -ما كنتش أعرف إن دا بيدق ليا صدقني. داعَبَت أنفه بأصابعها. ما يبقاش خلقك ضيق كدا. جحظت عيناه وأردف مذهولًا من حديثها: خلقي ضيق؟
دا جواز، يعني لو ما دخلتش كان صهيب ممكن يتجوزك حقيقي. نزلت للأسفل. صهيب عمره ما كان هيعملها، إنت عارفه أكتر مني. ولو عملها؟! -مستحيل، عشان وقتها هكون ميتة لو كنت لراجل تاني. هنا وقف الزمن. هنا صاحبت دقات القلوب. هنا ارتجفت نظرات العيون. هنا تغلب العشق على المنطق. هنا فقط رمى كل وعوده تحت قدميه وسحقها داخل أحضانه. أسند جبهته على جبهتها، وتحدث مغمض العينين بلهفة عاشق وبدون سيطرة على مشاعره:
-كنت هكون ميت، وإنت اللي قتلتيني. ضم خصرها لحضنه، ولف ذراعه حول جسدها بتملك، وأصبح كالعاصفة الهوجاء تلتهم كل شيء. -مستحيل كنت أسيبك لحد تاني. أمال برأسه طابعًا قبلة عميقة فوق جبهتها. تمنى لو يسحق بها شفتيها، لكنه تريث قليلًا حتى لا يخيفها وتعتاد على علاقتهما الجديدة. تنهد بتثاقل، وأصبحت حالته ميؤوسًا منها لنفسه. -ليه سيبت ندى؟ سؤالها في هذا الوقت زلزل كيانه، على الرغم من توقعه لسؤالها. زفر بضيق،
ونظر للبعيد وتشتت نظراته: -بلاش نتكلم في الموضوع دا دلوقتي. موضوع مش مهم. ضيقت عيناها، ونظرت مستاءة من رده: -مش مهم لما تكون من أسبوع بس خاطب، والنهاردة تيجي وتتجوزني، وأعرف إنك بتحبني؟ أنا تايهة لو سمحت فهمني. اتجه موليًا ظهره:
-غزل، بعدين نتكلم، بلاش نتكلم دلوقتي. بكرة العيد، حبيت نتجوز عشان يكون مميز، عشان ما أحسش إن جاسر مات. عايز فرحة تدخل قلوبنا بدل الحزن اللي هيخلص علينا كلنا. أنا بحاول أسند الكل، بس مش لاقي اللي يسندني. بقيت محصور من كل الجهات، مش عارف الضربة هتيجي من مين. استغربت حديثه. اتجهت له، ونظرت لداخل مقلتيه: -في إيه وضربات إيه؟ إنت بتدور على اللي قتل جاسر مش كدا؟ وفي الآخر تدخل في صراع مع عصابة عندهم الدم زي الميه.
تشبثت بقميصه، وأردفت بقهر طفلة يتيمة مكسورة من ضياع والديها: -بلاش يا جواد عشان خاطري. فيه ربنا هيخلص حقوقنا وياخد حق جاسر. جواد إياك، أنا ماليش حد غيرك إنت وبابا. لو بتحبني صحيح، ما توجعش قلبي عليك لو سمحت. هموت لو حصلك حاجة. ظلت ترددها بخوف وضياع. ضمها لأحضانه، وهمس لها: -حبيبتي أنا موجود ومستحيل أسيبك. رفع ذقنها، ومسح دموعها، وبدأ يمازحها: -ينفع مرات جواد الألفي تكون ضعيفة كدا؟
كدا هتضعفيني، أنا عايز قوتك مش ضعفك أبدًا حبيبتي. ضمته بقوة: -الفقدان صعب قوي يا جود، صعب دا موت بالحياة. ما تفتكرش إني سعيدة وجاسر بعيد عني. أنا اتكسرت، وحضني الدافي راح. شدد عناقها وتركها تخرج ما يجيش صدرها. -حبيبتي عايزة أقولك، أنت النفس اللي بتنفسه، اوعي تقطعي نفسي دا يا زوزو. لمست جانب وجهه: -أنا بحبك قوي يا جود، قوي فوق ما تتخيل. أغمض عيناه منتشيًا بقرب أنفاسها، وكلماتها التي زلزلت كيانه:
-وأنا بعشقك يا قلب جود. -ياااه أخيرًا... كنت فقدت الأمل إني أسمع منك حاجة قبل ما أموت. قاطعها سريعًا وهو يضمها بقوة: -بعد الشر عليكي يا روحي. يا رب ما يوجع قلبي عليكي. -جود، ممكن أروح أبات عند نهى النهاردة؟ محتاجة أقعد معها شوية. صوتها حزين، وشكل موضوع خالد اتفتح تاني. -من إمتى وإنت بتباتي بره يا غزل؟ زفرت بضيق. ملس على وجهها بحنان:
-الصبح أوديكي، لكن بيات بره البيت لا يا روحي. تعالي عشان نتغدى أكل صهيب. والله خايف يطلع لي بقرموط من الغدا دا. ضحكت بخفة: -ما أعرفش مالك وماله. دا صهيبي. -أهو مجرد ما بتقولي كدا دمي بيغلي، وببقى عايز أكسر دماغك. رفعت حاجبها، ونظرت له باستخفاف: -صهيب دا مكانته غير يا جود. يعني دا توأم روحي... إنت ناسي؟ قاطعها: -وأنا من ساعات بس كنت زيه، لكن شوفي دلوقتي جوزك. فبلاش لعب بأعصابي يا زوزو عشان ما أخليش ليلتك وردي يا روحي.
-جواد، إنت ليه خطبت ندى؟ أردفت بها مفاجأة. نظر لها، ثم توجه بأنظاره للبعيد، وتحدث بهدوء ينافي عاصفته الداخلية: -هتزعلي لو كلمتك بصراحة؟ -أنا سمعاك يا جواد ومش هزعل. أردفت بها بصوت مرتفع بعض الشيء. وضع قطعة ستيك بفمها، ونظر بهدوء لعينها: -عشان عجبتني. يعني ممكن تقولي: جميلة، جذابة، عملية، ناضجة التفكير. يعني اخترتها بعقلي. -طيب لما فيها كل الصفات دي، سيبتها ليه؟ زفر بضيق من أسلوبها الطفولي. لن تتغير أبدًا صوب نظرات.
-وبعدين يا غزل؟ مش قولت بلاش نتكلم في الموضوع دا؟ ليه عايزة تنكدي وخلاص؟ صدمها بكلماته: -أنا نكدية وبنكد لما أسألك ليه سيبت خطيبتك، ومن يوم وليلة اتجوزتني؟ أكون نكدية؟ -مش أنا اللي سيبتها. أنا مش غدار ولا خاين عشان أرميها. هي اللي سابتني. أردف بها بهدوء مميت لروحها. نظرت للجهة الأخرى عندما وجدت عيناها تغشاها الدمع، وأردفت بصوت حزين: -يعني لو ندى ما سابتكش، كنت هتفضل مكمل معها؟ زفر بضيق، ورغم ذلك أجابها:
-أيوه، عمري ما كنت أبيعها. صاعقة ضربتها بشدة، وقفت فجأة: -عايزة أروح. أردفت بها متجهة للسيارة دون حديث آخر. استدعى النادل، وقام لكي يدفع الحساب، ولكن أكد له النادل أن صهيب قام بدفعه. في فيلا يحيى الحسيني. أتاه اتصالًا من شخص غريب: -معايا اللي يخلصك من جواد الألفي. -إنت مين؟ -واحدة متعرفهاش. المهم عايزة تمن للحاجة اللي معايا. -أشوف الأول وبعد كدا أحكم. ضحكت ضحكات رقيقة، وأردفت كالحية:
-رقبته تساوي كتير، تخيل دي رقبته وسمعته. هبعتلك جزء من الحاجة، وبكرة عايزة عشرة مليون. ما هو أكيد ورث ماجد ما يجيش رماليه من الفلوس دي. يجلس حازم في حديقة المنزل يعمل على الجهاز المحمول. اتجه صهيب وجلس بجواره: -كل تم زي ما خططنا بالضبط. مسح حازم وجهه براحتيه يتمتم:
-على قد فرحك دا، على قد خوفي من العلاقة دي. أنا خايف على جواد فعلًا يا صهيب. إنت مش مدرك للخطر اللي ممكن يواجهه، لكن في نفس الوقت لازم ينفذ وصية جاسر، وكمان حبه اللي بدأ يتغلغل في أعماقه. آهة خفيضة تحررت من شفتي صهيب: -أنا خايف أكتر من جواد نفسه. مشكلة جواد إنه ضاغط على قلبه وشغال بعقله فقط. لكن ساعات الضغط بينفجر وبيعمل أخطاء. توجه بنظره له: -تفتكر هو خطأه إيه؟ ليه عايز يوهم نفسه دايما بخطأه يا حازم؟
ليه نمشي ورا كلام الناس اللي دايماً قاعدة للانتقادات فقط؟ زفر حازم بضيق: -واخد الموضوع ببساطة يا صهيب. اقعد واتفرج شوف لما الموضوع يتعرف إيه اللي هيحصل. ما تنساش مركز جواد حساس. قاطعتهم مليكة، ألقت عليهم تحية المساء. نظرت بهدوء لحازم الذي يجلس يرتدي نظارته الطبية ويعمل: -حازم، عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، ومحدش هيساعدني فيه غيرك. وقف صهيب واتجه للداخل: -هسيبكم وأدخل. عندي مقابلة عمل بعد ساعة، يا دوب أغير وأتحرك.
أومأ له حازم بنعم. اتجه بنظره لمليكة: -عاملة إيه؟ شايفك أحسن دلوقتي. أطبقت جفنيها المتعبتين، وتركت دموعها للانسياب: -تفتكر هكون عاملة إيه بعده؟ صرخة من أعماق قلبه على حالتها وعلى قلبه المسكين. سكت لثواني يتأمل قسمات وجهها الحزين، ثم تنهد بحزن: -عارف مصيبتنا كبيرة، لكن ربنا رحيم يا مليكة. ما نعرفش حكمته إيه أو بالأصح لازم نحمد ربنا في السراء والضراء. -الفراق موجع قوي يا حازم ومؤلم، وخصوصًا لو حد غالي.
دمعة سقطت رغماً عنه، وأردف بتثاقل اللسان: -عارف وحاسه. جربته كتير يا مليكة، أكتر واحد الفراق علّم عليه. عايز أقولك الإنسان جه من النسيان، هتنسي مع الوقت. هيكون مجرد ذكرى حلوة في حياتك. -جاسر مستحيل يتنسي. جاسر دا اللي علمني يعني إيه الحب بجد. صدره اختنق بكلماتها، لقد شقت قلبه لنصفين وأدمته بكل جبروت، ورغم ذلك نظر للبعيد، وأردف بحزن: -جاسر علّم الكل حاجات كتيرة. المهم كنت محتاجة إيه؟
-عايزة أعمل مجمع خيري صدقة على روح جاسر. يعني ممكن اللي يخرج منه يكون تبرعات للفقراء. -حلوة الفكرة يا مليكة. ليه ما طلبتيش من صهيب أو جواد؟ ليه جايالي أنا؟ -عشان عرفاك مش هتقصر مع ابن خالتك، وكمان عايزة حاجة خاصة بيا ليه. صهيب وجواد بيفكروا في حاجة تانية. أنا مراته، عايزة أكون عملي مستقل بيه لوحده وليا لوحدي. زفر بوجع، حاول الثبات قدر المستطاع أمامها. رفع نظره إليها:
-حاضر يا مليكة، هشوف الموضوع دا وأدرسه وأعرفك آخره إيه. وقفت ونظرت لعيونه الحزينة التي يبعدها عن مرمى نظرها: -شكرًا يا حازم، عارفة إنك هتعمل قصارى جهدك. أومأ برأسه دون كلمات أخرى. تركته وغادرت. وضع يديه محل قلبه: -محكوم عليك بالوجع طول العمر. حاول تنسى وتتأقلم على الحياة من غيرها. أعرف إنها بقت الشراب المحرم عليك. آاااااه يا رب أخرجها من قلبي. يا رب كفاية وجع، لم أعد أتحمل الأنين. الألم ينخر قلبي قبل عظامي.
في شقة شهيناز. تجلس تتناول غدائها مع أخيها الذي أتى اليوم من سفره: -اتجننتي عشان تروحي المكتب وتهدديه؟ ضربت على المنضدة بيديها حتى هشمت محتويات الطعام الذي توضع: -كنت عايزني أعمل إيه بعد لما روحت لماجد المستشفى، ولقيته حارمني من كل حاجة؟ دا قالي مش هتنولي ولا جنيه. تذكرت حديثه: -دخلت غرفة ماجد الموجودة بالعناية المركزة. جلست بمقابلته على المقعد، وأردفت بحقد وغل:
-تعرف، اتحملتك كل السنين دي كلها عشانه هو، عشان نظرة من عيونه اللي كانت بتجنني لما يبص لي بالغلط، ولا حتى لما يكون مضايق مني. حاولت كتير معه بس هو غبي، راح حب الزفتة مليكة. لا وكمان كان خايف عليك. حبيته قوي يا ماجد، لكن شوف هو رفضني وخلاص ما عادش موجود. إنت السبب في موته، لو ما طردتوش كان ركز ومحدش قدر يموته. بس هو أكيد كان زعلان منك عشان كدا إنت السبب في موته. أنا لازم أنتقم من الكل يا ماجد، وأولهم جواد.
قهقهت كالمعتوه: -وجواد جه تحت رجلي. دا طلع عشقان لبنتك. وأنا الهبلة اللي كنت مفكرة بنتك العبيطة هي اللي بتحبه. أتاري حضرة الضابط مغرم بالعيلة وهيموت لو حد لمسها. اقتربت بوجهها منه: -أنا بقى هندمه وأقهره عليها. شوف هخليه يسلمها ويجوزها بنفسه لسامح. هحرق قلبه عليها زي ما انتوا حرقتوا قلبي على جاسر حبيبي. فتح ماجد عينيه، وأردف بلسان ثقيل: -اطلعي بره. أنا بعتلك ورقة طلاقك يا حقيرة.
لعن نفسه الذي أوقعه في طريق تلك الحية الرقطاء لتصل لمستوى الدناءة وتعشق ابنه وهي على ذمته. لا، وكانت بترواد ابنه. أغمض عينيه بقهر وعجز من نفسه. لمس الجرس مما أدى إلى دخول الممرضة: -الست دي طلعيها. لو جت ما تدخلهاش. جذبتها الممرضة للخارج. بدأت تصرخ: -هقهرك إنت وجواد على غزل زي ما قهرتني على جاسر حبيبي. هذا ما دعا جواد لإتمام زواج جاسر وغزل. دخلت له الممرضة للاطمئنان عليه بعد: -اتصلي بحسين خليه يجيلي ضروري يا بنتي.
أومأت برأسها بعد ما رأت انخفاض الضغط ودقات القلب. خرجت سريعًا لمهاتفة حسين. في فيلا يحيى الحسيني. نقر عاصم على مكتبه ناظرًا لوالده: -يمكن حد بيشتغلنا يا بابا أو يمكن جواد عامل كمين. نظر والده بشرود: -ما أعرفش يا عاصم. المهم دلوقتي لازم نبعت الصور إياها لندى، وعايزك تراقب جواد بس من بعيد أو يحس بيك، دا ضابط يعني عنده أربع عيون.
-لا أنا هراقب غزل مش جواد يا بابا. غزل هي اللي هتجيبه وتوقعه في المحظور. أنا سمعت كلام الله وأعلم إن كان صح ولا لا. بيقولوا حضرة الضابط عشقان غزالتي وهي مطنشاه. جحظت مقلتا يحيى من محجريها ونظر لابنه بصدمة: "إنت سمعت الكلام دا من مين؟ "سمعت الناس بيتكلموا في الجنازة.. أنت مشفتهوش كان عامل زي المجنون عليها إزاي! "طيب اسمع ونفذ اللي هقوله بالحرف الواحد، وأمك هتروح معاك، بس الكلام دا لغزل نفسها وإياك تغلط."
عند جواد وغزل: وقف أمام السيارة ونظر لها: "هتروحي دلوقتي ولا تروحي تقعدي شوية مع نهى؟ "لا هروح، نهى كلمتني وخارجة، فيه اجتماع مع وفد إيطالي مع صهيب." هنا تذكر جواد هذا الاجتماع المهم... ولكن والده وصهيب موجودان به. "يعني عايزة تروحي؟ اقتربت منه حتى أصبحت قبالته تمامًا، طوقت رقبته بذراع وبالأخرى تتلاعب بزر قميصه قائلة:
"لو هتسمعني كلام حلو رومانسي، وتحكيلي كل حاجة عن علاقتك بيا، وليه دلوقتي بالذات اتجوزتني، وليه خطبت ندى، وليه سبتها، وليه... وضع إصبعه على شفتيها ونظر داخل مقلتيها وهمس بصوت مفعم بمشاعره: "دي كلها ليه؟ مفيش كلمة تانية؟ مثلًا تقوليلي انسى يا جود كلمات الهبل بتاعتي دي، وأنا هفضل ملكك لوحدك، وعمري ما هتغير، هتفضل ساكن قلبي.. ومتخفش خليك واثق إن غزل لجواد." رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية: "ليه عندك شك في كدا؟
هترجع تقولي كلامك اللي يزعل دا؟ داعب أنفه بأنفها: "والله هتجنيني عارف.. وهيبتي هتضيع على إيدك." ملست على جانب وجهه: "جواد، إنت اتجوزتني علشان بتحبني ولا فيه سبب تاني؟ أوعى تكون عملت كدا عشان جاسر مات وتهديد عمي... وضعت يدها على نبضه: "ولا عشان دا ليا بيدق باسمي يا جود؟ قولي دلوقتي ومتخبيش عني حاجة." خبأ وجهه في خصلاتها قائلًا بارتجافة قلبه من خوفه من معرفتها إنه تزوجها لأجل تنفيذ الوصية... ولكنه يعشقها حد الموت.
شعرت بأنفاسه الحارة على عنقها مما أدى إلى ارتجافة لذيذة لجسدها.. وبدأت تهمهم باسمه. "تفرق يا غزل عندك على طريقة جوازنا؟ المهم إنك مراتي جوه حضني باسمي." رفع وجهه ونظر لشفتيها الذي تمنى تذوقها ولكنه حبيس لثباته حتى لا تشده غرائزه وتفهمها بطريقة خاطئة. بدأت تحرك يديها على وجهه تنحت ملامحه، فقدت السيطرة ووضعتها على شفتيه، دعوة منها لتقبيلها... أغمض عينيه مع لمساتها وقبل يديها.
"تعالي نروح بدل ما إحنا واقفين كدا ويمسكونا بفعل فاضح." أردف بها عندما وجد نفسه فاقد السيطرة على مشاعره. ضحكت عليه برقة: "نفسي أصدق اللي قدامي دا، آبيه جواد بنفسه! وقف فجأة أمامها مما اصطدمت به. جذبها من خصرها عندما وجدها ستسقط. "حد قالك إني مش راجل يابت ولا إيه؟ ضحكت بطريقة صاخبة من طريقته: "لا يا حبيبي أصلي كنت مسمياك أبو الهول الذي لا ينطق...
"لا بجد، دي الستات دول بيحبوا النكد، لو اتكلمنا يقولوا مش مصدقين اللي قدامنا أنت، ولو سكتنا يقولوا أبو الهول... نسخة تانية من ندى في كلامها... هنا وقفت فجأة ونيران الغيرة أشعلت قلبها: "إنت كنت بتقول لندى وتعمل معها كدا؟ أيوه أنا إزاي نسيت دا؟ تحركت سريعًا إلى السيارة: "عايزة أروح." ركب دون حديث، عرف أنه أخطأ في حقها. وضعت رأسها على النافذة تحاول ألا تبكي.. كل ما تفكر به كيف ستأخذ حقها منه.
جذبها بشدة إليه ووضع رأسها على كتفه دون حديث.. نامت ولم تتحدث إليه. وصل أخيرًا للمنزل، صوب نظراته إليها ولمس وجهها بحنان: "حبيبتي اصحي إحنا وصلنا." ابتسمت له كأنها تحلم: "سيبني شوية حبيبي عايزة أنام." كلمة بسيطة ولكنها هزته داخليًا.. هزت الكيان، هزت الجبروت الذي يحاول الحفاظ عليه، هزت مشاعر الأبوة والأخوة وحولتها لمشاعر أخرى بمعنى آخر. فتح أول زر لقميصه.. عله يتنفس عندما شعر بأن الهواء ينسحب من أمامه. ثم توقف
فجأة ونظر لنفسه في المرآة: "إنت اتجننت باين عليك، إيه اللي بتفكر فيه دا؟ دي بنتك، فوق قبل ما تلاقي نفسك غرقت في الممنوع." لام نفسه كثيرًا على ما فعله وتحدث بمكنون صدره إليها. فتح باب سيارته بهدوء وقد تغيرت حالته من عاشق مجنون إلى من يقوم بتنفيذ ما عليه فقط، واتجه إليها وقام بحملها وذهب بها إلى غرفتها. قابلته والدته ومليكة. "غزل مالها يا حبيبي، هي تعبانة؟
"لا يا ماما، هي أول مرة أدخلكم بيها وهي متشالة، الأبلة نامت في العربية وكالعادة عايزاني أشيلها." ضحكت مليكة عليهما: "جدعة يا غزل، خلصي قديمك وجديدك." رفع حاجبه باستياء من أخته: "ليه، حد قالك إني دراكولا يابت؟ حاولت تخفي ابتسامتها ولكنها لم تستطع: "أبدًا يا حبيبي بس غزل دي الوحيدة اللي بتاخد حق الكل منك." "وبعدها لك يا ملوكة، دا أنت غيرهم." دخل بها غرفتها ووضعها بهدوء على فراشها.. ظل ينظر إليها للحظات،
ثم أخفض رأسه وقبل جبينها: "ربنا يهديكي ويقدرني عليكي الأيام اللي جاية ومفقدش أعصابي عليكي يا غزل." وصلت والدته إليه وأردفت هامسة: "عملتوا إيه عند عمك ماجد وكان عايزكم ليه؟ خرج ومعه والدته. "كتبت كتابي على غزل." وضعت مليكة يدها على فمها من ذهولها. زفر بضيق: "كنتوا عايزيني أعمل إيه؟ أسيبها لعمها ولا مرات أبوها دي اللي محدش عارف هي بتخطط لإيه؟ ربتت والدته على ظهره:
"طول عمرك وإنت راجل حبيبي، وغزل عمرها ما هتلاقي أحسن وأحن منك." "لا يا ماما، أنت فهمتي غلط مش الجواز اللي في بالك.. دا لحد ما تكمل العشرين وبعد كده هطلقها." غضبت مليكة من حديثه: "والله يا جواد وكدا نفذت وصية جاسر الله يرحمه." نظر لأخته بغضب: "أنا حاولت صدقيني بس مقدرتش... ليه مش حاسين بيا، من يوم وليلة البنت اللي كنت بعتبرها أختي وبنتي فجأة تكون مراتي؟ "خلاص مش قدها يا جواد، كنت سيب صهيب يتجوزها...
بابا قال إنه مش معارض... "وأنا مستحيل كنت أوافق يا مليكة." استاءت مليكة من حديثه، نظرت له بلوم: "وبعدها لك يا جواد، أنت بتحبها بتعاند ليه؟ محدش يقدر يلومك ليه اتجوزتها." تنهد بضيق وحاول أن يكون طبيعيًا حتى لا يؤذي أخته بالكلام: "ومين قالك المعلومة دي يا مليكة؟ صهيب اللي عامل فيها أفلاطون؟ تحدثت بصوت مرتفع لأول مرة ونزلت دموعها:
"جاسر يا جواد، جاسر اللي قالي جواد بيحب غزل ونفسه يشوفك جوزها.. جاسر اللي كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يسعدك.. وكان تعبان وحزين لما عرف بحبك لأخته.. عارف إنك هتقهر قلبك وتقهر الغلبانة دي." "مليكة ممكن تسيبيني أرتاح شوية... هنزل بعد شوية... حاولي تاخدي بالك منها متفكريش إنها نسيت، هي بتظهر قدامنا كدا بس قلبها بيغلي من جوه بسبب موت جاسر... أنا جبتها متأخر عشان متفكرش إن بكرة العيد وتفكر في ذكريات الليلة دي...
تعبان يا مليكة عايز اللي يسندني مش اللي يقهرني، لو سألتي إنت بتحبها بجد هقولك فوق ما تتخيلي وأنا هعمل اللي شايفه صح." صباحًا أثناء تكبيرات العيد، فاليوم أولى أيام عيد الأضحى. فتحت الجميلة عيناها... استمعت إلى التكبيرات في المساجد.. نظرت حولها تبحث عنه ولكنها لم تجده.. وجدت بجوارها على الفراش فستانين. "الأول دا عشان تلبسيه النهاردة في العيد." أمسكت الثاني. نظرت له بإعجاب: "ودا عشان تلبسيه في سهرتنا الليلة أنا وأنتي.."
ووجدت بجوارهما بطاقة مدون عليها من زوجك الحبيب إلى حبيبة روحه "غزل جواد الألفي". ابتسمت بحب وأرسلت له: "عيد سعيد عليك يا زوجي الحبيب." "زوجتك الحبيبة "غزل جواد الألفي"" وقامت بإرسالها. استمعت للتكبيرات بصوت مرتفع... اهتزت يدها التي تحمل هاتفها وارتجفت شفتاها. "غريبة هو جاسر اتأخر ومجاش يصحيني ليه؟
خطت بهدوء للخارج وذهبت لغرفته المغلقة وذكريات أليمة بدأت تتذكرها.. شعرت بانسحاب روحها وبدأت تبكي.. سقط هاتفها وهي تسير بخطوات هزيلة وتنادي بصوتها عليه: "جاسر إنت فين ياله عشان نروح نصلي العيد." بدأت ترددها إلا أن خرجت من المجمع.. كان سيف يجلس في شرفته ويتحدث في هاتفه ويضحك... فجأة جحظت عيناه مما رأى... أسرع للأسفل وبدأ يصرخ بصوت مرتفع على جواد. "جوووواد...
تفاجأ جواد بصراخ سيف. أسرع جهة الصوت يبحث عنه.. وجده يجري خلف غزل بسرعة.. نظر خلفه وجد جواد يسرع إليه، وقف ونظر له. "بدأ يهمهم بصوت غير مفهوم ويشير لجواد جهة غزل التي تسير بلباس المنزل وهي تنادي على أخيها... غزل يا جواد خارجة معرفش مالها شكلها مش طبيعي." نظر في اتجاهها وجدها تجلس تبكي في الطريق.. وفي لحظات وقفت سيارة بجانبها وقامت بخطفها. وقف ينظر بشرود كأن أعضائه شلت بالكامل وبدأ يردد بلسان ثقيل وكلمات متقطعة:
"غززززززل...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!