تحميل رواية تمرد عاشق بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البارت الأول بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. في قانون العشق يقولون... لا يوجد تعريف للحب، لكنك ستشعر به حين تراه. في إحدى محافظات مصر، محافظة الفيوم، حيث الطبيعة الخلابة من صوت السواقي والشلال، وتغريد العصافير، ورائحة الزهور، وخاصة بمنزل يشبه السرايا وهو منزل الحاج حسنين الألفي، وبجواره منزل منصور الحسيني. تجلس العائلتان في جو من الحب، هذه العائلتان لم تربطهما قرابة الدم، ولكن تربطهما قرابة الصداقة، فما أجمل الصداقة التي تبنى على الصدق...
رواية تمرد عاشق الفصل الأول 1 - بقلم سيلا وليد
البارت الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
في قانون العشق يقولون...
لا يوجد تعريف للحب، لكنك ستشعر به حين تراه.
في إحدى محافظات مصر، محافظة الفيوم، حيث الطبيعة الخلابة من صوت السواقي والشلال، وتغريد العصافير، ورائحة الزهور، وخاصة بمنزل يشبه السرايا وهو منزل الحاج حسنين الألفي، وبجواره منزل منصور الحسيني.
تجلس العائلتان في جو من الحب، هذه العائلتان لم تربطهما قرابة الدم، ولكن تربطهما قرابة الصداقة، فما أجمل الصداقة التي تبنى على الصدق والحب والخير.
صداقة دامت لأكثر من ثلاثين عامًا، لم يشوبها كره أو ضغينة من كلتا العائلتين.
ألا وهما عائلة حسنين الألفي وعائلة منصور الحسيني... تجلس العائلتان قبيل صلاة المغرب بانتظار الأذان حتى يقيموا صلاتهم، ثم يبدأون إفطارهم الأخير برمضان، فاليوم هو المتمم للشهر الفضيل، وغدًا سيكون أول أيام عيد الفطر المبارك.
اتجه جاسر الحسيني، وهو الابن الأكبر لماجد الحسيني، وقام بطرق غرفة نوم أخته غزل الحسيني ثم دخل بعد لحظات.
وجدها تغط في نوم عميق، ملس على شعرها بحنان.
غزالتي قومي يا حبي، المغرب هيأذن وإنتي لسه نايمة...
نظرت إليه بعيونها الرمادية الجميلة تكاد تفتحها بسبب شعورها بالنوم.
_شويه كمان يا جسور، صحيني لما يقول حي على الصلاة.
ثم جذبت غطاءها عليها.
وقف وزفر بضيق وبدأ يحدث حاله.
_أعمل فيها إيه المجنونة دي لو سبتها ممكن تفضل نايمة لبكرة...
تنهد بعمق ثم اتجه إلى الباب وقام بفتحه.
: أهلًا يا جواد أه، هي نازلة خلاص أهو.
وفي غضون لحظات وجدها تهرول إلى الحمام.
ظل يضحك عليها بمرح.
-عرفت اللي هيربيكي يا جبانة.
خرجت بعد دقائق.
_كذا يا جاسر تعمل فيا مقلب، والله إنت رخم وأنا مخاصماك.
ضمها من أكتافها.
_تقدري تخاصمي جسورتك... ما هو هتفضلي تناهدي فيا، فقلت أنادي للي مربيكي عشان عارف إنك مابترفضلوش طلب.
جلست على الفراش وهي تمد شفتيها كالأطفال وتنهدت قائلة:
_معرفش باجي قدامه وبكون عاملة زي التلميذة اللي نسيت واجبها، وهو كمان عاملي فيها نابليون بونابرت.
أطلق ضحكة رنانة.
_يخربيتك لو سمعك، بس هو مش هيعاقبك المرة دي ما تخافيش.
رفعت حاجبها بسخرية وأردفت مازحة.
_أشمعنى ليه ناوي يطلع زكي رمضان عليّا.
حضنها جاسر وما زال يضحك.
_معرفش إنتي وهو عاملين زي الضراير ليه، ما تتكنوش بتحبوا بعض.
ضربته بخفة على ذراعيه مازحة:
_وسع كذا دا يتحب، دا يخوفوا بيه العيال، وبعدين مين هيشهد له، ما إنت صاحبه، أه ياني يا صغيرة على الغلب يا غزولة.
سحبها للخارج هابطًا للأسفل وما زالوا يضحكون... وصلوا حيث تجمع العائلتان.
نظر صهيب لغزل وبدأ يشاكسها.
_الله وأكبر صباح الورد يا غزالة، لسه فاكرة... أنا فكرت نسناكي في القاهرة أه والله.
زفرت بضيق عندما علمت أنها سوف تكون وصلة مزاح من الكل.
_بقولك يا أبيه "صهيب" هو إنت صايم زينا أصلي الصراحة مش مصدقة إنك صايم وإنت مراقب الكل بعيونك الضيقة دي.
لا حلوة يا غزول.
_تصدقي أنا كمان شكيت في نفسي.
ضحك الجميع عليهما... زفرت بضيق واتجهت بأنظارها إلى الصامت الذي يقلب بهاتفه... ولكن عندما تحدث صهيب قائلًا:
_تعالي جنبي هنا تعالي هنعمل دويتو مع بعض جنان بعد الفطار.
_تيجي جنبك فين يا حيوان...
ثم نظر لها شزرًا ورفع ذقنه ثم نظر إلى الكرسي.
_اقعدي عندك على الكرسي.
ظلت كما هي واقفة... أخيرًا خرج عن صمته:
_اقعدي مكانك ولا روحي البسي اسدالك عشان الصلاة... المغرب خلاص هيأذن.
جلست وأغمضت عيناها هاتفة:
_لا لما يأذن لسه هطلع.
نظر إليها نظرة أرعبتها ثم تحدث بصوت كالرعد:
_غزل قلت إيه.
واتجه بنظره إلى الأعلى بمعنى أنها تصعد وترتدي اسدالها.
_أوف خلاص أي أوامر تانية بتحسسني إني مجرم عندك.
همهمت بها وهي صاعدة للأعلى.
_سامعك على فكرة وهتتعاقبي.
هذا ما أردف به جواد.
_وماله يا عم الحنين بتحسسني إنك فرفوش.
وصل ماجد وحسين حيث جلوس شباب العائلتين.
نظر ماجد في الحضور متسائلًا:
_فين غزل لسه نايمة ولا إيه ومليكة كمان مش باينة.
_أنا أهو يا عمو.
هذا ما أردفت بها مليكة بعد خروجها من المطبخ.
_كنت بشرف أشوفهم خلصوا الفطار ولا إيه... أصلي ماما وصتني قبل ما تنام.
ربت على كتفها ماجد:
- ربنا يحميكي يا بنتي.
نظر جاسر إليها بابتسامة... أخفضت وجهها وخجلت من نظراته أمام الجميع... نزلت غزل وهي مرتدية اسدالها وجلست صامتة.
رفعت مليكة ذقنها بمعنى مالك.
وجهت نظرها إلى جواد... أومأت مليكة برأسها عندما علمت أن جواد خلف حالتها.
نظر ماجد بعمق إلى غزل متسائلًا:
_مالك يا غزول مش عوايدك إنك تسكتي؟!
_مفيش يا بابا بس مصدعة شوية من السفر.
تدخلت شهيناز زوجة أبيها في الحديث.
_نامي بدري بس وبطلي تنطيط وإنتي ما تصدعيش...
استشاط داخل جاسر فاتجه بأنظاره إليها.
_مين قالك إن غزالة بتتنطط دا روحها الحلوة بس..
_خلاص إنتوا ما بتصدقوا ترغوا... إيه الأذان هيرفع.
ثم اتجه بأنظاره إلى غزل.
_وإنتي يا عروسة المولد بطلي دلع وادعي ربنا ينجحك وتجيبي مجموع أصلي ورب الكعبة هطلع عليكي الجديد والقديم.
بعد دقائق قام الجميع بالصلاة... ذهب الرجال إلى المسجد بينما قامت مليكة بالصلاة بهم والدتها نجاة وغزل، أما شهيناز أردفت مبتعدة:
_أنا هصلي بعد الفطار أصلي تعبانة.
بعد فترة من الوقت جلس الجميع في الحديقة يتناولون بعض الحلويات المشهورة بهذا الشهر الفضيل وهي الكنافة النابلسية... جلس صهيب بجانب مليكة وغزل يشاكسها:
_بقولك يا غزول هو إنتي ليه بتأكلي كتير بس ما بتتخنيش قولي الوصفة عشان بس أعرف المزة بتاعتي.
_هو فيها مزة يا أبيه من ورايا.
رفع حاجبيه متزامنًا مع شفته العلوية مستنكرًا حديثها:
_ليه يا حلوة هو أنا مش جذاب ولا إيه دا حتى البنات كلهم في الشركة هيموتوا ويكلموني.
نظرت إليها فارغة فاها:
_والله العظيم ليه إيكونش توم كروز.
ضربها بخفة على مؤخرة رأسها.
_بطلي تريقة يا بت!!
جاء جاسر وجلس بهدوء بجانبهم وهو يزفر بغضب... نظر إليه صهيب:
_مالك يا جاسر فيه حاجة حصلت ولا إيه!!
اتجه بأنظاره بالاتجاه الآخر مجيبًا:
: مفيش ما تشغلش بالك... هو فين جواد كان هنا من شوية.
نظرت غزل حيث وقوفه وهو يتحدث في هاتفه وأردفت حزينة:
_هناك أهو بيتكلم في التليفون.
_تلاقيه بيكلم مزته أه ماهو عمو الجنتل هيخطب بعد بكرة.
نظرت إليه غزل بصدمة وهو يتحدث ويضحك... أحست بوخزة مؤلمة أصابت شقها الأيسر وارتجفت أوصالها ثم أردفت بكلمات مهزوزة:
_هو هيخطب إمتى؟! ومين دي تعيسة الحظ؟
نظر جاسر إليها بعمق وحاول أن يفهم بما تشعر به أخته عندما وجدها تتحدث بهذه الطريقة... بينما صهيب تحدث مازحًا:
_أهو افرحي يا ستي هينساكي شوية عمو الدود دا وهتبطلوا لعبة الضابط والحرامي.
صمتت لبرهة وأخرجت تنهيدة عميقة تدل على مدى آلام روحها وكلمات صهيب التي جعلت قلبها يدمي على حبيب لم يشعر بها.
ظل جاسر يدقق النظرات إليها.. هو يشعر أن أخته بها شيء اتجاه صاحبه ولكنه أبعده لفارق السن ولمواقفهم التي تدل على ترابط أب بابنته..
وصديقه الذي يعشق أخرى، ولكن ماذا بها؟ وما بال نظراتها وحزن عينيها التي مهما أخفته عن الجميع فهو يشعر بها. نهض من مكانه ونظر إلى مليكة وأمسك يديها هاتفًا:
تعالي نتمشى شوية.
اتجهت بنظراتها إلى صهيب طالبة الإذن. أشار بعينيه بالموافقة، فنهضت متجهة إلى جاسر.
جذب جاسر يديها وخرج بها إلى الحديقة الخلفية.
وحشتيني أوي يا ملاكي. كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبة قلبي.
نظرت للأرض بخجل ثم أجابته: وأنت طيب.
رفع ذقنها ونظر داخل عيونها:
مليكة هتفضلي مكسوفة مني كدا على طول؟ عايز أقولك فرحنا بعد شهر، أنا اتفقت مع جواد وهو كمان هيتجوز بعد شهر بس قالي ماقلش لحد عايز يعمل مفاجأة لندى.
ثم أكمل استرسال حديثه:
هنكتب كتابنا يوم خطوبة جواد يا ملاكي، إيه رأيك؟
ابتسمت قائلة: اللي تشوفه يا جاسر.
اللي تشوفه يا جاسر.. مفيش اللي تشوفه يا حبيبي.
رفعت عينها إليه بحب وتحدثت مبتسمة:
اللي تشوفه يا حبيبي.
أغمض عينيه مستمتعًا بكلماتها التي خرقت فؤاده. ثم تنهد بحب وتحدث:
وحبيبك مش شايف غيرك يا روح حبيبك.
عند صهيب وغزل:
بقولك يا غزول ما تيجي نلعب حاجة بدل الملل اللي إحنا فيه دا.
أسندت برأسها للخلف ونظرت للسماء تدعو ربها. صمتت لبعض الوقت ثم تحدثت:
ماليش نفس يا آبيه تعبانة وعايزة أرتاح، عندنا عيد بكرة.
ثم اعتدلت ونظرت إليه مضيقة عيناها:
ماقولتليش عيديتي السنادي هتكون إيه؟
جذبها بقوة أوقفها وبدأ يجري بها في الحديقة: ألعبي بس وأنا هقولك.
قربها يضمها من أكتافها ونظر إلى داخل عينيها:
أنسي اللي بتفكري فيه... عمره ما هيكون من نصيبك. بلاش توجعي قلبك على الفاضي يا حبيبتي.
تغضن جبينها بعبوس أصابته بندم وتأنيب ضمير من قسوة كلماته إليها. ورغم ذلك نظرت إليه وأردفت مهتزة داخليًا:
يعني إيه يا آبيه؟ أنت تقصد إيه؟ مش فاهمة؟!
تسطح على العشب وأشار بعينيه أن تجلس بجانبه. أطاعته وهي تشعر بوخزات ناخرة لروحها.
اتكأ على كوعه ونظر داخل عيونها:
أنتِ عارفة إنك زي مليكة وبحبك، بغض النظر إنك رخمة معايا ومش بتحبيني زي دود بتاعك، بس تعرفي حاجة يا بت؟ بخاف عليكي جدًا وعايز أقولك فاهم كل نظرات جواد، بس عايزك تفوقي من وهم حبك له؛ لأنه عمره ما هيكون من نصيبك.
عارفة ليه؟ لسبب بسيط.. إنه بيعتبرك بنته اللي مربيها، يعني حتى هو لو ما حبش حد تاني عمره ما يفكر فيكي غير بنته وبس.
اهتزت شفتاها ولم تعرف بما تجيبه.
نظرت إليه بأعين تغشاها الدموع:
لا أنت بتقول إيه؟ عمري ما فكرت في الكلام دا يا آبيه.
ثم تحدثت بصوت مختنق بالبكاء:
وفعلًا هو ليا أخ كبير وبس.
ثم نهضت سريعًا متجهة للمنزل ودموعها تسقط على وجنتيها تكويها، تكاد لا ترى من غشاوة دموعها. اصطدمت به أثناء سيرها وكادت أن تسقط لولا ساعديه القويتين اللتين تلاقاها بهما.
ضيق عينيه ونظر بعمق داخل عيونها التي تتساقط منها الدموع. مسح دموعها ببطء ونظر إليها بمعنى: مالك؟
مسحت دموعها كالأطفال مبتعدة:
مفيش، تعبانة وبس.
ثم سحبت نفسها من أحضانه متجهة إلى الأعلى ولكنه جذبها بقوة إليه.
الواد الغبي دا زعلك في إيه؟ قولي بس وشوفي هعملك فيه إيه وبطلي عياط.
أخرجت تنهيدة عميقة تحاول أن تلملم شتات نفسها ثم نظرت إلى داخل عينيه بقوة:
مفيش حد مزعلني وبطل تعمل معايا كأنك أبويا أو أخويا، أنت مش أخويا ولا أبويا.
ثم تركته سريعًا متجهة للداخل.
وقف ينظر لذهابها مذهولًا من كلماتها. لأول مرة تحدثه بهذه الطريقة. ما الذي حدث لها؟ أهي جنت بالفعل؟
توقف يردد مع نفسه قائلًا:
البت دي اتهبلت ولا إيه؟ بتكلمني أنا كدا!
ثم اتجه إلى صهيب الذي ما زال يجلس على العشب وينظر إليهما. وصل عنده وجلس بجواره:
إيه اللي حصل خلاها تكلمني بالطريقة دي؟ أول مرة تعملها.
زفر صهيب بضيق من حالة غزل والآن تأكد أنها تحب أخاه. ولكن ماذا يفعل؟
أخاه ليس له ذنب... وهي كبرت ولم تعد الطفلة المدللة.
طالعه جواد مستفسرًا:
صهيب بكلمك!
عايزني أقولك إيه يا جواد؟ من رأيي تخف عليها شوية وبلاش شغل التحكمات بتاعتك دي، غزل كبرت وما عدتش الطفلة اللي بتنام في حضنك، مش ملاحظ إنها دلوقتي وصلت للسبعتاشر سنة يعني بقى لها مشاعر وأحاسيس وممكن تفسر اهتمامك بيها بحاجة تانية، على ما أعتقد إنها مش مليكة وهتفهم اهتمامك دا حب أخوي.
أطلق ضحكات بصخب على كلمات صهيب وأردف مستنكرًا حديثه:
أنت أهبل يالا... مين غزل هتفهم مشاعري ليها غلط؟ دي بنتي يا حمار وهي فاهمة دا كويس.
أخذ صهيب شهيقًا عميقًا ثم زفره ببطء ثم وقف ونظر إليه قائلًا:
لا مش بنتك ولا أختك ولا حتى حبيبتك، عشان كدا ابعد عنها ومالكش دعوة بيها نهائيًا عشان ما ترجعش تلوم حالك.
ثم تركه وغادر.
نظر إلى ذهابه وأردف مستاءً منه:
الواد دا اتهبل، لو ما أعرفوش كنت قلت بيحبها... يخربيتك يا صهيب فصلتني.
على الجانب الآخر تجلس شهيناز تقضم أظافرها عندما وجدت جاسر ومليكة يتجولان بالحديقة وهما متشابكين الأيدي ونظرات الحب بينهما. نظرت لزوجها الذي يجلس مع السيد حسين وزوجته ويتحدثون عن طفولتهم وعلاقاتهم ثم أردفت:
بقولك يا أمجد ما تيجي يا حبيبي نخرج أو نتمشى شوية في الحديقة؟ أهو نهضم الفطار اللي مليان زيوت ودهون دا كدا الدايت هيبوظ وجسمي هيزيد.
أردفت بها ناظرة إلى نجاة زوجة حسين متعمدة إهانتها لزيادة وزنها بعض الشيء.
شعر حسين أنها تخص زوجته بالحديث، فاتجه إلى زوجته بذراعيه وضمها إليه:
تعرفي يا شهيناز لما الست تكون ملظلظة كدا بتكون طعمة وعايزة تتاكل، أما لما تكون معصعصة الواحد يقرف منها.
كظمت غيظها وتحدثت متهكمة:
لا أبدًا يا باشمهندس مين اللي قالك كدا... دا حتى أزياء الموضة كلها وموديلاتها بيكونوا بيرفكت ورفيعين.
خلاص يا جماعة إحنا هنتكلم على الرفع والتخن وننسى أن بكرة العيد والمفروض نزور أقاربنا كلهم اللي هنا ولا إيه؟ عشان ما يقولوش إننا اتكبرنا عليهم زي كل سنة.
أنا جبت هدايا للأطفال يا حسين وكمان بعض السيدات عشان ناخدهم إيه رأيك؟
تسلميلي يا نجاة طول عمرك صاحبة واجب يا حبيبتي.
أمجد: أنا خايف لأدخل أنا ويحيى في صدام زي كل مرة، ما أعرفش هو عايز مني إيه مع إني سبتله كل ورثي من أبويا بس مش رحمني.
نظر حسين للبعيد؛ لأنه يعلم خفايا أخيه:
هتعدي زي كل مرة ما تخافش.
قطع حديثهم وصول يحيى إليهم:
سألت عليكم قالوا إنكم هنا، حمد لله على السلامة نورتوا الفيوم كلها.
وقف أمجد وقام بتحيته احترامًا له؛ لأنه أخاه الأكبر فهتف:
عامل إيه يا يحيى؟ كل سنة وأنت طيب.
نظر إليه يردف بغضب:
يعني أنت هنا ومهانش تيجي تسلم على أخوك الكبير؟ أنا أحسن منك وجيت أهو.
ثم توجه بأنظاره إلى زوجته شهيناز التي تجلس بخيلاء وتضع قدمًا فوق الأخرى وتنظر إليه باستعلاء. لم يعرها اهتمام ونظر إلى حسين ومجيبًا عليه.
بعد فترة من الوقت نظر إلى أمجد وتحدث قائلًا:
عايزك في موضوع مهم على انفراد.
ثم توقف وخطى عدة خطوات.
نظر أمجد إلى حسين وأشار له بعينيه للنهوض خلف أخيه.
وصل إلى مكان ما في الحديقة بعيدًا عن الجميع وجلس وأشار له بيديه أن يجلس على إحدى الأرائك الموجودة بجانب إحدى أشجار الفاكهة ثم تحدث قائلًا:
أنا مش هلف وأدور عليك بالحديث، أنا جاي طالب إيد غزل لعاصم، كفاية إن جاسر راح خطب واحدة غريبة وساب بنت عمه.
تنهد أمجد بضيق ثم نظر إليه وتحدث قائلًا:
غزل لسه صغيرة يا يحيى يا دوب رايحة أولى جامعة والبنت ما بتفكرش في الجواز دلوقتي... أما عن موضوع جاسر فهو بيحب البنت وقلوبنا مش عليها سلطان.
وقف وتحدث بغضب:
يعني إيه يا أمجد؟ بترفض ابني زي ما رفضت بنتي؟ طيب اضحك عليا يا أخي وقولي هشوف رأي البت...
توقف بمقابلته وأجابه مستاءً من مقابلاته التي تنم كل مرة عن غضب أحدهما:
_ عايزني أروح أسأل بنتي اللي لسة مكملتش تمنتاشر سنة إيه رأيك في الجواز؟ أنت مصدق كلامك دا؟
تركه واتجه إلى جاسر الذي وصل على أصواتهم، نظر إليه بحقد:
_ ازيك يا ابن أخويا عامل إيه؟ مستكبر تيجي تسلم على عمك؟
وقف جاسر ولا يعلم سبب هجومه، ورغم ذلك أجابه:
_ أبدًا يا عمي، أنا كنت هاجي لحضرتك الصبح وأعيد عليك وعلى ولاد عمي. حضرتك ليه بتقول كدا؟
غضبه رد جاسر، كان يعتقد أنه سيثور ويخرجه بأي خطأ، ولكنه تماسك حاله وتحدث:
_ نادي على أختك، عايز أسلم عليها قبل ما أمشي.
هنا وصل أمجد وحاول إخراج غزل من هذا المأزق، نظر إلى أخيه برجاء:
_ غزل نايمة يا يحيى. وبلاش عصبيتك دي، وأوعى تفكر إنك تقولها حاجة زي دي، البنت لسة صغيرة.
نظر جاسر إلى أبيه وضيّق عينيه متسائلًا، "ماذا يحدث؟" قالها بعينيه قبل شفتيه:
_ عمك جاي طالب إيد غزل لعاصم ابنه.
_ نعم! هذا ما أردف به جاسر... إزاي يعني؟ دي عيلة لسة ما وصلتش للسن القانوني للجواز، حضرتك بتتكلم بجد يا عمي؟
نظر إليه بعمق:
_ ليه شايفني أهبل يا ابن أخوي؟ خلاص نحجزها كمان سنة أهي تكون كملت السن القانوني...
ثم تركهم وغادر دون حديث آخر.
وقف أمجد وجاسر مذهولين من يحيى. نظر جاسر إلى أمجد وتحدث غاضبًا:
_ هو فيه إيه؟ أختي خط أحمر، فأنا لو بحترمه بس عشان جدي وجدتي الله يرحمهم، بس ييجي ويتمادى فأنا مش هسكت، وكمان في مين؟ غزل! لا دا كدا دخلني في المنطقة الخطر... لو سمحت يا بابا كلمه صريحة وعرفّه إن غزل مش للجواز، ويوم ما تفكر تتجوز عمرها ما تفكر في ابنه...
ثم تركه وغادر وهو ينفث نارًا من داخله... قابله جواد الذي جلس بعد حديث صهيب.
نظر إليه جواد ووجده بهذه الحالة:
_ مالك؟
زفر بضيق وبدأ يركل كل ما يقابله بغضب، أمسكه جواد من ذراعيه:
_ ممكن تهدى وتفهمني مالك؟ وعمك خارج بالطريقة دي ليه؟ هو الراجل دا مش هيسكت إلا لما يشوف وشي التاني ولا إيه؟ هو كان عايز إيه؟
ثبت أنظاره على جواد وتحدث قائلًا:
_ جاي طالب إيد غزل لعاصم وعايز ياخدها بالقوة...
في مكان آخر
مكان اجتماع الشيطان، حيث يجمع به كل ما يحرمه الله من بيع السموم وشربها والاتجار في البشر سواء حيًا أو ميتًا. وهناك ما هو أعظم المعاصي ألا وهو الفجر وشرب الخمور والكثير من المعاصي التي حرمها الله في معظم كتبه السماوية.
دخلت فتاة في منتصف الثلاثينات تتدلى بمشيتها... ثم وصلت إلى مكتبه وجلست فوقه وهي تتدلى بحركاتها الشمطاء وتحرك ساقيها، ثم تحدثت للذي يجلس أمامها ويشرب سيجاره وينفث دخانه على وجهها:
_ بقولك يا حبيبي مالك كدا؟ بقالك كام يوم وأنت مش على بعضك، وكمان موقف شغلنا، كدا الوضع بقى سيئ وسمعتنا هتنضرب في السوق.
نظر إليها وأردف غاضبًا:
_ أعمل إيه بس يا بوسي؟ من ساعة ما الظابط الزفت مسك القضية دي وإحنا مش عارفين نتحرك، وبحاول أهرب مجاهد قبل ما يعترف علينا.
رفعت حاجبها وتحدثت مستاءة منه:
_ إيه يا ناجي أنت خبيت ولا إيه؟ حتة ظابط مش قادر عليه؟ ما هو ياما وقف قدامنا ودسنا عليهم بجزمتنا... شوف له أي مصيبة وادخله بيها.
زفر بضيق وأجابها:
_ مش دا اللي ندخله... الداخلية كلها بترفع له القبعة عشان إنجازاته ومسمينه عندهم "صقر الداخلية"، غير إنه مالوش سكة... يعني من عيلة مرموقة وإخواته كلهم مراكز.
ضيقت عيناها مستغربة حالة اليأس:
_ يعني هتفضل كدا عشان حتة الظابط دا؟
ثم فكرت قليلًا:
_ أكيد هو مالوش سكة بس حبايبه ليهم سكة.
ثم أكملت حديثها:
_ يعني مثلًا نشوف له حبيبة أو أخته أو مراته ونمسكه بيهم.
_ أنا أعرف إنه خاطب واحدة مذيعة بس زيها زيه يعني مالهاش سكة، وأخته شغالة في شركة أبوها مع أخوها ومخطوبة لظابط زيه، وله أخ لسة في الجامعة بس دا عليه حراسة مشددة.
_ يا سلام! دا إيه الظابط الحريص دا؟ هو اسمه إيه الظابط دا يا ناجي وأنا أخلي جماعتنا يشوفوا له سكة؟
_ أنت بتقولي إيه؟ دي شرطة يا بثينة وبقولك ظابط وله وضعه، وكمان صاحبه اللي معه دا مقويه، يعني اللعب معه هيفتح علينا أبواب جهنم.
_ أوف يا ناجي، أهو هنجرب ونشوف هيعملوا معه إيه، ما يمكن ينقلوه وخلاص... قولي بس اسمه إيه.
_ اسمه جواد الألفي.
وقفت سريعًا كمن لُدغت وجحظت عيناها وأردفت متسائلة:
_ أنت بتقول اسمه إيه؟
استغرب حالتها التي أصبحت عليها بعد سماعها اسمه... نظر بتمعن إليها:
_ جواد الألفي يا بثينة، إيه ما سمعتيش؟
نظرت إليه بتيه:
_ قولي أسماء عيلته كدا!
_ مالك يا بثينة؟ أنتِ تعرفيه؟
_ بقولك قول أسمائهم كدا، ولا بلاش أنا هقولك... صهيب، مليكة، سيف صح؟
فتح ناجي بعض الأوراق وأشار لها:
_ أيوه فعلًا هم. أنتِ تعرفيهم؟!
بدأت تثور في الغرفة وتكسر كل ما تطوله يداها وتتحدث بصوت كحفيف:
_ أنت برضه يا ابن الألفي، بحاول أنساك بس بتلف وترجع لي تاني... طيب المرة دي ناوي تعمل فيا إيه يا جواد؟
وبدأت دموعها تتساقط...
_ لا المرة دي أنت اللي لازم تخسر يا جواد، وأنا خسرت مرة، الدور المرة دي عليك...
ثم توجهت بأنظارها إلى ناجي وأردفت مستاءة:
_ معلوماتك ناقصة يا ناجي باشا، أهم واحد لجواد الألفي.
نظر إليها مستفهمًا:
_ قصدك إيه؟ دول كل عيلته؟!
بدأت تدور حول نفسها ثم ضحكت بشيطنة وأردفت قائلة:
_ نسيت بنته، أو بمعنى أصح اللي مربيها. دا بيخاف عليها من الهوا، ومش بس كدا، اللي عايز يوجعه فعلًا يوجعه فيها.
رفع حاجبه:
_ وأنتِ عرفتي إزاي؟
ابتسمت له:
_ هو اللي كان دايمًا يقولي عليها "غزل ماجد الألفي".
رواية تمرد عاشق الفصل الثاني 2 - بقلم سيلا وليد
دنا ماجد منه ثم قبّله على وجنتيه.
"حاضر يا قلب عمو، إنت تؤمر... بس هتحميها بعد كده وتكون درع أمان لها."
ابتسم في وجهه وتحدث قائلًا:
"ومش هخلي الهوا حتى يأذيها، ودا وعد من جواد الألفي لعمو ماجد الحسيني."
نظر إليه بفخر وقبّله أعلى جبينه.
"ربنا يحميك يا ابني."
ومنذ ذلك الوقت وهو اعتبرها جزءًا من حياته. تحرك متجهًا للداخل.
دخل لوالدته.
"ماما عايز أشيلها لو سمحتي."
نظرت نجاة مبتسمة له.
"لسه صغيرة قوي يا حبيبي إنك تشيلها."
"هاتي بس يا نوجة وعرفيني بتتشال إزاي."
وضعتها بين يديه وفهمته كيف يحملها.
"خليك معها، هروح أعملها رضعتها."
ولكنها تذكرت شيئًا.
"هو ماجد راح فين؟ روح عنده ولا مشي؟"
كان ينظر للطفلة ويتحدث.
"عمو ماجد مشي وقالي هيشوفلها مربية."
ثم رفع نظره لوالدته.
"ما تاخديها أنتِ يا ماما أهي تتربى مع الولا سيف القرد دا."
تنهدت بحزن عليها وعلى جاسر الذي ما زال لم يتم العاشرة.
"هاخدها يا حبيبي مش هخلي مربية تربيها، وهبعت أجيب جاسر كمان لسه صغير يا حبيبي."
"هي طنط حنان ماتت إزاي يا ماما؟ وبعدين ليه لسه عمو جايبها دلوقتِ؟ وإيه الحضانة دي؟"
"طنط حنان كانت تعبانة وهي حامل فيها وماتت بعد ولادتها على طول. أما ليه في الحضانة عشان كانت لسه عايزة تكون في حضن مامتها كمان شوية. فهمت كده يا غلباوي ولا لسه عندك أسئلة؟"
استيقظت الطفلة وصارت تبكي.
نظرت نجاة إليها وأخرجت متعلقاتها التي أحضرها ماجد قبل الحضور بها، فصديقه هو الذي اقترح عليه جلبها لزوجته.
حملها جواد وبدأ يهمهم لها بعض الكلمات ولكنها ما زالت تبكي.
أتت نجاة برضعتها.
"هاتها يا حبيبي عشان أكلها."
بسط يديه إليها.
"لا أنا اللي هاكلها حبيبتي، قومي شوفي مليكة وسيف بيعملوا إيه شكلهم عاملين مصيبة."
علمته كيف يقدم لها رضعتها قائلة:
"خلي بالك منها يا حبيبي وبراحة عليها، أوعى تشرق منك."
ضيّق عينيه.
"تشرق! ودي هتشرق إزاي؟"
ضحكت عليه والدته.
رفعت رأسها وأردفت بتنبيه.
"جواد أوعى تنزل براسها عشان ممكن لا قدر الله تموت منك."
"هو أنتِ بتكلمي عيل؟ ما خلاص يا ماما عرفت.. هتفضلي تغنيها؟"
تركته وما زالت تبتسم على كلماته.
"لا يا حبيبي أنت راجل وسيد الرجالة."
توجهت بنظرها إليه عندما وجدته صامتًا.
رأته يبتسم للطفلة ويتحدث كأنها تفهمه.
عودة للحاضر.
خرج من ماضيه ونظر إليها وهو ما زال يدخن سيجاره، وجدها ترفع أصابعها لترجع خصلات شعرها الهاربة على وجهها وتضعها خلف أذنها... كانت كصورة لملاك في أبدع صورة... تذكر حديث جاسر منذ قليل:
"عمي عايز يجوز غزل لعاصم بالقوة."
ضيّق عينيه مستفهمًا.
"مش فاهم يعني إيه؟"
زفر جاسر بضيق.
"أهو دا اللي حصل بس ورحمة أمي اللي يجي جنبها لآكله بسناني."
قال عاصم:
"كنت ناقص مش كفاية الست شهيناز وعمايلها."
نظر إلى جواد وجده ينظر بشرود في نقطة ما.
"إيه يا جواد رحت فين؟"
اتجه بأنظاره إليه.
"تفتكر عمو ماجد ممكن يعمل إيه قدام عمك؟ وشهيناز ممكن يكون ردها إيه بعد طلبه دا؟ جاسر لازم تاخد بالك إني مش مرتاح لشهيناز دي خالص وكمان أخوها الفاشل سامح دا."
"دايمًا عينك عليها... أما عمك دا حسابه تقل معايا، أنا حذرته قبل كده بس هو رمى تحذيري في الأرض."
نظر إليه وتحدث مستفهمًا.
"يعني مش فاهم كلامك حذرت عمي إزاي؟ ومن إيه؟"
أخذ شهيقًا عميقًا ثم زفره ببطء:
"يوم خطوبتك كان جاي هو وخالك وعمال يقول كلام مش كويس استفزني وخرجني عن شعوري، شدينا مع بعض... لقيته بيقولي بتحدي يبقى خلاص غزل هتكون مرات ابني... قولتله يبقى قربلها وشوف هعمل إيه... بس إنه يجي النهاردة وعارف إني هنا يبقى دا بيتحداني أنا ودا مش كويس له."
ضحك جاسر عليه.
"هو اللي جابه لنفسه خليه يقرب للأسد لما يكون جعان."
ضربه جواد بخفة على مؤخرة رأسه.
"بس يالا."
"أنا لازم أعيد عليه بكرة أول واحد ومش بس كده ولازم أديله عيدية كمان."
ظل يضحكان كلاهما فترة ويتذكران تحالفهما مع أعدائهم حتى النيل منهما.
أخرجه من شروده رنين هاتفه.
أجاب المتصل وهو ما زال ينظر إليها.
"زومي حبيبي وحشتني يالا مش ناوي ترجع بقى؟"
"وأنت طيب... كلنا كويسين... ممكن يكون ما سمعهوش بس غزل قدامي أهو في البلكون."
سمعت غزل صوت هاتفه، اتجهت بأنظارها إلى شرفته وجدته ينظر إليها وهو يقوم بالرد.
هنا أخفضت نظرها في مذكرتها وأحست بوخزة مؤلمة في شقها الأيسر أشعرتها أنها ستؤدي إلى انتهاء حياتها... انزلقت دمعة من أهدابها الكثيفة ثم رفعت عيناها إلى السماء تنظر إلى النجوم التي تظهر بانتشاء.
ثم دعت ربها وتضرعت إليه:
"خفف عني يا الله وجع قلبي، ربي أكاد أموت فروحي تكاد تتمزق، ربي إنك الرحيم بنا المجيب لدعواتنا... ربي إني عبدك الضعيف فقوني بك يا أرحم الراحمين."
بدأت تكتب ألمًا من آلامها التي تعد أكثر من سعادتها، فعن أي سعادة تكتبها بعد والدتها التي حرمت منها... هي لم تحرم منها بعد، هي لم تعلم معنى كلمة ماما... هي لم تنطقها حتى بشفتيها فكيف تعرف معناها!
دونت بأنامل مرتجفة:
"اليوم هو يوم حزني الأعظم، لا أعلم كم كتبت عن آلامي التي لا تنتهي... ولكن هذا الألم أعظم آلامي. قلبي العاجز المسكين."
"اليوم فقط نزف قلبي عندما وجدت حبيبي ومالك روحي يمتلك قلبه أخرى... ماذا أفعل الآن لحتى أخرج من وجع روحي؟!"
"ماذا أفعل الآن لكي أنساه وهو لا ينسى؟!"
"ماذا أفعل حتى تستكين روحي وأتخطى وجع قلبي... تُرى أيهما أصعب حبيب تراه أمامك كل يوم ولا يشعر بآلامك ويعاملك كأخ؟!"
"أم حبيب لم تراه إلا عاشقًا لغيرك؟!"
وقفت عن الكتابة عندما وجدته يقوم بمناداتها بعدما شعر أنها لم تعره اهتمامًا، فهي عندما تجده في شرفته تظل تتحدث معه ويشاكس روحها المرحة.
نظر جواد إلى هدوئها غير الطبيعي وتذكر حديثها القاسي له ورغم ذلك لم يستطع عن مقاطعتها.
"غزل بتعملي إيه لدلوقتي كده وإزاي قاعدة كده... حازم بيتصل محدش بيرد عليه."
لم تعره اهتمامًا وظلت كما هي جالسة وتدون بعض الأشياء بل تدون آلامها.
"أنتِ يا بت مش بكلمك وإيه الكلام الأهبل اللي قلتيه تحت دا؟"
وقفت أخيرًا بمقابلته.
ونظرت بمقت إليه ثم تحدثت قائلة:
"نعم يا آبيه عايز إيه؟ حاضر هدخل أنام وأشرب اللبن كمان واستغطى كويس، في أي أوامر تانية حضرة الضابط؟"
"وحازم كلمني الصبح ونسيت أعرف جاسر."
ثم تركته ودلفت إلى غرفتها وأسدلت ستائرها حتى لا ترى حتى ظله.
تنهدت بقوة وتجمعت عبراتها بعيونها ولكنها مسحتها وبدأت تحدث حالها:
"غزل أنتِ مش ضعيفة حاولي تتأقلمي حالك على كده قبل ما حد ياخد باله كفاية اللي صهيب قاله."
على الجانب الآخر عند جواد.
"البت دي مالها؟ لتكونش عرفت بموضوع عمها... لا إزاي هي كانت فوق... ممكن يكون صهيب قالها حاجة تزعلها؟ آه هو مفيش غيره؟ لا هو بيحبها وعمره ما يزعلها... يا ترى فيكي إيه يا غزل... وإيه سبب حزن عيونك دا؟"
زفر بضيق هو لا يتحمل حزن عينيها حتى لو سبب تافه.
أمسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم تجب.
زفر بضيق.
"يا ترى يا غزل فيكي إيه لدرجة إنك تتعصبي عليا كده... طيب أطمن عليكي إزاي؟ أروحلها دي ولا أعمل إيه؟... هنام إزاي والهبلة دي بتعمل فيا حركات جنونية."
"ممكن يكون مقلب من مقالبها اللي ما بتخلصش."
"خليها للصبح أشوف آخرتك إيه يا غزالتي."
ابتسم وأردف:
"بنتي كبرت وبيجيلها عرسان، لا ومش بس كده بقت بتغضب عليا وماله يا غزول أغضبي وأصالحك عادي... كنت عايز أقولها على موضوع ندى بس هي اللي رفضت تديني فرصة بكرة تعملي محكمة لما تعرف."
تمدد على الفراش ووضع يديه تحت رأسه وظل ينظر لسقف الغرفة إلى أن غاب في النوم.
في غرفة ماجد وشهيناز.
تجلس أمام المرآة وتضع الكريمات وتنظر إلى ماجد الذي يتفحصها بمنامتها العارية... فهي فتاة تعرف تستخدم أسلحتها الأنثوية له عندما تريد شيئًا... انتهت من روتينها وتوجهت إليه تتدلى بخطواتها وتثيره أكثر بدلالها... ثم جلست جواره وبدأت تحدثه بغنج.
"مجودي يحيى كان عايز إيه؟"
نظر إليها بعدما حركت غرائزه تجاهها:
"هقولك حالًا بس هيكون سر."
ثم جذبها بقوة إليه... بعد فترة جلس على الفراش يزفر بقوة ويقص عليها ما صار.
وقفت كالملدوغة:
"إنت بتقول إيه؟ لا طبعًا ينسى، إنت عارف سامح معجب بغزل ومكلمني من زمان وأنت اللي رافض وتقولي صغيرة... كده أقوله إيه وهو مستني لما يرجع يخطبها وممكن يتجوزها كمان في الإجازة دي يا ماجد."
جذبها ماجد بقوة فارتمت في أحضانه:
"ما تخافيش غزل هتكون لسامح... بس اصبري شوية عليها، البت لسه يا دوب مكملة سبعتاشر سنة يعني حتى ما يجوزش جوازها... وكمان جاسر لازم أمهدله الموضوع دا... ونسيت أهم شخص جواد دا ممكن يهد الدنيا علينا لو عرف... أنتِ ناسية غزل دي عنده إيه؟ دا بيقول محدش له حق عليها غيري وهو عنده حق يا شاهي دا كان إجازته كلها معها ويعتبر هو اللي مربيها."
نظرت بمقت وغضب:
"أولًا جواد دا مالوش حكم عليها أنت وأخوها بس وكمان أخوها كمان ما يقدرش يقاطع كلامك، أنت أبوها يعني لو عملت إيه محدش يقدر يقولك حاجة... وبعدين دول فرحهم بعد شهر يعني هيكونوا ملهيين مع عرسانهم، الوقت دا هيكون حلو نعرف نكتب كتابها لو عرفي لحد ما تتم السن القانوني."
نظر إلى شفتيها المصبوغة وغره منظرهما وهي تتحدث أمامه بدلالها وغنجها الأنثوي.
جذبها وتحدث:
"بعدين نشوف الموضوع دا."
أطلقت ضحكة رنانة.
"إيه يا ماجد أنت ما بتشبعش؟"
ثم نظرت إليه ووضعت يديها بدلال.
"وأنا كمان ما بشبعش."
قالتها حتى تنفذ مخططها الدنيء.
جذبها بقوة إليه واكتملت ليلته معها.
بعد فترة من الوقت جلست على الفراش تزفر بضيق وهي تنظر له بمقت ثم وقفت وارتدت رداءها الشفاف فوق قميصها الذي يكشف أكثر ما يستر.
نظرت نظرة أخيرة إليه وهي تخرج من الغرفة ثم تحدثت قائلة:
انفذ بس اللي اجوزتك عشانه.
ثم خرجت واتجهت إلى الصالون أثناء دخول جاسر من الخارج. وقفت أمامه وتحدثت بغضب:
انت لسة راجع من برة دا كله قاعد مع ست الحسن والجمال؟
نظر إلى الأرض عندما وجدها بهذا اللبس الفاضح وأردف غاضبًا:
امشي من قدامي أصل ورحمة أمي أعملك قضية وأحبسك. جتك القرف في شكلك ست مش محترمة.
رفعت حاجبها بضيق وأردفت بغيظ من معاملته الجافة لها:
أنا ست مش محترمة يا جاسر؟ دا ليه عشان بحبك وبحاول أقرب منك وأنت اللي دايما بتصدني؟
بأقوى ما لديه من قوة صفعها، من قوتها تركت آثار على وجهها، ونزفت جانب شفتيها ثم أمسكها بقوة من شعرها وأردف غاضبًا:
أنا صبري بدأ ينفد منك. أوعي تنسي أنت شايلة شرف مين يا بت، دي حاجة. والحاجة الثانية أختي خط أحمر، هتقربي منها هنسفك. أوعي عقلك الصغير دا يخيلك إني ما أعرفش أنت بتخططي لإيه. ثالثًا مليكة دي حياتي إياك تقربي من ضفرها بس. ابعدي عني عشان ما ألعبش في عداد عمرك.
ثم دفعها بقوة وبصق عليها.
اتجه إلى غرفته وكأن شياطين الأرض تحاصره وبدأ يركل كل ما يقابله ويتحدث بغضب:
قولتله بلاش الجوازة دي ما سمعش مني يجي يشوف ويسمع الحقيرة بتمرمط شرفه بجزمتها.
ذهبت شهيناز لغرفتها وهي كالمجنونة، حاولت بكل الطرق فهي لا تكل ولا تتعب من محاولاتها الرخيصة فهي تعشقه بجنون. ماذا تفعل لكي تجذبه إليها؟ فعلت معه المستحيل ولكنه كالعادة دائمًا لها بالمرصاد. تزوجت من والده لكي تكون بجواره، فمنذ أن رأته بالشركة حاولت أن تجذبه إليها ولكن باءت محاولاتها بالفشل. علمت حينها أنه من الشخصيات التي تقف بصلابة. ظلت جالسة تغلي إلى أن أوشك الفجر بالبزوغ.
في صباح يوم العيد، تستيقظ مليكة بنشاط، فاليوم لديها العديد من جولاتها مع مالك القلب والعقل. أدت فريضتها، وجلست تنظر إلى الشروق وهي تستمتع بتكبيرات العيد التي ترفع في جميع المساجد حولها.
قامت بالاتصال بغزل ولكن الهاتف مغلق. زفرت بضيق فماذا ستفعل؟ فاليوم تريد أن تذهب لصلاة العيد ككل عام مع صديقتها الصغيرة كما أطلقت عليها. حاولت عدة مرات ولكن لا يوجد رد.
استمعت لصوت جواد وصهيب بالخارج، خرجت بهدوء إليهما حتى تعرف أن تصل لغزل:
صباح الورد على فرسان عيلة الألفي. أنا لازم أبخّركم وأرقيكم.
ضمها جواد من أكتافها:
صباح الورد على أجمل وردة عيلة الألفي.
رفعت حاجبها ونظرت إليه بسخرية:
بكرة تقولها لندى وتنسى ملوكة.
ثم أردفت:
يعني بتردلي الجملة يا جواد ماشي.
ضحك عليها:
أبدًا والله أنتِ ملكة العيلة يا ملوكة قلبي الغالية.
بسطت يديها إليهما:
فين عيدية ملوكة قلبك أنت وهو؟
صهيب:
جواد اتأخرنا على الصلاة ياله يا ابني.
جواد:
تصدق عندك حق أنا بقول نجري عشان نلحق.
مليكة:
والله ماشي طيب خليكم فاكرين بس.
نظر جواد إليها وتساءل:
هو سيف صحي ولا لسة؟!
نظرت لصهيب بمعنى رد.
وجد جواد تبادل النظرات بينهما وأردف مستفهمًا:
فيه إيه؟ مالكم! سيف عامل إيه المرادي ومخبين؟
صهيب:
لسة واصل من شوية ويادوب دخل ينام.
هذا ما أردف به صهيب. احتقن وجهه بغضب ثم تحرك متجهًا إليه:
يعني إيه أنا ما حذرتوش قبل كدا وبرضو ضرب كلامي في عرض الحيطة. والله لازم يتعاقب.
أمسكته مليكة من ردائه:
بلاش النهاردة يا جواد حبيبي كل سنة وأنت طيب النهاردة عيد مش عايزين زعل.
زفر بضيق ثم توجه بنظره إليها:
عشان خاطرك بس هسامحه المرة دي.
مليكة:
طيب أنا مش عارفة أوصل لغزل ما أعرفش كنا متفقين نروح نصلي مع بعض بس تليفونها مقفول.
ارتفع جانب وجه صهيب بشبه ابتسامة متهكمة قائلًا باستهزاء:
مين غزل هتصحى دلوقتي عشان تصلي؟ دا بيشيلوها يا قلبي عشان تاكل. سيبك منها.
نظر جواد بهدوء لمليكة:
اتصلي على جاسر خليه يصحيها عشر دقايق وتكون تحت. عشان بعد كدا تنام بدري ما تفضلش سهرانة طول الليل.
نظر صهيب إليه وأردف باستياء:
غزل ما عادتش البنت الصغيرة يا جواد دي دخلت في التمنتاشر سنة حبيبي بلاش تخنقها بتحكماتك.
جواد:
أنا عارف بعمل إيه مالكش دعوة.
سحب صهيب نفسًا عميقًا واتجه بأنظاره نحو مليكة وتحدث قائلًا:
حبيبتي اجهزي وبلاش تضغطي عليها وهاخدك أنا معايا.
هبط جواد درجات الدرج وكأنه لم يستمع لحديث صهيب، وقام بالاتصال على جاسر الذي أجابه سريعًا:
خمس دقايق ونازل أهو إيه جهزتم.
قاطعه جواد:
صحي غزل خليها تجهز أصلي أطلعلها ولا أدي لها التليفون أكلمها. لا يعلم لماذا يشعر أن أصابها شيئًا، يريد الاطمئنان عليها.
وقف جاسر وأردف ثابتًا:
غزل مش هتنزل قالتلي إمبارح هي عايزة تنام ما أعرفش مالها.
جواد:
صحيها يا جاسر إحنا كل سنة بنخرج للصلاة مع بعض وإحنا هنستناها.
اتجه جاسر إلى غرفتها وبدأ يطرق عليها الباب ولكنه تفاجأ بفتحها الباب ومستعدة للهبوط. نظر إليها بحنان:
صباح الفل على ملاكي.
ثم ضمها لحضنه، تمسكت بأحضانه كأنها تعاني من شيء ما. أخرجها بهدوء ونظر لداخل عيونها:
مالك يا غزالتي عيونك دبلانة ليه كدا أنت ما نمتيش كويس ولا إيه؟
وضعت رأسها بحضنه وتحدثت مهمومة:
ما جاليش نوم فقولت أصلي وآخد من حبيبي العيدية وأنام وأنا مرتاحة.
جاسر:
اممم همهم بها جاسر العيدية! قولتيلي؟ بخاف من عيديتك دي يا غزول ويا ترى إيه طلبات أميرتي؟!
وضعت سبابتها على ذقنها توهمه أنها تفكر وفجأة تحدثت ببغضة:
عايزة إسبوع لشرم الشيخ وما تخافش هاخد البت ملوكة معايا إحنا الثلاثة بس إيه رأيك؟
جذبها من يديها وهبط بها قائلًا:
حاضر أنتِ تؤمري يا جميل بس أعمل أجازة وأشوف صهيب وجواد برضو.
وقفت في منتصف الدرج ونظرت إليه بنظرات حزينة وأردفت متمنية:
عايزة الإجازة دي تبقى خاصة بينا لوحدنا بس يا جاسر ما ينفعش؟
ضيق عيناه وأردف متسائلًا:
ودول ما هم معنا على طول نعتبر عيلة واحدة إيه اللي غيرك فجأة كدا؟ وبعدين أنت عارفة جواد مش هيوافق يبعت أخته معنا وكمان أنت هيرفض سفرك بدونه.
زفرت بضيق من تحكماته وسارت متجهة للخارج وأردفت حزينة:
أنا ما عدتش عايزاه يتحكم فيا يا جاسر، أنت أخويا مش هو.
سحبها جاسر من يديها وأدار وجهها إليه:
إحنا لازم نتكلم لما نرجع من الصلاة، حالك مش عاجبني من إمبارح.
تنهد بضيق عندما تركته واتجهت للخارج وصلت للبوابة. وجدته يقف بطوله المهيب ويوليها ظهره ويتحدث بالهاتف ويضحك ويصور نفسه ويرسل شيئًا، كأنه يرسل صورته لأحد ما.
كان يرتدي لبسه المعتاد للأعياد وهو عبارة عن جلباب ناصع البياض مما أضفى عليه مزيجًا من جمال عربي ورجولي زاده بهاءً وتعطر بعطره الذي يغرق الثنايا بشذاه الفواح جاذبية وهيبة. ظلت تنظر إليه، وصل جاسر إليها ونظر إلى ما تنظر إليه. أغمض عينيه بقهر من وجع أخته التي سيرافقها أيامها القادمة. هو الآن تأكد من حبها له، فحالها منذ أمس عندما علمت بخطوبته يؤلم روحه، يتمنى أن يكذب إحساسه.
ضمها من أكتافها واتجه بها حيث وقوف جواد. أنهى مكالماته واتجه بأنظاره إلى قدومهما. نظر إليها بتمعن وترقب، هو يعلم أن هناك شيئًا صار لها ولكن لا يعلم ما هو. وصل جاسر إليه وأردف مبتسمًا:
صباح الخير يا حضرة الضابط وعيد سعيد.
جواد:
صباح الخير وعليك يا حبيبي.
نظر إليه حيث كان يحتضن غزل، مالها غزل؟ جملة تساءل بها وهو ينظر إليهما. أجابته بابتسامة باهتة خالية من مظاهر فرحتها بالعيد ككل عام ناظرة داخل عيونه:
كويسة يا أبيه بس مرهقة شوية. هي مليكة فين؟
تساءلت بها حتى تهرب من حصاره ونظراته المصوبة نحوها، ورائحتها التي جعلتها كورقة خريف في مهب الريح. سارت بجواره كي تدخل لمليكة. أمسك يديها ورفع ذقنها وتحدث بنبرة هادية:
مالك يا غزل وما تقوليش عشان ما نمتيش. عيونك الحلوين دول حزينة ليه؟
كانت تنظر له بقلب مفطور وعيناها تحكي الكثير، كيف لك حبيبي أن لا تشعر بي؟ كيف لك أن تذبحني بسكين بارد وتأتي تسألني ماذا بك؟! ولكن كيف له أن يفهم حديث العيون غير العشاق؟ قطع نظراتهم وصول صهيب ومليكة. وعندما وجد نظرات غزل لأخيه عرف أنها لم تعد تسيطر على مشاعرها. جذبها من يديها وأردف مشتت الانتباه:
غزول حبيبة قلبي عاملة إيه يا بت وحشاني. ينفع تديني عيديتي؟
قاطعه جواد:
إيه اللي بتقوله دا يا حيوان إيه وحشتك دي لو حد سمعك يقول إيه؟
اتجهت غزل إليه وأردفت مستاءة من جواد:
صهيبي يقول اللي هو عايزه مش كدا يا صهيبي.
استشاط غضبًا منهما وأرسل إليهما نظرات نارية ثم أردف موبخًا كليهما:
صهيبك في عينك يا أختي إيه أجيب لكم اثنين ليمون اتلمي يا غزل عشان ما أقلبش عليكي صبري بدأ ينفد.
ثم توجه بنظره لصهيب:
وأنت يا أمور العيلة خف يا حبيبي لا أخليهم يزوروك في المستشفى النهاردة. امشوا قدامي الناس تقول علينا إيه.
على الجانب الآخر عندما وصلت مليكة إلى جاسر أخذها على جنب وبدأ يتحدث إليها:
صباح الورد حبيبي. كل سنة وأنت طيبة.
توردت خدودها بحمرة الخجل ونظرت للأسفل:
وأنت طيب!
نظر إلى جمالها الهادي الذي يخطفه:
حبيبي النهاردة هنخرج بالليل إن شاء الله. غزل مش عجباني ورافضة تخرج فبقول نروح الشلالات إيه رأيك؟
ضيقت عيناها وأردفت متسائلة:
مالها غزل؟
أشار لها بالسير بعدما وجد صهيب وغزل تركوا المكان متجهين للمسجد وجواد أشار لهم بالتحرك.
بعد فترة انتهوا من صلاة العيد. خرجت غزل أولًا وانتظرت مليكة أمام المسجد وهي تتفحص هاتفها ولكن قاطع وقفتها شخص أقل ما يقال عليه مهووس الغزل. نظر إليها بانبهار من جمالها الطفولي البريء فقد كبرت عامًا آخر بعدما رآها آخر مرة. وقف أمامها وبسط يديه ثم تحدث قائلًا:
إزيك يا غزل عاملة إيه كل سنة وأنت طيبة.
ردت عليه السلام وأتت لتسلم عليه.
وضع جواد يديه في يدي عاصم وتوهجت عيونه بالغضب.
_أهلًا يا عاصم عامل إيه؟ كل سنة وأنت طيب، ما شاء الله شايفك كبرت وبقيت راجل وبتوقف تسلم كمان، تحدث بها ونظر داخل عيونه بلهيب يكاد يحرقه.
استشاط عاصم من داخله من طريقته وتدخله في ما لا يعنيه كما خُيِّل له وأردف باستياء:
_أنا بسلم على بنت عمي، ممكن أعرف حضرة الضابط داخله إيه؟
هقولك بعدين يا عاصم بس حاليًا مش فاضي، آه وقول لوالدك أنا هعدي عليه النهاردة، ما هو لازم أعيد عليه برضو.
ثم جذب غزل من يديها بغضب واتجه للسير.
جذبت يديها بقوة من يديه: ممكن أعرف إيه اللي عملته دا؟ وبعدين دا مش بعيد عليا ومش غريب دا ابن عمي.
ثم خطت خطوة إليه حتى اقتربت منه بشدة ونظرت داخل عيونه وأردفت حديثها الذي صفعه بشدة وآلام روحه:
عاصم اللي أنت استصغرته دا وجرحته بيكون أقربلي منك.
بدأ يخفف من ضراوة جذبه لها ونظر لها بصدمة، ثم أغمض عينيه وسحب نفسًا عميقًا حتى لا يغضب عليها، حاول أن يهدأ من ثورانه الداخلي.
قطع ثورته وصول جاسر وصهيب إليهما. نظر جاسر إلى أخته وجدها في حالة لا تُرتثى لها. أمسك يديها وجذبها إلى أحضانه عندما وجد نظراتهما المصوبة لبعضهما.
حاول أن يخفف من حدة غضبهما، فصديقه ليس له ذنب في مشاعر أخته، وأخته ليس لها ذنب في تحريك مشاعرها اتجاه.
رفع ذقنها وابتسم بوجهها:
_كل سنة وأنتِ طيبة يا جميل.
وضعت رأسها على كتفه وأردفت بابتسامة باهتة:
_وأنت طيب يا حبيبي.
وصلت مليكة إليهما بعدما كانت تقف مع صديقة لها، ابتسمت لهم جميعًا:
_كل سنة وأنتم طيبين.
جذبها صهيب من يديها وضمها إلى أحضانه:
_وأنتِ طيبة يا حبيبتي.
توجهت بأنظارها إلى جواد الذي يقف وينظر بشرود، أمسكت يديه وتحدثت مبتسمة:
_وأنت يا جود مش هتعيد عليا؟ وعايزة بلونة من اللي في إيدك دي، مش كل سنة الأبلة غزل تاخدهم كلهم.
استدار إليها ثم قبل جبهتها وأردف بابتسامة باهتة:
_كل سنة وأنتِ طيبة يا ملاكي، وأعطاها البالونات التي بيديه ثم نظر لصهيب:
_خد مليكة معاك ورايا مشوار.
قالها ثم تركهم وغادر سريعًا.
أسرع جاسر خلفه عندما علم بشجارهما وصاح به:
_جواد استنى أنت رايح فين ومالك وإيه اللي حصل قلبك كدا؟
اتجه بأنظاره إلى غزل التي تراقبهم من بعيد:
_ما فيش حد عزيز عليا هزوره وراجع.
ضيق جاسر عينيه وأردف متسائلًا:
_مين دا اللي أنا ما أعرفوش؟
ربت جواد على كتفه بهدوء:
_بعدين، خلي بالك من غزل ما أعرفش مالها من إمبارح وحاسس فيه حاجة مضايقاها حاول تعرف.
قالها، ثم تركه وغادر.
أما عند غزل بدأت تؤنب حالها من كلماتها الجارحة له: إزاي قولتي اللي قولتيه دا يا غزل؟
أتى جاسر إليها ونظر إلى صهيب ومليكة:
_إيه هتمشوا ولا إيه؟
جذبت مليكة أيدي غزل من جاسر وأردفت مشاكسة:
_وسعي يا أختي خطيبي لسه ما عيدش عليا.
ضحك جاسر عليها:
_لا يا حبيبي عيديتك مش قدامهم.
_ما تحترمني يا أخويا أنتِ وهي.
أما التي تسير بجوارهم لم تفكر إلا في شيء واحد: ترى أين ذهب باكرًا؟!
رأت البالونات بيدي مليكة زفرت بضيق وعلمت أنه استاء من كلماتها. قطع شرودها حديث صهيب:
_وأنتِ يا غزالة مش عايزة عيديتك؟
_لا!
أردفت بها سريعًا:
_أنا هاخد عيديتي من جاسر بس، أما أنت وجواد مش عايزة منكم حاجة.
ثم توجهت بنظرها لمليكة:
_ومش عايزة البالونة اللي كل سنة بيضحك عليا بيها، قوليله غزل كبرت ما عدتش الطفلة الصغيرة.
ثم اتجهت سريعًا إلى منزلها.
ضرب صهيب كف فوق الآخر ثم أردف ساخرًا:
_والله البت دي مجنونة، مين يصدق إنها غزل؟
أما جاسر الذي زفر بضيق من عمايل أخته الطائشة تحدث قائلًا:
_هتخرجوا النهاردة ولا إيه؟ إحنا بكرة هنسافر القاهرة عشان ما عندناش غير النهاردة بس إجازة، وجواد خطوبته بعد يومين يعني لازم يستعد.
أومأ له صهيب بشرود بعد حديث غزل، علم أن الأيام القادمة ستكون أشد ثقلًا عليهما. ثم اتجهوا جميعًا للمنزل.
على صعيد آخر في منزل يحيى الحسيني.
دخل المنزل وهو يستشاط غيظًا من ذاك الجواد. توهجت عينيه بالغضب وبدأ يثور ويتحدث كلمات لم يستطع السيطرة على نفسه. دخل والده إليه وجد حالته هذه.
صوب أبصاره عليه وأردف متسائلًا:
_مالك فيه إيه؟ عمال تاكل في طوب الأرض كدا ليه؟
قبض على يديه بقوة حتى ابيضت وأردف قائلًا:
_أقسم بالله ما هأرحمه، هو مفكر نفسه مين؟ قال إيه: سلملي على أبوك.
بدأ يزفر بلهيب.
صاح به يحيى:
_أنت يا بني آدم هتفضل تاكل في نفسك كدا؟ مش ناوي تقولي مالك ومين دا؟
_جواد الزفت قابلني وحرق دمي.
_أنت قصدك على جواد الألفي؟ أنت شوفته فين؟ أنت روحت بيت عمك؟
زفر عاصم بضيق:
_لا ما روحتش بس كنت ناوي أروح عشان أشوفها، بس الكلب بن الألفي واقف قدامها زي الأسد. أنا ما أعرفش هو مصدق نفسه ولا إيه؟ وحياة ربي لو ما بعدش عنها لأكون محيه من وش الأرض.
تنهد يحيى باستياء:
_هو قالك إيه؟
_روحت أسلم عليها منعني، شوف عمل إيه.
_لا وبيقولي هزوركم النهاردة عرف أبوك.
_كدا أنا عرفت هو عمل كدا ليه.
ضيق عاصم عينيه متسائلًا:
_اللي هو إيه يا بابا؟ أنت عملت حاجة من ورايا؟
_روحت إمبارح وهددت عمك وجاسر إنك هتتجوز غزل حتى لو غصب عنهم.
استاء من والده وأردف غاضبًا:
_ليه تعمل كدا؟ أنا كنت بحاول أقرب منهم، بس شوف أنت عملت إيه. وطبعًا اللي عامل حامي الحمى استغل الموقف ومش هيسكت، أيوه فعلًا أنت ما شفتهوش بيص لي إزاي كان عايز ياكلني.
توجه بالنظر إلى ابنه:
_أنا كنت عارف إنه مش هيسكت، بس لو جه واتكلم لازم أكلمه بالكلام اللي يهد حيله.
_ممكن يا بابا تفهمني أنت ناوي على إيه وعايز تقوله إيه؟
_بعدين هتعرف يا عاصم مش مهم دلوقتي.
في القاهرة:
تجلس فتاة تشاهد حركات الناس وذهابهم إلى المساجد لقضاء صلاة العيد.
دخلت والدتها إليها:
_نهى حبيبتي أنتِ صحيتي؟
توجهت نهى إليها وابتسمت لها:
_كل سنة وأنتِ طيبة يا ست الكل.
ملست والدتها بحب:
_وأنتِ طيبة يا نور عيني، إيه مش ناوية تنزلي تصلي العيد ولا إيه؟
رفعت ذقنها لوالدتها:
_ما ليش نفس والله يا ماما تعبانة وحاسة عايزة أنام.
ابتسمت والدتها إليها:
_خلاص استني لما بابا يجي وناكل الكحك وبعدين روحي نامي.
ضحكت على والدتها:
_قولتيلي ناكل الكحك، ماشي يا ست ماما هناكل الكحك ونديلك العيدية كدا حلو.
ضربتها بخفة على ذراعها:
_على طول فهماني يا بت.
_أنا هستنى شوية كمان عشان أكلم غزل وأعيد عليها، أصلي رنيت عليها من شوية بس ما حدش رد خايفة.
حزنت منيرة عندما تذكرت هذه الفتاة المرحة الجميلة:
_هي هنا ولا سافروا زي كل سنة؟
_لا يا ماما سافروا إمبارح بس. وحشتني أوي، آه نسيت أقولك قالت هتكلم قريبها يشغلني عندهم في الشركة.
دعت والدتها لها:
_ربنا يوفقك يا حبيبتي وتلاقي اللي أنتِ عايزاه.
نهى: أنا مش عايزة أي شغل وخلاص يا ماما، عايزة حاجة أنا بحبها ومرتاحالها.
_وبعدين فيه شركات كتير بيكون محتاجين مترجمات. نسيت أقولك غزل كمان عايزة تدخل ألسن بس جواد مش موافق.
شردت والدتها وتذكرت عندما أتت غزل لنهى في إحدى المرات.
فلاش باك:
تجلس غزل مع نهى في الحديقة الخلفية للمنزل، فهم يسكنون بالقرب من منطقتهم بعض الشيء.
طرق باب منزلهم، خرجت منيرة لترى من الطارق. وجدت شاب جذاب يرتدي نظارته الشمسية ويضعها على شعره، نظر بابتسامة بسيطة وأردف قائلًا:
_السلام عليكم، مش دا منزل نهى المحمدي؟
على الرغم أنه متيقن إنه منزلها إلا أنه سألها.
ابتسمت منيرة بمجاملة له:
_أيوه يا بني هو، أنت بتسأل على نهى ليه؟
حمحم بأسف:
_أنا جاي لغزل هي عندها في زيارة من ساعة كدا.
_أيوه آه، أنت أخوها مش كدا؟
نظر للأرض وأردف بخفوت:
_أيوه يا فندم ممكن تناديها؟
حمحمت متأسفة:
_معلش نسيت أعزم عليك، اتفضل يا بني هي في الجنينة برة، اقعد لما أناديها.
توجه بنظره للخارج يبحث عنها:
_بس هي مش باينة هنا.
_لا هي بالجنينة اللي ورا، هنادي عليها بس ادخل لما تيجي.
_متشكر لحضرتك يا فندم.
ثم نظر لساعته:
_هي عندها درس بعد ساعتين لازم تروح.
_خلاص لحظة هناديلها.
بعد فترة أتت غزل تسرع إليه:
_أبيه جاسر.
ولكنها توقفت للحظات ونظرت بجمود إليه.
وقفت منيرة أمامها:
_إيه يا غزل مش دا جاسر أخوكي ولا إيه؟
بسط يديه إليها وابتسم ابتسامته التي تعشقها:
_يالا يا حبيبتي عندك درس اتأخرتي.
توجهت بأنظارها إلى منيرة وهمست لها:
_لا دا نابليون بونابرت بس العشق كله يا طنط منيرة.
ضيقت عيناها وسألتها:
_يعني إيه يا بت دا أخوكي ولا لا؟
قاطعتهم نهى متوجهة إليهم ثم نظرت إلى جواد الذي وقف بالخارج يتحدث مع أحد ما في هاتفه.
نظرت نهى إليها وضحكت:
_لا ما حدش قدك يا عم دا الجود كله جايلك يراضيكي.
قبلتها غزل على خديها:
_أنا ماشية يا قلبي قبل ما عمو يجي ياكلني.
رفعت نهى حاجبها إليها:
_عمو برضو يا بت؟ طيب نشوفله عروسة ولا نشوفله ليه ما أنا موجودة.
لكزتها غزل في ذراعها.
"إتلمي يا بت."
ثم اقتربت منها وأردفت بابتسامة:
"جود خاص بالغزال بس يا ماما."
قاطعهم جواد:
"إيه يا غزل، هتفضلي عندك أسيبك وأمشي ولا إيه؟"
أردف بها غاضبًا.
"طول عمرك كدا متسرع."
همهمت بها ثم أسرعت إليه وأمسكت يديه. نظر إليها بحب وأردف مبتسمًا بعدما كان يحدثها بغضب.
"عاملة إيه؟"
ثم مسح على شعرها.
سحبته من يديه:
"تعالى هحكيلك كل حاجة."
قاطعت شرودها نهى:
"ماما مالك يا حبيبتي، روحتي فين؟"
توجهت بنظرها لبنتها:
"هو أنتِ قولتي جواد هيخطب بعد يومين مش كدا؟"
استغربت نهى حديث والدتها.
"أيوه يا حبيبتي، بتسألي ليه؟"
جلست والدتها ووضعت يديها تحت خديها:
"صعبان عليا جدع زي دا يروح من غزل، معرفش ليه حسّتهم إنهم بيحبوا بعض، نظراتهم بتقول كدا."
ارتبكت نهى قليلًا أمامها وبدأت تفرك بيديها:
"والله يا ماما أنتِ مكبرة الموضوع، جواد بالنسبة لغزل أخ مش أكتر."
تعمقت منيرة بالنظر لنهى:
"بتعرفي تكذبي على أمك يا نهى؟"
مدت نهى شفتيها كالأطفال وأردفت:
"عارفة يا ماما لماحة، بس للأسف جواد بيعتبرها أخته لا أقل ولا أكتر، وغير كدا بيخاف عليها بجنون، بس المريب أن غزل بتموت فيه، ودا اللي لسه عارفاه من شوية."
شخصت أبصارها اتجاه ابنتها وأردفت متيقنة:
"وهو بيحبها أكتر منها."
ضحكت نهى بخفة عليها:
"هو أنا قولتلك بيكرهها؟ بقولك مربيها وبيحبها بس حب أخوي."
"اسمعي مني وبكرة تقولي ماما قالت. حب جواد لغزل مش أقل منها، بس عشان هو كبير وعارف يداري، بس هي لسه صغيرة وطايشة فباين عليها."
ضيّقت عيناها وسألتها:
"أنتِ بتقولي كدا إزاي؟"
ثم استرسلت مكملة:
"بقولك مربيها، أبوها كان مسافر وأمها ماتت وهي بتولدها، وأخوها صغير مكنش ينفع يتولى، فأخدتها أم جواد وربتها مع ولادها، وطبعًا جواد هو اللي تولى أمرها."
قطع حديثهما دخول والد نهى.
اتجه السيد عادل والد نهى:
"كل سنة وأنتِ طيبة يا أم نهى."
ابتسمت له منيرة:
"وأنت حسك في الدنيا يا أبو نهى."
اتجهت نهى إليه وقبلته ثم تحدثت:
"وبعدين يا سي بابا، نسيت نهنهو ولا إيه؟"
قبل أعلى جبهتها:
"إزاي؟ كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبة أبوكي."
نذهب إلى الفيوم.
يسير جاسر مهمومًا بجانب مليكة. لمست مليكة يديه وأردفت متسائلة:
"مالك يا جاسر؟ شكلك متضايق ليه؟"
نظر خلفه فوجد صهيب وغزل يسيران خلفهما. صهيب يحاكيها ولكنها شاردة بحزن ولم تستمع لحديثه. زفر بضيق ثم تنهد وتوجه لمليكة وشبك أصابعهما:
"عايز منك خدمة يا مليكة، لا مش خدمة... دا طلب مهم ورجاء."
وقفت أمامه ونظرت داخل عيونه:
"مالك حبيبي قلقتني؟"
جذب يديها وتحرك:
"امشي ما توقفيش عشان غزل ما تاخدش بالها."
استغربت حديثه ورغم ذلك تحركت بجواره. توجه بالنظر إليها وتحدث قائلًا:
"قربي من غزل الأيام اللي جاية دي على قد ما تقدري، حاولي تجريها بالكلام... أنا عارف إنكم قريبين من بعض."
ثم استرسل حديثه متسائلًا:
"هي غزل بتحكي لك أكيد عن حياتها الخاصة... يعني فيه إعجاب بحد وكدا؟"
ضيقت مليكة عيناها وتساؤلت:
"مش فاهمة قصدك يا جاسر... يعني عايزني أعرف إن غزل معجبة بحد ولا لأ؟ هي ما كلمتنيش في حاجة زي دي... معظم كلامنا عن الدراسة."
ثم ابتسمت فجأة وضحكت بصوت عالٍ. نظر إليها جاسر بغضب:
"صوتك يا مليكة، إحنا ماشيين في الشارع، نسيتي نفسك ولا إيه؟"
وضعت يديها على فمها واعتذرت:
"آسفة حبيبي غصب عني."
ابتسم بخفة:
"طيب قولي القردة دي عملت إيه يخليكي تنسي نفسك كدا؟"
"لا مستحيل دي خيانة، ما ينفعش أحكيهالك."
ضغط على يديها وتحدث بصوت مبحوح مملوء بالمشاعر:
"ولا حتى لحبيبك؟"
تنهدت بعمق وأردفت:
"جاسر."
أجابها بحب:
"عيون وروح جاسر... قولي بقى."
"بتحكي لي على مقلباتها مع جواد."
ضيق عينيه ونظر إليها مستفهمًا:
"إزاي؟"
"هي اللي أخدت المسدس بتاعه وأخدت الرصاص وحطته في الحمام."
"وهي اللي دلقت كلور على بدلته بتاعة الشغل... وهي اللي خلته نايم وقصت له شعره بعد ما حطت له منوم."
"يا بنت الـ... يخربيتك يا غزل لو عرف هيطيرها."
"لسه ما كملتش يا حبيبي."
رفع حاجبه مستفزًا منها:
"أنتِ بتنقطيني يا مليكة؟ ما تقولي يا وفية."
وضعت يديها في خصرها ووقفت وتحدثت مستاءة منه:
"والله دلوقتي بتتريق."
جذبها بشدة وأردف غاضبًا منها:
"شكلك اتجننتي، نسيتي إننا في الشارع؟ حسابي معاكي بعدين."
نظرت للجهة الأخرى بحزن:
"براحتك يا جاسر، اللي تشوفه اعمله."
وخطت خطوتين أمامه. جذبها من معصمها ودخل بها لحديقة منزلهم ووقف خلف شجرة بالحديقة. رفع ذقنها فوجد عيونها محجرة بالدموع. حزن من نفسه كثيرًا، هو يعشقها لحد الجنون:
"ما تزعليش مني حبيبي، زعلتك في يوم زي دا؟"
واقترب وهمس أمام شفتيها وتحدث بصوت مفعم بحبها بل وعشقها:
"آسف يا روح جاسر... آسف يا أغلى من حياتي."
ثم قبل باطن يديها.
ربتت على يديه ونظرت إليه بحب:
"أنا اللي آسفة، غلط لما وقفت بالطريقة دي وعليت صوتي، سامحني."
مسح دموعها بحنان:
"ربنا يخليكي ليا، روحي ريحي دلوقتي عشان هنخرج بعد العصر."
أومأت برأسها وخرجت.
على جانب آخر.
تجلس بثينة مع ناجي وتدخن بشراسة. نظرت إليه وأردفت بحقد:
"عرفت هتعمل إيه؟ يا رب تنجح في العملية دي، صدقني هديلك اللي أنت عايزه."
"شوف بس هتنفذ إزاي وأنا عنيا ليك."
جذبها إليه وأجلسها على ساقيه وتحدث:
"يومين بس لما يرجعوا، أصل الولا محروس بيقولي سافروا يعيدوا في البلد... سيبك أنتِ من جواد وبنته وتعالي فوق عشان تاخدي عديتك."
ضحكت ضحكة خليعة مثلها وذهبت معه ليفعلوا ما حرم الله. كيف تفعل يا ابن آدم الحرام ألم تتيقن أن الله مطلع وشاهد.
كيف تعتقد ذلك وهو الذي قال في كتابه:
"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ."
صدق الله العظيم.
رواية تمرد عاشق الفصل الثالث 3 - بقلم سيلا وليد
نظرت للأسفل بحزن.
_أنا زعلانة منك يا جود عشان مصحتني السبح قبل ما تمسي، أردفت بها.
جلس وأجلسها على ساقيه.
_مش أنا قولت نسمع كلام ماما نجاة ومنتعبهاش ونلعب مع مليكة ونكون هادين؟
_مليكة راحت المدسة وماما مش عايزة أسمع كارتون ولا أدخل أوضة تاعتك فأنا كسرت ألعاب صهيب ومليكة تلها (كلها).
ضحك بصخب عليها وملس على شعرها بحنان.
_ودا ينفع يا حبيبتي نكون وحشين ومشاغبين؟ ماما نجاة زعلانة كتير وجواد كمان زعلان من غزالته ومعدش هيجيبلها حاجة وكمان معنتش هجيبك عندنا.
حضنته ونزلت دموعها.
_آسفة جود مش هعمل كدا تاني..
قبلها على خديها.
_طيب روحي قولي لماما نجاة آسفة.
نزلت بهدوء من على ساقيه ثم أردفت.
_وطي شوية...
أخفض رأسه فقبلته على خديه ثم خرجت.
جلس على فراشه ونظر لخروجها.
_مش عارف هتعلقيني بيكي أكتر من كدا إيه يا غزل.. ربنا يعيني وأعرف أسعدك وأعوضك عن غياب باباكي ومامتك.
ذهبت حيث جلوس نجاة ووقفت على الأريكة.
_ماما نجاة متزعليش من غزل أنا آسفة..
نظرت إليها نجاة بحنان وأجلستها على ساقيها.
_تعرفي أنا بحبك أد البحر صح...
أماءت برأسها بنعم.. فأكملت نجاة.
_عشان كدا لازم نكون شطار ونسمع الكلام ومنغضبش صح..
ثم أكملت استرسال لحديثها.
_البنوتة الحلوة بتسمع الكلام بنعم وحاضر ومبتعيطش. أنتِ كبرتي يا زوزو ولازم تكوني جميلة وتسمعي كلام الكبار.
ضمتها غزل من عنقها.
_أنا بحب ماما نجاة أد تيتة سهير..
قبلتها نجاة على جبهتها وضمتها.
_وأنا بحبك أوي يا بنوتي الحلوة.
كان يستند على الحائط وهو يضع يديه في بنطاله ويستمع إليهما.. رأته غزل نزلت وأسرعت إليه وأمسكت بنطاله.
انخفض إلى مستواها وقبلها.
_حبيبتي الشطورة اللي بتسمع الكلام.
وضعت نفسها في أحضانه.
_أنا بحب جود أكتر واحد في الدنيا.
رفعت نجاة حاجبيها وأردفت مشاكسة له.
_طيب أكتر مني يا غزل؟
نزلت بنظرها للأرض وأكدت على حديثها.
رفعت نجاة نظرها لجواد.
_يعني أقول مبروك يا جود على عروستك اهو تربيها وتتجوزها.
رفع حاجبه متزامنا مع شفته العلوية مستنكرا حديث والدته ثم أردف ساخر.
_هو فيه حد بيتجوز بنته يا نجاة؟ اعقلي يا نجاة متعمليش زي تيتة سهير كل ما تشوفني ياله ربيها عشان تتجوزها.
ارتفع جانب وجه بشبه بابتسامة متهكمة قائلا باستهزاء.
_ودلوقتي هي اللي بتتعصب عليا لا وبتقول مفيش رابط ماشي يا غزل عايزة تتربي ماشي ومالي.
وصلا كلا من غزل وجاسر إلى منزلهما وتقابلا مع والدهما على باب منزلهما... ضمهما والده إلى أحضانه وأردف سعيدا.
_كل سنة وأنتم طيبين.
قبّل جاسر والده.
_وأنت طيب يا حبيبي ودايما حسك في الدنيا.
ثم اتجه إلى غزل وقبل جبهتها.
_كل سنة وأميرتي طيبة.
ردت عليه بابتسامة باهتة.
_وأنت طيب يا أحن بابا في الدنيا..
واسترسلت تكميلا.
_هي شهيناز لسة نايمة...
هنا تذكر جاسر تلك الشمطاء وبما فعلته بالأمس.
نظر إلى والده واستئذنه.
_بابا أنا وغزل هنسافر أسبوع الساحل بعد خطوبة جواد.
غزل عايزة تخرج من جو الامتحانات بتاع الثانوية فبعد إذنك هاخدها يومين كدا الساحل...
نظر والدها إليها بحب وحنان.
_غزل تطلب والكل عليه التنفيذ.
ثم أكمل حديثه مستفسرا.
_جواد يعرف؟
نظر جاسر لرد فعل غزل.
_لا ميعرفش بس أكيد هقوله.
نظرت غزل لأخيها بشفتين مرتعشتين.
_بلاش يا جاسر مش هيوافق أنا كبرت بلاش يتدخل في حياتي أكتر من اللازم.
ثم توجهت بنظرها لوالدها.
_بابا أنا عايزة قراراتي من نفسي محدش يتدخل. أنت وجاسر دايما مابتدخلوش، بس هو بيتحكم وبعدين بكرة هيجوز يعني هينساني فلازم أتعود على دا.
قالتها بصوتها مختنقا بالبكاء.
خرجت في هذه الأثناء شهيناز تنظر لهم بابتسامة صفراء وتحدثت قائلة.
_كل سنة وأنتم طيبين.
ثم توجهت بنظارها إلى جاسر وخاصته بعينيها.
_كل سنة وأنت طيب يا جاسر.
نظر إليها بلهيب وهمس.
_وأنتِ في نار جهنم إن شاء الله.
ثم رفع نظره لوالده دون الرد عليها.
_هدخل أريح شوية قبل الفطار يا بابا بعد إذنك.
وجذب غزل معه.
وقفت شهيناز مقابلة له.
_شوف ولادك ماردوش عليا ازاي.
وبدأت تبكي بتمثيل وأكملت حديثها.
_أنا معرفش واخدين مني موقف ليه وخاصة جاسر.
أمسك يديها وجلس وأجلسها بجواره.
_متزعليش نفسك حبيبتي وقولت لك كذا مرة مالكيش دعوة بيهم وبلاش تستفزي جاسر...
ثم نظر لها وتحدث بمغزى.
_لو خيروني بينكم يا شهيناز هختارهم فبلاش تتحدي جاسر لو سمحت... شوفي الشغالين جهزوا الفطار ولا إيه عشان حسين هيجي نفطر كلنا في الجنينة.
ضربت أقدامها في الأرض بغضب وتحدثت.
_وبعدين يا ماجد هنفضل كدا على طول؟ مش المفروض دا عيد نتنفس شوية بعيد عنهم؟
نظر لها بغضب.
_لا إنتِ شكلك اتجننتي. هنا وتكوني برة البيت دا.
أمسك يديها بعنف وأمسك وجهها بقسوة وتحدث غاضبا.
_حسين وعيلته خط أحمر يا شهيناز. دا أكتر واحد وقف معايا ودي عشرة سنين وحب ومعروف وصداقة حاجات متعرفيش معناها.
ثم تركها وتنفس بغضب وأكمل حديثه.
_ساعة والفطار يجهز وأنتِ تشرفي عليه بنفسك واعملي حسابك هنقضي اليوم كله مع بعض وهنخرج مع بعض برضو. أنا مجبتش الولاد من القاهرة عشان يناموا ويقعدوا لوحدهم.
ثم تركها وخرج إلى الحديقة.
بعد مرور ساعتين كان الجميع يجلس بجو من البهجة والفرحة... اتجه سيف وجلس بجوار غزل وتحدث مبتسما.
_كل سنة وأنتِ طيبة يا جميل...
جذبه صهيب من تلابيبه.
_أنت سبت الكل يا لا وجاي تعيّد على غزل بس وبعدين رايح تقعد مكاني ليه؟
نظر سيف حوله وأردف.
_هو فين أبيه جواد مش باين ليه...
شعرت غزل بنبضات عنيفة عندما تذكرت حديثها له ولم يأت إلى الآن.. بدأت تحدث حالها.
_يا ترى راح فين أنا قلقانة عليه كدا ليه؟
راقب صهيب حركات وجهها وعلم أن هناك شيئا صار بينهما عندما رجع ورأى رد أفعالهم.
قاطع شرودها دخول جواد إلى مكانهم في الحديقة نظر إليهم وأردف مبتسما.
_صباح الورد على الجميع.
سلم على والده وعايده وكذلك على والدته... ماجد واتى عند شهيناز أماء برأسه.
ثم جلس ولم ينظر لغزل التي كانت تراقب حركاته بحزن... راقب جاسر نظراتهما فلم يبد ردة فعل على جواد.
جلس بجواره وأردف متسائلا.
_كنت فين دا كله؟
_روحت مشوار وبعد كده قعدت شوية على النيل وجيت اهو. أي استجواب تاني يا حضرة الضابط؟!!
قاطع حديثهما ماجد.
_قولت لجواد يا جاسر.
ضيق جواد عينيه بمعنى عن ماذا؟!!
نظر جاسر إلى أخته ثم إلى جواد.
_مفيش كنت بقول لبابا هاخد غزل ونروح الساحل عايزة تغير جو. أنت عارف جو امتحانات الثانوية...
فبابا قالي أعرفك يعني وأشوف رأيك إيه.
حاول أن يكون هاديا وأن الأمر لا يعنيه.
_مفهمتش يا عمو برضو إيه دخلي بالموضوع؟ أخوها وحاسس أنها محتاجة سفر أنا إيه دخلي؟ وجاسر أكتر واحد له حق يعرف أخته محتاجة إيه.
صدم الجميع من حديثه ولكن أكمل مسترسلا حديثه بثبات ظاهري، فربت على ظهره.
_أعمل اللي أنت شايفه يفيد أختك بس خليها بعد خطوبتي. مينفعش تسبني لوحدي ويا سيدي لو على إجازتك اعتبرها حصلت.
نظر جاسر إليه بذهول.
_يعني إنت موافق على السفر؟
رفع حاجبه بغيظ.
_يعني إنت كنت عايزني أرفض؟ يا للا ما قولتلك دي أختك وأنت حر.
كانت تنظر له بقلب مفطور مما قاله.. وعندما استمعت لحديثه علمت حينها أنها خسرته للأبد.. ظلت تنظر إليه بصمت تتمنى أن ينظر إليها ولكنه خيب أمالها ووقف مستأذنا.
_أنا تعبان وهروح أنام عشان هسافر بالليل القاهرة...
نظر والده إليه وحدثه باستفهام لأنه شعر أن به شيئا.
_مالك يا جواد فيه حاجة حصلت مضيقاك؟!! احنا مش كنا مقررين هنسافر كلنا بكرة؟
زفر بضيق ثم وضع كف يديه على شعره وأرجعه للخلف في حركة تنم عن مدى غضبه وثورانه الداخلي ولكنه حاول أن يكون هاديا وتحدث لوالده.
_مفيش يا بابا. افتكرت أن فيه حاجات أنا وندى معملناهاش عشان كدا هي زعلانة ولازم أنزل أعملها وكمان فيه خيوط جديدة ظهرت في القضية عايز أدرسها.. حاجات كتير يا بابا بعد إذنكوا.
اتجهت إليه نجاة.
_مش هتفطر يا حبيبي؟
قبل رأسها.
_ماليش نفس يا حبيبتي اعذريني أنا بس عايز أنام.
وقفت غزل واتجهت إليه أخيرا عندما وجدته يحرك بضع خطوات.. علمت من حالته أنه مستاء منها.. هي تعلم مكانتها عنده ولكن أغضبته بحديثها... أسرعت إليه قبل وصوله لباب الفيلا الخاصة بهم.
_آبيه جواد!
صاحت بها بصوتها مختنقا بالبكاء وقف بمكانه وشعر بذبذبات داخله من صوتها الحزين...
علم أنها حزنت من عدم مبالاته لها... استدار بهدوء إليها ورفع ذقنه بمعنى في إيه وتحدث.
_نعم فيه حاجة نسيتي تقوليها وجاية تسمعيهالي؟ على ما أظن أنتِ سمعتي الحوار أنا خليت نفسي منك وبعدت اهو وماليش دعوة بيكي...
ثم اتجه ووقف أمامها وأخفض رأسه وهمس لها.
_أصل طلع مفيش بينا قرابة.
وأكمل حديثه المميت لروحها.
_فعلا عندك حق أنتِ مين وتقربيلي إيه ولا حاجة، مفيش رابط بينا عشان أخنقك بتحكماتي يا آنسة غزل... يوم ما كبرتي، كبرتي عليا برافو غزل.. عرفت أربي فعلا.
تنهدت باستسلام وظهر اليأس على ملامحها الحزينة لعلمها أنها تخطت معه حديثها القاسي... ظل ينظر لها بتمعن ويحدث حاله.
_متى كبرتي صغيرتي؟ أيعقل أنني لم أبالي لحياتك وأنني أخنقك بتحكماتي... أسف صغيرتي لأنني لا أعلم ماذا يحدث لي.. حتى إنني لا أعرف ما الذي بيني وبينك وما سر ذلك الارتباط وهل أنت صدفة في حياتي وترسخت بداخلي فأصبحتِ مدللتي الحسناء... أخشى عليكِ من نفسكِ ولكنك تظنين أن هذه تحكمات.
استدار ليغادر ولكنها أمسكت يديه وارتمت بأحضانه وبدأت تبكي.
_سامحني يا آبيه أنا مقدرش أزعلك ما أقدرش أصلا أبعد عنك.
ظل كما هو ولم يتفاعل مع حضنها..
تهدجت أنفاسه باضطراب وشعر بحزنها ورغم ذلك ظل كما هو.. خرجت من أحضانه تنظر إليه.
وجدت ملامحه مبهمة ولا يوجد ردة فعل.
حينها تغضن جبينها بعبوس ندمت وبدأت بتأنيب الذات.
_لسة زعلان مني مش كدا؟ عارفة أني كنت قليلة الذوق معاك بس أنا معرفش مالي مخنوقة بجد وأنت بقيت بعيد عني فضّيقت منك عشان حسيت بإهمالك ليا فقولت لك أي كلام وخلاص.. بس مهما قولت ومهما عملت هتفضل آبيه جواد اللي بحبه أكتر حاجة في الدنيا.
قالت كلاماتها ثم تركته وغادرت.
_استني عندك!
أردف بها بحدة ثم جذبها بعنف وأجلسها على أريكة أمام الباب وتحدث بغضب عارم.
_عايز أعرف بتعيطي ليه..
مش دا اللي انتِ عايزاه مش أنا خانقك بتحكماتي جاية دلوقتي تقولي الكلام دا ليه من امتى وأنا قصرت معاكي دا أنا بفتكرك أكتر ما بفتكر مليكة.. بس إزاي كبرتي وأول حد حبيتي تكبري عليه هو أنا..
ثم نظر بعمق واكمل مسترسلا.
سؤال واحد وجوابي عليه وبلاش اللف والدوران منك شوية ومن صهيب، ايه حكايتك من امبارح شكلك مش عجبني وقبل ما تتكلمي أوعي تفكريني جاسر وتضحكي عليا وتقولي عشان لسة مخلصة امتحانات.
نظرت للأرض بخجل وشعرت ان الأرض تميد بها.. ماذا تقول له.. تنهدت بعمق ورفعت نظرها إليه وسقطت دمعة شاردة بقلب مفطور.
_مخنوقة والله ومعرفش ليه سامحني عشان خنقتي جت فيك..
ثم وقفت وتحركت ولكنه جذبها من يديها وضم وجهها بين كفيه.
_انتِ عارفة إنك ايه بالنسبالي.. عارفة يعني ممكن أهد الدنيا دي كلها ومشفش دمعة من عيونك دي... أنا عمري ما قصرت معاكي يا غزل ومش معنى إني خايف عليكي يبقى بتحكم فيكي.
طيب أقولك حاجة تفرحك... مش إنتِ بتحبيني ايه رأيك أنا هخطب بنوتة زي القمر وهتحبيها وتصاحبيها كمان.
_شعرت أن الأرض تميد بها وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيها وشعور بضعف الدنيا يحتل كيانها بعد حديثه الذي شطر قلبها لنصفين... أغمضت عيناها عندما أحست بوخزة أصابت فؤادها ثم نظرت له وكأنها طائر جريح ذبح بسكين بارد واردفت بشفاة مرتعشة.
_ألف مبروك إنت أحسن راجل في الدنيا وتستاهل أجمل بنت، متزعلش مني أرجوك.
ثم تركته وبخطى متعثرة اندفعت تركض قبل ان يشعر بضعفها وخيانة قلبها إتجاه..
أسرعت إلى غرفتها حتى لا يراها أحد.
أغلقت باب غرفتها وجلست بظهرها خلف الباب تبكي بنشيج لم تكن تعلم أن هذا الأمر سيكون مميت لروحها عندما تعرف منه بهذه الطريقة... وضعت يداها على شفتاها تمنع صوت أهاتها وصراخاتها عندما أتى إليها جاسر وظل يطرق عليها الباب ووجده مغلق.
زفر جاسر وتيقن أن أخته علمت بحب جواد لشخص آخر عندما رأها تسرع بهذه الطريقة...
غزل حبيبتي افتحي الباب لازم نتكلم.
_عايزة أنام يا جاسر سيبني شوية وهقوم ونتكلم.
_أنا مش همشي غير لما تفتحي ونتكلم حبيبتي.
وقفت مترنحة بعدما مسحت دموعها هي تعلم أن أخوها لم يتركها بهذه الحالة.
دخل وبدأ ينظر إليها بتمعن ثم تحدث قائلا:
_بتعيطي ليه ايه.. وقافلة على نفسك ليه!!
_مفيش حاجة بس تعبانة شوية.
_تعبانة ولا زعلانة عشان جواد هيخطب.
جحظت عيناها عندما اكتشفت أمام أخيها.
ولكن حاولت الثبات أمامه.
_ايه اللي بتقوله دا... أنا مالي وماله مايخطب ولا يتجوز حياته وهو حر فيها.
جذب يديها وأجلسها على الأريكة وجلس في مقابلتها وضم وجهها بين كفيه.
_جواد بيعتبرك أخته وبنته يعني هو اللي مربيكي وعمره ما هيشوفك غير كدا.. وبيحب واحدة بقاله سنة وكان رافض الارتباط الا لما تخلصي الثانوية عشان مينشغلش عنك.
شوفتي هو دايما بيضحي بنفسه عشانك وبس بحسه أقرب لك عني... جواد هو اللي سماكي وهو اللي رباكي وكل تفصيلة عنك هو يعرفها أكتر مني أنا وبابا.. منجيش أحنا نقسى عليه ونحرمه من حاجة هو حرم نفسه منه عشان سعادتك وكمان بعد دا كله ان جزاته أننا نحزنه.
خبأت آهاتها داخل قلبها.. ونظرت إلى أخيها واردفت متسائلة:
_ليه بتقولي كدا.. أنت عارف جواد بالنسبالي إيه وأتمنى له السعادة أكيد.
تنهد باستسلام عندما علم ان أخته ترواده.
فاسترسل حديثه ناظرا إليها بقلة حيلة.
_بصي يا غزل أنا أخوكي وأكتر واحد عارفك بعد جواد اه هو ممكن ما ياخدش باله لأنه أبعد اللي أنا شايفه بعيني وحاسس بيكي.
فبقولك بلاش اللي بتفكري فيه أنت لسة صغيرة وبكرة تقابلي شباب كتير وممكن تلاقي اللي يشدك وتحبيه بجد مش مجرد تعود قدامك طول الوقت.. واكمل مفسرًا... ممكن إعجابك بجواد وشخصيته انك محاولتيش تفكري في حد تاني حياتك اتمحورت فيه هو وبس.
عشان كدا شخصيته جذبتك وخصوصا انه طول الوقت معاكي.. رفع ذقنها ونظر داخل عيونها.
_يا رب تكوني فهمتي قصدي وبلاش تحسسيني إني غبي ومش حاسس بيكي.. واكمل حديثه قائلا حتى يقطع عليها أمل التفكير به.
_جواد لو بس حس حبك ليه بمعنى تاني يبقى إنت كدا بتموتيه بإيدك يا غزل.. يا ريت يا حبيبتي تفكري في كلامي.. أتمنى له السعادة دايما وخليه يعيش سعيد مع اللي اختارها قلبه.. غير لما يدفن حبه عشانك.. صدقيني يعملها لو مجرد بس حس باللي أنا شايفه.
على الجانب الآخر.
يجلس عاصم مع شخص ما... نظر إليه وتحدث قائلا:
_عرفت هتعمل إيه... يا جابر إياك تضيع العملية دي.. وأنا عيني لينك.
_بس دا ضابط يا عاصم باشا ومحبوب من كل البلد... أنت مبتشوفش الناس بتعمل معه ايه لما يكون هنا.
طرق عاصم بقلمه على سطح المكتب ثم نظر إليه مردفًا:
_لو خلصت الموضوع دا على خير صدقني هكتبلك نص فدان، قريب من السواقي.
نظر جابر بطمع إليه واردف متيقنًا.
_اعتبره حصل يا عاصم باشا، وهخليهم يقرأوا الفاتحة عليه كمان.
على جانب آخر.
تجلس بثينة في حديقة الفيلا الخاصة بناجي مع صديقتها سحر التي أدت بها إلى الهلاك... تنفس دخان سيجارتها بضيق وتتحدث بغضب.
_لازم أخد حقي من كل اللي آذوني... وعد من بثينة بدران لخليهم يبكوا بدل الدموع دم... اصبري عليا بس.
نظرت سحر باستياء إليها.
_بلاش تفتحي في القديم يا بثينة إحنا ما صدقنا ان جواد بعد عننا ما تخليهوش يحطنا في دماغه تاني، وبعدين أنتِ عارفة هو مالوش دخل باللي حصل.
وقفت ورفعت سبابتها أمامها.
_إياكي أسمعك تقولي كدا تاني.. ما هو أنا منزلش للوحل.. وهو وأخوه يعيشوا حياتهم بالطول والعرض.
وقفت في مقابلتها سحر.
_صهيب مالوش ذنب أنتِ شوفتي حالته كانت إزاي.. أنا خايفة عليكي صدقيني.
جواد مش هيرحمك المرادي.. هو سامحك المرة اللي فاتت عشان صهيب اللي طلب منه واترجاه كمان... ابعدي عن عيلة الألفي أنتِ ليه بتقلبي في القديم احنا مصدقنا نسيناه.
أتى ناجي ونظر إليهم وأردف متسائلاً.
_مالكم بتزعقوا ليه؟
_مفيش! أنا ماشية يا بثينة واعملي زي ما قولتلك.
زفرت بثينة بضيق ونظرت بشرود خلف سيرها.
قاطع شرودها ناجي..
_مالك يا بثينة وعايز أعرف ايه حكايتك مع الضابط دا.
_مفيش يا ناجي بعدين هحكيلك.
ثم تركته وغادرت متجهة إلى غرفتها.
جلست على فراشها وتذكرت حياتها القديمة.
تجلس فتاة في مقتبل العمر تبلغ من العمر 24 تكتب شيئًا... دخلت بثينة من باب شقتهما.
_جنى أنتِ جيتي يا حبيبتي إمتى؟
نظرت جنى بفرحة لأختها.
_باركيلي يا بوسي اتعينت في النيابة وكمان سلمولي قضية.
ضمتها بثينة بفرحة.
_ألف مبروك يا حبيبتي.
أخيرًا اتعينتي لا وكمان مسكتي قضية.
شوفتي ياما قولتلك ما تستعجليش. وإن شاء الله ربنا مش هيضيع تعبك ومجهودك.
_احكيلي ايه اللي حصل.
جذبتها من يديها وجلست على الأريكة.
_شوفي أنا رحت أدور في أسماء المتعينين الجدد، أنا مكنش عندي أمل.. بس كنت بقول أهو هدور يمكن الحظ يضرب معايا عشان تقديري كويس.. لقيت مها بتناديلي وبتباركلي.
مصدقتش طبعًا جريت ودورت في الأسماء لقيت اسمي فعلاً، وبعدين رحت سألت، وبعتوني كذا محكمة كدا.... وفي الآخر تعبت ويأست، اني أمسك قضية.
بس بقى كان فيه حتة ضابط يا بت يا بسبوس إنما ايه كريزما من اللي قلبك يحبها.
ضحكت بثينة على حديثها.
_اه يا أختي وحضرة الظابط دا عملك ايه.
_خد كذا حد مننا اللي النيابة وكلتهم لبعض القضايا، لقيته ماسك ملفي.
ونادى لي.. رحت معه المكتب.
ووكلني بقضية مهمة لشاب متورط في قضية.
جواد:
_أنا هوكلك في قضية لو نجحتي فيها ممكن تترقي وتوصلي لمنصب حلو في النيابة، غير الشهرة طبعًا... أنتِ شابة وأكيد طموحة والمحاماة عايزة جهد ومجهود عشان توصلي للشهرة وعيونك بتقول إنك ذكية ومجتهدة غير تقديرك طبعًا.
أنا موكل من النيابة العامة إني أوزع القضايا بس، أنا مش وكيل نيابة ولا حاجة عشان تبقي عارفة كله هيروح للنيابة فخلي عندك يقين على أد ما تتعبي هتلاقي تقدير.
جنى:
_حضرتك أي قضية.
_في واحد هنا متأكد انه مظلوم اتورط، أنتي هتمسكي القضية دي.. حاولي تعرفي ايه حكايته... أنا حاولت وهو رافض الكلام.
بس طبعًا بما انك المحامية فدا مختلف... وصدقيني أنا متأكد انه مظلوم.
فكرت جنى للحظات.
_خلاص هدرس القضية واقابله وهعرف حضرتك اللي حصل.
_بالتوفيق إن شاء الله أستاذة جنى.
_متشكرة حضرة الضابط.
نظر إليها جواد بهدوء.
_إسمي جواد الألفي.
رواية تمرد عاشق الفصل الرابع 4 - بقلم سيلا وليد
- يعني هيكون ليا الحق فيها أكتر منكم، خليك فاكر الكلمتين دول عشان مش هتنازل عن حقي فيها.
ضحك ماجد عليه:
- يعني هنتناسب يا ابن حسين.
ضحك جواد بقوة حتى أدمعت عيناه:
- ياريت أنا أطول، بس بنتك وقتها هتقول: رايح تجوزني واحد قد عمري مرتين تلاتة يا بابا! دا بتقولي بابا جود... تخيل يعني هتجوز بنتي دي آخرتها.
- إنت ليه بتحسسني إنك أكبر منها بعشرين سنة يا ولا، دا اللي بينكم عشر سنين.
- لا يا عمو حساباتك غلط، اتناشر سنة و9 شهور هتاكل تلت سنين.
ضحك ماجد:
- ينفع برضه، اسمع مني، البنت هتكون تربيتك وهتعرف تمشيها زي ما إنت عايز.
- اممممم يعني إنت عايزني أربيها وأستناها تكبر عشان أتجوزها؟ ضاع عمرك يا جواد يا ابن حسين.
ضحك الاثنان بينما أكد جواد على حديثه السابق:
- غزالتي هتفضل بنتي اللي ربيتها، وأنا بقولك ما حدش له حكم عليها غيري وبس. لازم تحاول تنزل عشان كمان تيتا سهير آخر مرة شوفتها صحتها ما كانتش عجباني، من بعد وفاة جدو السكر بدأ يعلى عليها. أنا روحت أجيب جاسر وأقدم له هنا زي ماما ما قالت، بس جاسر رفض وقال هيفضل معها. سفرك المرادي طول يا عمو وأنا شايف الشركات هنا أسهمها بتزيد وكمان بقى وضعنا في السوق كويس. مالوش لازمة قعدتك هناك، ممكن تصفي شركاتك في تركيا وتيجي هنا ونكبر الشركات وتكون مجموعات.
فكر ماجد قليلًا:
- كبرت يا جواد وبقيت متابع أخبار الشغل. حاضر يا جواد، أشوف بس باباك هيعمل إيه وبعد كدا نكمل السنادي وننقل مصر. هو رجع من الشغل ولا لسه؟
- لا هو كلمني عنده اجتماع للساعة خمسة.
- تمام بوسلي غزل لحد ما أجيلها، بس بوسة أبوية يااض.
ضحك بصوت صاخب:
- ما أوعدكش إنها تكون أبوية، أصل بنتك تتاكل الصراحة... استنى أصورها لك، أقولك هتصل فيديو أحسن.
وجه جواد كاميرا الهاتف على غزل وهي تقود دراجتها الصغيرة:
- غزولة شوفي مين عايز يكلمك...
اقترب منها وهي تحاول أن تسير بالدراجة ولكنها لم تستطع التحكم بها:
- مين يا جود عايز يكلم غزل؟
نظر ماجد إليها، لقد كبرت عامًا آخر وهو بعيد عنها، مر عام ونصف ولم يراها إلا من خلال الشاشات. ترقرقت عيناه رغمًا عنه، فقد كبرت وتغير شكلها وأصبحت ملامحها قريبة الشبه لوالدتها. وضع أصابعه على صورتها بالشاشة يتلمسها بحنان:
- عاملة إيه يا زوزو، وحشتي بابا كتير.
نظرت إليه وهي تحاول أن تتحدث معه:
- بابا ماجد غزل زعلانة منك ومخصماك عشان قولت هتيجي عيد ميلادها وما جتش، دلوقتي غزل عندها أربع سنين.
انخفض جواد لمستواها وجلس على عقبيه ممسكًا أذنها:
- خمس سنين وخمس شهور، أنا تعبت منك، كل يوم أحفظك حاجة وتنسيها... لحد ما هتنسيني اسمي. اسمك إيه يا بت سمعيني كدا.
نظرت له غزل بحزن. رفع ذقنها:
- غزالتي زعلانة ليه ومش بترد عليا؟ مش أنا قولت الزعل والحزن للضعاف بس؟ غزل مش ضعيفة، غزل إيه؟
ردت بخفوت:
- غزل قوية.
- ما سمعتش، علي صوتك كدا.
- أوف، جود، قولت غزل قوية.
ابتسم ماجد بحب لاعتناء جواد بها. نظر جواد لها مرددًا:
- عايز أسمع إنت اسمك إيه؟
نظرت للهاتف موجهة الحديث لوالدها:
- بابا جود وحش، وبيكتب لغزل في الكلاسة.
ضيق عيناه وأردف مشاكسًا:
- بتعرفي تهربي؟ ما رديتيش يا زوزو، سمعي بابا إنت اسمك إيه؟
- اسمي "غزل".
ضيق عيناه وأردف متسائلًا:
- يعني لو الحرامي مسكك وحبيتي تتصلي بالشرطة هتقوليلهم غزل بس؟
- لا هقولهم غزل ماجد الحسيني.
قبلها على خدها:
- شطورة حبيبة جود.
قهقه ماجد على أسلوب تعامل جواد مع ابنته:
- إنت عشان دخلت الشرطة هتعرف بنتي على الحرامية يا جواد؟
- لسه يا عمو، ما تناقش فيها بالله عليك خلي الموضوع يضبط... أصلي لو ما اتقبلتش هزعل قوي.
ثم نظر لغزل:
- قولي لبابا أخدتي إيه في الدرس عند جود.
بدأت تعد على يديها أمام والدها.
ابتسم ماجد ابتسامة حانية وهو يشعر بأن الله قد عوض ابنته بأخ أكبر يستطيع أن يحتويها بدلًا من جاسر الذي يصغره بسنوات ولا يستطيع الصبر وتحمل مسؤوليتها. كذلك فهو لم يكن في استطاعته بعد وفاة زوجته رعاية غزل نظرًا لحالته النفسية إثر وفاة زوجته ولذلك تركها أمانة لدى صديقه حسين وزوجته الطيبة السيدة نجاة.
عودة للحاضر
خرج من شروده على اتصال حازم به.
***
في فيلا يحيى الحسيني.
يجلس عاصم مع أخته نجلاء.
نظر إليها فوجدها منشغلة بهاتفها. تنحنح مصدرًا صوتًا للفت انتباهها لكنها لم تعره أي انتباه.
- بقولك يا نوجة يا عسل كنت عايز منك خدمة كدا.
مطت شفتيها للأمام:
- امممم عاصم الحسيني بنفسه عايز خدمة مني أنا، هي الدنيا حصل فيها إيه يا ولاد؟ من إمتى يا خويا بقيت نوجة؟
نظر لها بغضب:
- مالك يا بت مش عاجبك بدلعك، جتك القرف في شكلك... خلاص يا أختي مش عايز من أشكالك حاجة.
وضعت يديها في خصرها وأردفت مستخفة به:
- أقولك إنت عايز إيه! عايز توصل للسنيورة بتاعتك ومين هيوصلك ليها يا حبيبي غير نجلا... بس نسيت حاجة يا عصومي، "أكثر واحدة بكرهها في الدنيا دي ست غزل بتاعتك، يعني ابعد عني."
- تصدقي إنك واحدة واطية يا بت... ما أنا عارف اللي فيها وعارف إنتِ مش بتطيقيها ليه لأنك دايمًا عايزة تاخدي حاجة مش بتاعتك... أوعي تفكريني أهبل وما أعرفش إنك بتحبي حضرة الظابط يا حرام... بس يا عيني هو مش معبرك ولا مديلك ريق.
قاطع حديثهما دخول الحارس الشخصي لعاصم:
- عاصم بيه جاسر ابن عم حضرتك ومعاه جواد وصهيب الألفي بره داخلين الفيلا.
نظر له بغضب وعيون تكاد تطلق شرارة الغضب. ثم تحدث قائلًا:
- بابا فين هنا ولا خرج؟
- لا يا فندم والد حضرتك ما خرجش من الصبح.
نظر إلى أخته وجدها تنظر جهة الباب:
- بتبصي على إيه؟ فاكرة إنه ممكن يبصلك؟
ثم أكمل حديثه:
- دا ابن الألفي راسم على تقيل يا حبيبتي وبيحب واحدة مذيعة ومشهورة وهيتجوز قريب.
***
- وياترى عرفت منين يا عاصم باشا، إنت بتراقبني؟
هذا ما أردف به جواد أثناء دلوفه وسماعه حديث عاصم. التفت عاصم متهكمًا:
- جواد الألفي بذات نفسه عندنا وأنا بقول الدنيا بمبي ليه...
ثم ابتسم بسخرية:
- بس مش بمبي قوي.
مد جواد شفتيه رافعًا حاجبه ونظر له باستهزاء:
- الدنيا بمبي وسعاد حسني بتغني بره ومستنياك عشان ترقص معها.
ضحك صهيب ونظر لعاصم:
- أوبااا عاصم باشا هيكون مشهور يا ولاد الحلال... هتغني مع سعاد حسني بذات نفسها، هنيالك يا عم.
صوب نظرات نارية تجاههما ثم تحدث غاضبًا:
- انتوا جايين تتريقوا عليا يا ولاد الألفي.
وصل يحيى ونظر بسخط لجواد:
- أهلًا يا جواد نورت قصر الحسيني.
تقدم جواد منه وحياه:
- البيت منور بأصحابه، كل سنة وحضرتك طيب يا يحيى باشا.
ثم اتجه للمقعد وجلس واضعًا قدمه فوق الأخرى. نظر يحيى لجاسر:
- أهلًا يا جاسر عامل إيه؟
اتجه إليه جاسر:
- الحمد لله يا عمي... كل سنة وحضرتك طيب. وبالنيابة عن بابا جاي أقول لحضرتك غزل مش هتتجوز دلوقتي... ممكن بعد الجامعة لو هي عايزة.
لم ينطق يحيى على الفور ولكنه ظل صامتًا ينظر للرجال الثلاث الذين أتوه ليعلنوا رفض زيجة ابنه من غزل... همهم بصوت عميق ثم هتف بمغزى:
- جحا أولى بلحم توره يا ابن أخويا، يعني احنا نلم لحمنا مع بعضينا مش نسيب الغرب يتحكم فينا.
اتجه صهيب ووقف بجوار جاسر وأردف:
- تصدق يا يحيى بيه كلامك مضبوط...
ثم ضرب على صوابع يديه بطريقة مضحكة وأغمض عينيه ساخرًا:
- كانت تايهة عننا فين دي بس... الورق ورقنا والدفاتر بتاعتنا ونحط زيتنا في دقيقنا... وأهو نلم لحمنا اللي احنا برضه رميناه من 25 سنة... أوبا آسف نسيت وجمعت، قصدي رميتوا لحمكم.
جحظت عين يحيى عندما تحدث صهيب بتلك الكلمات:
- إنت قصدك إيه يا واد إنت، اتجننت ولا إيه؟ يعني إيه رمينا لحمنا دي؟ لا فوق وشوف إنت بتكلم مين.
تدخل جاسر في الحديث قائلًا:
- صهيب بيرد على كلام حضرتك يا عمي، وإن كنت نسيت أنا لسه فاكر لحد دلوقتي. أوعى تفكر إن جاسر أبو أربع سنين ممكن ينسى حاجة.
- إنت تقصد إيه يا ابن أخويا؟ فهمني عشان أعرف أرد عليك.
سخر صهيب متحدثًا:
- هو أنا شكلي عبيط يا جاسر ولا بستعبط؟
- ولا فوق لنفسك وشوف إنت بتكلم مين.
هذا ما أردف به عاصم بعصبية وغضب. رفع جاسر سبابته أمامه:
- أختي خط أحمر يا ابن عمي وبلاش شغل الثلاث ورقات اللي بتعملهم دول، وإنك تشتري كل شوية خط وتفضل تعاكس فيها، من الآخر احنا ما عندناش بنات للجواز.
- وأنا بقولك يا جاسر محدش هيتجوز غزل غيري... وبرضاك إنت وأبوك وكمان هتتحايلوا عليا... ودا وعد مني.
أخيرًا وقف جواد بعد أن كان صامتًا طوال الوقت:
- خلصتوا المسرحية بتاعتكم ولا لسه فيها فصول؟
ثم استدار ونظر بغموض ليحيى وأردف:
- أخبار الملوك بتوعك إيه يا يحيى باشا، بيقولوا وصلتوا أسوان وبتشتروا أراضي وبيوت كمان؟
تلعثم يحيى وارتبكت نظراته:
- إنت بتقول إيه، قصدك إيه بالملوك وأسوان اللي بتقول عليها؟
دار حوله جواد بهدوء مميت:
- كله إلا غزل، يا ريت تحطها حلقة في ودانك إنت وابنك الصايع اللي كل ليلة مع واحدة دا... غزل مين دي اللي عايز تجوزها لابنك؟ دا احنا دافنينه سوا... وإن كنت ناسي أفكرك. عمي ماجد لسه على وش الدنيا... فبلاش تلعب في ملعبي.
ثم أشار لعاصم بإصبعه:
- إياك يا عاصم تفكر مجرد تفكير إنك تقرب منها... صدقني هخلي أبوك يبكي طول عمره عليك.
اتجه إلى يحيى الذي ينظر أمامه بشرود ثم همس له:
- ابقى سلملي على كاميليا قولها جواد بيرفعلك القبعة... سلام يا باشا.
ابتسم بسخرية عندما وجد الصدمة تشق ملامح وجهه.
في أثناء سيره وجد نجلاء تقف في ركن قريب منهم وتنظر له بصمت، اتجه إليها ووقف أمامها وتحدث قائلًا:
- إزيك يا نجلا، كل سنة وإنتِ طيبة.
نظرت له بحب:
- وإنت طيب يا جواد، عامل إيه؟
- الحمد لله تمام... مبروك عرفت إنك اتعينتي في البنك... يا ريت تحافظي على وظيفتك يا نوجة عشان محدش ياخدها منك...
أردف بها وهو ينظر لوالدها بسخط ثم خرج بصحبة جاسر وصهيب.
***
على الجانب الآخر.
بعد حديثها مع جاسر جلست فترة تكتب مذكراتها اليومية ثم خرجت للشرفة تتنفس بعدما شعرت أن رئتيها تؤلمها لا يصل إليها الهواء فتكاد تختنق. وقفت ونظرت لغروب الشمس الذي بدأ يظهر في الأفق...
تأخذ نفسًا عميقًا وتزفره بهدوء لعله يريح اختناق روحها.
عند جواد، وصل غرفته وخرج للشرفة، وجدها تجلس مقابله، جلس وبدأ ينظر إليها وهي لم تلاحظ وجوده. مستمرة في تحديقها للسماء وبسمة رقيقة على محياها، فهي منذ الصغر تعشق وقتي الشروق والغروب.
نصب عوده الفارغ واقترب من شرفتها ووقف مقابلها وتحدث مبتسمًا:
"لسة زي ما إنتي بتحبي تشوفي الغروب وتسرحي، اللي يشوفك كدا يقول كبرتي وبتحبي والقلب مشغول..."
أتقنت بدورها رسم الهدوء على ملامحها رغم الحرب الشاعلة بداخلها وابتسمت ابتسامتها الرقيقة الحالمة وما زالت تنظر إلى السماء:
"والله يا آبيه أنا كبرت بس إنت اللي مش واخد بالك."
ثم ضحكت بخفة وأكملت:
"بس حتة القلب مشغول دي انساها... هذا القلب مغلق أو غير متاح حاليًا."
وقف مستندًا على الجدار أمامها يضحك على هذا التشبيه:
"ما أنا عارف إن هذا القلب فاضي بس بكرة يجي اللي يملاه يا غزالتي وينشغل، بس يا ريت أكون أول واحد يعرف زي ما كنتي بتيجي وتحكي لي كل حاجة...."
أردف كلماته تلك كي يرى ردة فعلها... فبعد حديث صهيب واستنباطه لحالتها غير الطبيعية جعله يشك بها وخاصة بعد تغيرها في الوقت الحالي.
نزلت كلماته على صدرها كنيران تلهب جدرانه وضلوعه ولكنها أحكمت تعبيراتها وهتفت بمرح مصطنع:
"متخافش وقت ما ينشغل أول واحد هيعرف هيكون إنت أكيد أوعدك..."
صاح بها غاضبًا إثر كلماتها التي فاجأته:
"توعديني بإيه يا بت، اتجننتي ولا إيه؟ حب إيه وكلام فارغ إيه؟ إنتي لسه صغيرة على الكلام دا، ركزي في دراستك ومذاكرتك."
تغضن جبينها بعبوس وسألته بحيرة:
"مش إنت اللي سألت وأنا جاوبت؟"
اقتربت من الجهة التي يقف مستندًا عليها قائلة:
"متخفش هحاول أشوف واحد حليوة زيك كدا بس ما يكونش عصبي ونرفوز ولا يبرق لي بعينه... ويكون هادي وحنين وأهم حاجة يحبني ويبقى بتاعي لوحدي، قلبه وروحه ملك ليا ما فيش غيري ساكن بقلبه."
لا يعلم لماذا شعر بهذا الشعور المميت؟ هل لأنه شعر بغيرته تجاه شخص مجهول تحبه وتعتني به أكثر منه... أم لأنه يراها تلك الصغيرة المتشبثة به؟
خرج من صدمته على صوت هاتفه وكان المتصل ندى:
"أيوة يا ندى عاملة إيه يا روحي... أكيد فاضي."
تركها واقفة واتجه للداخل حتى يكمل مكالمته الهاتفية مع حبيبته...
مجددًا يتزايد انقباض صدرها وتشعر بالاختناق يزيد... شعرت بوجع قلبها فوضعت يدها على صدرها ناحية موطن الوجع ونظرت إلى السماء وأردفت بهمس يسكب حزنًا وألمًا:
"خفف عني يا الله وأزل عن قلبي وجعه... يا رب امسح حبه من قلبي مدام مش نصيبي."
بعد دقائق خرج إليها وتحدث:
"يالا يا غزالة اجهزي عشان هنخرج دلوقتي أنا وإنت بس... جاسر هيخرج مع مليكة، وصهيب هيخرج مع سيف وكلنا هنتقابل عند الشلال...."
ألقى نظرة شمولية عليها فنظر إلى شعرها:
"ولمي شعرك، إياكِ تفرديه."
رفعت أصابعها وأرجعت خصلاتها التي هربت بفعل الهواء:
"بس أنا بحبه كدا ما بحبش طريقته اللي كنت بتعملها، لو سمحت النهاردة عيد... خليه النهاردة ووعد بكرة هلمه."
"إنت مش ناوية تتحجبي يا غزل؟"
"وهي ندى متحجبة يا آبيه؟"
سؤال نطقته غزل سريعًا دون تفكير... وقع سؤالها عليه كصاعقة... لماذا لم يفكر بأمر كهذا وخاصة أنها مذيعة ولن توافق على هذا؟
قاطعهم دخول صهيب:
"إيه يا ابني بقالي ساعة بنادي عليك وإنت ولا إنت هنا."
نظر له وهو ما زال يستند إلى الجدار ولم يرد، كان ما زال واجمًا يفكر في كلمات غزل.
اتجه صهيب بأنظاره لغزل رفع ذقنه إليها وأردف مشاكسًا:
"الله أكبر وأنا بقول الشمس منورة ليه، أتاري ضحكة الغزالة نازلة على قلبي ترفرف زي الفراشة."
ضحكت عليه بصوت مرتفع:
"حبيبي إنت والله يا آبيه بس نسيت حاجة، الشمس خلاص روحت..."
أغلق نصف عيناه وصحح بفكاهة:
"تصدقي صح، بس عايز أقولك يا بت زوزو ضحكتك دي تخطف أي قلب وعقل حتى اسألي الولا دا."
نظر جواد بغضب لصهيب:
"إنت بتعمل إيه هنا يالا عايز إيه؟"
شاكسه صهيب وهو يضع خده على ويستند على مرفقيه قائلًا:
"جاي أتشمس وآخد لي شوية حب من الغزالة بتاعتنا."
ضرب جواد كوعه فنزل وجهه على سور البلكونة:
"حب أما يلوشك، خمس ثواني لو شوفتك قدامي هرميك من البلكونة وأخلص منك."
رفع حاجبه بغيظ لغزل:
"شوفتي بيعمل فيا إيه، والله إنت ليكي الجنة يا بنتي ما أعرفش بتحبيه على إيه، دا أنا لولا أخوه كنت اتبريت منه."
"صهيب!" صاح بها جواد وأمسكه من تلابيبه:
"امشي يالا من هنا وربنا بقيلك تكة معايا..."
أتى جاسر على أصواتهم العالية:
"إيه دا إنتوا هنا وأنا عمال أنادي."
نظر لغزل وجدها تقف شاردة وتنظر في نقطة ما:
"زوزو حبيبتي اجهزي يالا هخرج أنا ومليكة وآخدك معايا."
"لا هاخرج أنا وغزل، روح إنت مع خطيبتك."
نظر صهيب بتمعن لأخيه وصدمه بكلامه:
"إنت مش المفروض كنت هتسافر لخطيبتك أكيد مستنياك في يوم زي دا تفسحها فيه."
ثم اتجه بأنظاره إلى غزل:
"متخافش على غزل هاخدها أنا وسيف معانا وهنركب عجل مش كدا يا زوزو؟"
زفرت بضيق:
"أنا مش خارجة، مش عايزة أخرج مع ولا واحد فيكم."
ضيق جواد عيناه مردفًا:
"من امتى وكلامي ما بيتسمعش؟"
ثم نظر لساعته:
"قدامك ربع ساعة وتكوني تحت."
وأكمل حديثه ناظرًا لجاسر وصهيب:
"إنت روح لمليكة زمانها مستنياك... وإنت يا عم فلانتينو عينك على سيف إياك يا صهيب يغيب عن عينك أنا في بالي كام حاجة ومش فاضيلكوا الأيام اللي جاية سمعتني؟"
أغمضت عيناها بحزن لأنها اعتقدت انشغاله بحبيبته ولا تعلم قضيته الصعبة التي يفكر بها طوال الوقت.
***
بعد ساعة كان يجلس بها أمام الشلالات حيث الطبيعة الخلابة... ابتسم عندما وجدها تغمض عيناها وتستنشق الهواء بعمق جذبها من أكتافها بحب أخوي:
"فاكرة ما جيناش هنا من إمتى؟"
نظرت إليه وإلى قربه الذي أهلكها... شعرت بدقات قلبها السريعة بحضرته... وتحدثت إليه بعيونها الرمادية الجميلة:
"حين أقول أحبك
أعني بها أن العمر أنت....
والوطن أنت....
وضوء أيامي أنت..
حلمي واشتياقي ونبض قلبي أنت
ولا ينبض القلب إلا في حضورك....
وكأنك لافتة كتب عليها هنا تبدأ الحياة..."
استشعر شيئًا بنظراتها... أرجع خصلات شعرها للخلف ورفع ذقنها وأردف متسائلًا:
"مالك يا غزل إنت مش فرحانة عشان خرجنا؟"
وضعت رأسها على كتفه وحاولت أن تتأقلم معه كما كانت قبل... تذكرت كلمات جاسر لها:
"لو جواد حس بس بإحساسك تجاهه يبقى إنت كدا بتموتيه."
أغمضت عيناها بحزن وسكنت لثواني تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من قربه ورمت كل شيئ وحاولت أن تجمع معه كل ما تحاول من ذكريات لا تعلم إذا كانت ستتكرر لقاءاتهم مرة أخرى أم لا.
"أنا كنت حاسة إني لسه صغيرة بس فجأة حسيت إني كبرت قوي ما أعرفش ليه الإحساس دا... يمكن عشان هدخل الجامعة ولا يمكن عشان حاسة إني مكتئبة صدقني ما أعرفش مالي كل اللي حاسة بيه إني حزينة وبس.. يمكن حسيت دلوقتي إني محتاجة لحضن ماما... ما أعرفش يا جواد بجد ما أعرفش."
شعور غريب يتسرب إلى دقات قلبه عندما نادته باسمه دون ألقاب... ولكن أرجعه أنه تعود منها على آبيه دائمًا... ورغم ذلك شعر بتهدج أنفاسه وأحس بقبضة قوية تعتصره عندما تحدثت عن والدتها.
ضمها بقوة إليه وتحدث حزينًا:
"أنا قصرت معاكي يا غزل في حاجة... ليه بتقولي كدا يا حبيبتي... فين غزل بنتي القوية الحلوة المرحة؟"
رفعت رأسها أخيرًا من على أكتافه فكانت قريبة منه للحد غير المسموح تنظر إليه فقط إلى أن أشعرته بشعور لأول مرة يزحف داخله ويزلزل كيانه... نظر سريعًا للجهة الأخرى عندما تغلغل هذا الشعور بجدران قلبه وعقله معًا.
وقف وأشعل سيجاره ونظر للبعيد وكلمات صهيب تتردد بآذانه بدأ ينفث سيجاره بغضب عندما وجد نفسه في مهب الريح...
أتت ووقفت بجانبه وشبكت أصابعها بأصابعه... وابتسمت:
"مش ناوي تركبني مركب ولا عجل؟ فاكر العجلة اللي رميتها في النيل؟"
فاجأها بسؤال لم تتوقعه:
"ما سألتيش عن ندى يعني مع إنك عرفتي من يومين ما جتيش ليه سألتيني عليها زي مليكة ولا إنت مش زي مليكة؟"
حاولت حبس آلامها وهدأت من اضطراب أنفاسها أمامه وابتسمت بهدوء:
"سألت صهيب قالي إنها جميلة وإنك بتحبها بقالك سنة وجاسر كمان أكدلي على كدا... ما حبتش أدخل في حياتك وكل شوية أسأل."
رفع حاجبه وضيق عيناه وأردف مستغربًا:
"تدخلي في حياتي إزاي يعني... إذا كانت حياتي كلها خاصة بيكي... إنت ما تعرفيش أنا أجلت خطوبتي عشان أعرفك عليها الأول."
جذبها وجلس وأجلسها أمامه وقام بالاتصال على ندى اتصال مرئي.
كانت ندى تجلس في النادي مع بعض زميلاتها... قامت بفتح المكالمة بعد تحركها بعيدًا بعض الشيئ:
"أهلًا حبيبي كنت لسه على بالي وحشتني قوي هتيجي إمتى؟"
"وإنت كمان يا ندى وحشتيني قوي..."
أثناء إلقائه تلك الكلمات كان يراقب ردود أفعال وتعبيرات وجه غزل التي وجدها تضغط على شفتيها وتعتصر عينيها.
فتحت غزل عينها فرأته يدقق النظر إليها فأورته وجهها والتفتت تتنفس.
علمت غزل أن جواد شك بها... حاولت التنفس قليلًا وابتسمت له وهو يتحدث لندى.
اتجه بأنظاره لندى التي سألته:
"حبيبي انت برة ولا إيه؟"
وجه الهاتف على وجه غزل وأردف بمغزى لكليهما:
"أه بفسح بنوتي الحلوة النهاردة... وبكرة أفسح حبيبتي إن شاء الله."
ابتسمت له ندى بحب ودلال:
"هستناك أكيد يا حبيبي."
ثم نظرت لغزل ولكنها تفاجأت بها فكانت آية في الجمال عيونها الرمادية الجميلة وشعرها الناعم الطويل وملامح وجهها البرئ الرقيق.
رأتها وهي تجلس بجانبه وتتشابك أصابعها بأصابعه وعلى وجهها ابتسامة عذبة تخطف كل من يراها... والأكثر من ذلك يحتضنها جواد بيديه الأخري مرة ويلمس شعرها ليثبته من قوة الرياح... حاولت أن تستمد قوة هدوئها ثم نظرت إلى جواد وتحدثت بمغزى:
"دا غزل طلعت جميلة قوي يا حبيبي ومش بس كدا لا دي عروسة قمر أنا فكرتها مليكة في الأول..."
نظر إلى غزل بابتسامة:
"طبعًا جميلة وعروسة كمان تخطف العقل عشان أقعد وأحط رجل على رجل وأتشرط على خطبيها..."
ضحكت ندى وتمتمت:
"اممم، قولتلي بقي يا جود عايز تقعد وتتشرط على خطيبها، شكلها هتبقى مفتري عليه."
ضغطت بشدة على يد جواد، شعر بها واستغرب رد فعلها.
نظر لندى:
"حبيبتي، هاجيلك بكرة إن شاء الله، سلام يا حبي."
بعد انتهاء المكالمة ضيق عينيه ونظر إليها وأردف متسائلًا:
"مالك يا غزل؟"
ضربت بقدمها الأرض وثارت في وجهه:
"ليه بتقولك يا جود؟ ده أنت رفضت مليكة تناديك بيها وقولت دي لغزالتي بس... وفرحت إن فيه حاجة خاصة بيا في حياتك، حاجة ليا أنا لوحدي... ودلوقتي بقيت متقبلها عادي من أي حد."
اتجهت إليه وبدأت تضربه، لا تعلم ماذا حدث لها:
"جود دي خاصة بيا أنا لوحدي... أنت واحد كذاب يا جواد، كذاب ورمتني أول ما حسيت إنك مليت مني... وبتقولي أنت محتاجة لمامتك ليه؟ محتاجة لماما عشان أشتكيلها منك... عشان تحس بوجعي... عشان حاجتي هتكون خاصة بيا لوحدي... عشان هتكون أمي لوحدي، عمرها ما هتنساني... عمرها ما هتزعلني... عمرها ما هتجيب حد يشاركني فيها."
تركته بخطوات متعثرة حزينة غاضبة ثائرة، رافضة هذا الواقع الذي تشاركها فيه إحداهن قلبه واهتمامه... لقد أخطأت وانهارت وانفجرت أمامه تعلن رفضها وغيرتها.
أسرع إليها ثم جذبها من يدها ووقف بها محاولًا تهدئتها:
"حاضر يا غزل ما تزعليش، مقدرش على زعلك، هخليها ما تقولهاش تاني... صدقيني ما كنتش أعرف إن الموضوع هيزعلك قوي كده."
رفعت عيونها المظلمة بنيران غيرتها والتي لأول مرة ينتبه لها:
"ممكن تاخدني في حضنك؟"
اهتزت نظراته أمام ثورتها، فلم تسعفه الكلمات ولكنه جذبها بسرعة لأحضانه وضمها بقوة يهمس لها بعض الكلمات حتى استكانت وهدأت.
بعد قليل رفع ذقنها، وجد عيونها مترقرقة بلمعان دموع أبت السقوط، وأنفها الأحمر الملون بالغضب، وخدودها كانت مغرية بشكل جعله ينظر لها بتيه وكأنه فقد عقله.
سحب نفسًا ثقيلًا يعبأ به رئتيه... ورغم ما شعر به إلا أنه رفع جانب وجه بابتسامة باهتة أمامها وأردف:
"بنتي هبلة ومجنونة وبتغير على أبوها، مش كده يا غزالتي؟"
تنهدت باستسلام وظهر اليأس على ملامحها لعلمها صحة حديثه، ولكنها سكنت في أحضانه لثوانٍ لتنظيم أنفاسها المضطربة بعدما فقدت نفسها وعرّت دواخلها أمامه... حاولت أن تخرج من مأزقها... وأجابته مبتسمة إلى حد ما:
"آه عيلة وهبلة، وإياك تاخد على كلامها في أي وقت..."
رفع ذقنها وبدأت حواسه تضطرب وترتبك بحضورها، كيف غفل عن شيء كهذا؟ إنها متقلبة المشاعر وعليه أن يأخذ موقف من تقلبها وإبعاده عنها بقدر المستطاع.
سحبها وتوجه حيث جلوس الجميع:
"تعالي نروح عند جاسر ومليكة عشان تشوفي منظر هيعجبك."
وأكمل حديثه ناظرًا إليها وتحدث:
"ناوي أجيب ندى هنا في شهر العسل وتقولي هي كمان رأيها."
رغم أن حديثه أدمى قلبها، ولكنها تحدثت مازحة:
"مش عيب تكون ظابط طويل عريض كده وتقضي شهر العسل في الفيوم؟"
رفع حاجبه بغيظ من حديثها:
"ومالها يا حبيبتي الفيوم؟ ده في ناس في آخر الدنيا بتيجي عشان تزورها."
"ممكن أطلب منك طلب؟"
ضيق عينيه ونظر مستفهمًا:
"أنتِ تؤمري يا غزالي مش تطلبي."
سحبت نفسًا عميقًا ونظرت للبعيد بعدما أوقفته:
"بلاش تقولي حبيبتي دي عشان ندى ما تتضايقش، أصلي لو مكانها ممكن أدبحها."
ضحك بصخب عليها ثم جذبها من يديها.
ورفع ذقنها ونظر داخل عيونها وأردف متيقنًا:
"ندى عمرها ما تتضايق من علاقتنا لأني مفهمها أنتِ بالنسبة لي إيه... أما بالنسبة لغيرتك المجنونة دي، مش كلهم مجانين زيك يا حبيبتي."
وأكمل استرسالًا لحديثه:
"هتفضلي طول عمرك بنتي حبيبتي، واللي مش عجبه براحته، وهفضل أقولك يا غزالتي المجنونة."
مدت شفتيها كالأطفال وارتفع جانب وجهها وابتسمت متهكمة:
"يبقى عمري ما هتجوز ولا ألاقي حب حياتي."
تغضن جبينه بعبوس:
"إيه اللي بتقوليه ده؟ وحبيب إيه يا بت أنتِ؟"
فكرت فكرة مجنونة ونظرت داخل عيونه وحدثها قلبها إنها لن تيأس أبدًا:
"أنا بقالي أربع شهور وأكمل الثمنتاشر سنة."
"يعني من حقي ألاقي حب حياتي، يا دوب ألحق أحب وأتحب."
ضربها بخفة على مؤخرة رأسها وجذبها وسار بها وهو يقول:
"بعدين نشوف حب حياتك المشروط على كيفي ده."
ثم نظر إليها بغضب:
"إياك تتعدي حدودك مع حد يا غزل، وقتها ما تلوميش غير حالك."
سارا معًا ولكن قبل وصولهما ببضع خطوات تم إطلاق نار عليهما.
وضعها جواد خلف ظهره... المكان مكشوف جدًا... اثنين على الطرف الآخر يقودان دراجة بخارية ويطلقون نار بشكل عشوائي.
استمع صهيب للصوت وتوجه إلى أخيه الذي أخرج سلاحه... وتوجه بنظره لصهيب:
"ابعد من هنا، إياك تقرب."
اتجه جاسر سريعًا إليهما وبدأ تبادل إطلاق النار بينهما... لم يفكر جواد في شيء إلا تلك التي خلفه ترتعش بخوف وتهمهم بصوت باكي:
"جواد أنا خايفة... مين دول؟ شكلهم مش حرامية..."
دفعها للخلف بهدوء وحاول أن يجد أي مكان ليأمنها فيه، ومع وصول جاسر في ذلك الوقت وتبادلهم النار جعله يرتاح قليلًا... اتجه ببصره إليها:
"حبيبتي ما تخافيش أنا معاكي..."
ثم ضم رأسها لحضنه:
"طول ما أنا معاكي إياك تخافي."
في أثناء ذلك رفع أحد المجرمين سلاحه وأطلق رصاصة توجهت بعناية إلى مكانها المقصود... وما كان بعد ذلك سوى صرخة دوت في المكان.
رواية تمرد عاشق الفصل الخامس 5 - بقلم سيلا وليد
التفتت إليه بحنق وضيقت عيناها.
"حتى وانت تعبان بتبرقلي..."
ضحك جميع من في الغرفة عليها، حتى جواد الذي كان يبتسم على عصفورته الصغيرة.
جذبتها مليكة بضحك وأردفت: "تعالي ياغلباوية..."
اتجهوا للباب، ولكنها قبل خروجها نظرت إليه ووجدته يلاحقها بنظراته.
رجعت سريعا إليه وحضنته ثم همست له: "ارجع بسرعة عشان غزالتك بتخاف عليك قوي."
ملس على وجهها بحنان: "حاضر، خدي بالك من نفسك.."
أومأت له واستعدت للمغادرة.
في تلك الأثناء، دخلت فتاة أنيقة تسير بهدوء، كانت هادئة الطباع تجذب من ينظر إليها.
أسرعت إلى جواد ووقفت أمامه وعيناها تغشاها الدموع: "جواد حبيبي، إنت كويس؟ كنت هموت أول ما عرفت اللي حصلك.."
نظر إليها بحب: "حبيبتي، أنا كويس. مين اللي قالك بس وقلقك كدا؟"
ملست على وجهه بحب: "لو مقلقتش عليك هقلق على مين بس."
كانت تقف على باب الغرفة تنظر إليهما بنظرات عميقة بالحزن والألم. هاهي حبيبته تظهر لتتخذ مكانها بجانبه. أحست بألم في فؤادها، هل يمكن أن يكون عشقها له سرابا ووهما؟
نظرت إليه نظرة أخيرة وهي تحدث حالها كأنها تحدثه:
"في البداية كنتُ أبكي كلما آلمني قلبي، أتوارى لبضعة أيام دون تواصل إلا معك. كنتُ أختفي ولا أتعامل مع أحد غيرك. الآن أعتدتُ أن أحزن وانت بجانبي. كيف لي التعامل والإبتسام معك، وكيف أخرج ما يجيش صدري إليك؟"
كان يتحدث إلى ندى، ولكنه وجدها تقف شاردة على باب الغرفة.
عندما تأخرت في الخروج، عاد إليها جاسر ليجدها واقفة تراقب الحبيبين، فأسند أخته مائلا عليها:
"يالا ياغزالي، كفاية كدا.. ازيك ياندي؟ اخبارك إيه؟"
"هوصل الجماعة وأرجعلك ياجواد."
ثم سحب أخته للخارج.
اتجه جاسر إليها بعدما رأى حالتها، ولكنه عندما وجد حالة أخته نظر إليه واردف: "أنا هوصل غزل وارجعلك بعد شوية."
ولكن قطع حديثه برفع يديه وقام بالمناداة عليها: "تعالي ياغزالتي..."
أحتقن وجهها بدماء الحرج عندما وجدته ينظر إليها. سكنت لثوانٍ وحاولت تنظيم أنفاسها واتجهت إليهما.
ولكن جاسر همس لها: "غزل، شكلك باين عليه أوي. امسكي نفسك شوية وبعدين نتكلم."
إهتزت نظراتها لأخيها ولم تسعفها الكلمات. ورغم ذلك، أومأت برأسها.
واتجهت إليهما: "دي ندى ياغزالتي." ثم أشار على غزل: "ودي غزولتي ياندى بنت أبوها."
نظرت إليها ندى من أعلاها إلى أسفلها مردفة: "أهلا ياغزل. جود مش بيبطل يجيب في سيرتك، فعلا اللي يشوفكم يقول بنت وأبوها."
كانت ندي تتحدث بثقة ومغزى.
أرادت غزل أن تضايقها فأردفت: "أنا مميزة جدا في حياة جود ومحدش يقدر ياخد مكاني عنده، وهفضل العمر كله غزالته."
من كلماتها ونظرات التحدي، أيقنت ندي أن ارتباط غزل بجواد ليست علاقة أبوية. ولكنها عندما نظرت لجواد فهمت أنه لا يدرك تلك العلاقة.
فأردفت بدلال: "طبعا، هو في أب بينسي ولاده؟ دايما بيعطف عليهم وبيدلعهم عشان بيحبهم حب أبوي."
اهتزت نظرات غزل واشتعلت نيران قلبها تطالب بالفتك من تلك الدخيلة.
كان جاسر يقف بعيدًا يراقب أخته ويضغط على يديه بغضب. ماذا عليه أن يفعل؟ أخته تعشق صديقه الذي بمثابة أخيها. قلبها يكتوي بنار الحب.
"صغيرة، إنت حبيبتي على آلام الفؤاد."
لم يستطع على الصمود، توجه إليها عندما وجدها تحاول أن تضغط على نفسها في حضرة ندي التي تتحدث أمامها برقة لجواد.
ولكن هل بالفعل جواد لم يشعر بمشاعر غزل تجاهه؟ أم إنه أرجعها إلى حب أبوي منذ طفولتها؟
وقف جاسر أمامها وهي ساكنة لم تتحدث، في الوقت الذي تتحدث ندى وجواد ويضحكان مع بعضهما البعض.
جذب أخته بهدوء: "تعالي ياقلبي نخرج نشم هوا."
تحركت معه كإنسان آلي ولا تشعر بما يدور حولها.
ولكن تيبست قدماها عندما استمعت لندى تتحدث إليه: "وحشتني قوي ياجود. أنا موافقة إننا نعمل فرحنا بعد شهر. إنت كنت عمال تأجل عشان امتحانات غزل، وغزل خلصت ونتيجتها كمان قربت تظهر."
التفتت غزل إليهما فوجدتهما متشابكي الأيدي. أغمضت عيناها بقهر ثم توجهت إلى جاسر الذي كان يتابع بصمت.
ضم أخته إليه وخرج دون كلام.
أثناء ذلك، كان جواد يوجه حديثه لندى: "ربنا يسهل ياندي. إنتِ جاية لوحدك، ولا فيه حد معاكي؟"
أجابته بابتسامة: "لا حبيبي، جيت لوحدي. شريف كان عايز يجي بس أنا رفضت."
"ليه بس ياندى؟ على الأقل كنت هبقى مطمن وهو معاكي. هترجعي إزاي دلوقتي؟"
"اممم..." همهمت بها. "يمكن أدلع على خطيبي شوية وهو اللي يوصلني، أو ممكن أقعد عنده كام يوم هنا."
لفت انتباهه معنى كلماتها الأخيرة والذي جعله يقول: "ينفع تقعدي عندنا كام يوم ياندى؟ ومفيش ارتباط رسمي بينا ولوحدك؟ على الأقل حد من أهلك يكون معاكي."
جحظت عيناها بقوة: "إيه اللي بتقوله دا ياجواد؟ الكلام دا كان من زمان ياحبيبي، دلوقتي الحاجات دي بقت عادي."
لوهلة صدمته بردها، ولكنه ابتسم وتحدث: "مش معاكي طبعًا ياندى في كلامك دا. آه ممكن نزور بعض عادي لما يكون فيه ارتباط، بس إنك تكوني موجودة لوحدك ومفيش رابط زي كتب الكتاب دا اللي مش فاهمه."
نظرت إليه بحنق واستغراب: "أفهم من كدا إنك بتطردني؟"
أحتقن وجهه بدماء الحرج: "مش دا قصدي ياحبيبتي... أنا بقولك رأيي مش أكتر، بس إنتِ عارفة مستحيل طبعًا أطردك. وعلى فكرة فرحت بجيّتك."
على جانب آخر، في تركيا، دخل حازم على والدته الدكتورة حسناء: "ماما فاضية؟ ممكن نتكلم شوية."
أومأت برأسها وأشارت له بالجلوس: "طبعًا حبيبي، اتفضل."
تنهد بعمق ثم نظر لوالدته وأردف متسائلاً: "ممكن أعرف هننزل مصر إمتى؟ إحنا هنفضل كدا متغربين... عارف عمو هاشم على طول مسافر وحضرتك مشغولة، بس أنا تعبت وعايز أرجع بلدي. وميرنا كمان مستنية تتجوز وتقعد هنا ولا إيه؟ مش فاهم حضرتك الصراحة."
كانت تشعر بالخوف من ردة فعل حازم عندما أخذت قرار بعدم عودتها لمصر حتى لا تجني آلام الماضي.
أغلقت حاسوبها واتجهت وجلست أمامه: "حازم حبيبي، أنا معنديش وقت للسفر. وكمان إنت نسيت حاجة مهمة، مفيش حاجة بقت تربطنا بمصر، خالك سافر أمريكا، وخالتو ليلى قاعدة هنا. إنت عايز تنزل مصر لمين؟ وكمان شغلك ياحبيبي هتخسره، إنت بقيت رجل أعمال له وضعه. بلاش تضيع الحاجات دي لمجرد حنين وتعاطف."
هوت كلمات والدته عليه كصاعقة، واحتقن وجهه بالغضب.
"مش فاهم برضه كلام حضرتك، قصدك هنفضل عايشين غرب في بلاد تانية."
وأكمل حديثه: "نسيتي ولاد خالتي ولا إيه، اللي المفروض نكون أقرب لهم من الغرب."
ثم وقف أمام والدته وتحدث بغضب: "ماما، أنا هسافر وأستقر هناك، وانسي إني أقعد هنا تاني."
تغضن جبين والدته بعبوس: "قصدك هتكسر كلامي ياحازم؟ وبعدين ولاد خالتك مع أبوهم، مش مع الغريب."
تبسم متهكمًا: "حضرتك مصدقة كلامك دا!!! ولاد خالتي ربتهم طنط نجاة ياماما، في الوقت اللي كان المفروض إنت اللي تهتمي بيهم هي اهتمت.. بس نقول الجري ورا النجاح والشهرة تخلينا ممكن ندوس على كل حاجة."
وقفت والدته مذهولة من حديثه: "انت بتقول إيه ياحازم؟ أنا كدا في نظرك؟"
زفر بضيق وكأن صفعات والدته له لم تنتهِ وأردف مستاءً: "أنا هسافر بكرة وحضرتك براحتك، أنا معنتش هقعد هنا ولا يوم تاني. فهمتيني ياماما؟ أنا كرهت الغربة، نفسي أحس بكياني في بلدي، مش عايزة الشهرة دي."
جلست حسناء بعد مغادرته وبدأت تسترجع حديثه وتساءلت بينها وبين نفسها: هل ما فعلته خطأ؟ هل إبعاد أبنائها عن مصر كان سلبيًا لهم؟
ظلت لعدة دقائق، وأخيرًا خرجت عن صمتها وذهبت إليه لاقناعه بوجهة نظرها.
على الجانب الآخر، جلس صهيب في مكتبه يراجع بعض المشروعات المتعلقة بشركاتهم. دخل إليه جاسر ووجهه حزين، جلس ولم يتفوه بكلمة.
صوب نظره إليه: "إنت جيت ليه؟ مش المفروض تكون مع جواد؟"
أخرج نفسًا ثقيلاً يعبأ به رئتيه: "جبت غزل وسبت ندى هناك معاه."
اتجه صهيب وجلس أمامه مربتًا على يده ثم أردف متسائلاً: "مالك ياجاسر؟"
أغمض عينيه بحزن كلما تذكر حالة أخته. قلبه حزين من أجلها، شعر بعجزه ولا يعلم ماذا يفعل، حتى لا يستطيع البوح مع أحد بما يشعر به.
نظر بتيه لصهيب ثم أردف بهدوء: "مفيش ياصهيب. أنا هخرج أشم شوية هوا لحد ما جواد يتصل، ونشوف هنعمل إيه."
لحقه صهيب بتساؤل واضح: "من إمتى بنخبي على بعض مشاكلنا ياجاسر؟"
تخبط لا يعرف بماذا يجيبه. ظل ينظر إليه ولم يتحدث.
"إنت زعلان عشان غزل؟"
أردف بها صهيب بهدوء.
نظر إليه مستفهماً لأنه ظن أنه لا يعرف، فحاول تشتيت تفكيره فتحدث قائلاً: "مالها غزل؟"
أمسك صهيب قلمه وبدأ يطرق به على المكتب، ثم وقف واتجه إلى النافذة، ونظر للخارج وهو يتحدث: "عن حبها لجواد مثلاً."
صدمة وقعت على جاسر، جعلته لا يستطيع التنفس. كيف له أن يعرف هذا؟
"انت ليه بتقول كدا؟ وبعدين كلنا عارفين حب غزل لجواد. إنت نسيت إنه هو اللي مربيها."
استدار إليه صهيب ورفع حاجبه بغيظ وأردف مستاءً: "مش هتسيبك من شغل التشتيت دا ياحضرة الضابط. إنت نسيت إني دارس علم نفس كمان وأعرف أقيم الحالة اللي قدامي كويس. فبلاش تستغبى نظرتي."
تنهد بضيق أمامه ووقف بجواره: "أنا خايف جواد يعرف، أو يحس بحبها ليه."
"غزل لسة صغيرة ومشاعرها متخبطة، ممكن يكون تعلقها به هو اللي وصلها لحالة الإعجاب دا."
"وممكن يكون حب طاهر ونضيف، ويتحول لعشق كمان ياحضرة الضابط. إنت متعرفش إن حب القلوب النضيفة بيفضل معلم في القلب، بدليل حبك لمليكة لسنين ليه متغيرش؟ وقولنا إنه طايش، سواء عندك أو عندها."
أرجع شعره للخلف بضيق وكأنه سيقتلعه: "أنا عاجز ياصهيب ومش عارف أعمل إيه. تفتكر إن مشاعرها دي حقيقية؟"
زفر صهيب بضيق وتحدث متيقنًا: "للأسف ياجاسر بتحبه جدًا. ودا شفته في عيونها. اسألني أنا ياصاحبي عارف النظرات دي وحافظها كويس."
"طيب العمل؟ هفضل ساكت عليها لحد ما تتبدل كدا وتتوجع وهي بتشوف ندى مع جواد؟ إنت مشفتش نظرة وجعها اللي أنا شفتها لما ندى جت لجواد وقعدت مكانها جنبه."
ربت صهيب على كتفه: "ربك يعدلها من عنده. منعرفش بكرة فيه إيه."
في هذه الأثناء، كانت تقف شهيناز خلف الباب وسمعت حديثهما بالكامل. ضحكت بشماتة وأردفت: "والله وأخيرًا عرفت اللي بيوجعك ياجاسر. أما أشوف هتفضل رافضني لحد إمتى."
في غرفتها، تجلس تضم ركبتيها وتضع رأسها فوقهما تحدق أمامها بصمت بالغ وعيون مترقرقة بالدمع، ولكنه دمع يأبى السقوط حتى لا يزعج خد صاحبتها. يكفيها وجع قلبها.
بعد فترة، قامت واتجهت إلى حمام الغرفة وتوضأت ثم اتجهت لتريح صدرها وتزيح همها.
فردت مصلاها ووقفت بين يدي الرحمن بمنتهى اليقين حتى ذابت جوارحها وانشرح صدرها، وكيف لا وهو الرحيم بعباده أرحم من الأم بولدها.
جلست على السجادة فترة: "خفف عني يالله ألم قلبي، وأزل التعب عن روحي، وأخرجه من قلبي الضعيف. فأنا أحببته حبًا جما بقدر رحمتك ياأرحم الراحمين."
...
قامت مليكة بالطرق عليها، ثم دخلت لغرفتها بهدوء. نظرت بأسى إليها. جلست بجوارها ثم أردفت مبتسمة: "حرمًا حبيبتي، تقبل الله."
نظرت إليها بشرود هادئ: "جمعًا إن شاء الله ياقلبي، منا ومنكم."
قامت بخلع إسدالها وجلست على فراشها. جلست مليكة ونظرت إليها بحزن: "برضو مش عايزة تقوليلي مالك وإيه اللي عامل فيكي كدا؟"
تنهدت بوجع ونظرت إلى مليكة: "مفيش، بس ماما وحشتني... نفسي أترمي في حضنها قوي... ثم استرسلت حديثها بحزن ووجع: هو حضن الأم أمان زي مابيقولوا كدا يامليكة؟ أصل مجربتوش، فكنت عايزة أعرف."
أدمعت عيون مليكة على كلماتها وأشفقت على حال تلك المسكينة.
قبل قليل، وصل جواد وندى إلى منزله. قابلته والدته: "كدا ياجواد؟ مسمعتش كلامي وجيت برضه."
ثم اتجهت بأنظارها لندى: "حبيبتي حمد الله على السلامة... مليكة قالتلي إنك جيتي. عاملة إيه؟ مكنش له لزوم تعبك."
قامت ندى بالسلام عليها برقتها المعتادة: "هو أنا عملت إيه بس ياطنط؟ أنا جيت أطمن على خطيبي. وبعدين حضرتك متعرفيش غلاوة حضرة الضابط عندي ولا إيه."
ملست على شعرها بحنان: "ربنا يسعدكم ويكمل فرحتكم... يالا بقى شدوا حيلكم وإتجوزوا. عايزة أشوف أحفادي. مش كدا ياجواد؟"
نظر لوالدته ولكنه كان شاردا. ثم أردف متسائلاً: "بتقولي حاجة ياماما؟"
جلست ندى بجواره: "لا حضرة الظابط مش معانا خالص."
نظر لوالدته:
"فين مليكة ياماما؟"
"كانت هنا من شوية بس جاسر وصهيب نادولها وخلوها تروح لغزل."
وقف سريعا حتى تألم ثم تساءل: "مالها غزل؟"
"إهدى حبيبي... مالهاش!! بس شكلها تعبت شوية وجاسر خرج مع صهيب وقال تروح عندها لحد مايرجعوا.. أصل عاصم كان هنا وشد مع جاسر كمان وكان عايز يتكلم مع غزل."
اتجه للخارج: "هروح أشوف فيه إيه."
"جواد، استنى." هذا ما أردفت به ندى.
نظرت إليه باستياء: "ممكن أعرف حضرتك رايح فين وإنت تعبان كدا؟"
"ندى، روحي عند ماما. أنا لازم أشوف صهيب وجاسر ضروري وأطمن على غزل."
"بس إنت تعبان ياحبيبي. اتصل بيهم وهم هيجوا."
"أنا مضروب في دراعي مش رجلي ياندى. ممكن تدخلي دلوقتي وأنا مش هتأخر."
غادر متجها إلى منزل جاسر.
قابله شهيناز. نظر إليها بمقت: "جاسر فين؟"
"معرفش!! خرج هو وصهيب من شوية."
ثم نظرت للأعلى وتحدثت قائلة: "مليكة فوق مع غزل. ممكن تطلعلهم."
اتجه للأعلى: "أنا مش مستني منك تقوليلي أعمل إيه!!"
ابتسمت بخفة وتحدثت مع نفسها: "اجري ياحبيبي. عايزة أعرف بكرة هتعمل إيه لما تعرف إن الننوسة بتاعتك بتحبك."
وصل إلى باب غرفتها ولكنه أغمض عينيه بحزن ووجع عندما استمع لحديثها مع أخته. سقطت كلماتها على قلبه شقته لنصفين.
فتح الباب بهدوء ووقف على أعتابه ينظر إليها بقلب مفطور عندما وجد مليكة تحتضنها وتربت على أكتافها.
أعتصر عيونه بقوة حتى لا يضعف أمامها. ولكن كيف وهو شعر بضعف العالم يحتل كيانه بعد سماع حديثها الذي أدمى قلبه.
اتجه إليهما ثم نظر لمليكة التي رأته عندما فتح الباب: "سيبيني مع غزل شوية يامليكة."
عندما استمعت لصوته، شعرت بذبذبات في أنحاء جسدها. رفعت عيونها الباكية إليه، ثم قامت بمسحها ووقفت.
"مالوش داعي ياآبيه. أنا كويسة... وازاي أصلًا تيجي وإنت لسة تعبان؟ مش خايف جرحك يفتح تاني... وممكن تتعب و..."
وضع يده على شفتيها، ونظر لمليكة حتى تخرج.
نظرت إلى الأرض وجسدها يهتز وقلبها وجيف بسبب قربه منها. قطع شرودها عندما ضمها لصدره بحنان أبوي.
وملس على شعرها: "مكنتش أعرف مهما أحاول أعمل وأقرب منك وأرعاكي بكل قوة ليا، يكون لسة فيه حاجة نقصاكي. حاولت أعمل اللي أقدر عليه صدقيني عشان مشفش دمعة من عيونك الحلوين دول اللي بيخلوني عامل زي الجبل المهدود."
كانت تستمع إليه مدركة ما يحاول قوله. هي تعرف أنه حاول بكل قوته حتى ينال رضاها ورعايتها. ضمته بكل قوة لديها كأنها وعدت نفسها سيكون هذا آخر أحضانه. ظلت تتشبث به أكثر وأكثر حتى غاصت داخل أحضانه. أجمل هذا الشعور وهي بأحضان حبيبها وأبيها وعشقها الأول.
ملس على شعرها بحنان وأردف وهي مازالت بأحضانها: "اوعي عقلك الصغير دا يفكرلك إني ممكن أقصر معاكي أو أبعد عنك مهما طالت بينا المسافات أو دخلت ناس تانية حياتنا. لا ندى ولا غيرها ممكن يبعدني عن بنتي الحلوة اللي ضحكتها بتملى قلبي بهجة وسعادة."
أخرجها من أحضانه. ونظر داخل عيونها: "ينفع العيون الحلوة دي تحزن وتوجع قلبي كدا؟"
اعتصرت قلبها قبل عيونها ووعدت نفسها ألا تحزنه أبدًا مهما كلفها، حتى لو هتدوس على قلبها. هو لا يستحق منها غير السعادة فقط.
في غرفة ماجد، قامت شهيناز بالاتصال بسامح: "سامح، عامل إيه؟ شوفت اللي حصل؟ الزفت عاصم اتقدم لغزل، والدنيا قامت حريقة... وجواد هدد يحيى وطبعًا معجبوش الكلام فضربوه بالنار."
"جواد مات قصدك؟"
"ياريت كنا ارتحنا منه... اتصاب في دراعه وغزل كانت معاه. لو شوفت الرعب اللي كان فيه ماجد. تصدق صعب عليا."
"وماجد ماله؟ مش قولتي ضربوا جواد؟"
"ما دا تهديد لماجد كمان. لما يضربوا جواد الضابط يبقى ماجد لازم يخاف على بنته، فهمتني."
زفر سامح وتحدث بغضب: "ويمكن يكون خاف على جواد ليحصله حاجة. أنا مش مرتاح لعلاقة جواد بماجد وبتمنى موته بأي طريقة."
"فيه مفاجأة كمان محدش يتوقعها خالص. مش السنيورة طلعت بتحب جواد."
استاء سامح من كلمات شهيناز: "انتِ بتخرفي إيه؟ بتقولي إيه؟ كلنا عارفين علاقتهم ببعض، يعني دي واحدة متربية على إيده إزاي هتفكر بحبه؟ ومتنسيش فرق السن وغزل لسة عيلة."
زفرت بضيق وتحدثت قائلة: "واهي كبرت غزل وحبته. ناوي تعمل إيه؟"
"شهيناز، متنرفزنيش... غزل مبتحبش حد وأنا هنزل أسبوعين كدا.. وسيبك من كلامك الأهبل دا، أنا عارف إنك بتغيري منها."
صاحت بقوة وأردفت مستاءة من حديث أخيها: "بقولك سمعت صهيب وجاسر بيتكلموا. دا لو جواد عرف ممكن يتجوزها."
"انت اتجننتي؟ بتقولي إيه؟ دا أنا أقتلهم هما الاتنين. غزل محدش هيتجوزها غيري."
وأكمل مسترسلاً: "خلصيني بس من ماجد وبعد كدا أعرف إزاي أخدها من الكل. أنا بديله الدوا زي ماقولتلي، بس المشكلة مش في ماجد، المشكلة في جاسر والمصيبة جواد. الاتنين قوموا الدنيا حريقــــ. ـــة لما عرفوا بعاصم.. وبعدين جاسر شاكك أصلا فيا، وخايفة من موضوع دوا ماجد دا ياسامح لو حصله حاجة هروح في داهية."
"متخافيش مش هيموتوا دلوقتي ومحدش هيحس بيكي. المهم نخلص منه بطريقتنا، وجاسر معرفتيش توقعيه زي ما خططي."
"أنا بحبه ياسامح بجد، بس هو اللي رافضني عشان الزفتة مليكة... بفكر أحط لها دوا من بتاع امجد."
"اياكي تعملي حاجة جنونية من ورايا. سمعتيني؟ أنا هقفل دلوقتي عندي شغل. واتفقي مع ماجد إن هكتب على غزل في أسبوع. فرح جواد وجاسر دا أنسب وقت وهم مش موجودين."
في فيلا يحيى الكومي، يسير عاصم ذهابًا وإيابًا. يتخبطه الخوف مما سيحدث. دخل عليه أمنه الخاص: "خرج من المستشفى ياباشا وكان معاه واحدة ست، وقبله بشوية جاسر بيه والست غزل."
"متعرفش قال إيه للبوليس؟"
"قالهم شكلهم حرامية، حاولوا يثبتوهم بس قاومهم فضربوه بالنار."
توهجت عيناه بغضب حتى تحولت للون الأحمر وأردف غاضبًا: "ناوي علي إيه يابن الألفي؟"
دخل والده وظل ينظر له بترقب. وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة: "إنت اللي بعت حد يضرب على جواد نار مش كدا؟"
زفر بضيق وبدأ يركل في الأشياء التي تقابله وأردف غيظا: "وهو لسة عايش ابن الألفي؟ مامتش ولسة فيه الروح.. بس وديني لأكون مموته."
صفعه بشدة على وجهه. ثم تحدث قائلاً: "كنت مفكرك أذكى من كدا، بس طلعت غبي. إنت ليه تعمل حاجة من دماغك من غير ما ترجعلي.. حمار! أنا كنت بخطط لتقيل وإنت بغباءك ضيعت كل حاجة."
ضيق عيناه ونظر له مستفهماً: "مش فاهمك يابابا.. تخطيط إيه وإنت سهران طول الليل برة؟"
"ياغبي، عندي فكرة هتخلي ماجد راسه في الأرض والزفت جواد هينطرد من وظيفته بفضيحة.. بس إزاي الأهبل رايح يموت."
ضيق عيناه وأردف متسائلاً: "خطة إيه دي اللي كنت عايز تعملها؟"
"غزل دلوقتي كبرت.. وبقت خطر على جواد. إحنا نستغل النقطة دي."
"نستغلها إزاي يعني مش فاهم؟ وإيه اللي يجيب غزل لجواد في إننا نطرده بسببها؟"
"تعالى وأنا أفهمك وشوف أبوك بيفكر إزاي عشان لما تتجوزها وتاخد كل اللي وراها واللي قدامها تفتكر لولا أبوك مكنتش وصلت لدا."
"بس أنا بحبها يابابا."
"واللي يحب حد يسهر في الكباري طول الليل ياعاصم."
رجع صهيب وجاسر. دخل جاسر الفيلا. وجد شهيناز تقف على الباب تنظر إليه بصمت، فهي عندما رأته من شرفتها انتظرته.
"جاسر، عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم."
"مفيش بينا كلام، وامشي من قدامي. أصل ورب الكعبة أجرك من شعرك وأرميكي من البيت دا."
رمقته بغضب وأردفت متحفزة: "هتسمعني ياجاسر؟ ماهو لما الموضوع يكون متعلق بغزل هتسمعني."
ضيق عيناه ونظر إليها مستفهماً: "غزل؟"
وإنتي مالك ومال غزل؟ ثم تركها وخطى عدة خطوات، ولكن حديثها جعله يتسمر مكانه. عندما أردفت: "حتى بعد ما عرفت عشقها لجواد."
استدار إليها وكان الرعب قد تسلل إلى قلبه، وخاصة عندما علم ما تنويه شهيناز.
تقدمت منه عدة خطوات ونظرت داخل مقلتيه: "ياترى جواد ممكن يعمل إيه لو عرف غزل بتحبه؟ فكر معايا كدا."
صوب نظرات نارية تجاهها وتساءل بصوت قوي عميق: "وياترى الست شهيناز عرفت المعلومة القيمة دي إزاي؟ اممممم وهي بتتصنت على الأبواب؟ ماهو دا شغل الحواري اللي جاية منه."
ثم استكمل حديثه: "اوعي تفكري يابت إنك بتلوي دراعي وتهدي والكلام الأهبل بتاع الأفلام القديمة دي... أعلى ما في خيلك اركبيه يارخيصة ياتربية الشوارع."
ثم تركها وغادر. ورغم خطواته الواثقة وحديثه الواثق أمامها، إلا أن شعوره بالضياع يضغط عليه بقوة.
جزت على أسنانها بقوة وبدأت تهذي بكلمات: "والله بقي كدا؟ مش خايف من حاجة ياسي جاسر؟ طيب ياجاسر أما نشوف إن ماخليتها زفت على دماغ الكل مبقاش أنا شاهيناز."
في غرفة غزل: "غزل، إنتِ مخبية عني حاجة.. حاسس إنك متغيرة ومش مقتنع بكلامك بحضن والدتك. أكيد موجوعة من حاجة، ماهو مايوصلكيش للحالة دي إلا إذا كنتِ موجوعة جامد. فين غزل بنتي اللي كانت أول مايحصلها حاجة تجري عليا وتحكيلي إيه اللي تعبك؟ حبيبتي احكيلي."
رفع ذقنها ونظر داخل عيونها بعمق. مما جعلها تغمض عينيها.
زفر بضيق وشعر بانقباضة في شقه الأيسر. سحب نفسًا عميقًا وتنهد زافرًا: "أنا عارف إنك في مرحلة خطر وأنا آسف قصرت معاكي في الحتة دي. ممكن يكون سهو مني، أو ممكن مفكرتش في النقطة دي. بس عايز أقولك أنا بحاول بكل قوتي أني أتابع تفاصيلك وأي حاجة تخصك. دا وعد قطعته على نفسي زمان وهفضل ملتزم بيه العمر كله. أنا مش هقولك أنا أبوكي عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت. عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت ومينفعش تكوني طولي وأقولهم دي بنتي. هقول أنا أخوكي الكبير اللي بيخاف عليكي أكتر من روحه. مش أنا زي جاسر برضه ياغزل؟"
سكنت لثوانٍ تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من سؤاله الذي أوقعها به. فركت يديها دليلاً على ارتباكها. ظل ينظر لها بتقييم. هنا أغمض عينيه وحاول أن يهدأ من روعه. ارتفعت وتيرة أنفاسه عندما تأكد من شكوكه. ماذا يفعل الآن؟ وكيف يخرج كلا منهما من مأزقه؟ هو يعتبرها طفلته المدللة التي راعاها كأب لها. هل أخطأ في ذلك؟ أم خطئه الأكبر أنه لم يفكر بشيء كهذا؟
وقف أمامها أخيرًا وتحدث لها: "غزل، اللي عامل فيكي كدا أنا مش كدا."
نظرت إليه بذهول وشعرت أن الأرض تميد بها حتى شعرت أنها سوف يغشى عليها. الآن فقط شعرت بهاوية ستسقط بها.
أولته ظهرها عندما ارتجفت أوصالها: "إيه اللي بتقوله دا؟ قالتها بتقطع. إنت هتكون عاملي إيه يعني؟ دايما جنبي وبتحسسني إني أهم فرد في العيلة حتى لو معاملتك قاسية أحيانًا."
ثم استدارت له: "عمرك مافرقتني عن مليكة، بالعكس كنت دايما بتحسسني إني أكتر حد مميز في حياتك. عمرك ماقصرت معايا، ماتخفش من كدا."
"متغيرة من يوم ماعرفتي إني خطبت، ليه ياغزل؟ وياريت تكوني صريحة معايا. دي آخر مرة أسألك."
تهدجت أنفاسها باضطراب وبدأ صدرها يعلو ويهبط بانفعال عندما علمت أنه فضح أمرها وبات الشك يقين.
أنقذها جاسر عندما فتح الباب ودخل: "جواد! إنت هنا من إمتى وفين مليكة؟"
نظر إليه جواد مستاء: "في حد يدخل كدا من غير مايخبط ياحمار؟ وايه إنت هنا دي؟ هو أنا أول مرة أجي ولا إيه؟"
نظر جاسر إلى أخته بشك وتحدث: "أبدا، أنا بس استغربت إنك تعبان وتيجي. وبعدين كانت مليكة هنا. أما ليه مخبطش عشان سمعت صوتك بس، فأكيد مش هستأذن. فيه حاجة ولا إيه؟ ومالها غزل؟"
"إنت اللي هتجاوبني على السؤال دا ياجاسر. مالها غزل؟"
"أنا بحب واحد ووحشني لإني بقالي فترة مش شفته." هذا ما أردفت به غزل سريعًا دون تفكير حتى تقطع أمامه شكه بها أو يقينه بحالتها وربط ذلك بخطبته لأخيه.
ضيق عيناه ونظر متسائلاً بهدوء يسبق العاصفة: "سمعيني كدا، قولتي إيه؟ عايز أسمع أصل الإصابة تقريبًا كانت في وداني مش في دراعي."
اهتزت نظراتها أمام ثورته الطاغية حتى وقفت الكلمات ولم يسعفها النطق. فركت يديها ونظرت لجاسر: "مش كدا ياجاسر، أنا قولت لجاسر وهو قالي بعد ماننزل القاهرة هيتعرف عليه."
نظر بذهول لجاسر: "البت دي بتخرف بتقول إيه؟ ياحليتها."
نظر بقيلة حيلة لغزل التي وضعته في مأزق. ولكنه علم أن جواد شك بها. تحمحم بحرج ونظر لجاسر: "أنا كنت هقولك بس كنت مستني نرجع القاهرة."
وقاطعه كالثور الهائج: "اخرس مش عايز أسمع صوتك."
طرق باب الغرفة صهيب ودخل بمزاحه كالعادة: "بيقولوا غزالتي تعبانة ياناس، فجيت لها بزيارة. إيه رأيك يابت يازوزو في شوية قشر الموز اللي جايبهمولك."
ولكن قطع حديثه عندما وجد جواد يقف ويواليه ظهره وكأنه يتنفس بعنف، وجاسر ينظر إليه بحزن.
"فيه إيه مالكم؟ مش عاجبكم زيارتي." ثم رفع حاجبه لغزل: "عملتي إيه في فرسان العيلة يازوزو؟"
نظرت للبعيد ولم تنظر لصهيب. اتجه إليه جواد بخطوات سُلحفية. ونظر داخل مقلتيه بغضب: "انت كنت عارف مش كدا؟"
ضيق صهيب عيناه ناظر لجاسر، وأردف متسائلاً: "كنت عارف إيه؟"
صوب نظرات ﻧــ. ـارية إلى غزل وأشار باستهزاء: "إن الامورة عاملة حبيّبة وبتحب."
نظر بصدمة لجاسر: "مين قاله؟ عرف إزاي؟"
ركل جواد المقعد بعنف: "الله، الله.. يعني أنا الأهبل اللي في العيلة معرفش؟ برافو ياحيلتها منك ليه."
نظر صهيب إليه وأردف: "جواد استنى، انت فاهم غلط... إن شاء الله أعدم شهيناز. أنا لسة عارف قريب."
لسة جاسر قايلى النهاردة. قاطعه جاسر رافعًا حاجبه بالا ينطق: "أنا فعلاً لسة كنت بقول لصهيب لما ننزل القاهرة عايزين نتعرف على الشاب اللي غزل معجبة بيه."
أردف بها جاسر لصهيب بمغذى.
ضيق صهيب عيناه ناظر لجاسر: "شاب مين؟ هي سابت جو..."
ركلة جاسر في قدمه.
اتجه جواد لصهيب مضيقًا عيناه: "انت بتقول إيه يالا.. نفسي مرة واحدة تكون عاقل وأفهم منك حاجة."
وقفت أخيرًا من صمتها: "ممكن أعرف سيادة الضابط ماله، عمال يحاسب في الكل ليه؟ إيه يعني لما حبيت واحد وحبني؟ ليه محسسني إن الدنيا اتهدت؟ إنت مالك أصلًا؟ محدش له الحق يحاسبني... أنا كبرت ومحدش له حكم عليا. وانت لما رحت حبيت حد وقفت وقالك عملت كدا ليه؟ أنا حرة ياجواد سمعتني؟"
رعشة قوية أصابت جسده بالكامل بعدما استمع لحديثها. صدره يستعيـ. ـر مثل البركان. لوهلة صدمته بردها.
لثوانٍ كان الصمت يعم الغرفة الذي يتنافى مع صدمة كلا منهما. ابتسم بحنق قبل أن تقسو عيناه وينظر إليها نظرات مرعبـ. ـة ووصل إليها بخطوة واحدة ثم رفع سبابته أمامها: "عارفة نفسك اللي بتتنفسيه دا من حقي أنا، وبقولك أهو قدام أخوكي الحيلة اللي عرف يضحك عليا،، قسما عظما لأربيكي من أول وجديد، وأعرفك إزاي توقفي قدامي بكل بجاحة وتتكلمي بقلة أدب كدا... وعايز أعرف إزاي حياتك دي وإنتِ حرة فيها. ومن النهاردة ألمحك قدامي هوريكي عذاب عمرك ماكنتي تتخيليه مني وشوفي مين اللي هيرحمك مني ياغزل."
توجه بنظره لصهيب وجاسر: "شوفتم أخر دلعكم فيها، مبسوطين، برافو. البنت دي يتاخد منها تليفونها."
اتجهت إليه وبدأت تضربه في صدره حتى أصابته موضع جرحه: "انت مين؟ مفكر الكل يقولك آمين؟ أنا مش هسمع كلامك بعد كدا سمعتني؟ مش هسمع كلامك."
أردفت بها بصوتا صاخب.
اقترب منها وأمسك يدها بعنف حتى تألم من موضع جرحه الذي بدأ ينزف: "اضربي كمان اضربي.. حسابك بقى عسير معايا. من يومين تقوليلي القلب فاضي.. حب إيه يابت اللي بتقولي عليه؟ بتكدبي عليا وتشتغليني ياغزل؟ وجاية تقولي حياتك وإنتِ حرة؟"
ثم دفعها على جاسر بقسوة: "متخرجش من باب أوضتها."
نظر جاسر إليه بذهول عندما وجد قميصه به قطرات دماء: "جواد، استنى. جرحك بينزف."
رفع إصبعه أمامه: "ملكش دعوة، خليك مكانك. دقيقتين وتحصلني، ورانا مشوار."
ثم صوب نظراته لصهيب الذي يقف صامتا: "وانت يافلانتينو زمانك.. خليك مع الامورة واسيها لفراق حبيبها عنها. ولا أقولك اتصل بيه اصله واحشها. هاتي تليفونك يابت."
لم تستمع لحديثه تنظر فقط موضع جرحه. أسرعت إليه ووقفت أمامه ووضعت يديها على جرحه: "جود، استنى الجرح..."
"اخرسي وابعدي عني. وبعدين اسمي آبيه جواد. إياكي تتمادي." ثم أخذ تليفونها وقام بدفعها بقسوة وخرج.
سار بخطوات متخبطة وبدأ يبتسم باستخفاف: "وأنا الأهبل كنت مفكرها بتحبني. أتاريها خايفة مني لأكشفها."
ولكن قبل خروجه من بابا الفيلا أوقفته شهيناز: "جواد، فيه موضوع مهم لازم أكلمك فيه."
نظر إليها بشك ثم أردف متحدثًا: "موضوع عن إيه؟"
"غزل!!"
"إيه؟"
...
في غرفة غزل: "غزل، إنتِ مخبية عني حاجة.. حاسس إنك متغيرة ومش مقتنع بكلامك بحضن والدتك. أكيد موجوعة من حاجة، ماهو مايوصلكيش للحالة دي إلا إذا كنتِ موجوعة جامد. فين غزل بنتي اللي كانت أول مايحصلها حاجة تجري عليا وتحكيلي إيه اللي تعبك؟ حبيبتي احكيلي."
رفع ذقنها ونظر داخل عيونها بعمق. مما جعلها تغمض عينيها.
زفر بضيق وشعر بانقباضة في شقه الأيسر. سحب نفسًا عميقًا وتنهد زافرًا: "أنا عارف إنك في مرحلة خطر وأنا آسف قصرت معاكي في الحتة دي. ممكن يكون سهو مني، أو ممكن مفكرتش في النقطة دي. بس عايز أقولك أنا بحاول بكل قوتي أني أتابع تفاصيلك وأي حاجة تخصك. دا وعد قطعته على نفسي زمان وهفضل ملتزم بيه العمر كله. أنا مش هقولك أنا أبوكي عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت. عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت ومينفعش تكوني طولي وأقولهم دي بنتي. هقول أنا أخوكي الكبير اللي بيخاف عليكي أكتر من روحه. مش أنا زي جاسر برضه ياغزل؟"
سكنت لثوانٍ تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من سؤاله الذي أوقعها به. فركت يديها دليلاً على ارتباكها. ظل ينظر لها بتقييم. هنا أغمض عينيه وحاول أن يهدأ من روعه. ارتفعت وتيرة أنفاسه عندما تأكد من شكوكه. ماذا يفعل الآن؟ وكيف يخرج كلا منهما من مأزقه؟ هو يعتبرها طفلته المدللة التي راعاها كأب لها. هل أخطأ في ذلك؟ أم خطئه الأكبر أنه لم يفكر بشيء كهذا؟
وقف أمامها أخيرًا وتحدث لها: "غزل، اللي عامل فيكي كدا أنا مش كدا."
نظرت إليه بذهول وشعرت أن الأرض تميد بها حتى شعرت أنها سوف يغشى عليها. الآن فقط شعرت بهاوية ستسقط بها.
أولته ظهرها عندما ارتجفت أوصالها: "إيه اللي بتقوله دا؟" قالتها بتقطع. "إنت هتكون عاملي إيه يعني؟ دايما جنبي وبتحسسني إني أهم فرد في العيلة حتى لو معاملتك قاسية أحيانًا."
ثم استدارت له: "عمرك مافرقتني عن مليكة، بالعكس كنت دايما بتحسسني إني أكتر حد مميز في حياتك. عمرك ماقصرت معايا، ماتخفش من كدا."
"متغيرة من يوم ماعرفتي إني خطبت، ليه ياغزل؟ وياريت تكوني صريحة معايا. دي آخر مرة أسألك."
تهدجت أنفاسها باضطراب وبدأ صدرها يعلو ويهبط بانفعال عندما علمت أنه فضح أمرها وبات الشك يقين.
أنقذها جاسر عندما فتح الباب ودخل: "جواد! إنت هنا من إمتى وفين مليكة؟"
نظر إليه جواد مستاء: "في حد يدخل كدا من غير مايخبط ياحمار؟ وايه إنت هنا دي؟ هو أنا أول مرة أجي ولا إيه؟"
نظر جاسر إلى أخته بشك وتحدث: "أبدا، أنا بس استغربت إنك تعبان وتيجي. وبعدين كانت مليكة هنا. أما ليه مخبطش عشان سمعت صوتك بس، فأكيد مش هستأذن. فيه حاجة ولا إيه؟ ومالها غزل؟"
"إنت اللي هتجاوبني على السؤال دا ياجاسر. مالها غزل؟"
"أنا بحب واحد ووحشني لإني بقالي فترة مش شفته." هذا ما أردفت به غزل سريعًا دون تفكير حتى تقطع أمامه شكه بها أو يقينه بحالتها وربط ذلك بخطبته لأخيه.
ضيق عيناه ونظر متسائلاً بهدوء يسبق العاصفة: "سمعيني كدا، قولتي إيه؟ عايز أسمع أصل الإصابة تقريبًا كانت في وداني مش في دراعي."
اهتزت نظراتها أمام ثورته الطاغية حتى وقفت الكلمات ولم يسعفها النطق. فركت يديها ونظرت لجاسر: "مش كدا ياجاسر، أنا قولت لجاسر وهو قالي بعد ماننزل القاهرة هيتعرف عليه."
نظر بذهول لجاسر: "البت دي بتخرف بتقول إيه؟ ياحليتها."
نظر بقيلة حيلة لغزل التي وضعته في مأزق. ولكنه علم أن جواد شك بها. تحمحم بحرج ونظر لجاسر: "أنا كنت هقولك بس كنت مستني نرجع القاهرة."
وقاطعه كالثور الهائج: "اخرس مش عايز أسمع صوتك."
طرق باب الغرفة صهيب ودخل بمزاحه كالعادة: "بيقولوا غزالتي تعبانة ياناس، فجيت لها بزيارة. إيه رأيك يابت يازوزو في شوية قشر الموز اللي جايبهمولك."
ولكن قطع حديثه عندما وجد جواد يقف ويواليه ظهره وكأنه يتنفس بعنف، وجاسر ينظر إليه بحزن.
"فيه إيه مالكم؟ مش عاجبكم زيارتي." ثم رفع حاجبه لغزل: "عملتي إيه في فرسان العيلة يازوزو؟"
نظرت للبعيد ولم تنظر لصهيب. اتجه إليه جواد بخطوات سُلحفية. ونظر داخل مقلتيه بغضب: "انت كنت عارف مش كدا؟"
ضيق صهيب عيناه ناظر لجاسر، وأردف متسائلاً: "كنت عارف إيه؟"
صوب نظرات ﻧــ. ـارية إلى غزل وأشار باستهزاء: "إن الامورة عاملة حبيّبة وبتحب."
نظر بصدمة لجاسر: "مين قاله؟ عرف إزاي؟"
ركل جواد المقعد بعنف: "الله، الله.. يعني أنا الأهبل اللي في العيلة معرفش؟ برافو ياحيلتها منك ليه."
نظر صهيب إليه وأردف: "جواد استنى، انت فاهم غلط... إن شاء الله أعدم شهيناز. أنا لسة عارف قريب."
لسة جاسر قايلى النهاردة. قاطعه جاسر رافعًا حاجبه بالا ينطق: "أنا فعلاً لسة كنت بقول لصهيب لما ننزل القاهرة عايزين نتعرف على الشاب اللي غزل معجبة بيه."
أردف بها جاسر لصهيب بمغذى.
ضيق صهيب عيناه ناظر لجاسر: "شاب مين؟ هي سابت جو..."
ركلة جاسر في قدمه.
اتجه جواد لصهيب مضيقا عيناه: "انت بتقول إيه يالا.. نفسي مرة واحدة تكون عاقل وأفهم منك حاجة."
وقفت أخيرًا من صمتها: "ممكن أعرف سيادة الضابط ماله، عمال يحاسب في الكل ليه؟ إيه يعني لما حبيت واحد وحبني؟ ليه محسسني إن الدنيا اتهدت؟ إنت مالك أصلًا؟ محدش له الحق يحاسبني... أنا كبرت ومحدش له حكم عليا. وانت لما رحت حبيت حد وقفت وقالك عملت كدا ليه؟ أنا حرة ياجواد سمعتني؟"
رعشة قوية أصابت جسده بالكامل بعدما استمع لحديثها. صدره يستعيـ. ـر مثل البركان. لوهلة صدمته بردها.
لثوانٍ كان الصمت يعم الغرفة الذي يتنافى مع صدمة كلا منهما. ابتسم بحنق قبل أن تقسو عيناه وينظر إليها نظرات مرعبـ. ـة ووصل إليها بخطوة واحدة ثم رفع سبابته أمامها: "عارفة نفسك اللي بتتنفسيه دا من حقي أنا، وبقولك أهو قدام أخوكي الحيلة اللي عرف يضحك عليا،، قسما عظما لأربيكي من أول وجديد، وأعرفك إزاي توقفي قدامي بكل بجاحة وتتكلمي بقلة أدب كدا... وعايز أعرف إزاي حياتك دي وإنتِ حرة فيها. ومن النهاردة ألمحك قدامي هوريكي عذاب عمرك ماكنتي تتخيليه مني وشوفي مين اللي هيرحمك مني ياغزل."
توجه بنظره لصهيب وجاسر: "شوفتم أخر دلعكم فيها، مبسوطين، برافو. البنت دي يتاخد منها تليفونها."
اتجهت إليه وبدأت تضربه في صدره حتى أصابته موضع جرحه: "انت مين؟ مفكر الكل يقولك آمين؟ أنا مش هسمع كلامك بعد كدا سمعتني؟ مش هسمع كلامك."
أردفت بها بصوتا صاخب.
اقترب منها وأمسك يدها بعنف حتى تألم من موضع جرحه الذي بدأ ينزف: "اضربي كمان اضربي.. حسابك بقى عسير معايا. من يومين تقوليلي القلب فاضي.. حب إيه يابت اللي بتقولي عليه؟ بتكدبي عليا وتشتغليني ياغزل؟ وجاية تقولي حياتك وإنتِ حرة؟"
ثم دفعها على جاسر بقسوة: "متخرجش من باب أوضتها."
نظر جاسر إليه بذهول عندما وجد قميصه به قطرات دماء: "جواد، استنى. جرحك بينزف."
رفع إصبعه أمامه: "ملكش دعوة، خليك مكانك. دقيقتين وتحصلني، ورانا مشوار."
ثم صوب نظراته لصهيب الذي يقف صامتا: "وانت يافلانتينو زمانك.. خليك مع الامورة واسيها لفراق حبيبها عنها. ولا أقولك اتصل بيه اصله واحشها. هاتي تليفونك يابت."
لم تستمع لحديثه تنظر فقط موضع جرحه. أسرعت إليه ووقفت أمامه ووضعت يديها على جرحه: "جود، استنى الجرح..."
"اخرسي وابعدي عني. وبعدين اسمي آبيه جواد. إياكي تتمادي." ثم أخذ تليفونها وقام بدفعها بقسوة وخرج.
سار بخطوات متخبطة وبدأ يبتسم باستخفاف: "وأنا الأهبل كنت مفكرها بتحبني. أتاريها خايفة مني لأكشفها."
ولكن قبل خروجه من بابا الفيلا أوقفته شهيناز: "جواد، فيه موضوع مهم لازم أكلمك فيه."
نظر إليها بشك ثم أردف متحدثًا: "موضوع عن إيه؟"
"غزل!!"
رواية تمرد عاشق الفصل السادس 6 - بقلم سيلا وليد
في صباح يوم جديد، نثرت الشمس أشعتها الذهبية لتفرش الأرض بنورها.
كانت الجميلة نائمة بهدوء بعد ليلة أرهقتها. تسلل شعاع الشمس مداعبا وجهها فقامت بوضع يدها على عينيها لإبعاد شعاع الشمس عنها. لكن صوت العصافير أزعجها فاستسلمت للنهار وقامت تهمهم بكلمات هامسة:
"قومي بدل مايجي جاسر ويشدك من شعرك زي كل يوم."
وقفت واتجهت إلى المرحاض. وبعد دقائق انتهت من أداء فرضها.
استمعت لطرقات خفيفة على باب الغرفة فأذنت للطارق بالدخول. فدخل جاسر يحدثها دون النظر إليها:
"جهزي نفسك عشان هنرجع كلنا النهاردة."
نظرت للأرض بخجل وأسرعت تمسك يد أخيها محاولة الاعتذار منه عما بدر منها أمام جواد وأنها وضعته في وضع حرج معه:
"أنا آسفة يا جاسر مكنش قصدي أحرجك مع جواد بس كنت عايزة..."
استدار لها جاسر وتنهد، ثم رفع ذقنها ومسح على شعرها بحنان:
"ولا يهمك حبيبتي.. المهم إنتِ عاملة إيه؟"
"ايه رأيك نسافر بكرة نهرب أنا وانتي من ورا الكل."
وضعت رأسها في حضنه وتنهدت بحزن:
"متخافش علي أختك كويسة وجامدة، وإن شاء الله هقوي نفسي."
ثم رفعت رأسها وأكملت حديثها:
"عارفة إنك بتقول كدا عشان محضرش خطوبته مش كدا."
أيوة يا جاسر إنت عندك حق. أنا حبيته بس غصب عني.. والله غصب عني، بس هعمل زي ماقولتلي هحاول ماعرفوش وهعمل زي ماقولتله امبارح هو هيضايق شوية، بس أحسن ما أجرحه."
ضمها جاسر بين ذراعيه مربتا على كتفها قائلاً:
"بكرة هتروحي الجامعة وتشوفي أحسن منه مليون مرة.. هو انت قليلة يابت يازوزو ولا إيه؟"
ضحكت باستخفاف:
"هنشوف الموضوع دا بعدين. هو احنا هنسافر امتى وندى هنا ولا مشيت؟"
"لسة البوص مقلش هنمشي إمتى.. ندى هنا وخرجت مع جواد من نص ساعة كدا."
"غزل انسي ياقلبي وخليكي دايما فاكرة إن جواد بالنسبالك زيي.. يعني مستحيل يفكر فيكي، وكمان حتى لو فكر هيكون صعب. الفرق بينكم كبير."
كتمت غزل وجعها داخل صدرها ونظرت لأخيها بابتسامة:
"أنا وعدت نفسي امبارح إني أتخطاه.. وبوعدك كمان وهعمل زي ماقولت يمكن ربنا شايلى الأحسن."
ترددت غزل في سؤالها عنه ولكن قلبها لم يطاوعها:
"جرحه عامل ايه يا جاسر؟ قلقانة عليه قوي."
"كويس ياحبيبتي.، متخافيش عليه."
قبل جبهتها:
"ربنا يرزقك راحة البال ياحبيبتي."
***
في فيلا ناجي.
تجلس بثينة تحتسي قهوتها وتنظر في ساعة يدها تنتظر أحدهم. وبعد دقائق دخل شاب في أوائل العشرينات مع الحارس الشخصي لها:
"دا هيثم ياهانم واحد من شلة سيف الألفي وبيكروه قد عنيه... ودا أضمنهولك بعمري."
أشارت له بيدها للانصراف، ثم نظرت لهيثم بتقييم وتحدثت قائلة:
"تعرف إيه عن سيف الألفي؟ عايزة كل معلومة عنه الصغيرة قبل الكبيرة!!"
"شوفي أنا وهو مش قريبين من بعض قوي، بس صاحبي انتيم وقريبين من بعض جداً ممكن أعرفلك بسهولة تفاصيل حياته كلها."
"شاطر ياهيثم."
ثم نظرت في ملف بيديها:
"إنت في كلية هندسة.. واو يعني سيف هندسة برضو."
"أيوة في سنة رابعة والأول على دفعته دايما، بس واد بارد وحاطط مناخيره في السما وله أخ ظابط بيقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي."
"اممممم إنت شوفت الضابط دا؟"
نظر لها هيثم وأردف بخبث:
"أومال إيه كل يومين عندنا في الجامعة... ولو عاوزة أعرفك مواعيده معنديش مشكلة."
شملته بنظرة متهكمة:
"لا ياحبيبي ملكش دعوة إنت بالموضوع دا، أنا عايزة منك تقرب من سيف على قد ما تقدر... تعمله حتى عجين الفلاحة عشان يحبك."
حك ذقنه ثم ضيق عيناه وأردف متسائلاً:
"والمقابل ايه؟"
"تعجبني ياهيثم، أنا مش هلف وادور معاك، أنا عايزة منك خدمة وقت ما تخلصها هديلك ربع أرنب ايه رأيك؟"
"أعرف نوع الخدمة الأول وبعد كدا نتكلم في السعر."
"إنت مصدق نفسك إنك في كلية هندسة؟"
ضحك هيثم قائلاً:
"بيقولوا كدا."
"ماشي ياهيثم هقولك بس مش دلوقتي لازم تقربلي منه وبعد كدا تاخد الأوردر مني، ودلوقتي اتفضل."
***
في محافظة الفيوم.
يجلس في شرفته في الصباح الباكر بعد تأديته لصلاة الفجر. ينفث دخان سيجاره بغضب كلما تذكر حديثها. تغلي دماؤه حتى أوشكت رأسه على الانفجار. نظر إلى شرفتها وجدها مغلقة ومازالت مظلمة... كاد يختنق ولا يعلم سبب اختناقه.
أخذ شهيقاً عميقاً ثم زفره ببطء. وبدأ يحدث حاله:
"أنا ينضحك عليا من عيلة ماشي ياغزل، والله لأطلع دلعي عليك كله سواد على دماغك.. عشان تعرفي تخبي عليا كويس."
تذكر:
**فلاش باك**
كان ينتظر أمام مدرستها وهي في الصف الثالث الابتدائي. خرجت غزل تنظر للمشرفة المسؤولة عن حافلة التوصيل الخاص بمدرستها وهي تنتظرها أمام الحافلة.
"غزل حبيبتي أخوكي مستنيكي جاي ياخدك النهاردة."
نظرت حولها ووجدته متجها إليها عندما رآها خرجت. فتح ذراعيه إليها.. فأسرعت إليه ترمي بأحضانها:
"أبيه جود إنت جيت امتى؟"
قبلها على خدها بقوة محتضناً إياها وأردف مبتسماً:
"وحشتيني يازوزو... عاملة إيه؟"
بدأت تلعب في شعره:
"وانت كمان وحشتني قوي ينفع كدا غبت كتير عن غزل."
حملها وأخذها على سيارته:
"آسف حبيبة جود كان عندي شغل كتير.. تعالي نستنى مليكة لما تخرج أنا كلمتها قالت عندها ليسون كمان وهتنزل.. إيه رأيك نخرج أنا وانتي ومليكة ونروح الملاهي النهاردة؟"
"لا أنا وانت بس مليكة خليها تروح مع صهيب وجاسر هي بتخرج معاهم على طول بس أنا أروح معاك لوحدي."
ابتسم جواد على تملك تلك الصغيرة:
"حبيبتي هي كدا هتزعل عشان أنا أخوها برضو ولازم نخرج احنا التلاتة مع بعض... احكيلي عملتي ايه في المدرسة الفترة اللي فاتت."
مَطّت شفتيها للأمام:
"بس متزعلش مني."
ضيق عيناه مستفهماً:
"عملتي ايه يازوزو؟"
وضعت يديها على وجهها:
"ضربت ولد في الكلاس عشان بيقولي إنتِ حلوة ياغزل، وكان عايز يبوسني.. مش انت قولت اللي يضايقك اضربيه."
جحظت عيناه وحاول أن يهدأ من روعه. نظر لها بهدوئه المعتاد المتزن:
"وبعدين الميس عملت ايه؟"
"زعقتلي وقالتلي يعني هو بيشتمك عشان تضربيه."
تنهد بضيق:
"الميس دي اسمها ايه؟"
"ميس سوسن بتاعة الماث."
"الواد دا عملك حاجة تانية؟"
هزت رأسها بلا وهي مازالت تضع يديها على وجهها.
"نزلي ايدك.." لم تسمع كلامه.
"قولت نزلي إيدك."
أردف بها بصوت مرتفع وأكمل مسترسلاً حديثه:
"إنتِ معملتيش حاجة غلط، وأي حاجة تحصل معاكي بعد كدا تيجي تحكيها لي، وإياكي ياغزل تخبي عليا حاجة."
"حاضر مش هخبي عليك حاجة تاني."
حاول أن يتنفس بهدوء ولا يظهر عصبيته وتحدث قائلاً:
"اوعديني يازوزو وإنتي عارفة اللي بيوعد حد لازم يكون قد وعده."
"وعد ياجود عمري ما أخبي عليك حاجة."
**عودة للحاضر**
حاول تنظيم أنفاسه المضطربة من فرط عصبيته منها:
"واهو خليتي بوعدك ياغزل."
"اعمل فيكي إيه بس... ازاي مااخدتش بالي إنها في سن خطر، كان المفروض أقرب منها."
زفر بضيق ثم وضع يديه على شعره ورجعه للخلف. كاد أن يقتلعه من شدة غضبه.
سمع طرقات على باب غرفته توجه إلى الباب وفتح:
"ندى" انتِ صحيتي؟"
"أنا منمتش أصلاً فقولت أشوفك نخرج نتمشى شوية ايه رأيك."
ثم نظرت إليه بتفحص:
"انت منمتش ياجواد ولا إيه؟ وكنت فين رجعت متأخر ودخلت اوضتك على طول ناديتلك ومردتش."
"كنت في مشوار اسف " ندى" كان عندي مشوار ضروري مع جاسر ورجعت متأخر فمحبتش أقلقك."
وضعت يديها على ذراعه:
"ولا يهمك حبيبي، انت لسة تعبان ولا إيه؟"
هز رأسه:
"أنا كويس."
تذكر دموعها عندما وجدت دماء على جرحه.. وجريها خلفه حتى تطمئن عليه. نظر لندى بتخبط ولا يعلم ماذا يحدث له:
"جواد روحت فين؟ بقولك ياله نتمشى شكل البلد هنا هادي وحلو."
أومأ برأسه بنعم:
"انزلي وهغير هدومي وأحصلك."
"أنا لاحظت انك بهدومك من امبارح معرفش مالك فيه حاجة مخبيها عليا."
"مفيش ياندى، انزلي بس وأنا هنزل وراكي على طول."
***
بعد ساعتين.
في فيلا الحسيني.
خرج جاسر من غرفة أخته حزيناً مهموماً لا يعلم ماذا يفعل، يشعر لأول مرة بعجزه.. يعرف أنها تعاني ولكن ليس بيده شيئاً. توجه لحبيبته كي تخفف عنه آلامه وعجزه. وجدها تجلس مع سيف في حديقة الفيلا.
"صباح الورد ياقلبي."
نظرت بخجل للأسفل وتوردت خدودها:
"صباح الخير، فين غزل لسة نايمة؟"
أزاح سيف من جانبها وجلس بجوارها وتحدث:
"غزل بتكوي هدومها قال إيه معندهاش لبس مكوي."
"أنا هقوم أروح لها... البت دي بقت بتوحشني هروح لها قبل ماجواد يجي."
هذا ماأردف به سيف عندما توجه إليها...
بعد ذهاب سيف، زفر جاسر بضيق وتنهد بحزن.. نظرت مليكة إليه:
"مالك ياجاسر بقالك يومين مش عاجبني."
"غزل!"
ضيقت عيناها مستفهمة عن حديثه:
"غزل بتحب جواد يامليكة."
"عادي ياحبيبي ماهي لازم تحبه، ايه الغريب في كدا... انت ناسي هو اللي مربيها."
استدار للجهة الأخرى وحاول أن يستنشق الهواء عندما شعر بضيق تنفسه وخاصة بعد كلام مليكة.
أدارت مليكة وجهها إليه ونظرت بعمق داخل حدقتيه:
"انت مخبي عليا ايه ياجاسر، وكمان صهيب شكله مش عاجبني وكل ما يتكلم يقولي حاولي ماتسيبش غزل لوحدها... مالكم في إيه؟"
عصر عيناه وشعر بألم الكون حوله:
"غزل بتحب جواد كحبيب يامليكة مش أخ وبتتألم لوحدها وأنا عاجز ومش قادر أعمل حاجة."
وضعت يديها على فمها من هول الصدمة:
"انت أكيد بتهزر، دا جواد بيقولها بنتي، وهي بتقوله آبيه وكانت بتنادي له بابا وهي صغيرة ازاي وصلت لكدا... وازاي مااخدناش بالنا من كدا؟"
"أرجع شعره للخلف بضيق كاد أن يقتلعه.
"أنا السبب، أنا اللي كان المفروض أحط قيود بينهم، هو مش في باله وهي حياتها وحلمها فيه."
"انت متأكد من كدا ياجاسر يمكن عادي وانت مكبر الموضوع."
"حبيبتي انت مش شفتي حالتها من ساعة ما عرفت خطوبته ولا لما شافت ندى، اديكي شوفتي انهيارها ازاي، مش عشان تعرضها للرصاص زي ماقلتلك ولا عشان مامتها عشان حست إنه خلاص معدش ملكها."
"ما يمكن غيرة أبوية ياجاسر... اهدى وماتتعبش قلبي عليها ياحبيبي لو سمحت."
دمعة غادرة شقت جفنيه وتساقطت:
"اديكي قولتي قلبك بيوجعك عليها، أنا هموت عليها وخاصة لما تعرف أن جواد هيتجوز بعد شهر."
ثم أكمل حديثه:
"أنا لازم آخدها ونمشي بعيد يامليكة لحد ماكل حاجة تتم."
"انت بتقول ايه ياجاسر مستحيل، دا جواد هيقلب الدنيا... ثم نظرت إليه وأكملت:
"استنى ممكن نلاقي حل، وممكن يكون غزل مش في دماغها وانت فاهم غلط."
***
وقف بغضب وتحدث:
"انتِ بتقولي إيه؟ هو أنا أهبل ولا عبيط عشان مفهمش مشاعر أختى؟ وبعدين هي اعترفتلي يامليكة، روحي شوفي مذكراتها وانتِ تتأكدي."
قاطع حديثهما دخول جواد، ندى وشريف:
"صباح الخير."
هذا ماأردف به شريف. وقف جاسر وحياه:
"صباح النور حمد الله على السلامة.، كل سنة وانت طيب."
"وانت طيب ياجاسر."
ثم اتجه بنظره لمليكة:
"كل سنة وانتي طيبة استاذة مليكة."
"وانت طيب يابشمهندس."
اتجه جواد لجاسر:
"لازم تتحرك دلوقتي ياجاسر عشان تلحق توصل في ميعادك."
"تحرك بس أعرف غزل عشان آخدها معايا."
"هتاخدها على فين؟ أنت رايح الإدارة، وباباك رايح الساحل.. سيبها وهاجيبها معايا."
قاطع حديثهما أصوات ضجة بحديقة منزل ماجد. نظر جواد، وجد سيف يجري خلفها حتى يأخذ هاتفه. وقفت فوق المنضدة ورفعت يديها بالهاتف وهي تضحك فكانت جذابة لكل من يراها، ترتدي ملابس منزلية (ترنج) باللون الفيروزي يبرز مفاتنها باستفاضة وشعرها الناعم الطويل يسقط على ظهرها ليكمل صورتها الملائكية الرائعة... مما جعل شريف ينظر لها بانبهار:
"مين الغزال دا ياجماعة.. لو جنب البحر كنت قولت دي حورية البحر ولا إيه!!"
صوب جواد نظرات نارية له، ثم اتجه لها:
"غزل" صاح بها جواد بصوتاً مرتفع.. مما أدى إلى ارتباكها وسقوطها من فوق المنضدة الموضوعة في حديقة المنزل.
أسرع جاسر وجواد الذي شعر بالصدمة:
"حبيبتي حصلك حاجة."
أمسكت ساقها وتألمت:
"رجلي بتوجعني اوي ياجاسر.. شكلها اتكسرت."
أردفت بها ببكاء. جلس سيف بجوارها:
"أنا آسف ياغزل مكنش قصدي والله."
نظرت إليه وعبراتها تتساقط رغماً عنها:
"إنت مالكش ذنب الذنب ذنبي أنا.."
لم تتوجه إليه بالنظر ووضعت رأسها في حضن أخيها. جلست بجوارها نجاة التي أتت على صوتها عندما صرخت ومسحت على شعرها:
"ينفع كدا ياغزل، انتِ لسة صغيرة ياحبيبتي لكدا.. انتِ كبرتي خلاص."
ثم أمسكت رجليها لكي ترى أين موضع الألم. كان يقف بصمت وينظر إلى شريف الذي لم يبعد نظره عنها. اتجه بنظره إليها غاضباً من تصرفاتها الطفولية. ورغم أن الرعب تسلل لقلبه ولكنه لم يبدِ على وجهه ملامح التأثر. لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك فصوب نظره لجاسر وتحدث بغضب:
"أنا مش قولتلك ممنوعة تخرج من باب اوضتها!!"
صدم الجميع من حديثه... وقفت نجاة وتحدثت بهدوء عندما نظرت لندى التي تقف بجواره ولكنها متحفزة:
"أهدى ياجواد هي عملت ايه عشان تحبسها ياحبيبي، وبعدين أي حد معرض أنه يوقع."
نظر لوالدته بحنق:
"ممكن ياماما ماتدخليش بيني وبينها."
وجه نظره لجاسر:
"شيلها ياأستاذ وطلعها اوضتها لما نشوف آخرة دلع الآنسة هي مفكرة نفسها طفلة لسة بتنطط مش عايزة تكبر ابدا."
كانت نظراته تتناقض كلياً مع كلماته، ودّ لو يضمها ويطمئن نفسه عليها، ولكن كلماتها بالأمس مازالت تنخر في عظامه، لا يعلم لماذا يشعر بألم في صدره... كلما تذكر كلمات شريف وودّ لو يكسر دماغها لخروجها بهذا اللبس.
***
استشاط داخلها من كلماته.. ثم نظرت إليه:
"أنا مش طفلة ياآبيه بس تقول إيه فيه ناس هنا جبارة، صوتها بيكون زي البركان لما يتفجر."
أسدلت أهدابها متحاشية النظر إليه كي لا تتقابل بنظراته معه بعد كلماتها له.. ثم حاولت الوقوف ولكن ساقيها تؤلمها إلى حد كبير... تألمت مما أدى إلى توجه شريف ووقوفه بجانب جاسر:
"هي دي اختك ياجاسر ولا إيه..."
نظر له جاسر وأومأ برأسه:
"شيل اختك ياحضرة الضابط ودخلها جوا."
هذا ماأردف به بقوة جعلتها تنظر له بحزن. وضعت رأسها في حضن أخيها عندما شعرت أن دماءها تغلي من شدة الغضب اتجاهه، لا تعلم لماذا يعاملها بهذه المعاملة.
ابتلع غضبه منها ورسم ابتسامة سمجة أمامهم:
"والله البت دي هبلة."
رغم أنه أردف بها مازحاً إلا أن قلبه يكتوي ولا يعلم ما الذي حدث له عندما وجد نظرات شريف تلاحقه. اتجهت ندى إليه:
"عادي ياجواد دي عيلة."
اتجه بنظره لندى:
"روحي انتِ وشريف مع ماما ياندى لما نشوف الدكتور هيقول إيه على الهبلة دي... دا إيه الخطوبة اللي شكلها منقوش عليها دي."
ضيقت عيناها مستفهمة:
"ومال الخطوبة ياحبيبي؟"
نظر إليها ثم نظر لنفسه:
"يعني هنعمل الخطوبة وأنا بدراع واحد كدا.. طيب مين هيلبسك الدبلة.. عايزة الناس تقول إيه العريس أبو إيد واحدة دا."
ضحكت نجاة على مداعبة ولدها:
"لا طبعاً ياحبيبي دا انت زينة الشباب كلها."
قبل رأسها:
"تسلميلي ياست الكل.. وبعدين ربنا يستر ورجل غزل متكونش اتأذت أنا هروح أشوفها وأشوف الدكتور جه ولا لا."
أتى صهيب في هذه الأثناء ووجه لا يبشر بالخير. نظر إليه جواد بتحفز ثم رفع ذقنه. نظر لوالدته ثم لندى وشريف:
"حمد الله على السلامة ياشريف، منورة الفيوم ياندى.. معرفتش أرحب بيكي امبارح."
"ميرسي ياصهيب منورة بيكم أكيد."
"ماما خدي ندى وادخلي جهزي نفسكوا عشان نرجع القاهرة النهاردة إن شاء الله."
"بس نطمن على غزل الأول."
"مالها غزل..."
هذا ماأردف به صهيب.
"وقعت من الترابيزة ورجلها شكلها فيها كسر."
اتجه صهيب سريعاً إليها:
"لازم أروح أطمن عليها..."
نظرت ندى لجواد وأردفت:
"هو صهيب بيحب غزل؟"
جملة تساءلت بها بجبين مقطب:
"صدم من حديث ندى... ارتفع جانب وجهه وابتسامة متهكمة وأجابها:
"دا بيقولها ياآبيه ياندى.. شكلك عايزة تنامي بقول روحي ريحي أحسن."
"فعلاً أنا منمتش خالص... ايه رأيك ياشريف نمشي دلوقتي ولا نستنى نمشي معاهم."
اتجه شريف بنظره لجواد وأردف متسائلاً:
"هي غزل دي اللي بتقول عليها ندى.. إنك مربيها؟ أنا كنت مفكرها صغيرة."
صمت لثواني يحاول تمالك أعصابه. ضغط على يديه بقوة وهو يسب غزل في سره... نظر إليه:
"بتسأل ليه ياشريف؟"
"أبدا ياجواد أنا بس استغربت إنها كبيرة دي آنسة هي في الجامعة."
رد عليه بزفرة خافتة:
"لا دي لسة رايحة الجامعة."
ثم نظر داخل مقلتيه:
"دي طب إن شاء الله."
أردف بها بمغزى. لوهلة صدمت ندى من ردوده الغاضبة والمستفزة. ورغم ذلك تحدثت بهدوء:
"هنفضل نتكلم على غزل ولا إيه."
اتجه حسين لهما:
"عاملين ايه ياولاد..."
ثم نظر لجواد:
"انت عرفت مين اللي عمل معاك كدا؟"
"لا."
أردف بها بغموض:
"يارب ماتكون مخبي عليا حاجة ياجواد، يادوب نتحرك عندي ميعاد مهم الساعة خمسة ووالدتك هتعدي على حلم."
"هاخد مامتك وغزل ومليكة."
ضيق عيناه متسائلاً:
"عمو ماجد مشي ولا إيه؟"
"هيمشي بعد شوية، بيقولي عنده مشوار قبل مايسافر الساحل، بس قالي جاسر وغزل هيسافروا معانا."
نظر لوالده واردف:
"جاسر عنده شغل هيرجع بعد يومين."
زفر بضيق من أعمال ماجد الغير مسؤولة. ربت على كتف ولده:
"ماجد عارف انك هتاخد بالك منهم كويس."
"كبرت يابابا ولازم يقرب من بنته، مش معقول دايماً راميها كدا."
تنهد حسين يعلم أن ابنه محق:
"خلاص ياجواد أنا هاخدها عندنا لحد ماجاسر يرجع دي مش أول مرة."
"جواد عنده حق ياعمو.. دلوقتي غزل كبرت ولازم ياخد مسؤليته منها... مش كدا ياجود؟"
توجه بنظرات غاضبة لندى. لاحظ شريف فقاطعهم:
"احنا لازم نتحرك يانودي عندك حلقة بعد كام ساعة حبيبتي."
نظرت لجواد:
"هتيجي معانا ولا إيه ياجواد؟"
"لا. أنا هستنى شوية هسافر بعد تلات ساعات كدا، حازم كلمني وجاي في الطريق.. لازم استناه، روحي انتِ مع شريف ولما أوصل هكلمك."
أرجعت شعرها للخلف:
"اوكيه."
اتجهت بنظراتها لحسين:
"متشكرة جداً ياعمو."
"على إيه يابنتي... انتي هتكوني مرات جواد."
ضيق جواد عيناه متسائلاً:
"فيه ايه؟"
"باباك هو اللي بعتلي عربية جابتني من القاهرة لما كلمته واصرت اني أجلك."
"بابا طول عمره بيعمل اللي يفرحنا."
ثم نظر له يشكره بنظراته. ملس حسين على ظهره:
"أي حاجة تسعدكوا."
"أكيد مش هتأخر."
"طيب ياجود أنا همشي حاولت أأجل بس منفعتش."
"أنا قولت إيه ياندى بلاش جود دي."
تنهدت بضيق ثم نظرت له:
"تمام ياجواد."
تحرك معها إلى سيارة أخيها مودعاً. وقفت أمامه بعد ترك شريف لهم مساحة خاصة:
"عايزة أقولك حاجة بس متزعلش مني."
ضيق عيناه مستفهماً:
"حاول تحط مسافة بينك وبين غزل، البنت كبيرة ياجواد وانت مش أخوها. واللي يشوفكوا مايقولش غير حبيبين... وأنا مستحيل أوافق حد ينظر لك النظرة دي."
زفر بضيق ثم اتجه بنظره لندى:
"ندى مايهمنيش اللي يتكلم، أنا أهم حاجة عندي راحة غزل.. وأنا قولتلك دي أنا واخدها وهي عندها شهر، لحد ما شفتيها عروسة كدا، مرتبطين ببعض جدا، ميغركيش شوية القسوة اللي بعملهم عليها."
ثم اقترب منها:
"لو هوقف حياتي كلها عشان أسعدها مش هتأخر، غزل بنتي ياندى وعلى ما أعتقد حكتلك دا كله في بداية علاقتنا، وعرفتك مكانتها عندي."
"فبلاش كلام لا هيقدم ولا يأخر.. هتفضل عندي كدا حتى بعد ما تتجوز أخوها اللي تقدر تستند عليه."
"جواد أبوها وأخوها موجودين ليه دا كله؟"
"لأن أبوها لسة بس من تلات سنين واخدها عنده يعني مايعرفش عنها حاجة."
تنهدت باستسلام وظهر اليأس على ملامحها لعلمها عدم القدرة على اقتناعه.
***
في تركيا.
جلست حسناء في غرفتها بعدما فشلت في إقناع حازم عن السفر لمصر تتذكر ماضيها.
**فلاش باك**
رجعت حسناء من الولايات المتحدة بعدما أنهت دراستها بكلية الطب بمنحة للمتفوقين. كانت تجلس مع أخت لها وهي حنان.
"حسناء: عاملة إيه ياحنون... مبروك ياقلبي أخيراً بابا وافق بماجد."
تساقطت دموع حنان:
"بس رافض سفره وبيقولي كل واحد يروح لحاله، وماجد جايله فرصة عمل حلوة برة أوي عشان يأمن مستقبلنا."
أزالت حسناء دموعها:
"ولا يهمك أنا هتكلم مع بابا، انتِ تايهة عن بابا ماانتِ عارفة إنه بيحب الماديات، حلو إنه وافق الأول."
دخلت والدتهما الست أمينة:
"إيه يابنات مش هتروحوا الفرح ولا إيه؟"
ضيقت حسناء عيناها وتساءلت:
"هو فيه فرح في العيلة ولا إيه ياماما؟"
فركت حنان يديها ونظرت لوالدتها بأسى، فاختها لا تعلم بخطبة حبيبها.
"أمينة: متعرفيش إن حسين الألفي فرحه النهاردة على نجاة بنت خالته."
صدمة سقطت على قلبها جعلتها غير قادرة على التنفس حتى أدى إلى تساقط فنجان قهوتها. اتجهت بنظراتها لحنان وعينيها تغشاها الدموع:
"حسين فرحه النهاردة ياحنان!!"
ربتت حنان على يديها بحزن. وقفت والدتها أمامها:
"انت لسة بتفكري في حسين ياحسناء؟"
أخرجها من ذكرياتها ميرنا:
"ماما حازم سافر ليه وسابني."
مسحت على شعرها بحنان:
"سبيه شوية حبيبتي وهيرجع، أنا عارفة إنه مش هيقدر يعيش لوحده هناك."
"هو إحنا مش هنسافر ولا إيه ياماما؟"
"بعدين ياميرنا، بابا يرجع من السفر ونشوف بعدها إيه."
***
في محافظة الفيوم.
اتجه جواد للطبيب الذي خرج:
"هي مالها يادكتور.. محتاجة أشاعات ولا حاجة؟"
"مش محتاجة جواد باشا، هي بس هتتورم شوية مكان الوقعة... أنا كتبتلها على علاج."
شكره جواد ثم اتجه أخيراً إليها.. دخل وجد شهيناز تتحدث في الهاتف وتواليه بظهرها:
"خلاص ياسامح هصورهالك زي كل يوم وأبعتلك الصورة، معرفش عاجبك فيها إيه."
جلس جواد بالمقعد خلفها حتى تنهي اتصالها. زفرت بضيق بعد انتهاء الاتصال:
"معرفش الكل عايز ينول رضا ست غزل على إيه معرفش."
"يمكن عشان برائتها، ولا جمال روحها، ولا نقول على طيبتها الزايدة اللي كل مرة بتخليني أرحمك."
"جواد" انت فاهم غلط، هو بس بيحبها وعايز..."
قاطع حديثها:
"مين دا؟ قوليلي كدا."
حك ذقنه ثم اتجه إليها بنظرات نارية. تذكر ليلة أمس عندما نادته:
"جواد فيه موضوع عايزك فيه."
"موضوع إيه؟"
"غزل."
وقف تفرك يديها:
"بص من الآخر كدا أنا ملاحظ إن غزل معجبة بحد، والحد دا قريب منها.. دايماً بشوفها سرحانة وعلى طول بتكلم نهى صاحبتها عنها."
هل شعر أحدكم يوماً عن نار القلب! آلان فقط أشعر بنار، أبداً ليس بنار ولكن هي أصفاد لنيران تلتهم أضلعي بالكامل. شعر أن الأرض تميد به، شعور مميت يجعلك تختنق،، حاول أن يستمد قوته ويخرج صوته. نظر لها بهدوء:
"وبعدين؟"
نظرت بشك إليه:
"وبعدين إيه.. مش عايز تعرف مين دا؟"
أقترب إليها بهدوء مميت... وتحدث قائلاً:
"عارفة أنا دلوقتي ممكن أعمل فيكي إيه، لو بس عرفت إنك اتكلمتي مع نفسك حتى على الموضوع دا."
قاطعهم جاسر. نظر بشك لشهيناز التي تحول وجهها للون الأصفر:
"فيه إيه ياجواد؟"
"مفيش بس فيه ناموسة زنانة وعايزة تتضرب..." أردف بها وهو ينظر لها.
فاق من شروده عندما بدأت تهمهم بكلمات:
"شهيناز متخليش صبري ينفذ صدقيني لو حطيتك في دماغي هخليكي تكرهي عيشتك وعايزة أقولك اللي حايشني عنك غزل تصدقي دي... مش عمو ماجد أبداً."
"لا غززززل هي اللي حايشاني عنك بتقولي عشان بتحبك تخيلي الهبلة بتحب مين."
"فرصك بتقل معايا ياشاهي ودا مش في صالحك."
أردف بها وهو صاعداً لغرفة غزل. تضع رأسها في أحضان والدها. نظر لجاسر، صهيب، مليكة، سيف:
"مالكم قاعدين كدا ليه ياله كل واحد يشوف عنده إيه."
"ملوكة روحي عشان تجهزي حالك، وأنت ياجاسر.. اختار من الإدارة لازم تسافر حالا."
"أنا هجيب غزل معايا."
استمعت إليه... ضمت والدها بشدة وكأنها تستمد قوتها منه، وكيف لها تستمد قوتها من غيره..
"سبها ياعمو ترتاح شوية ابعت حد يجيب لها العلاج عشان ترتاح قبل ما نسافر."
أومأ ماجد إليه، أخرجها من أحضانه:
"حبيبتي أنا لازم أسافر بعد شوية."
"نامي دلوقتي حبيبتي ولما تاخدي الدوا هتخفي والالم هيمشي."
نظرت بقهر لوالدها ثم أردفت:
"حاضر يابابا."
قام والدها بإحكام غطاء خفيف عليها.. ثم نظر لجواد:
"تعالى ننزل تحت عايزك في موضوع."
أومأ برأسه، خرج ماجد وظل هو واقفاً لبعض الدقائق مما جعلها تصرخ عندما اعتدلت بعد خروج والدها. نظرت إليه ثم حدثت حالها:
"الحب هو القضية الوحيدة التي يستحق للإنسان الدفاع عنها بكل كيانه، لا يجتمع العقل والقلب معاً ولكن هنا اجتمع الاثنان،، لازم تاخدي حقك بعقلك ولازم ما تفقدتش ثقتك بقلبك ياغزل."
صوبت نظرها له:
"ممكن تمشي عايزة أنام.. اتجه إليها بخطوات سلحفية ونظر أحلى مقلتيها نظرات نارية:
"فيه حد يكلم ابوه كدا يابت."
": حسابك تقل معايا أوي لدرجة عايز أضربك حتة علقة يابت ماكلهاش كلب جربان."
ضحكت بسخرية عليه:
"براحة على نفسك ياعم دراكولا.. مفكر نفسك في بلد مفهاش قانون، لا ياحبيبي فوق وأعرف انت بتكلم مين، ثم وضعت إصبعها على ذقنها بطريقة تفكير:
"أنا مين؟"
"أنا غزل ماجد الحسيني اللي خلى جواد الألفي يربيني تربية سوقية."
ثم اقتربت برأسها منه عندما جلس على الفراش ينظر إليها بغموض وأردفت:
"تعرف أول مرة أعرف إن تربيتك نفعتني النهارده يأبو الجود أهو الواحد يعرف ياخد حقه من بعض العالم الظالمة."
قام بجذب شعرها على حين غفلة منها وقربها إليه:
"تصدقي صح يابت يازوزو.. فيه عالم ظالمة ناوية تخلص عليكي."
"شعري ياجواد بيوجعني سيبه."
"اسمي جواد بس يابت."
"لا ازاي الباشا جواد، ابيه جواد، بابا جواد كدا كويس."
تركها بدفعها حتى سقطت على الوسادة خلفها وبدأت تتألم من ساقيها. سقطت عبرة من عينيها رغماً عنها عندما شعرت بألم رجليها. وقف حتى لا يضعف أمامها:
"خدي الدوا وأنتي ترتاحي."
أتى جاسر بالعلاج ونظر لأخته التي تبكي وجواد الذي يوليها ظهره وينظر من النافذة. تنهد بقلة حيلة من حالته.. ثم اتجه لأخته وأعطاها علاجها، مع بعض الكلمات الحانية بها.. ثم قبل رأسها. دخل جواد الذي انتهى من سيجاره:
"حازم هيوصل على الساعة تلاتة كدا."
"انت سافر ومتخافش عليها، أنا هجيبها معايا."
قبل رأسها:
"ارتاحي ياقلبي عشان متتعبيش."
"هو ماينفعش أسافر معاك؟"
"هو رايح شغل مش رايح الملاهي، وبعدين هتقعدي لوحدك هناك، ماما هتروح لخالك في طريقها ومش هتنزل القاهرة غير بكرة."
"حبيبتي متخافيش هرجعلك على طول، ممكن اخلي بابا يأجل سفره ويسافر معاكي."
نظر جواد إليها ثم إلى جاسر:
"اسمه إيه؟"
نظرت إليه باستفهام:
"هو مين دا؟"
"الصايع اللي الابلة معجبة بيه."
نظرت للبعيد ولم تجيبه. تحدث إليها صارخاً بغضب عارم:
"مبترديش ليه؟ مش المفروض أسأل عن حبيب القلب."
ارتجف قلبها من كلماته وارتبكت في حديثها ورغم ذلك ابتلعت آلامها ورسمت ابتسامة سمجة على ملامح وجهها وتوجهت بنظرها إليه:
"حبيب القلب قصدك حبيبي مش كدا؟"
هوت كلماتها على قلبه طعنته.. للحظات شعر بألم ينخر عظامه.. ولكنه تغاضى ذلك اعتقاداً أنها كذبت عليه. رمقها مضيقاً عينيه:
"بتقولي إيه ياختي حبيب القلب.."
اتجه إليها وجلس أمامها مباشرة ونظر بهدوء ما قبل العاصفة:
"زوزو حبيبتي انتِ لسة صغيرة على الحاجات دي، بكرة تكبري وتنضجي وتلاقي اللي تحبيه بجد."
"بس أنا لقيته وحبيته من غير ما أحس، ذنبي إيه قولي."
أردفت بها وعبراتها رغماً عنها تتساقط أمامه.. نظرت إليه وخصته بكلامها:
"الحب لما بيدخل قلوبنا بيذلذل الكيان، على قد ما هو مؤلم بس لذيذ وممتع أوي."
شعر بوجع يمزق روحه، وقلبه، واه من وجع القلب.. أشدها ألماً، ورغم ذلك هدّأ من روعه. مسح دموعها وصمت برهة يحاول تمالك نفسه من غضبه اتجاهها ولكن كيف وهي لا ذنب لها، هي طفلته البريئة المدللة. ابتلع ريقه الجاف وحاول أن يكون لين الحديث حاليها لخطر مرحلتها كما اعتقد. رفع ذقنها ونظر داخل عينيها:
"زوزو حبيبتي اكيد انتِ عارفة إنك إيه بالنسبالي، أنا خايف عليكي."
أسدلت أهدابها متحاشية النظر إليه كي لا تتقابل بعينيه:
"ممكن نتكلم بعدين أنا حقيقي تعبانة."
"سبيها ياجواد دلوقتي، بعدين نتكلم ونشوف الموضوع دا."
"أنا منمتش ولا دقيقة ياجاسر، انت عارف طول الليل وأنا هتجنن نفسي أعرف عملت إيه ليكم عشان تستغلوني كدا."
"وانتِ بقول إنك لسة صغيرة ومتفكريش في الحاجات دي، يبقى لسة صغيرة سمعاني.. وكلامي بس اللي يتسمع حتى عمو ماجد نفسه ميقدرش يقف قدام قرارات تخصك."
وأقترب منها ونزل بيديه على الفراش وحجزها بين يديه:
"مفيش حد له حكم عليكي غيري هنا، وبقولك قدام أخوكي وأبوكي اللي واقف ورايا دا، محدش يقدر يمشي رأيه عليكي غيري هنا سمعتي ولا لا، سمعت يا عمو ماجد."
ثم أكمل حديثه:
"يعني من الآخر لا سامح اللي مراتك بتزن عليه، ولا عاصم اللي حاول يقتلني."
ثم توجه بنظره لغزل:
"وانتِ لما أقول انسي يبقى تنسي."
ارتجفت شفتيها ولم تستطع القدرة أمامه على الصمود واتخذت قرارها:
"مالكش حق في حياتي سامعني؟ أنت مالك أصلاً، بابا بس اللي له حق."
"نعم ياختي بابا، وبابا كان فين وأنا اللي كنت بسهر اذاكر وأعلم إيه رد وعرفها ياعمو كنت فين ومتقوليش كنت بأمن مستقبلهم.. عشان مفيش أحسن من مستقبل التربية."
زفر ماجد بألم، لأنه يعلم أنه محق:
"ممكن أعرف إيه اللي حصل ياجواد لعصبيتك دي كلها؟"
تحدث وهو مازال ينظر لها:
"بنتك الأمورة مصاحبة ياعمو، لا وجاية بكل بجاحة تقولي أنا حزينة عشان وحشني."
نظر ماجد لجاسر ليستفهم عن كلمات جواد، ثم اتجه بنظره لغزل وأردف متسائلاً:
"مين دا ياغزل، حد إحنا نعرفه؟"
استدار له سريعاً كالملدوغ، ونظر بعيون مذهولة وغضب عارم وأردف:
"دا اللي قدرت تقوله، بقولك بنتك مصاحبة شاب، يكون ردك دا؟"
سحبه ماجد للخارج:
"تعالى معايا عايزك في موضوع مهم، وبعد كدا نشوف موضوع غزل دا."
ترك جواد يديه بقوة:
"لسة زي ما أنت ياعمو، عندك حاجات أهم من ولادك، بس أنا مش هسكت."
ثم استدار حتى يدخل لها:
"يابني أهدى أنا عارف هي بتتكلم عن مين."
تسمر مكانه ولم يستطع استيعاب ما قاله:
"توجه بالنظر إليه: من غير ما أعرف لدرجة دي معنديش قيمة عندوكوا سواء أنت ولا جاسر."
خرج جاسر ووقف أمام جواد:
"تعالى نتكلم بعيد عن هنا ياجواد،، تركه وغادر دون حديث بعدما تبعه بنظرة نارية. لحقه جاسر: "جواد" استنى."
وقف أمام منزله:
"نعم في إيه جاي تتكلم في إيه.. ماهو أنا بقيت غريب عنكم فعلاً."
سحبه من يديه وجلس في الحديقة:
"سامعك يا حضرة الضابط بس يا ريت بسرعة معنديش وقت."
شعر بمدى حماقته فزفر بضيق:
"ماذا سيقول له؟"
"غزل فيه واحدة صديقة عندها، ولها أخ كبير و..."
نظر له بغضب:
"ماتكملش عشان مضربكش ضربة تجيب أجلك دلوقتي، عايز اسم الولا دا وبس ياجاسر متحكيش قصص فارغة."
هب واقفاً ولا يعلم ماذا يفعل:
"جاسر" أردف بها بصوتاً غاضب:
"مش فاكر اسم الولد، كل اللي اعرفه ان اخو صاحبتها وفي كلية وبس.."
أردف بها جاسر وهو يشعر بضيق تنفس. ظل يرمقه جواد بتفحص عدة لحظات:
"والله إيه هو اللي بتقوله دا، اضحك بيه على عيل صغير بيلعب في الشارع،، ثم استكمل حديثه.. تمام ياجاسر على راحتك."
"دلوقتي فيك تمشي ومتخافش على غزل لأن مفيش حد هيخاف عليها ادي."
***
بعد أربع ساعات.
يجلس سيف بجوار السائق... أما بالخلف يجلس جواد منشغلاً بهاتفه وتجلس غزل بجواره وتضع رأسها على النافذة وتنظر للطريق. بعد فترة قليلة من الوقت غابت في النوم. جذبها بهدوء لأحضانه واضعاً رأسها في حضنه مملساً على شعرها بحنان... وبدأ يحدث حاله ناظراً لها:
"الكل عمال يلومني بعلاقتي معاكي حتى بابا وجاسر النهاردة، تفتكري هقدر أبعد عنك..."
تنهد بضيق ثم سحب شهيقاً وزفره ببطء وأسند رأسه على رأسها ذاهباً في سبات عميق.
***
في فيلا الألفي بالقاهرة.
بعد وصوله بساعتين جلس في شرفة غرفته يتناول قهوته... دخلت مليكة إليه:
"ماتيجي نخرج شوية ياصهيب لحد ماجواد وغزل يوصلوا."
"ماليش نفس صدقيني وتعبان جدا، انتِ مش تعبانة يابت وعايزة ترتاحي."
"أنا مخنوقة أوي ومش عارفة أنام."
نظر إليها باستفهام:
"مالك يامليكة ملاحظ انك طول الطريق ساكتة."
تنهدت بحزن ونظرت له وأردفت:
"غزل صعبانة عليا قوي ياصهيب، بجد الموضوع صعب وخاصة سنها الصغير دا.. تفتكر إنها هتقدر تواجه قلبها وتنسى، حتى لو حاولت تنسى، هتنسى إزاي وهو طول الوقت قدامها، ومش بس كدا أقربلها من اخوها نفسه."
سحب نفساً ثقيلاً وأخرجه بهدوء فهو يشعر بالاختناق لأجلها:
"جاسر قالك مش كدا، المشكلة مش في كدا يامليكة المشكلة إنها وهمت جواد إنها بتحب واحد وجواد مش هيرحمها بعد كدا..."
وقف عن الحديث لحظات مستديراً لها:
"النهاردة شوفت نظرة جواد لغزل يامليكة معرفتش أفسرها، الموضوع هيصعب أكتر من الأول على الاتنين.. لا غزل هتقدر تتحمل الضغط على قلبها، ولا جواد هيتحمل يشوفها بتبدل قدامه ويسكت، واكيد فاكرة موضوع الولا بتاع الاعدادي شوفتيه عمل إيه، جاسر نفسه مكنش مبالي وجواد هدّ الدنيا على الكل... لولا بابا كان ممكن يعمل جريمة..."
صمت للحظات:
"تفتكري جواد ممكن يحب غزل كحبيبة؟"
ضحكت مليكة عليه رغم حالتها:
"لا شكل الموضوع ضغط على دماغ دكتورنا ولا إيه، انت عامل إيه ياحبيبي وليه دايما نظرة الحزن اللي في عينك دي، ليه مش عايز تنسى الماضي ياصهيب وترجع زي زمان، فاكر لما كنا بنهرب من جواد ونعمل مصايب من وراه ماتيجي نشغل غزل ونعمل إحنا التلاتة كدا."
قهقه عليها:
"ياخربيتك دا لو شم خبر ولا الفتّانة قالتله ماانتِ عارفة مبتخبيش عنه حاجة هيموتنا كلنا.. مش هو أكبر من بسنتين بس بس بحسه أبويا وأكبر مني بعشرين سنة."
"صهيب انت لسة بتفكر فيها."
وقف واتجه بنظره للخارج:
"الأيام بتنسي يامليكة."
"مر سنين ياصهيب مش أيام، اوعى تفكر إني مش واخدة بالي وعارفة إنك بتحاول تضحك، بس الضحكة مكسورة ياحبيبي."
"بقولك ياملوكة روحي اتصلي بخطيبك شوفي اخباره إيه ليكون قاعد مع واحدة كدا ولا كدا..."
أردف بها وخرج وهو يضحك ولكن كيف تكون السعادة!! وسعادة القلب غائبة.
***
في فيلا يحيى الحسيني.
يجلس يحيى مع زوجته منال:
"بقولك يامنال فاكرة موضوع حسين الألفي، وحسناء؟"
ضيقت عيناها مستفهمة:
"مش فاهمة إيه اللي فكرك بالموضوع دا؟"
صوب أنظاره لها:
"يعني فاكرة."
ضحكت بسخرية:
"إزاي أنساه وأنا السبب فيه ياحبيبي."
ضحك بفخر:
"حبيبتي انتِ يامنول.. عايزك تر
كزي معايا يامنول، وتسمعي هقولك إيه."
"هنروح نزور ماجد ونعتذرله على أساس عاصم اتصرف من ورانا، وكمان نزور حسين ونهنيه بسلامة ابنه."
ثم أكمل استرسال حديثه:
"تدخلي على غزل بدور الحب، وإنك بتخافي عليها وكنتِ بعيد عشان مضايقة من اللي حصل في الماضي."
"إيه هو اللي حصل بقى ياحبي؟"
"إيه اللي حصل... انت ناوي على إيه، دا موضوع خاص بخالتها، يعني مالهاش دعوة."
"أنا بقى عايزك تقولي أمها بدل خالتها."
رفعت حاجبها مستغربة حديثه:
"انت تقصد أقول حنان وحسين، وبكدا نوقع العيلتين في بعض؟"
"برافو مراتي الحلوة هو دا اللي عايز أوصله، بكدا غزل هتكره جواد وهتبعد عنه وماجد هيفكر إن فيه حاجة حصلت لبنته إيه اللي يخليها تبعد عن أبوها الروحي زي مابيقولوا."
"طيب افرض غزل حكت لحد، جاسر او جواد؟"
"غزل زي أمها متخافيش هتخاف تتكلم."
***
ولجت غرفتهما ووجدته مازال نائماً. مَلّست على شعره بحنان وقبلته قبلة سطحية على شفتيه وخديه ثم بدأت بإيقاظه:
"جود حبيبي قوم الساعة واحدة، هتفضل نايم كدا... على فكرة غزالتك جعانة جدا."
فتح عيونه نصف فتحة:
"صباح الورد ياقلبي."
وجذبها بشدة حتى أصبحت بأحضانه... نظر لعيونها الجميلة:
"صباح الحب على أجمل عيون شافتها عنيا."
أردف بها بصوتاً متهدج ممزوج بمشاعره المفعمة بالحب... ارتجف قلبها لكلماته التي تنعش روحها وتذوب فيه. وضعت رأسها في عنقه وقبلته:
"صباح الحب على أجمل راجل وحبيب في الدنيا."
احتضن ثغرها.. ظل وقتاً ليس ببسيط، ثم قاطعها لأخذ أنفاسهما. مرر أنفه على وجهها ليستنشق رائحتها العبقة التي تدغدغ مشاعره.
"قوليلي هحبك أكتر من كدا إيه..."
قاطع خلوتهما ابنهما:
"صباح الخير باباي."
"صباح الخير مامي."
حمله والده وقبله بحب وبدأ يدغدغه:
"صباح الخير على أحلى جسورة في العالم."
ضيق الطفل عيناه ناظراً له:
"ينفع تقول على جاسر جواد الألفي؟"
"جسورة ياسي بابا."
رواية تمرد عاشق الفصل السابع 7 - بقلم سيلا وليد
صمت باسم للحظات ثم اردف:
- إنت كويس يا جواد؟ انت خارج لوحدك إزاي ودراعك؟ يابني صوتك متغير فيه حاجة.
- مش كويس خالص يا باسم، مش كويس خالص.
- طيب إهدى وأنا جايلك. هوصل المدام لعند والدتها، قولي نتقابل في مكاننا.
- أيوه هستناك هناك، سلام.
في فيلا ناجي
جلس ناجي بجوار بثينة وهي تتفحص هاتفها. نظر لها وأردف متسائلا:
- مش ناوية تقوليلي مالك يابوسي؟ وايه حكاية الظابط؟
زفرت بضيق، فهي لا تتحمل الحديث في الماضي حاليًا. كل ما يهمها أن تأخذ حقها من كل من ظلموها.
في فيلا الألفي
يجلس صهيب مع غزل.
زفر بضيق، شعر أن عقله تشتت، حتى أنه لم يعرف ماهية نظرات أخيه. لدرجة وصل شكه أنه يحبها كعاشق.
سحب نفسًا عميقًا ثم نظر إليها وهي تجلس بأحضان مليكة:
- برضو مش عايزة تحكي؟ إيه اللي حصل يا غزل؟ إيه اللي وصل جواد يكون كدا؟ أول مرة أشوفه بالهمجية دي.
وضعت يديها على عينيها وتحدثت:
- والله ما أعرف. أنا ما اتكلمتش معاه في حاجة خالص. كل اللي حصل نمت في العربية، وبعدها بشوية قمت لقيته نايم جنبي. صحيته بعد ما وصلنا لقيته كدا.
زفر صهيب بضيق، وشعر أن الموضوع أخذ منحنى آخر لا يعلم ماهو، ولكن كل ما يشعر به أن هناك خطب ما.
دخل حازم في هذه الأثناء:
- عاملين ايه يا عيلة الألفي؟
وقف صهيب وأردف مقهقها:
- أهليين حضرة المعيد الشاطر. أهي كدا أقدر أقول كمل مثلث برمودا.
ضحك عليه حازم ثم قام باحتضانه:
- وحشني مزحاتك يا ولا ياصهيب.
رفع حاجبه وأردف ساخرًا:
- ابتدينا شغل القلاشات أهو من دلوقتي. هيقول ولا، ولسة لما يوصل حضرة الظابط كمان.
نظر حازم لغزل التي تنظر إليه بصمت. فتح ذراعيه إليها:
- إيه يازوزو؟ حزوم ما وحشكيش؟
هوت دمعة من عينيها، فحازم يشبهها كثيرًا في الملامح والطباع. ثم اردفت بصوتا حزين:
- وياترى حزوم لسة فاكر غزل بعد السنين دي كلها؟ دا حتى أنا نسيت ملامح وشك.
وقف صامتًا ولم يقو على الرد. اتجه إليها بهدوء:
- عارف عندك حق. ومهما تعملي إنتِ وجاسر مش هلمكم. بس صدقيني غصب عني.
- حبيبتي.
إرتمت بأحضانة واردفت باكية:
- وحشتني أوي يازومي، وخالتو كمان وحشتني.
أخرجها من أحضانة ومسح دموعها:
- عاملة ايه؟ كبرتي يابت وبقيتي عروسة قمر. أنا بقول زيتنا في دقيقنا ونعمل احلى فرح ونتجوز.
ضحكت بصوتا صاخب عليه:
- اه وأنا بقول أحط عليكم شوية لبن وأعمل كيكاية يا أخويا.
هذا ما أردف به جواد عندما وصل حضنه حازم:
- عامل ايه ياصاحبي؟ ماشاء الله كبرت واحلوت ياض.
قهقه جواد على مزاحته:
- اه ما أنا عارف، وكمان العرسان هيموتوا عليا.
ضحك الجميع:
- كدا يالا. استناك تلات ساعات وفي الآخر تقولي هنزل على القاهرة. والله عايز تنضرب.
- سماح يابوص. مكنش فيه طيران للفيوم، فاضطريت أغير القاهرة وفي الآخر نزلت إسكندرية. ههه.
- ولا يهمك حبيبي. وحشتني والله. إنت عامل ايه والبت الصغيرة ميرنا مجبتهاش ليه؟
صمت للحظات ثم نظر له:
- كويسين. ممكن ينزلوا شهرين كدا ولا حاجة. عمو هاشم مسافر.
نظر إليه:
- المهم يا جواد. سامع عنك كل خير وعامل رعب داخليًا وخارجيًا ياض.
قهقه جواد عليه:
- أيوه فعلاً. حتى اسأل جاسر بقيت مطلوب حيًا أو ميتًا.
- طول عمرك وانت تستاهل النجاح حبيبي.
- تسلميلي ياحزومي. وحشتني أيام الشقاوة. فاكر..
ضحك الاثنان معًا.
- اه أنت وجاسر عاملين عصابة على الحرامية.
- بالضبط زي ما بتقول كدا. هم اللي بيدوروا علينا دلوقتي.
نظر حازم لإصابته:
- انت متصاب ولا إيه؟
- لا دي حاجة تفاريح، عيدية العيد يعني.
- ألف سلامة عليك ياصاحبي. إن شاء الله محروس. فاكره.
نظرت مليكة لحازم:
- اذيك ياحازم؟ عامل ايه؟ وحشتيني.
هل شعر أحدكم كيف يكون لعاشق الصمود بعد الالتقاء بحبيب غاب عن العين لمدة سنين ولكنه حاضر القلب؟
على الرغم إنه رآها عندما دخل، ولكنه حاول الصمود وألا ينخرط خلف مشاعره.
اتجه بنظرة أخيرًا إليها.
نظر لعيونها السوداء التي مازالت تجذبه. كانت دائمًا لها ترانيم مقدسة في صمام قلبه. ابتسم بخفوت:
- عاملة ايه يامليكة.. انتِ كمان وحشتيني أوي.
أردف بها بخفوت.
كان صهيب يتابع نظرات الجميع.
جواد الذي يهرب بعيونه من غزل، وحازم الذي يضغط على يديه، وغزل التي تحتضن حازم وتنظر لجواد بصمت، ومليكة التي تبتسم ببراءة للجميع.
تنهد بحزن، وانسحب بهدوء.
خرج للشرفة يتنفس بهدوء، وكأن لقاء حازم بمليكة أخرج فجوة قلبه التي يتدارى بها عن الجميع.
أغمض عينيه وبدأت أحداث الماضي تلاحقه مرة أخرى بعد أن حاول نسيانها.
فلاش باك
دخل مكتب جواد سريعا.
اصطدم بأحدهم:
- إيه؟ ماتفتحي قطر معدي.
وقفت تنظر له بغضب واردفت ساخرة:
- لا والله أنا برضو اللي أفتح؟ ماتشوف أنت داخل أعمى ولا إيه.
كانت تتحدث وشعرها يتطاير حولها ويغطي عينيها.
نظر لها بتيه:
- جميلة حقًا وملامحها بريئة كالأطفال.
خرج من شروده بها عندما اردفت:
- والله نقول إيه على ناس بتستهبل وعاملة عامية.
رفع يديه وأزاح شعرها من عينيها:
- خليها كدا أحسن، حتى تبين قد إيه إنك قطة شرسة.
دفعت يديه بعيدًا عنها:
- إيدك ياشاطر، ودا أسميه إيه إن شاء الله؟ أنا ممكن أعمل بلاغ على فكرة فيك.
رفع حاجبه متسليًا:
- أموت أنا في القواضي دي، ويا سلام لو كانت تحرش.
- يخربيتك. دا انت أكيد مش طبيعي.
وضع يديه في جيبيه:
- الغزالة الحلوة دي اسمها إيه؟ وشغالة هنا ولا زيارة لمجرم؟
دفعته بأجندتها:
- وسع كدا. هو أنا ناقصة ناس مجانين.
قاطعهم جواد عندما دخل مكتبه:
- صهيب إيه اللي جابك؟ فيه حاجة ولا إيه؟
نظر صهيب له ثم للتي تقف بحركات تنم عن غيظها:
- اتصلت بيك كتير وتليفونك مقفول، فقولت أعدي عليك. فيه مشكلة في مدرسة البنات واتصلوا، شكل غزل عاملة مصيبة.
- أدتلهم رقمك، بس حضرتك تليفونك مقفول.
- "غزل". مالها؟ طيب ياله.
اتجه بانظارة لجنى:
- جنى آسف هنأجل ميعادنا لبكرة.
- ولا يهمك يافندم، بكرة هاجي لحضرتك.
خرج جواد من المكتب مردفًا:
- صهيب أنا هروح لغزل ومليكة، وانت عدي على الشركة. أنا مش رايح النهاردة، هاخدهم ونخرج.
بعد خروج جواد، اقترب منها:
- للأسف يا آنسة "جنى". مش جنى برضه، بس إنتِ نار. مش جنى خالص. كان نفسي أمثل نفسي قدام حضرتك في قضية رأي عام.
نظر لساعته ثم توجه بنظره:
- وقتي مشغول جدًا زي ماسمعتي.
ضربت كف على الآخر وضحكت ببراءة:
- والله العظيم إنت مجنون.
نظر إليها:
- هي بنات الحور نزلو الأرض ولا إيه ياناس؟
ضيقت عينيها ونظرت له باستياء:
- لا دا بجد. إنت عايز قضية تحرش؟ بس إزاي؟ هو إنت تقرب لحضرة الظابط؟
- ولا أعرفه. دا دمه تقيل. أه والله. أما أنا دمي شربات.
- اه ما أنا أخدت بالي. دمك شربات و شربات تتلبس في الرجلين. لو سمحت عديني عايزة أخرج.
- والله أبدًا. لازم تاخدي رقم التليفون. ممكن تحتاجيني في أي حاجة كدا ولا كدا.
أمسكه جواد من قميصه:
- يخربيتك. أنا مستنيك برة وأنت هنا. يابني هفضل ألمك من كل مكان.
نظر لجنى وتحدث مستفزًا:
- الله وأنا أعمل فيها إيه؟ هي اللي وقفتني، وعمال تسأل فيا. حتى أسألها مش راضية تعديني إلا لما تاخد رقم تليفوني.
جحظت عيناها ونظرت له بصدمة ثم اتجهت بنظرها لجواد:
- والله أبدًا. دا شكله إنسان مش طبيعي يافندم.
- خلاص يا جنى روحي إنتِ، وأنت قدامي.
أردف بها بهدوء مرعب.
خرج صهيب وهو يهندم ملابسه:
- بس لو متحلفوش.
أخرجه من ذكرياته غزل عندما وقفت بجانبه ووضعت رأسها على كتفه:
- سرحان في إيه؟ ومش حاسس بحاجة؟
توجه بنظره إليها:
- ناوية على إيه يا غزل؟ وهتعملي إيه في موضوع قصتك الفاشلة اللي إنتِ عملتيها ولعبتي بها على جواد؟ تفتكري واحد زي جواد هيعديها؟
- أوف خلاص انسى. يعمل اللي يعمله. بقولك ماتيجي نخرج.
- نظر إليها ورفع حاجبه وابتسم بسخرية.
- شكل الأمورة عايز تفلسعني من البيت.
- لا والله. ومن إمتى يا أخويا وأنت بتخاف منه؟ أقولك تعالى معايا بس ومالكش دعوة أنا هحميك.
ضحك عليها بصوتا صاخب، مما جعل حازم وجواد ينظرون إليهما.
ضيق جواد عينيه:
- براحة على نفسك يا أخويا. كتر الضحك بيموت القلب.
رفع صهيب حاجبه:
- الله اللي متغاظ مننا يعمل زينا. مش كدا يابت يازوزو؟
ثم ضمها من أكتافها:
- إيدك ياحمار لأكسرهالك.
ضحك حازم عليهما ثم اتجه لغزل وصهيب:
- عاملين ايه في جواد يابت إنت وهو؟
وقفت تنظر إلى جواد بصمت وتقابلت العيون للحظات:
- ماذا فعلت لك لكي تقسو على طفلتك المدللة بكل هذه القسوة؟ أيعقل الذي يقف أمامي هو أنت؟ كيف؟ أين ذهب حنانك؟ ولماذا كل هذا؟
على الجانب الآخر نظر إليها:
- كيف لي أن أخبرك بما يعتليه صدري؟ وأنا لا أعلم مابه.. كل ما أعلمه هناك أصفادا من نيران تحرقني.
أغمض عينيه وتوجه بنظره للجهة الأخرى.
لاحظ صهيب نظراتهما. هنا أغمض عينيه بحزن لما سيحدث لهما. اليوم تأكد من شكوكه. أخيه يعشق طفلته التي رباها ولكنه غير معترف بذلك. وكيف له الاعتراف؟
- تعالي يازوزو احكيلي كل حاجة حصلت معاكي.
- هنروح عندك ولا إيه؟
أردفت بها وهي تصفق بيديها كالأطفال.
اتجه إليها ووقف بمقابلتها:
- كان نفسي أحقق لك أمنياتك يا أمورة. اطلعي أوضتك فوق هتباتي هنا، مفيش خروج من الباب دا لحد ما جاسر يجي. وقتها أفكر إنك تخرجي ولا لأ.
سحبت حازم من يديه:
- تعالى يازومي نقعد عندنا لحد ما جاسر يجي.
- بت اتجننتي ولا إيه؟ أنا مش بكلمك.
تدخل صهيب عندما وجد حالة أخيه خارج السيطرة:
- زوزو حبيبتي روحي عند مليكة شوفيها بتعمل أكل عشان حازم ما أكلش. روحي ساعديها.
ظلت واقفة تنظر له بعناد:
- أنا عايزة أروح بيتنا وحازم هيجي يبات معايا، مش كدا يازومي؟
نظر حازم لهم:
- هو فيه إيه وجاسر فين؟
- جاسر في مأمورية وهيجي بعد يومين، وعمو ماجد في الساحل، وقال هتفضل معانا لحد ما يجي.
امسكها حازم:
- تعالي ياقلبي هنروح عندنا. أنا كلمت البواب من فترة وزمانهم خلصوا تنضيف الفيلا.
كل هذا وهو يجلس على الأريكة يضع قدمًا فوق الأخرى ويدخن سيجاره.
تحركت خطوتين إلى باب الفيلا.
سحب نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء ثم أردف:
- عارفة؟ خطوة كمان وهكسرلك رجلك. أقسم بالله يا غزل لو خرجتي من باب الفيلا لاكسرلك رجلك.
اتجه صهيب سريعًا إليها عندما وجد نظرة التحدي في عينيها:
- تعالي يازوزو عايزك في موضوع مهم.
تركت يد صهيب واتجهت إليه:
- هو إنت مفكر نفسك مين؟ وبعدين إنت قولت مالكش دعوة بيا.
خفضت رأسها إليه ونظرت داخل عينيه بقوة الحب الذي أعطته له دون مقابل:
- عايز مني إيه؟ فوق.. أنا كبرت ومعنتش الطفلة الصغيرة اللي تتحكم فيها يا جواد. سامعني؟ ومفيش "أبيه" دي تاني. أنا بقولك أهو قبل ما توقف وتعمل فيها عنتر بن شداد، أنا قولتك إيه يابت؟ وبعد كدا اسمي آنسة غزل لو عايزني أقولك يا "آبيه". مش كدا ولا إيه ياااااا. اه افتكرت "آبيه".
أردفت بها وهي تضع يديها على ذقنها.
لثوان كان الصمت يعم المكان الذي يتنافى مع اشتعال نيرانه.
تهدجت أنفاسه باضطراب وبدأ صدره يعلو بانفعال مما قالته.
وقف أخيرًا بعد صمت دام للحظات.
نصب عوده الفارغ واقترب بخطوات بطيئة بعثت في قلبها الرعب وتحدث بجانب أذنها:
- افتكري إني حذرتك قبل كدا. "صهيب" خد البت دي من قدامي وديها لمليكة. أنا مش هتكلم تاني.
ثم صعد غرفته بسرعة جنونية كأن هناك عدوًا يطارده.
تنهدت بحزن لما أردفت به.
خرج صهيب للايجابة على تليفونه. بينما اتجه حازم إليها ولا يعلم ما الذي يحدث حوله:
- فيه إيه يا غزل؟ ليه بتكلمي جواد كدا؟ من امتى وإنتِ كدا؟ مستحيل تكوني غزل. إنتِ واحدة تانية.
نظرت إليه بعيون تغشاها الدموع:
- هو إنت مش أخويا قبل ما تكون ابن خالتي يا حازم؟ ليه مبتاخدش حقي؟ ليه سايبني إنت وجاسر لجواد يتحكم فيّا؟ ليه سبوتني له لحد ما وصلت لدرجة مش قادرة أعيش يوم وهو بعيد عني؟ ليه يا حازم!! إنت سافرت وقولت عدولي، وجاسر أه مع الكل بيكون أسد ويجي قدامه مابيقدرش ينطق. ليه؟
ضمها لحضنه وأردف موضحًا:
- عشان عارفين إنك غالية قوي عنده، يازوزو.
ثم أكمل مسترسلًا حديثه:
- جواد عمره ما هيضرك ياقلبي، بالعكس هو أكتر واحد عارف كل حاجة تخصك. ليه دلوقتي بتقولي كدا عليه، وهو روحه فيكي.
أخرجت تنهيدة حزينة مؤلمة:
- عشان أنا تعبت من القرب والاهتمام دا. وفجأة بكت: مش قادرة أواجه أكتر من كدا.
دخل صهيب وجدها بهذه الحالة، وحازم يحاول أن يهدأها ولكنه لا يعلم لماذا تبكي بهذه الطريقة.
أخرجها من حضنه:
- حبيبتي مالك؟ في إيه؟
وقف صهيب بجوار حازم. ونظر بتقييم لها ثم نظر لحازم وتحدث:
- يمكن عشان إنت وحشتها. مش كدا يا غزل؟
مسحت دموعها برفق ونظرت إليه:
- كدا يا "أبيه" صهيب. هو كدا بالضبط.
على الجانب الآخر في غرفة جواد
دخل غرفته وبدأ يكسر كل ما يقابله بقوة ولا يعلم ماذا يحدث له. هل حقًا ما حدثه به صديقه صحيح؟
قبل ساعتين، يجلس جواد مع باسم:
- مالك يا جواد؟ شكلك بيقول إنك تعبان وزعلان ومبتنمش.
سحب نفسًا ثقيلًا ثم زفره ببطء:
- متخانق مع غزل.
- رفع باسم حاجبه وأردف متسائلًا:
- "غزل"؟ غزل بعينها؟
جملة تساءل بها باسم بجبهة مقطبة؟
زفر بضيق ثم وضع كف يديه على شعره بضيق في حركة تنم على غضبه وحزنه بنفس الوقت وأردف:
- أيوه هي.
نظر باسم إليه بتمعن وترقب ثم أردف متسائلًا:
- إيه اللي حصل ومتخانق ليه؟
قص عليه كل ما حدث.
مط شفتيه للأمام ثم نظر لجواد:
- أنا شايف الموضوع مش مستاهل دا كله يا جواد. البنت عادي تصاحب وتحب وتتحب في سنها دا.
- إنت بتقول إيه يا باسم؟ بقولك ضحكت عليا واستغفلتني.
وضع باسم يديه على المنضدة واقترب للأمام ونظر له بعمق:
- برضو مش عارف إيه اللي يزعلك. إنت كنت عايز يتجي تقولك أنا مصاحبة. أي حد مكانها هيخبي.
صمت هنيهة، حاول تمالك أعصابه:
- مش مصدق دا يكون ردك.
رمقه بعينيه فاردف متسائلًا:
- إنت ناوي تتجوز إمتى؟
لوهلة صدم من حديث باسم ولكنه ابتسم:
- أنا بتكلم في إيه وإنت بتتكلم فيه.
- ماهو دا اللي المفروض نتكلم فيه.
هب واقفًا موليه ظهره عندما وجد باسم يضعه في موضع شك. ثم تحدث:
- عايز توصل لإيه يا باسم؟
وقف باسم مقابلته:
- اللي بتفكر فيه دلوقتي بالظبط يا جواد. غزل بقت خطر عليك.
ثم أكمل مسترسلًا حديثه:
- أنا مش هقولك إنها أخدت تفكيرك. لا هقولك ممكن توصل بيك لوضع صعب ياصاحبي.
- عايز أقولك حاجة يا جواد. إنت دلوقتي بتكن مشاعر لغزل ومش بعيد كمان إنها بتبادلك نفس الشعور. ومفيش حاجة من اللي بتقولها.
- عارف ياباسم. مفيش حد في حياتها ومتأكد من الحتة دي. بس حبيت أفكر معاك بصوت عالي وأشوف ليه بتعمل كدا.
- بتحبك يا جواد، ومش بعيد كمان إنك بتحبها.
هوت كلماته عليه كصاعقة.
رمقه مضيقًا عينيه فاردف بتوتر:
- إيه اللي بتقوله وكلامك الأهبل؟
- والله دا مجرد رأي ياصاحبي.
عودة للحاضر
جلس يضع رأسه بين يديه. وصدره يستعير مثل لهب بركان ثائر على وشك الانفجار.
سمع طرقات على باب غرفته.
سمح بالدخول.
دخل صهيب وهو ينظر له بتقييم عندما وجد الغرفة معظمها على الأرض:
- عايز أتكلم معاك شوية.
رمقه مضيقًا عينيه فأردف متسائلًا:
- عن إيه؟
- عن اللي بتعمله في غزل. ليه دا كله يا جواد؟ وبلاش كلامك اللي مش مقتنع به.
ضيق عينيه ونظر متسائلًا:
- إنت تقصد إيه؟ أنا دماغي مش رايقة ياصهيب. عندك حاجة مهمة قولها، ماعندكش اطلع وسبني.
جلس صهيب أمامه على منكبيه:
- أوعى تفكر إني مش حاسس باللي بيحصل. والنهاردة بس بعد ما اتأكدت جتلك أهو.
اهتزت نظراته أمام أخيه ولم تسعفه الكلمات.
أكمل صهيب حديثه:
- مشاعرك واضحة جدًا يا جواد. هم ممكن ما ياخدوش بالهم، عشان محدش فاهم النظرات دي. بس متعديش عليا.
توهجت عيونه بالغضب ولم يمهله الفرصة لإكمال حديثه:
- اطلع برة ياصهيب لو سمحت. مش عايز أتكلم مع حد.
استشاط داخل صهيب ولكنه عذره. لأنه شعر أن أخيه يتلظى بنيران العشق ولكنه ينكرها. كيف سيصف لهم ويجد مفردات يصف بها حالته؟ سوف يتمزق قلبه.
بعد أسبوع
يوم حفلة الخطوبة وكتب الكتاب.
كانت ندى ترتدي فستانًا من اللون الجنزاري وبه بعض الورود الصغيرة البيضاء. وتترك شعرها للهواء الطلق مع بعض اللمسات التجميلية الخفيفة. فحقا كانت جميلة. تقف بجوار صديقاتها اللاتي أتين لتهنئتها وبعض الأقارب لها.
على الجانب الآخر يقف حازم بجوار جواد ويتلقون التهنئة من الجميع.
نظر حوله ولم يجدها. اتجه بأنظاره لحازم:
- فين غزل ياحازم؟ مانزلتش ليه؟
- معرفش. هروح أسأل جاسر وراجعلك.
أماء برأسه بنعم.
أتى باسم وزوجته متجهين إليه:
- مبروك يا وحش. عقبال الفرح إن شاء الله.
- متشكر حبيبي. عقبال ولادك.
أردف بها بضحكة لا تصل لعينيه.
نظر لزوجته تدعى إيمان:
- نورتيني يا أم حمزة. أنت أبو حمزة.
- دا نورك يا عريس. أمال فين عروستنا الحلوة؟
أشار بعينه على ندى.
أمسك باسم يديها:
- تعالي أوديكي عند طنط نجاة.
نظر حوله ولم يجد صهيب. قام بالاتصال عليه:
- فينك يابني وفين سيف؟
- سيف جاي أهو.
استغرب رده:
- وأنت فين ياصهيب؟
- أنا مع غزل بحاول أقنعها أنها تيجي. بتقول محدش عازمني.
- اديلها التليفون ياصهيب.
كانت تجلس أمام المرآة تضع زينتها التجميلية. إمـسكت الهاتف:
- أوووه. حضرة الظابط بنفسه بيكلمني عشان يدعني على خطوبته.
- بعتلك فستان مع مليكة إلبسيه وانزلي يا غزل. قدامك ربع ساعة وعلى الله تتأخري. مش عيب تتأخري يوم خطوبتي برضه. دا حتى جايبلك الفستان نفس فستان خطيبتي يابنتي الحلوة.
خبأت آهاتها الصارخة داخل قلبها المتألم. فهي لم تراه منذ أسبوع. كانت تستمع له بقلب مفطور.
صمتت للحظات ودمعة غادرة شقت جفنها ثم أجابته:
- حاضر يا "أبيه". هنزل.
وقفت سريعًا وأعطت هاتف صهيب ودفعته للخارج:
- عايزة أغير هدومي عشان أنزل الخطوبة، ومش بس كدا لازم أوجب لجود. هو أنا عندي كام جود بس.
نظر إليها صهيب برهبة وأردف متسائلًا:
- ناوية على إيه يازوزو؟
أجابته بابتسامة باهتة خالية من أي شعور:
- ناوية أدوس على قلبي بالجزمة النهاردة وأرميه في حفلة جواد.
هوت كلماتها على صهيب كصاعقة. ولكنها حاول أن يهدي من روعه:
- زوزو أهدي. أوعي تعملي حاجة تندمي عليها.
- انزل بس إنت عشان متأخرنيش.
قاطعهم اتصال جاسر:
- إنتوا فين ياصهيب؟ يالا تعالى عشان تشهد على عقد الجواز. يالا.
سحب نفسًا ثقيلًا:
- حاضر جاي يا جاسر.
ثم أغلق هاتفه.
- أنا هنزل وخليكي شاطرة. استخدمي عقلك يازوزو.
أرسلت له قبلة في الهواء وأغلقت الباب.
حاولت أن تأخذ أنفاسها، وتتذكر كلماته التي شقت قلبها لنصفين وتذكرت كلماته في آخر حديث بينهم.
كانت تجلس في غرفتها بعد ذهاب حازم. سمعت طرقات على الباب فأذنت بالدخول وهي تعرف من الطارق.
دخل بخطوات هادئة وهو ينظر لها بتقييم. وجدها تجلس على الفراش وترسم شيئًا:
- فيه حاجة عايز أقولهالك.
نظرت له ولم تتحدث.
- أنا اتكلمت مع ندى على أنها ماتناديش بجود تاني. والصراحة هي مارفضتش أبدًا. بالعكس تحسيها عاقلة كدا وبتفهم. عرفت إن اختياري صح. ماهو لما تفكر أو تحب حد ناضج يفهمك، مش أروح أحب حتة عيلة مجنونة.
- أنا جيت بس أعرفك اللي حصل مش عشان إنتِ طلبتي. لا عشان أنا محبتش مراتي تقول حاجة حد يكون ميزني بيها. هي ممكن تقول حاجة مميزة ليا بس تكون بينا.
هوت كلماته على عنقها كسكين بارد أراد ذبحها على مهل حتى تتعذب بموتها.
بسطت يديها للباب واردفت مقهورة منه فهي أيقنت أن جواد فهم مشاعرها:
- لو خلصت ممكن تمشي؟ عايزة أرسم ومبحبش الإزعاج.
خرجت من شرودها ودخلت حتى تفعل ما نوت إليه.
بعد قليل نزلت على درجات سلم الفندق الذي يقام به حفل الخطوبة. وهي ترتدي فستانًا من اللون الأحمر الناري مفتوح من الجانبين حتى ركبتيها. عاري الأكمام. وتركت لخصلاتها العنان لتنساب خلفها بروعة. ناهيك عن رائحة عطرها المميز وحذائها ذو الكعب المرتفع. مما جعل طلتها تأخذ الأنفاس. فكل من يراها لم يقل غير إنها ذات أنوثة متفجرة.
كان يقف يوالييها ظهره ويتحدث مع والد ندى وأخيها شريف. الذي من إن رآها حتى قام بالتصفير واردف:
- الله وأكبر. هو دا حقيقي على الأرض ولا أنا بيجيلي تهيؤات.
اتجه جواد للخلف حتى يرى ما ينظر إليه الجميع.
ما إن رآها صهيب وجاسر. اتجهوا إليها.
أمسكها جاسر بعنف وسحبها على جنب:
- إيه اللي إنتِ لابساه دا يا غزل؟
- النهاردة كتب كتاب أخويا الوحيد. عايزني البس إيه؟ وحياتي يا جاسر. النهاردة بس.
نظر صهيب إليها:
- والله يابت يازوزو طلعتي صاروخ أرض جو كمان.
استدعى ماجد جاسر حتى تبدأ مراسم كتب الكتاب.
رفع صهيب حاجبه وابتسم لها:
- والله.
- شكلك هتباتي في القبر النهاردة يا غزالة. بس أقولك حاجة. إحنا هنتسلى أحلى تسلية.
امسكها من يديها ودخل بها إلى الحفل.
اتجهوا لندى:
- ألف مبروك ياندى. ممكن أقولك ندى. ماهو إنت هتكوني مرات أخويا.
أردفت بها وهي تنظر داخل مقلتيه التي كانت كحمم بركانية عندما وجد الجميع ينظر لها.
لو أحدكم تيقن أن هناك نظرات تقتل لكانت نظرات جواد لغزل أدت لمقتلها.
اقترب منها وهمس لها:
- اطلعي غيري لبس الراقصين اللي إنتِ لابساه دا.
مطت شفتيه للأمام:
- حبيبتي ياندى مش ناوية ترقصي مع خطيبك؟ أصل وقفتكوا كدا مش حلوة. وأهو شكل جاسر انتهى من كتب الكتاب. إيه؟ مش الدور عليكم برضه؟
امسك يديها بعنف وضغط عليها حتى شعرت بأنها فقدت يديها من شدة آلامها.
تدخل صهيب وهو ينظر ويضحك أمام الجميع. سحب يديها من يديه بهدوء وأردف لجواد:
- الناس بتبص علينا. أنا هاخدها ونمشي.
بعد فترة انتهى تلبيس الدبل.
نظرت له وكم من آهات تمزق أضلعها.
حينها تمنت أن تصرخ بصوت أقوى من البكاء وفي عينيها تقام الحروب. كانت تشعر بقسوة الغدر وفظاعة الجرح حين أصاب قلبها، ذلك الحصن الضعيف فيها وهو يمزق بداخلها بوجع، من وهم هذا الحب!
حينها أرادت أن تنتزعه عنوة من داخلها وتلقيه بعيدًا عنها. أرادت أن تقتل قلبها آلاف المرات وهي تصارع نفسها.
سحبت يديها واتجهت للموزع الأغاني وقامت بتشغيل أغنية مناسبة للرقص.
بعد كتب كتاب أخيها.
كانت تقف بجانب صهيب وحازم الذي لا يقل عنها وجعًا. فكيف تحتمل تلك الضعيفة عذاب قلبها عندما قتلها هذا الحب، فتحولت إلى جمادًا يشبه الأموات الأحياء، لتعيش بلا قلبًا وبلا مشاعر، خوفًا من ظلم الحب.
تقابلت نظراتهما وهو يرتدي دبلته.
عصرت عينيها ثم فتحتهما بهدوء ونظرت له:
- لا أحتاج أن ترى في عيني خجل الحب. مكبل أحتاج أن ترى قوة الحب بقلبي إليك! فاسكن قلبي أولًا لتغلق عيني عليك لآخر العمر! أنا لم أحبُكَ كَـ رَجُلْ. حتى إذا ما ذهب رجل أتى غيره. أنا أحببتُكَ كَـ وَطَنْ. فكيف لوطن أن يذهب مني ويأتي غيره!
ضمها جاسر إلى صدره:
- تعالي نخرج شوية.
نظرت له بهدوء.
- ودا ينفع؟ مش لازم أبارك لحضرة الظابط؟
سحبت يديها واتجهت للموزع الأغاني وقامت بتشغيل أغنية مناسبة للرقص.
وقفت في منتصف القاعة وبدأت تتمايل على موسيقى الأغنية بطريقة هادئة مبدعة بحركاتها الأنثوية. التي جعلته يتفجر مثل البركان. اتجه إليها وسحبها بقوة أمام كل المدعوين.
نظرت ندى لهم وكادت أن تضربها طلقة في رأسها.
وصل الغرفة المنشودة ودفعها للداخل بقوة حتى كادت أن تسقط. وبدأ يكسر كل ما تطوله يداه. ثم وصل إليها ونظر إليها بلهيب جهنم:
- بتعملي كدا ليه؟ أه نفسي أعرف إنتِ ناوية على إيه.
- اعمل اللي اعمله. إنت مالك أصلًا. أنا حرة. أرقص أغني أطنط. إن شاء الله أصاحب شلة ولاد. إنت مالك أصلًا.
أردفت بها بصوتا مرتفع. مما أدى إلى صفعها بكل ما لديه من قوة.
ثم أمسكها من شعرها:
- من النهاردة إنسي إنك في يوم قابلتي واحد اسمه جواد. من اللحظة دي أنا موتك من حياتي. وأنتِ كمان موتيني من حياتك.
ثم اتجه للباب مغادرًا ولكنه تسمر عندما استمع إلى كلماتها التي أدت به إلى هاوية ستخنق كلا منهما الآخر.
رواية تمرد عاشق الفصل الثامن 8 - بقلم سيلا وليد
في تركيا
تتناول ليلى العشاء مع حسناء.
- وبعدهالك ياحسناء هتفضلي تقلبي في الاكل كدا ومتاكليش.
تنهدت حزينة ثم أردفت:
- زعلانة قوي عشان حازم، وحشني قوي، خايفة من الماضي يتقلب تاني ياليلى، أنا بس خفت على ولادي مش عايزة أفرق بينهم لحد دلوقتي محدش أخد باله انهم من أبين مختلفين. خايفة حازم يتأثر بكلام حد بعد كدا.
ربتت ليلى على يديها:
- حازم عاقل ياحبيبتي ومستحيل يسمع كلام حد، ومتنسيش ان حسين عمره ما يقوله حاجة، هيقوله ايه أصلا، انتِ ناسية انه ابن اخوه.
أخرجت تنهيدة حزينة:
- عارفة ومتأكدة من دا، بس تفتكري اللي بيكروه حسين هيسكتوا.
- حبيبتي انتوا معملتوش حاجة غلط قصة قديمة وخلصت، وهو اتجوز وانتِ اتجوزتي وخلاص.
وقفت وبدأت تبكي:
- بس اتجوزت أخوه بالعند فيه شوفتي جبروت أكتر من كدا أختك طلعت جبارة لما اتجوزت أخو حبيبي عشان أقهره. دا تسميه ايه.
فلاش باك
بعد ذهاب والدتها وأختها التي أصر ماجد الذهاب معها إلى فرح صديقه، جلست تبكي بمرارة على عشق دام لسنوات ولكن كيف كانت نهايته غير الألم والفراق؟
أغمضت عيناها بقهر من حبيبا خذلها كما ظُن لها. تذكرت بعد تخرجها من كلية الطب كان ينتظرها ذات مرة أمام جامعتها.
اتجه إليها عندما خرجت:
- حسناء عاملة ايه حبيبتي.
رمقته بنظرات هائمة ثم نظرت له بابتسامتها الحالمة:
- كويسة قوي ياحسين عندي لك خبر حلو قوي.
ضيق عيناه ونظر لها مستفهما:
- فرحيني ياحبيبتي.
دارت حول نفسها بسعادة:
- اخدت الامتياز ياحبيبي وهطلع المنحة المقدمة لإمريكا.
توقفت خطواته ونظر لها:
- انتِ بتتكلمي جد ياحسناء، عايزة تسافري.
ضيقت عيناها وسألته بعبوس:
- سالته بعبوس بعدما رأت ملامحه "انت زعلان ليه دا حلمي بقالي سنين بسعى له".
- طيب وانا فين من حلمك دا ياحسناء، انا بقالى اكتر من ست سنين مستنيكي على أمل اللقاء، بس شوفي انتِ بتقولي ايه.
ردت عليه بزفرة خافتة:
- دا سنتين ياحسين وهرجع، وبعد كدا نتجوز.
- ولا دقيقة ياحسناء تاني سمعتيني، أنا استنيتك زي ما وعدتيني، شوفي إنتِ جاية تقولي ايه، وياستي لو عايزة تكملي يبقى بعد ما نتجوز.
قاطعته بصوتا مرتجف:
- مينفعش السفر الأسبوع اللي جاي.
ابتلع غضبه وخزت جوفه باشواك حادة، ثم نظر لها واردف متسائلا:
- أفهم من كدا، ان كل اللي بينا انتهى.
- وقفت امامه:
- ليه بتقول كدا بس، دول سنتين هيجروا هوى.
- بالنسبالك ياحسناء بس أنا هيكونوا عمر بحاله.
ثم تركها وغادر.
نادته ولكنه لم يستمع إليها.
رجعت من ذكرياتها حزينة وهي تكتم آهاتها ووجع قلبها، كانت تعتقد ان حبها له سيشفع لها. ولكن خيب ظنها.
أخرجها من شرودها ليلى:
- أنا من رأيي تحكي لحازم كل حاجة من دلوقتي قبل مايعرف من حد.
- أنا كنت أنانية قوي ياليلى حتى حازم مابعدش عن انانيتي. أنا السبب في بعده عن مليكة، كنت عارفة انهم ميالين لبعض قبل ماجاسر يدخل بينهم. بس بأنانيتي روحت قولت كلام لمليكة عشان تبعده عن حياتها، شوفتي أنا كسرت قلب ابني كمان، يعني كسرت قلوب كل اللي حواليا.
اردفت بها ببكاء.
ضمتها ليلى وبدأت تملس على ظهرها:
- كل حاجة هتنحل ياحسناء ان شاء الله.
- خايفة من حازم قوي ياليلى لو عرف الماضي، او لو مليكة رجعت حنت لأيامها معه تخيلي ممكن تقوله وتطلعه هو الخائن، ومايعرفش ان امه اكتر واحدة خائنة له واذته.
- حبيبتي ليه بتتوقعي الوحش، وبعدين مليكة دلوقتي بتحب جاسر جدا، وحازم بقى ماضي انتي بتتكلمي عن تمن سنين ياحسناء عمر ياحبيبتي.
- مسحت دموعها واردفت بأمل:
- تفتكري مليكة نسيت حازم فعلا، ولا وافقت على جاسر عشان تلملم وجع قلبها.
- اعمل ايه دا ابني، ودا ابن اختي، انا مش عارفة احزن على مين.
- أحزني على نفسك ياماما.
هذا ماأردفت به ميرنا بعدما استمعت اليهما.
في القاهرة
تجلس نهى تتصفح هاتفها، وجدت إعلان حفل خطوبة جواد وندى، ومباركة البعض إليهما، مع اتخاذ بعض الصور من حفل الخطوبة. بحثت عن صور لغزل ولكنها لم تجدها. أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال بها. ولكنها لم تجب.
كانت تنام على كتف حازم في السيارة وهو عائدا بها إلى المنزل. أمسك يديها وجدها باردة برود الأموات.
ملس على وجهها:
- حبيبتي مالك، ايدك باردة كدا ليه.
ظلت تردد:
- غصب عني حبيته قوي، مش قادرة أتنفس من غيره ياحازم، قوله غزل هتموت من بُعدك.
رفع رأسها ونظر لداخل عيونها:
- مين دا ياغزل، مين اللي عامل فيكي كدا.
رجعت برأسها وهي تكاد تفتح عيناها تتمنى ان تذهب إلى عالم لم ترجع منه ابدا.
تذكر أحداث الأيام السابقة.
نظر بتشتت وهو يكاد يختنق عندما ربط الاحداث ببعضها. هوت كصاعقة عليه.
اخته تحب أخيها، عصر عيناه ألما ووجعا عليها، فهذه حالتها فكيف تكون حالته. هنا تذكر نظرات جواد وفهم معنى الحزن الذي يراه منذ الصباح وتذكر حديثه.
فلاش باك
خرج إلى الحديقة وجده يدخن بشراسة كأنه يريد ان يفقده وعيه حتى ينسى شيئا مؤلما.
مد شفتيه للأمام وتحدث ساخرا:
- والله ياحبيبي اللي يشوفك كدا يقول النهاردة رايح جنازة مش جوازة، النهاردة خطوبتك يالا، مش طلاقك.
ابتلع غصة وخزت جوفه بأشواك حادة كانه لايستطيع بلع ريقه، ولا يستطع التحدث.
فتح أول زراير قميصه كأنه يختنق:
- معرفش ليه مش حاسس بالفرحة كأن حاجة بتخنقني ياحازم.
لفت انتباه جملته الاخيرة التي جعلته ينظر اليه ويستمع باهتمام:
- ليه ياجواد مش دي حبيبتك اللي مستنيها بقالك سنة المفروض تبقى مبسوط.
لا يعلم ماذا يجوابه.
من اين يجد مفردات يصف له حالته التي عليها منذ اسبوع، حالته تحتاج طبيب نفسي كل مايشعر به الآلام ولا يعلم مصدره، كل مايراه صورتها التي لم تذهب عن مخيلته وتراوده أحلامه، صوتها الذي حرم منه لمدة أسبوع كأنه حرم منه منذ سنوات.
-انا خارج اتمشى شوية.
قاطع حديثهما اتصالها بحازم.
فتح حازم مكبر الصوت وهو لايعلم مالذي صار بينهما. تحدثت إليه بصوتا باكي:
- زومي مخنوقة وعايزة اتمشى شوية، ماتيجي نروح على النيل، ولا إنت وراك شغل النهارده.
- نظر لجواد الذي استدار يستمع لصوتها وهو مغمض عيناه بألم، ولكنه استبعد العلاقة بينهما.
- لا ياقلبي مش رايح في مكان، وحتى لو ورايا حاجة افضالك ياجميل.
- خلاص هلبس وانزل.
- خلاص مستنيكي تحت وجواد معايا كمان خارج.
انصتت لحديثه، ثم أردفت سريعة:
- بس انا افتكرت حاجة عايزة اعملها خلاص مش خارجة.
ثم اغلقت الهاتف سريعا دون انتظار الرد.
ضحك عليها واردف:
- البت دي مجنونة زي مابتقول.
يقف كتمثال لا يعيره كلمات حازم، كل ماآلمه انها لجأت لآخر عندما حزنت، هي الآن استعبدته من حياتها. قبض على يديه بعنف ثم خرج وقاد سيارته سريعا وخرج.
أخرجه من شروده عندما تحدث السائق:
- وصلنا يابشمهندس.
أيقظها حازم بهدوء فيبدو انها غفت، او هربت بالنوم. حملها متوجها بها إلى غرفتها. وضعها على الفراش، وقام بخلع حذائها وأحكم غطائها عليها. متجها إلى الخارج.
جلس في الشرفة منتظر الجميع للرجوع.
في حفل الخطوبة
يقف بين الجميع ولكنه شاردا. يريد ان ينتهي حفل الخطوبة الذي أصبح يطبق على نفسه. رمقته ندى بامتعاض من حالة توهانه الذي أصبح عليها.
زفر بضيق ثم وضع يديه على شعره وارجعه للخلف بضيق في حركة تنم على غضبه وتشتته.
- انتِ عارفة مبحبش الدوشة والزحمة ياندى، ياريت ننهي الحفل بجد تعبت.
نظرت لجاسر ومليكة وهم يتمايلون على نغمات الموسيقى الهادية:
- ماتيجي نرقص زي مليكة وجاسر ياجواد، شكلهم حلو قوي، قد ايه الحب واضح بينهم.
نظر لها بقيلة حيلة:
- دول مكتوب كتابهم، يعني عادي لما يحضنوا بعض، ماينفعش نعمل زيهم.
شعر بمدى حماقته وفداحة حديثه البغيض فزفر بضيق:
- ندى بجد تعبت من الدوشة وعايز ارتاح.
نظرت له بقيلة حيلة:
- خلاص ياجواد ولا يهمك، طب تعالى نخرج في مكان هادي نحتفل أنا وانت، مش انت كنت واعدني اننا هنخرج الليلة دي.
- فعلا كنت واعدك وكنت قايل هاخد غزل معنا، بس غزل مشيت تعبانة وزعلانة تفتكري هعرف اتبسط وهي تعبانة.
أتقن رسم السعادة على وجهه أمامها عندما أردف:
- وبعدين المفروض النهاردة أسعد يوم في حياتنا حبيبتي خلاص لبستي دبلتي وهعرف أحكم عليكي.
على رغم أنه تحدث بمزاح إلا أنه لايشعر بشيئا. عقله وقلبه الذي يتلظى بحرقة الشوق إليها رغم انها غائبة عنه منذ ساعات فقط لكنه تمنى لو يخلق جناحين حتى يستطيع ان يخترق المسافة إليها ويأخذها في أحضانه ضاربا كل وعوده لنفسه.
في فيلا الألفي
وصل صهيب وهو حزينا على أخيه الذي سيجني عذاب وفراق الحب، هو يعلم شخصية جواد جيدا، يعرف انه سيضع مئات الجدران على قلبه ولا أنه يحزن أحدهم او تهتز صورته أمام الجميع. جلس في الحديقة يستنشق الهواء براحة نفسية تذكر محبوبته التي جعلت لحياته معنى.
فلاش باك
يجلس مع جواد بالشركة دخلت السكرتيرة إليه:
- مستر جواد في آنسة برة بتقول عندها ميعاد مع حضرتك. اسمها جنى.
- وقف واتجه لمكتبه وأردف:
- دخليها يامنى.
بعد لحظات دخلت جنى تتهادى بخطواتها البريئة ببطئ ثم ألقت تحية السلام.
أشار لها جواد بالجلوس:
- ايه سبع ولا ضبع يااستاذة.
ضحكت ببراءة:
- سبع طبعا.
قهقه عليها بمرح:
- مخيبتيش ظني. احكي لكل آذان صاغية.
نظرت لصهيب بتحفز:
- يعني أتكلم قدام حضرته عادي.
ابتسم بخفة:
- آه متخافيش اتكلمي براحتك على الآخر دا اخويا.
- الولد زي ماحضرتك اتوقعت، هو أصلا في حاسبات ومعلومات كان خارج من شغله شاف الجريمة، صورها. لكن للأسف حد شافه ومسكوه، الولد وقف قصادهم وعاندهم أصله نضيف جدا، زي ماقولت.
ثم أكملت حديثها:
- أخدوا الفيديو منه ومش رحموه طبعا لبسوه القضية وخطفوا اخته ومهددينه بيها.
- ياولاد التييت.
هذا ماأردف به صهيب.
نظر جواد لصهيب:
- لا فيه الأبجح من كدا. مانعين العلاج عن والدته، يعني ماسكينه لحد النطق بالحكم.
- طيب حضرتك ناوي تعمل ايه.
- عايزك تعرفي مين دول، اسمائهم وياريت تسجلي.
- أنا سجلت تحب تسمع.
- سبيها بعدين اسمعه، دلوقتي هم عرفوا انك مسكتي القضية ومش هيرحمواكي، خدي بالك من نفسك كويس.
- تمام فيه حاجة تانية مطلوبة مني.
- لا المهم تاخدي بالك من نفسك.
أشار لصهيب بيديه:
- خدها وصلها في طريقك وأنت مروح، وأنا هحضر الاجتماع بدالك، لحد لما بابا يجي.
خرج من شروده عندما سمع حازم:
- غزل بتحب جواد ياصهيب.
تنهد صهيب بضيق ونظر له مردفا:
- للأسف دا اللي حصل.
جلس بجواره حزينا:
- لسة صغيرة على الوجع دا، لو حد قالي مكنتش صدقت، بس كلامها معايا اتأكدت للأسف، وجواد ناوي يعمل ايه.
صمت لبرهه وحاول أن يأخذ نفسا طويل:
- ميعرفش، او ممكن شاكك. بس هيعمل ايه اللي متأكد منه هيرفض حتى لو بحبها وروحه فيها كمان، أخويا وحافظه.
- للأسف ودا أنا كمان متأكد منه.
قاطع حديثهما دخول ماجد وشهيناز بالسيارة، وبعدهما حسين ونجاة وسيف.
اتجه حازم لعمه:
- حمدالله على السلامة ياعمي.
- ضمه حسين بحب:
- وحشتني ياحازم ايه يابني طولت السفر المرادي.
- ظروف والله ياعمو.
صمت للحظات ثم نظر له:
- والدك ووالدتك عاملين ايه.
- كويسين بيسلمو عليك.
اتجهوا للداخل ودخل ماجد وشهيناز لمنزلهما، ولكن قبل الدلوف صاح جواد بصوتا مرتفع:
- عمو ماجد. عايزك في موضوع مهم.
اتجه حسين وصهيب وحازم عندما سمعوا صياح جواد.
رمقت شهيناز جواد بعمق:
- فيه ايه ياعريس، مش المفروض تسهر مع عروستك الليلة ولا إيه.
ارتفع جانب وجه بشبه ابتسامة متهكمة قائلا باستهزاء:
- لا سبتلك السهرة دي.
نظر لماجد:
- عايز اتكلم معاك في موضوع مهم.
قاطعه والده:
- مالك ياجواد فيه يابني بتزعق ليه.
صوب نظرات نارية لماجد وتسائل بصوتا أجش:
- أنا نفسي أعرف إزاي جالك قلب تقول لبنتك في السن دا عن الجواز والسفر.
رمقه ماجد بتحفز:
- انت بتتكلم عن ايه.
دار جواد حوله:
- متعرفش بتكلم عن ايه. يعني كنت مفكر اني مش هعرف ولا إيه.
صوب صهيب نظراته لأخيه:
- اهدى ياجواد ممكن نفهم مالك ايه اللي حصل.
اتجه جواد لماجد:
- مين اللي قال لغزل ان سامح عايز يتجوزها.
ضيق ماجد عيناه وتحدث متسائلا:
- مش فاهم قصدك موضوع ايه.
اتجه جواد بنظره إلى شهيناز وجدها تفرك يديها. فهم انها خلف الموضوع:
- أسأل مراتك الحلوة قايلة ايه.
اتجه بنظره لشهيناز:
- فيه ايه ياشهيناز انت قايلة ايه.
- عرفتها ياحبيبي إحنا مش متفقين ان سامح هيتجوز غزل، وسامح جي بعد يومين فكان لازم امهدلها الموضوع.
- انتِ مين اصلا عشان تدخلي في موضوع زي دا.
- جواد انت اتجننت.
هذا ماأردف بها حسين.
- اتجننت. ليه يابابا. عشان بقول الصح والحق.
- لا ياحضرة الضابط، المفروض باباها واخوها عايش يبقى هم أولى بالموضوع.
رمقها بامتعاض شديد من أسلوبها المستفز وخطى بهدوء إليها:
- لا يامدام أنا اللي ليا الحق اكتر واحد هنا، حتى أبوها اللي بتقولي عنه دا مالوش حق فيها.
- جواد اسكت انت مش واعي بتقول ايه.
- لا يابابا أنا مش سكران، لما أشوفها النهاردة بالمنظر دا والقهـ. ـرة دي يبقى كل واحد لازم يلزم حدوده. انتِ يامدام شهيناز متفكريش عشان قاطعت غزل أسبوع يبقى أنا سبتها خلاص لا. دا في الأحلام.
ثم أكمل إسترسال:
- غزل دي بنتي وأنا أكتر واحد له الحق يقول اه ولا لأ.
وقف ماجد أمامه:
- أنا عارف ومقدر دا ياجواد، بس غزل كبرت والمفروض أشوفلها الصالح ايه.
توهجت عيناه بالغضب:
- ايوة إيه هو الصالح اللي حضرتك بتقوله، إنها تتجوز الصايع اللي بقاله سنين برة منعرفش عنه حاجة. قولي ايه الصالح ياعمو.
- انت تعرف عنها ايه أصلا عشان تقول إنك تعرف الصالح.
- جواد اسكت بقى.
نظر لوالده:
- أسكت ليه يابابا عايزني اسكت عن حقي.
- عن اي حق بتتكلم ياحضرة الضابط.
أردفت بها شهيناز بقوة:
- عن تعبي طول السنين دي.
نظر لوالدته:
- ماتقوليلهم ياماما. قوليلهم مين كان بيسهر وهي تعبانة، ومين كان بيودي المدرسة ومين اللي بيذاكر ومين اللي علم. دا أنا كنت بحميها شوفت وصلت لفين.
أنا كنت بستحمل تلات ساعات سفر يوميا عشان ماتقومش بالليل تعيط وتسأل عليا وأنا في الكليه. زمايلي كلهم كانوا بيباتوا وأنا اللي بسافر يوميا. أنا كنت بنزل تقديرات وضحيت بتعيني في النيابة عشانها. أنا اللي وقفت ليحيى وابنه مجرد ماعرفت انهم بس عايزين يقربوا منها. وكاننت النتيجة عايزين يموتوني. انت كنت فين أقولك انا خمستاشر سنه كنت مسافر وكل ماتنزل اجازة تقضيها ياإما في الساحل او بتعمل جولات في الدول العربية. حتى جاسر هو اللي كان مسؤول عن نفسه، قولي حق ايه اللي مراتك جايه تتكلم عليه. مش معنى إني خليتك تاخدها بعد خمستاشر سنة وانت اصلا متعرفش عن حياتها حاجة هسكت ومش معنى إني ازعل شوية منها يبقى أنا اتخليت عنها،، لا أنا بس بربيها بس بطريقتي.
ثم أكمل استرسال حديثه:
- الأب اللي بيربي ياعمو مش اللي بيخلف.
ثم ضرب على صدره:
- وأنا بس هنا اللي ليا الحق فيها محدش تاني وقسما عظما اللي يحاول يقرب منها بس لأمحيه من على وش الدنيا. هفضل ظلها لحد ماألاقي اللي يستاهلها مش مجرد صفقة.
- بس أنا موافقة على سامح ياآبيه.
هوى صوتها على قلبه كصاعقة.
إلتفت اليها وجدها تهبط درجات السلالم بهدوء وهي حافية القدمين، ومازالت بلبسها وشعرها يتساقط على عيونها بطريقة فوضوية. نظرت إليه شهيناز بشماتة.
وصلت إليه ووقفت أمامه:
- أنا موافقة على سامح زي ماقولت لك قبل كدا، سامح زي غيره مش فارق معايا.
لوهلة صدمته بردها ولكنه ابتسم بحنق قبل ان تقسو عيناه:
- صهيب خد البت دي من قدامي.
- ليه أمشي مش بتتكلم على حياتي فاأنا موووووافقة.
أردفت بها بصوتا عالي مرددها حتى صمت آذانه.
- صرخ بصوته: "صهيب". بقولك خد البنت دي من قدامي.
إتجه صهيب إليها وجذبها إليه. حاولت الاعتراض ولكن نظرات جواد كانت كالحمم النارية. خرجت مع صهيب بهدوء.
اتجه جواد بنظره لماجد وشهيناز:
- آخر كلامي في الموضوع دا ياعمو لو سمحت، غزل مش هتتجوز غير بعد ماتخلص تعليمها، ماهو مش معقول ناوي تجوز بنتك قاصر.
بعد فترة من الوقت
إتجه للخارج بحثا عنها يريد أن يطمئن قلبه عليها. رآها من بعيداً وهي تقف وتستند على كتف حازم. نظر إليها وأحس بقبضة قوية تعتصر صدره. أراد عقابها والبعد عنها، ولكنه وجد نفسه هو الذي يعاقب.
وقف صهيب بجوارها ونظر بصمت ثم تنهد وأردف:
- انا زعلان منك قوي يازوزو.
ضيقت عيناها واردفت متسائلة:
- ليه عملت ايه لدا كله.
- طريقتك وحشة مع جواد هو مالوش ذنب، يابت خايف عليكي.
سحبت نفسا ثقيلا واخرجته ببطئ:
- أنا تعبانة قوي ومحدش حاسس بيا. نفسي ارتاح، تعرف انا دلوقتي نفسي في ايه.
تساقطت دموعها بغزارة امامه لأول مرة:
- نفسي ربنا ياخدني ياآبيه بجد نفسي ربنا ياخدني وارتاح من العذاب اللي أنا فيه دا.
- كان يقف خلفها مباشرة. أحس بوخزة مؤلمة شقت قلبه نصفين، وارتجفت أوصاله وشعر ان الارض تميد به وسوف يفقد وعيه من كلاماتها التي اخترقت صمام قلبه حتى زلزلت كيانه.
جذبها بقوة إليه وشدد من عناقها وتركها تبكي حتى تخرج ما في قلبها.
استغرب حازم حالتهما أمامه نظر لصهيب نظرات ماذا يحدث.
جذبه صهيب من يديه وخرجا معا بعد دقيقتين في حضنه التي تمنت أن تظل به للأبد. أخرجها بهدوء:
- ليه عايزة توجعيني وتكسري قلبي عليكي.
مسحت دموعها واردفت:
- أنا آسفة، عارفة اني خذلتك آسفة.
ثم تركته متجه إلى غرفتها سريعا.
نظر إلى أثرها وتنهد بحزن. ياترى ناوية تعملي فيا ايه ياغزل.
صعد خلفها وجد جاسر ومليكة يدخلان من باب الفيلا. نظر اليه بصمت عندما علم بمعرفته ولكنه أخفى عليه.
طرق الباب ودخل بعدما سمحت له بالدخول. وجدها تجلس وتضع رأسها على ركبتيها وتنظر في اللاشئ. كلما تذكر كلماتها يشعر بلهيب في صدره.
وقف أمامها تكاد تخرج مقلتيه من محجرها وقلبه أوشك أن يتوقف من فرط الألم. شعر بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبة في ضمها إلى صدره ليخبئها بين أضلعه، ويسحق المتبقى من ثباته الواهن.
حاول الثبات مرة اخرى، جلس بجوارها ورفع أصابعه يرجع خصلات شعرها التي تغطي وجهها. ثم سحب نفسا ثقيلا يعبأ به رئتيه ثم زفره ببطئ.
أهتزت نظراتها أمامه فلم تسعفها الكلمات ورغم ذلك حاولت التمسك بثباتها.
ضم وجهها بين يديه وأردف بصوتا مبحوحا:
- ايه اللي حصل وصلنا لكدا. نفسي أعرف مالك، وليه دا كله، واوعي تقولي كلامك الهبل انك معجبة والكلام الفاضي دا.
أخيرا خرجت عن صمتها ونظرت داخل عينيه:
- عايز تعرف ايه اللي عامل فيّا كدا.
أماء برأسه بنعم. وأمسك يديها وقبلها:
- مهما تقولي هتفضلي بنتي الغالية على قلبي صدقيني مش هقف في وش سعادتك.
دخلت إلى أحضانه وتحدثت:
- حضنك وحشني اوي ياجود.
ضمها بكل قوة إليه. هل شعر احدكم كيف يكون حضن عاشق بعد غياب لوقت حتى لو قليل.
- وانتي كمان وحشتيني ياروح جود. مستحيل أسيبهم يقربوا منك. أنا أهد الدنيا على دماغ الكل.
مين اللي قالك موضوع سامح، وهل شهيناز مهدداكي بحاجة.
- ريحي قلبي وقوليلي ايه اللي عامل فيكي كدا.
خرجت من أحضانه وملست على وجهه بحنان. فقد فقدت السيطرة على نفسها تماما مما جعله أغمض عيناه حتى لا يضعف أمامها. ثم اردفت بكل مشاعرها وكيانها:
-"انت اللي عامل فيّا كدا أنا بحبك قوي، بحس إني مبقدرش اتنفس وأنت بعيد ومش حب أبوي أو اخوي لا دا حب حبيب لحبيبه".
فتح عينيه ونظر إليها بصدمة نظرة وكأن بداخله عاصفة هوجاء ستحرق مايقابلها ثم تحدث وقال.
رواية تمرد عاشق الفصل التاسع 9 - بقلم سيلا وليد
بدأ يتسارع نبض قلبه بإضطراب. اهتزت نظراته أمامها وشعر أن كل خلية بجسده تنتحب حزينة على قدرهما. نظر إليها بقلة حيلة، يتمنى أن ما سمعه ماهو إلا تهيؤات من عقله الباطن الذي بدأ يسيطر عليه.
هب واقفًا، مولّيًا ظهره، محاولًا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته أمامها. يكفيه اشتعال صدره من قلبه الضعيف الذي اتجه للخطأ. نعم، شعوره بحبها الذي أيقنه أصبح محرمًا عليه كتفاحة آدم.
ابتلع وجع قلبه، ثم نظر إليها بهدوء.
"بتقولي إيه يا غزل، معلش ماسمعتش."
وقفت أمامه، وقد أيقنت خطأها الفادح في البوح بما في صدرها. الآن تأكدت من طفولتها وعدم إحساسها بالمسؤولية. ولكنها لها المواجهة حتى تحافظ على قلبها. اقتربت إليه بهدوء، ثم توجهت بنظرها لعمق عينيه الذي يهرب بها في كل الاتجاهات.
بسطت يديها بهدوء، ثم سحبت يديه وأجلسته وجلست بجواره.
"بقولك تخيل لو حبي ليك حب عشق لحبيب، هيكون ردك إيه."
استغرب كلماتها، ورغم أن حديثها وسؤالها غريب، إلا أنه لا يعرف مدى شعوره. هل تمنى قربها وحبها بالفعل، أم أنه تمنى أن تكون كلماتها مجرد كلمات.
ابتلع غصة الحب المؤلم. فالآن فقط تأكد من عشقه لها، ولكن هل عشق حبيب مثلما تحدث باسم، أم عشق أبوي.
وزع نظره بينها وبين هاتفه الذي قام بالرنين. هرب من نظراتها التي تحاصره بالرد على هاتفه.
"أيوه يا ندى، لا يا حبيبتي لسه صاحي."
"بكرة، لا نازل الشغل.. آسف كان نفسي أروح معاكي بس بقالي فترة أجازة وشغلي الصراحة وحشني جدًا."
أردف بها بابتسامة.
وقفت غزل واتجهت للشرفة حتى تستطيع التنفس، فكلماته مع أخرى بـ"حبيبتي" تشعل صدرها لهيبًا.
بعد لحظات، أغلق الهاتف واتجه إليها ووقف بجوارها ينظر للخارج بهدوء.
***
"الجو حلو الليلة، بحب جو الربيع دا جدًا."
كانت شاردة ولم تنتبه لحديثه. وجدت جاسر ومليكة يجلسون في الحديقة، وحازم وصهيب يمزحون مع بعضهما البعض. توجهت بنظرها لحازم الذي يجلس صامتًا، ولكنها أرجعت ذلك لعدم التعود.
اتخذت قرارها للنزول إليهما حتى تنسى بعض همومها، وتنسى حديثها منذ لحظات. فقد كتب عليها آلام قلبها. استدارت سريعا ولم تنتبه للذي يقف خلفها وينظر إلى ما تنظر إليه، حتى اصطدمت به وكانت ستسقط لولا يديها التي حاوطتها بعناية شديدة. جذبها بشدة إليه حتى أصبحت داخل أحضانه.
تقابلت عيونها مع عيونه كترانيم أغنية عاشق لمعشوقته. وضعت رأسها في حضنه هروبًا من عينيه، وتحدثت قائلة:
"ماجاوبتش على سؤالي ليه يا جواد."
أغمض عينيه استمتاعًا بقربها الذي بدأ يحرمه على نفسه. بدأ يعاتب حاله الآن، أصبحت محرمة عليه عندما شعر بحبه لها. لا يعلم كيف حدث له ذلك. فاق من شروده عندما رفعت رأسها إليه وسألته مرة أخرى.
"جواد بكلمك على فكرة."
زفر بخفوت ناظرًا إليها:
"مش ملاحظة إن جواد بقت بتتقال منك من غير آآبيه.. غزل، انتِ بتتكلمي جد؟"
"جوابك الأول، مش هسأل سؤال بسؤال يا جواد، وبعدين ما عدتش حابة آآبيه دي، ممكن أقولها قدام حد، بس بينا خليها جواد بس لو سمحت."
علم أنها ترواده، وكيف لها ذلك وهو الذي علمها الترواد. ولكن رغما عنها سوف يؤدي بهما إلى منحدر آخر حتما سيكون له الهلاك.
تنفس بعمق ناظرًا لها.
"بتحبيني؟"
"كحبيب دا قصدك."
أردف بها بتقطع، عندما تأكد من شكوكه منذ أيام وكلمات باسم تتردد.
"هو مش من حقي، مش أنت قلت تحت أنا من حقك، طيب فين حقي فيك فين يا جواد.. أنا عايزة حقي فيك، وزي ما قولت، لو أنا حقك.. يبقى كمان انت حقي."
رعشة قوية ضربت جسده عندما استمع إلى كلماتها. هو كان مرتابًا من هذه اللحظة، والآن شكوكه اتضحت، بل أيقن أنه مغرم بها. ولكن كيف ستكون المواجهة، كيف سيجد مفردات لمعاني نبضات قلوبهما.
أغمض عينيه بوجع الدنيا بأكمله. هل شعر أحدكم بعجز حبيب، فُرض عليه القدر أن يكون حبيبه بل عشقه في أحضانه ولكن محرّم عليه مثل تحريم الأب لابنته والأخ لأخته.
آلان فقط تأكد من عشقه لها، بل اعترف بينه وبين نفسه. أصبح عشقها كالإدمان إليه الذي لا تود الشفاء منه. أيقن وأيقن هذا عندما تركته وغادرت في حفلة متمنية موتها. حينها تسلل الرعب إلى قلبه، وشعر بألم في عظامه بل لهيبًا بكامل صدره وقلبه الذي أصبح يئن من الوجع وفقدان النبض.
صمت هنيهة يحاول أن يتمالك أعصابه ولا يؤذي مشاعرها ولا يفقدها. اتجه إليها وامسك يديها وأجلسها على المقعد وجلس أمامها على عقبيه، وأمسك يديها ونظر بحزن إليها.
"زوزو تعرفي إنك بقيتي أغلى شخص في حياتي.. لأني بجد حسيتك بنتي.. مش مجرد كلام."
"انتِ بتقولي بتحبيني صح..."
رفع ذقنها عندما بدأت تهرب بأنظارها.
"انتِ تعرفي اللي بيحب حد قوي بيضحي صح."
قاطعهما دخول جاسر.
نظر لكلا منهما الآخر ثم أردف مبتسمًا.
"عاملة إيه يازوزو، آسف ياقلبي اتأخرت في السؤال عليكي."
***
تحرك جواد للخارج دون التوجه لجاسر، ولكن هناك ألف وألف سؤال يرواده. ياترى قصدك إيه يا غزل اللي أنا فهمته صح. ولكن قاطعته غزل.
"جاسر."
"أنا بتكلم مع جواد في موضوع مهم، ممكن تسبنا شوية."
تسمّر جواد في مكانه ونظر إليها بصدمة. لقد وضعته في موضع صعب سيأخذه لا محالة إلى فقدانها. اتجه بنظره إلى جاسر الذي يهرب من النظر إليه. اتجه إليه ووقف ناظرًا.
"إيه يا جاسر مش عايز تقولي حاجة يا صاحبي، ياترى كنت بتتأسف لأختك على إيه؟!"
ارتبك جاسر للحظات ناظرًا إلى غزل التي وضعته في موضع صعب كعادتها. نظر لغزل وأراد أن يبعد كلاهما بدون وجع ثم أردف.
"إنتِ عارفة إن الليلة كانت خطوبتي على واحدة بقالي سنة مواعدها."
نظر إليها وجدها صامتة وعيناها حزينة. تعاتبه بنظرها. ألا يخجلها أمام أخيها. اتجه إليها ووقف أمامها.
"يرضيكي يجي حد ويقول كلمة مش كويسة في حقي، يرضيكي يجوا يقولوا دا كان مقضيها هو وهي وخا. ن الأمانة وفي الآخر طـ.، مع فيها لنفسه، وخا. ن حبيبته."
"ينفع تخليهم يتكلموا عن أخلاقنا."
سحب نفسًا عميقًا ثم أخذه بهدوء ثم أكمل مسترسلًا.
"ينفع أسيب خطيبتي اللي بقالي سنة مواعدها ويوم مانكون لبعض أقولها آسف حبيبتي أصل بنتي اللي مربيها طلعت معجبة بأبوها أو أخوها أي كان... وقتها هكون في نظرها خا. ين وفي نظر الكل."
ثم استرسل حديثه ناظرًا إليها بهدوء.
"غزولة تعرفي بيني وبينك قد إيه.. انتِ عارفة يعني إيه يكون بينا تلاتشر سنة يعني عمر يا قلبي.. تعالي نفكر مع بعض بصوت عالي."
"بعد عشر سنين انتِ هيكون عندك سبعة وعشرين سنة وأنا أربعين يعني دخلت على سن العواجيز زي ما بيقولوا."
أردف بها بمزاح.
"هتزهقي مني وهتكوني نفسك تعيشي حياتك خروج وفسح وغيره."
"بلاش دي.. انتِ لسة في مرحلة متقلبة العواطف يعني ممكن تكوني شايفني حب حياتك لأنك مخرجتيش برة، ما قابلتيش شباب واجهتيش المجتمع صح."
***
"نيجي للأخطر."
"بعدها لما تتعرفي على حد اختاره قلبك وعقلك واقتنعتي به وحبتيه، بعد ماوهمتيني بحبك واتعلقت بيكي.. الاقيكِ بكل بساطة تقوليلي كانت غلطة، ومش قادرة أكمل... عارفة وقتها هكون حاسس بإيه... وقتها بس هتمنى الموت وممكن ما أطولش."
اتجه بنظره لجاسر وتحدث.
"غير دا كله مفيش شعور اتجاهك غير إنك اختي أو بنتي حبيبتي اللي بخاف عليها أكتر من روحي.. انت ومليكة أغلى اتنين على قلبي.. بلاش تحطيني في موضع صعب."
ثم أكمل استرسال حديثه عندما ضم وجهها بين يديه.
"ممكن مشاعرك دي مش حقيقية، بس أكيد بكرة هتلاقي اللي تحبيه بجد..."
رغم إنه أردف بها حتى يقنعها، إلا أنها شطرته لنصفين.
أغمض عينيه مقبلًا رأسها ثم خرج بدون حديث. خرج متخبطًا ولا يعرف هل ما قاله هو الذي يريح قلبه أم الذي يؤلمه للأبد.
في غرفة غزل.
بعد خروجه، ضمها جاسر إلى أحضانه.
بكت بنشيج مرير وكأنها أول مرة تبكي.
بعد خروجه أحست بوخزة مؤلمة في فؤادها تيقنت أنها فقدت قربه للأبد.
"غصب عني يا جاسر مقدرتش والله ما أقدرتش، وخاصة لما سمعته وهو بيقول لبابا غزل دي حقي أنا."
ضمها ممسدًا على شعرها بحنان وبدأ يردف لها بكلمات حتى تستكين وتهدأ.
أخرجها من أحضانه ونظر لداخل عيونها.
"ممكن يا قلبي، اللي قاله جواد حقيقي إنك منبهرة بشخصيته، وحياتك متمثلة فيه فقط."
سكنت لبرهة ومسحت دموعها ونظرت لأخيها.
"ممكن يا جاسر، كل شيء ممكن."
عند جواد.
غادر غرفتها تاركًا روحه كاملة بجانبها، وقلبه يحادثه ويعترف له أنه وقع بحبها وقوعًا عنيفًا، وقوع عاشق فقد الحياة ولكن عشقه أرجعه للحياة مرة أخرى.
سار لخارج الكمبوند متخبطًا لا يعلم ما به هل ما فعله صحيح أم خطأ، ولكنه أرجع أنه فعل الصحيح.
***
سار يسير ولا يعلم إلى أين وجهته. انزلقت دمعة عالقة بين أهدابه. كيف يشفى من هذا المرض اللعين وهو مرض العشق الذي ينخر في العظام كمرض خبيث. وكيف ستكون حياته بعد ما اعترف به قلبه له؟ كيف سيواجه ندى، وهل سيستمر بعلاقاته التي تؤذي كلاهما؟ كيف وكيف لا يعلم؟
بدأ عقله بالكامل في تشتيت. قام بالاتصال بباسم.
"باسم عامل إيه، بقولك أنا هسافر مكانك الي سيناء."
استغرب باسم صوته.
"مالك يا جواد؟"
"مفيش حاجة، بس انت عارف من زمان وأنا بعيد والشغل وحشني جدًا، وعايز أوصل للإرهابيين دول."
"بس دا مش شغلك يا جواد."
زفر بضيق ونظر للبعيد.
"سيناء فيها كل أنواع الجرائم ياباسم.. عايز أفوق لشغلي خلاص."
"اللي عامل فيك كدا غزل يا جواد."
هوى اسمها على قلبه كنسمة ربيع في يوم قائظ الحر. ابتسم من مجرد ذكر اسمها. ورغم ما شعر به إلا أنه شعر بمدى حماقته وفداحة خطأته. فزفر بغضب مسترسلًا حديثه.
"غزل مالها بس يا باسم؟"
"هعمل مصدقك يا جواد، بس جيت متأخر يا حبيبي إحنا في الطريق لسيناء، بس عندي خبر حلو... القضية بتاعتك اتفتحت تاني يعني فيك تتحرك براحتك وتأخد حقك من اللي ظلموك."
وقف فجأة وتحدث.
"بتتكلم جد يعني دلوقتي أدخل بتقولي يا ضنايا ولا إيه؟"
قهقه باسم.
"ياخوفي من اللي جاي يا ابن الألفي، ربنا معاهم بقى ويرحمهم مقدمًا."
ضحك بصخب على صديقه.
"طول عمرك وعينك مدورة يا بسوم، المهم عثمان هيكون معايا وهو جاسر."
"ماشي يا كبير ربنا معاك يا وحش.. ومعاهم."
بعد إغلاقه الهاتف توجه عائدًا إلى منزله الذي سيصبح بعد ذلك انقباض لروحه.
في الحديقة.
يجلس صهيب وحازم في الحديقة ويتحدث كلاهما على ماضيه. فجأة نظر صهيب لحازم واردف متسائلًا.
"عامل إيه ياحازم، معرفناش نتكلم الأيام اللي فاتت دي."
سحب نفسًا عميقًا وأخرج تنهيدة مؤلمة لبقايا روحه.
"عايش يا صهيب، حياتي كلها شغل زي ما أنت شايف، أنا اتكلمت مع عمي على فصل شركتي عايز استقل بنفسي، بس هو رافض تمامًا، أنا كدا كدا هصفي شغلي كله بره."
نظر له بقله حيلة ثم أردف بهدوء.
"مش دا قصدي يا حازم، مش قصدي حياتك العملية، إيه متعرفتش على حد برة يالا..."
هب واقفًا، مولّيًا ظهره، محاولًا أن يحافظ على ثباته الظاهري. لا أحد يعلم حرته الداخلية التي تعمل كعاصفة هوجاء.
"أنا قلبي غلقته للأبد ومش محتاجة دلوقتي خالص يا صهيب، أو بمعنى أصح موته بأيدي."
كانت قريبة منهما واستمعت لحديثه الذي جعلها تبتلع غصة مؤلمة لذكراها، وارتجف قلبها لدى سماع كلماته التي آثرت فيها.
***
اتجه بنظره لصهيب وجدها تقف بالقرب منهما وبيديها مشروبات إليهما.
ابتلع حزنه ورسم ابتسامة سمجة على ملامح وجهه وتحدث مبتسمًا.
"شوف مليكة جابت القهوة، تسلم إيدك ياملوكة فعلاً كنت محتاج فنجان القهوة دا."
"عملتلك قهوتك اللي بتحبها."
"تسلم إيدك يامليكة وشكرا إنك فاكرة قهوتي."
نظرت بصمت ولم تتحدث.
نظر صهيب له بصمت.
"ماشي يا حازم اشرب قهوتك، أنا رايح أنام عندي شغل بدري، وفكر إنك متتفصلش عنا ياض وتعالى معايا هنعمل شغل نااار يا وله نااار وهخليك تفتح قلوب مش قلب."
قهقه عليه حازم.
"يخر بيتك يا خي دايما بتفصلني عن واقعي، في دي عندك حق، أنا هفتح مول قلوب يا حبيبي مش قلب."
ضحك عليه صهيب.
"أهو دا اللي أقصده بالضبط، سيبك من الواد جواد دا دمه بارد ويوم ما بيروح الشركة بيكون يوم أسود على العاملين والشركة بأكملها... بتحس فيها زلزال."
***
أمسكه حازم من لياقته.
"لا يا حبيبي انت كدا بتغلط في عداد عمرك إلا جواد... دا الحب ياض."
أنزل صهيب يديه.
"والله انتوا عالم ظالمة، دايما بتيجوا على الضعيف."
وقفت تتابعه بعيونها. اشتاقت لضحكاته الغائبة عنها منذ زمن. ابتسمت عندما وجدتـه يضحك ويمزح مع صهيب، رغم أنها ترى حزن عيونه منذ أن رجع. ولكن كيف لها سؤاله.
حمحت بهدوء وجلست.
"فين جاسر هو خرج ولا إيه."
ضيق صهيب عينيه ونظر في جيوبه وبدأ يبحث في جيوب حازم بطريقة مزاحية.
"والله ما لقيته يا حبيبتي، ممكن يكون تحت الترابيزة."
أسرعت اتجاهه وبدأت تضربه. وقف خلف حازم وهو يضحك بصوته كله.
"أنا معايا حارسي الشخصي."
ثم دفع حازم اتجاهها وأسرع إلى الداخل وهو ما زال يضحك ويهمهم قال بتساؤل:
"بتسألني على جاسر، روحي دوري عليه ياختي يمكن تلاقيه طفش منك."
ضربت قدمها بالأرض كالأطفال.
"ماشي يا صهيب، أنا تتريق عليا."
سمعت ضحكات خلفها نظرت له.
"هو كدا الواد دا طول عمره مجنون.. شوفي كأنه مش شايل للدنيا هم."
اتجهت بنظرها إليها وتحدثت أخيرًا متسائلة.
"وياترى إيه همك يا حازم، وليه حزن عيونك دا، وليه لحد دلوقتي ماتجوزتش حبيبتك اللي تركت الكل عشانها."
شعر بصدمة هوت على قلبه من كلماتها، وأحس بارتفاع ضغط دمه واحتقن وجهه بحزن لأول مرة تراه به، ثم أطرق رأسه للأسفل ولا يستطيع مواجهة حديثها.
***
وحدث حاله.
"لماذا تضعه الحياة في هذا الاختبار الصعب الآن."
ولكن أنقذه دخول جاسر إليهما مهمومًا حزينًا.
اتجه حازم بنظره إليه عندما رأى عيناه تغشاها الدموع. أسرع إليه وتحدث.
"فيه إيه يا جاسر مالك، وهي الدموع دي."
ابتلع ريقه الجاف قائلاً بلهجة حزينة موجعة.
"جواد وغزل."
ضيق عينيه ونظر إليه مستشفي حالته.
"أوعى تقولي إن غزل اتكلمت مع جواد في حاجة."
جلس واضعًا رأسه بين يديه.
"للأسف قالت كل حاجة، وهو خرج في حالة ربنا أعلم بيها، أنا خايف عليه من الصدمة، ومش بس كدا، كلامه لها... تحت ضغط على أعصابه."
"الوجع كله عندها يا جاسر مش عند جواد، جواد ممكن يتصدم ويرتب حياته بعيد عنها، بس هي اللي هتفضل تعاني، وخصوصًا وهي شايفاها قدام عيونها طول الوقت."
تنهد بحزن وتحدث قائلاً.
"أصعب حاجة الشعور بالعجز يا حازم لما يكون في حد عزيز عليك وفي وجع وانت عاجز إنك تساعده."
ربت حازم على كتفه.
"متخافش على غزل هتنسى أو ممكن تتناسي، بس مع الوقت الوجع هيهدى."
أردف بها ثم وقف.
"أنا هروح أنام تصبحوا على خير."
رمقته مليكة بنظراتها علها تستشف معنى حديثه ولكنه كان ثابتًا ولا يظهر على وجهه أي شيء.
تحرك مغادرًا إلى منزله. تابعته بعينيها إلى أن اختفى. اتجهت بنظارها إلى جاسر الذي كان ينظر لها بصمت ويفكر في شيئًا ما.
"حازم ماله يا جاسر، من ساعة ما جه وهو قافل على نفسه."
"عنده مشاكل بينه وبين والدته بس مقاليش عليها، المهم عايز منك خدمة."
ضيقت عيناها واردفت متسائلة.
"غزل مش كدا!"
أومأ برأسه.
"مش عايزها تغيب عن عينك، أنا معرفش هي ناوية على إيه هدوئها بعد رد جواد مش عاجبني خايف منه."
ملست على شعره بحنان ونظرت له مبتسمة.
"متخافش عليها وهاخدها معايا لو روحت الشغل وأحاول أخرجها.. هي نتيجتها الأسبوع الجاي."
لثم وجنتيها ورفع ذقنها.
"مراتي الحلوة اللي طفشت مني في أول يوم كتب كتابنا."
لكمته في صدره.
"بس بقى يا جاسر والله بتكسف."
جذبها بقوة إليه.
"روح يا جاسر وقلبه وحياته كلها.. جاسر بيموت فيكي يا ملاكي."
لمست وجهه بحب وابتسمت ابتسامتها التي يعشقها.
"على فكرة ملاكك بتموت فيك."
ظل ينظر لها للحظات وأخيرًا نطق بصوت ممزوجًا بمشاعره التي جاهد في إخفائها لسنوات حتى امتلكها أخيرًا.
"جاسر من غير مليكة يموت... مليكة حياته لو بعد عنها بس أو هي بعدت عنه حياته تنتـ.ـهي."
وضعت رأسها في حضنه.
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك أنا كمان بحبك قوي يا جاسر."
أخرجها من أحضانه وضم وجهها بين يديه.
ثم التقت شفتيها في قبلة شغوفة حتى يثبت لها كم يعشقها. ظل يقبلها للحظات ولم يفصل قبلتهما إلا احتياجهما للهواء.
وضع جبينه فوق جبينها.
"مش كنا عملنا فرحنا يا حبي، إيه الداعي إننا نأجل أنا كدا أصبر إزاي؟"
"لازم تصبر يا أخويا إنت وهي، مش ملاحظ إنك في الجنينة والكل بيتفرج عليكوا."
هبت مليكة واقفة عندما استمعت لصوت جواد، وتوردت خدودها بحمرة الخجل.
"أنا هروح أشوف صهيب."
ثم أسرعت من أمامهما.
ضحك جاسر عليها.
"استني يابت هو أنا شقتك انتي مراتي واللي مضايق مننا يعمل."
لحظة قطع حديثه عندما توجه جواد إليه بنظرات نارية.
جلس جواد على المقعد ووضع أقدامه فوق المنضدة وهو ينظر بهدوء مخيف لجاسر الذي تصنم في وقفته بعدما غادرت مليكة.
"اشجيني يا صاحبي لكل آذان صاغية."
"عايز أعرف إيه الهبل اللي قالته غزل دا فوق."
***
جلس جاسر ونظر له.
"معرفش هي قالت لك إيه أصلًا، أنا كل اللي قالتهولي إنها معجبة بشخص."
مد شفتيه للأمام.
"قولتلي معجبة بواحد أخو صاحبتها."
"أيوه انت عندك شك ولا إيه؟"
"لا الصراحة معنديش شك يا جاسر فيك لآني بعتبرك صاحبي وأقرب الناس ليا من الآخر مرايتي يا جاسر."
"على العموم روح نام عندنا شغل مهم بكرة."
في صباح يوم آخر لاح في الأفق يعلن عن شروق شمس جديدة، بعد ليل دام لساعات فيه من نام هنيئ البال، ومنهم من ينتظر النهار حتى يرتاح من ظلام الليل الدامس مثل بطلنا الذي بات طوال الليل ولم يغلق له جفنًا وكلماتها تتردد في أذانه وقلبه الذي يعاتبه. سحب نفسًا ثقيلًا وأخرجه بهدوء على عكس حالته ثم هبط السلالم متجها لعمله. قابلته والدته.
"جواد إنت هتمشي قبل ما تفطر يا حبيبي."
قبل رأسها وقام بإلقاء تحية الصباح.
"صباح الورد يا ست الكل، مليش نفس ممكن أخد أي حاجة في المكتب."
"ممكن أشرب قهوة لو مش هتعبك يا ماما لو سمحتي."
"قهوة على الريق ياحبيبي طيب كل أي حاجة."
"صدقيني ماليش نفس يا ماما... كفاية القهوة يا ست الكل... هستنى القهوة في الجنينة..."
خرج ووقف ونظر إلى غرفتها وجدها ما زالت مظلمة. جلس يتصفح هاتفه، بعد دقائق أتت والدته بالقهوة وجلست بجواره.
"بقولك يا جواد أنا عايزة أعزم ندى النهاردة حبيبي إيه رأيك."
"اعملي اللي تعمليه يا ماما."
قاطعهما عندما تحدثت.
"صباح الخير."
استمع لصوتها ولكنه لم ينظر لها.
نظرت لها نجاة واردفت مبتسمة.
"معقول غزل صاحية النهاردة بدري، لا كدا بقول فيه حاجة هتحصل."
ارتدى نظارته وجمع أشياءه.
"أنا ماشي يا ماما محتاجة حاجة."
"مشربتش قهوتك يا حبيبي."
"هشربها في المكتب."
أمسكت غزل يديه ونظرت له.
"عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم يا آآبيه."
"أنا متأخر لازم أمشي."
أردف بها وهو ينظر في جميع الاتجاهات.
وقفت نجاة.
"شوف يا حبيبي دا دي غزل نسيت ولا إيه وهو لما تخلص قهوتك اللي مشربتهاش وأنا هروح أصحى صهيب."
جلس وهو يزفر بضيق.
"قولي بسرعة عايزة إيه."
رفعت يديها وجذبت النضارة من على عينيه وابتسمت.
"عايزة أقولك الكلام اللي قولته امبارح كله كان تمثيل."
ضيق عينيه ونظر متسائلًا بهدوء ينذر بعاصفة داخل عينيه.
"نعم بتقولي إيه."
تمسكت بثباتها وهي تجيب عليه ونظرت إلى داخل عينيه.
"عملت عليك تمثيلية اتفقت أنا وآآبيه صهيب نهزر معاك ونعمل مقلب حتى إسأله اهو."
"ماهو مش معقول هحب واحد أكبر مني، لا وكمان مربيني وخاطب وبيحب خطيبته."
"أنا يوم ما أفكر هفكر في واحد بيني وبينه مثلا تلات أربع سنين زي سيف مثلا كدا."
هوت كلماتها عليه كسـ.ـكين بارد أراد ذ.بحـ.ـه بطريقة مؤ. لمه لرو. حه.
تهد. جت أنفاسه ثم اقترب حيث جلوسها حتى أصبحت أنفاسه تضرب وجهها واردف بصوته الأجش.
"نسيتي قولتي إيه."
قالها ناظرًا لعيناها، ثم أزاح بعض الشعيرات التي تتساقط على وجهها بشكل عشوائي، ثم اقترب أكثر وأكثر وهمس في أذنها.
"أنا نسيت أصلًا انتِ قولتي إيه هو حد بيسمع للعيال برضو."
شعرت بانسحاب الهواء من حولها بالكامل من قربه الذي أفقدها توازنها، ولكن داخلها شعور لذيذ من همسه تمنت أن ترمي نفسها في أحضانه وترمي وعدها لنفسها في الأرض.
دخل صهيب عليهما وهو يتثاءب.
"صباح الخير على البنت وأبوها."
توهجت عين جواد بالغضب وصوب نظرات نارية لصهيب.
جلس صهيب ينظر له متسائلًا.
"مالك بتبصلي كدا ليه؟"
"انت هتفضل طول عمرك تافه كدا يالا."
ضحكت غزل وتحدثت مرتبكة بسبب حالتها التي ما زالت عليها خاصة عندما جذبها من خصرها بقوة إليها.
"أصل آآبيه جواد صدق التمثيلية."
ضيق صهيب عينيه متسائلًا.
"تمثيلية إيه أنا مش فاهم حاجة."
أمسكه جواد من تلابيبه.
"أنا زهقت منك يا صهيب هي وصلت لكدا."
نظر لغزل.
"عملتي إيه يا مصيبة حياتي... فينك يا لميا تاخدي البت دي تضـ.ـربيها على علـ.ـقة."
رفعت حاجبها ألا يخجلها أمامه. فهم صهيب نظراتها.
"انزل يا جواد."
يده بهدوء.
"إيه يا عم هو حر.ام الواحد يلعب معاك شوية."
دفعه جواد حتى سقط على المقعد، ثم تركهم وغادر وصدره يتلظى بنيران العشق الذي أودى به في غيابات الجب. لحظة واحدة وتمنى أن يقبلها.
عند صهيب.
"عملتي إيه يا مصيبة حياتي؟"
"مش مهم عملت إيه، المهم أنقذتني."
أتى سيف وجلس بجوار غزل.
"بقولك يا غزالة ماتيجي معايا النهاردة حفلة."
في هذه الأثناء وصل إليهم جاسر.
"صباح الخير."
ردوا عليه تحية الصباح.
أكمل سيف حديثه.
"قولتي إيه يا غزولة."
"ماما عازمة ندى عندنا النهاردة فقولت فرصة جواد مش هياخد باله."
صمتت لبرهة ثم نظرت له.
"موافقة الحفلة إمتى؟"
"بالليل هنمشي بعد المغرب ونحاول نيجي بدري عشان جواد."
نظرت لجاسر.
"هروح معاه يا جاسر إيه رأيك."
"روحي يا قلبي غيري جو، بس خلي بالك منها يا سيف أوعى حد يعاكسها ياض."
قاطعه صهيب.
"لازم تقول لجواد يا سيف، مينفعش تروح من غير ما يعرف وكمان واخد غزل."
"خليهم يروحوا يا جاسر."
"مينفعش يا جاسر لازم يعرفوا جواد."
"على فكرة يا صهيب أنا كبرت مش كل حاجة استئذان."
"اعملوا اللي تعملوه."
قاد سيارته متجهًا إلى عمله ولكن كلما تذكر حديثها استعر نيران كبركان. هو كان يعلم أنه مرفوض من قبلها، لكن كلماتها شقت قلبه نصـ.ـفين. حدث حاله.
"انت مش صغير يا جواد، فكر في خطيبتك اللي حبيتها وابني حياتك.. اللي بتفكر فيه دا مستحيل، دا عشق ممنوع."
أحس بارتفاع ضغط دمه واحتقن حلقه بغصة بكاء عندما شعر أنه سيفقدها في يوم من الأيام في حياته. كاد يختنق بحبها. بدأ بفتح زر قميصه عله يتنفس بهدوء. أخذ شهيقًا عميقًا ثم زفره ببطء.
"خفف عني يا الله ما يجيش صدري وازل عن روحي أوجاعها."
تساقطت دموعه رغما عنه عندما شعر بانسحاب روحه. لحظات فقط وبعدها حاول أن يسترد أنفاسه وثباته وذهب لعمله.
مساء في تمام الساعة التاسعة.
وصلت ندى إلى منزله، كان يقف لاستقبالها وعيونه على غرفتها التي ما زالت مظلمة.
اتجه لندى.
"نورتي يا ندى."
"دا نورك يا حبيبي."
جلس سويًا في انتظار والدته ووالده.
"وحشتني على فكرة ينفع كده ماتتصلش بيا ولا مرة النهاردة."
"اعذريني يا ندى ضغط شغل."
وضعت يدها على يديه الذي كان يضعها على المنضدة.
"مالك يا حبيبي ساكت ليه وحاسة إن فيه حاجة مزعلاك."
"مفيش ضغط شغل بس."
"جواد هو انت معنتش بتقولي حبيبتي زي الأول ليه، أنا حاسة من يوم خطوبتنا وانت متغير."
قاطعهما رنين هاتفه وجدها غزل، ولكنه لم يجبها. مرة واثنتان ولم يجب.
نظرت له ندى بتحفز.
"انت زعلان مع غزل ولا إيه مش بترد ليه."
"متخافيش عشر دقايق وهتلاقيها ناطة هنا."
عند غزل وسيف.
"برن عليه ياسيف مابيردش... هات تليفونك."
"يعني تليفوني اللي هيرد عليه، دول قربوا علينا يا غزل، اتصلي بصهيب بسرعة."
أمسكت هاتفه وحاولت مرة أخرى الاتصال بجواد.
بعد لحظات فتح جواد هاتفه.
"أيوه يا سيف."
"جواد الحقنا هيموتونا، الحقني يا جواد."
هب واقفًا.
"انتوا فين يا غزل."
بعدها سمع صوتها وهي تنادي بصراخ على سيف.
"سيف قوم عشان خاطري."
أمسكه أحدهما من شعرها وجذبها بقوة.
شعر بانسحاب روحه تحدث قائلاً.
"غزل حبيبتي انتوا فين وأنا في لحظة هكون عندك."
استمع لبكائها وصياحها.
"جواااااد."
وهنا انقطع الخط.
أتى صهيب وجاسر وحازم وهم يمزحون مع بعضهم البعض.
اتجه سريعا لسيارته.
أوقفه جاسر.
"فيه إيه بتجري كدا ليه؟"
"فين سيف وغزل؟"
جاوبه جاسر.
"راحوا حفلة من ساعتين كدا."
قام بصفعه على وجهه وصرخ بصياح كأنه على وشك فقدان الوعي.
"انت واحد متخلف والله لأعرفك إزاي تعمل حاجة من ورايا يا متخلف."
قاطعهم رنين هاتفه.
قام بالرد سريعا.
"أوبس جواد الألفي، ازيك والله ليك وحشة يا غالي عشان تعرف إحنا بنحبك قد إيه اسمع صوت أمورتك."
"جود الحق سيف، موتو سيف... عايزة أقولك قبل مايموتوني أنا بحبك قد الدنيا دي كلها، والله العظيم بحبك."
جذب الرجل الهاتف وتحدث إليه.
"عندك حاجة تخصنا هاتها وخد بنتك، واه البقاء لله في الحيلة الصغيرة."
ثم أطلق ضحكة شيطانية.
نظر في كل الاتجاهات حاسس بأن أعضائه شلت بالكامل.
"سيف لا لا مستحيل."
كان الرعب قد تسلل إليه، تهدجت أنفاسه باضطراب بينما أخذ صدره يعلو ويهبط بانفعال.
نظر حازم إليه.
"جواد إيه اللي حصل."
لم يستمع لأحد، ظل يردد سيف، غزل.
وفجأة جلس على ركبتيه وصاح بصراخ.
"غزززززززززززل."
رواية تمرد عاشق الفصل العاشر 10 - بقلم سيلا وليد
أتى جاسر وعثمان وهما يمسكان بأحد المجرمين.
أمسكه جواد من عنقه بدون مقدمات وتحولت عيناه إلى نيران جهنم.
"سؤال واحد بس، البنت اللي كانت مع أخويا راحت فين ومين خدها؟"
"انطق وإلا هاخد روحك في إيدي."
ظل الرجل يحاول الفكاك من قبضته.
نظر جاسر إليه عندما وجده سيفاً: "رق الحياة، جواد دا أملنا الوحيد لو سمحت سيبه."
دفع جواد بقوة على الأرض وضغط على يديه بحذائه وظل يردد: "فين غزل ومين اللي خطفها؟"
بدأ الرجل بالسعال وهو يحاول أخذ أنفاسه وهو يصرخ من الآلام التي أصابته.
أمسك سلاحه وقام بتثبيته على رأسه: "آخر مرة هسأل، فين غزل؟"
"معرفش، اللي خطفها الكبير العتال باشا."
تركه أخيراً وظل يردد: "مين العتال دا؟"
نظر جاسر إليه: "العتال دا اللي ابنه اتُمسك من يومين، إنت كنت إجازة، أنا اللي مسكته وكان بيتعاطى هو وبنت من إياهم هيروين."
ضرب بقوة على السيارة: "إزاي حاجة زي دي معرفهاش، إنت ناوي تقتلني بغبائك يا جاسر؟ إنت عارف دا ممكن يعمل إيه في أختك؟"
مسح وجهه بكفيه يقاوم غصة مسننة بسكين بارد تستقر بحلقه: "دا ممكن يعمل فيها أي حاجة، ممكن يموتها يا متخلف، ممكن يديها جرعة هيروين."
اتسعت عينا جاسر مصعوقاً من مصير أخته بين أيادي هذا العتال: "لا مستحيل، هو مش بالغباء دا يا جواد، ابنه عندنا."
صوب نظراته النارية له: "وأهو طالب ابنه مكانها، قولي يا حضرة الضابط ناوي تعمل إيه؟"
نظر إلى شيء ما يلمع على الأرض، نزل بجسمه وأمسكه، وجده سوار لغزل.
ضمه بيديه وقبله.
لمعت عيناه بدموع متحجرة أمام جاسر وعثمان رغم عنه وأردف بصوت مهزوز: "إنتِ فين يا قلبي؟ هموت لو حصلك حاجة."
"ارجعيلي يا غزل... ارجعيلي."
أغمض جاسر عينيه بقهر وكان جسده كحمم بركانية، حاول أن يتنفس ولكن تنفسه منقطع يختنق رويداً رويداً.
جحظت عينا جواد ببريق أمل وأردف: "يارب يا غزل تكوني لابساها."
اتجه جاسر إليه وهو يسأله: "إنت بتتكلم عن إيه؟"
أمسك هاتفه وجده فارغاً، شحنه.
ركل السيارة بقدمه وبدأ يصرخ ويثور كأسد جائع.
أسرع إلى سيارته وحاول توصيل شاحنه بالهاتف.
دقائق وفتح الهاتف.
نظر إليه والأمل يتجدد عنده، ولكن لا توجد إشارات أو علامات تدل على وجود تحرك.
مسح وجهه بعنف وشعور العجز يتملك منه.
"ماذا أفعل؟ وأين أذهب؟"
وقف ثم صار بخطوات واهنة وتيه محدقاً عيناه في الفراغ وكل ما يسمعه صوتها فقط هو الذي يصم أذنيه.
نظر لجاسر وأردف: "أي حد يتصل بيك ياريت تعرفني قبل ما تعمل حاجة."
وقف جاسر بجوار سيارته وشعور اليأس والوجع والندم في آن واحد يمتلكه.
وقف وانصرف ليخفي ندمه وشعوره بالخطأ وضميره الذي يصرخ في مواجهة جواد.
جلس جواد يضع رأسه بين يديه ودموعه انسابت بغزارة على وجنتيه بعدما غادر جاسر وعثمان وبدأ يحدث حاله: "يارب اختبارك تقيل عليا قوي، يارب وحدك الذي قلت في كتابك العزيز: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يارب لا غير سواك الذي قال: إن الصابرين هم الفائزون."
"يا الله كيف ضاقت بي الأرض هكذا ورغم اتساعها بهذا الشكل... لطفا بعبدك الضعيف."
ظل ما يقارب ساعة وهو ما زال على جلوسه.
قطع وحدته والده: "جواد فينك يابني ولسة مافيش أخبار على غزل؟"
آهة خفيضة تحررت من شفتيه يتبعها حديثه المؤلم: "سحبوا مني روحي يابابا. ضربوني صح."
"عمك ماجد وصل وحالته صعبة يابني، حاول تجمد، إحنا كلنا متمسكين بيك، وإن شاء الله هتلاقيها وترجع بالسلامة."
"جاسر فين يابني؟"
"راح على الشغل يمكن نوصل لحاجة."
"متخافش عليه، ربنا يكون عونه، أخته برضه يابابا."
قاطع اتصال مع والده عندما وجد مكالمة في الانتظار: "مين معايا؟"
ضحكات خبيثة من شخص خبيث: "أوه جواد الألفي اللي بيلف حوالين نفسه دلوقتي، قالولي بس مصدقتش عشان ما نلفش على بعض كتير."
"عندي اللي يوصلك لعنوان الأمورة."
"اخلص عايز إيه؟ مش فاضيلك."
"قدامك عشر دقايق تيجي نتفق، يا أما..."
"جايلك، وهشوف آخرك إيه."
وصل بعد ما يقارب نصف ساعة.
دخل بهيبته التي تدل على شخصيته، ثم وقف العتال حتى يقوم بتحيته.
جلس ووضع ساق فوق الأخرى ونظر في ساعته: "قدامك عشر دقايق وتقولي عايز إيه."
جلس يدخن سيجاره الغالي ثم تحدث: "ابني يطلع من السجن خلال ساعتين، وكمان عندي عربية لازم تعديها من كمين إسماعيلية."
وقف جواد ونظرته كحمم بركانية: "لا برافو عليك، ومستني أقولك أمين وأبكي وأقولك ارحمني."
ضرب على المكتب بيديه بقوة على مكتبه: "انت مفكر نفسك مين؟ انت اللي رميت نفسك قدامي، وخليك فاكر الاسم دا كويس، مش جواد الألفي اللي يتلوي دراعه."
ثم نهض استعداداً للمغادرة ولكنه تسمر عندما استمع لصوت بكائها وهي تردد اسمه وكانت متكورة على حالها مثل الجنين.
شهق شهقة مليئة بالوجع، حاول الثبات قدر المستطاع أمام هذا الشخص الذي لا يعرف ديناً ولا أخلاقاً.
نظر إلى الشاشة التي يعرضها العتال في مكتبه، وجد شخصاً بيده حقنة ويتوجه إليها.
نظر إليه العتال باستخفاف: "منظر رائع مش كده؟"
ابتلع غصة مريرة وتحدث: "مش هرحمك صدقني."
ضحك بشيطنة: "وريني آخرك."
ثم تحدث لمن ينتظر أوامره: "اعمل يابني اللازم."
اتجه إليها الرجل وهي تصرخ وتردد باسمه مرة، وباسم جاسر مرة أخرى.
جلس كمن تلقى ضربة موجعة قصمت ظهره نصفين مهشمة عظامه بالكامل: "إهدى يارب، إهدى."
"خليه يسبها وهعملك اللي عايزه."
ضحك بسخرية: "ما كان من الأول يا حضرة الضابط."
نظر في ساعته: "قدامك بالضبط ساعتين."
خرج جواد بسرعة جنونية وتكاد رأسه تنفجر من العجز الذي تملك منه.
قام بالاتصال بعثمان: "شوف الجهاز اشتغل ولا... أي كلمة لو حتى بسيطة أعرفها يا عثمان، أنا غرسته في مكتبه."
ثم تحرك إلى مكتبه لعل يجد ثغرة من ابن العتال.
وصل بعد دقائق محدودة.
توجه لجاسر: "دخل مثل الأسد... وبدأ يلكمه بكل قوة."
"ارتحت دلوقتي؟ يارب تكون ارتحت."
يركل كل ما يقابله ويصرخ صرخات هزت أركان المكان.
ظل يجوب المكان ذهاباً وإياباً: "نفسي أعرف كان فين عقلك وانت سمحت لهم يروحوا للموت."
تحدث بها وكأن صيحاته تنعش قلبه بكم الألم الذي به.
لا يشعر بحاله.
جاسر الذي فقد القدرة على الحركة عندما رأى حالته شعر أن أخته أصابها مكروه.
نظر جاسر إليه بأمل: "جواد اهدى، عرفت إنّي غلطت، ممكن تهدى شوية؟"
وصل حازم إلى المكتب وجد جواد بهذه الحالة وتحدث إليه: "اهدى، لازم نهدى عشان نعرف هنعمل إيه."
نظر له بعيون دامية وصدره المختنق وصوتها المتردد: "أنا حاسس إني بختنق يا حازم، روحي بتنسحب مني، ليه محدش حاسس باللي جوايا؟ ليه محدش حاسس بالمصيبة اللي ممكن العصابة دي تعملها؟"
عند العتال.
بعد خروج جواد قام بالاتصال بشخص ما: "كله تمام زي ما اتوقعت بالضبط، البنت دي هي كنز، وهيعمل اللي طلبته، بس مقولتش ليه جواد مش جاسر اللي طلبت منه؟"
"عشان أنا عايز أخلص من جواد وكمان بمصيبة، أهم حاجة البنت محدش يلمسها، سامعني؟ دي بعمركم كلكم."
ثم أغلق الهاتف.
في المكتب عند جواد.
لحظات ورن هاتفه: "عرفنا مكانها يافندم وكمان السلسال ادانا إشارة."
هب واقفاً: "دقايق وأكون عندك، ماتتحركش."
نظر لجاسر فحالته لا تستدعي المخاطرة به وأخذه.
اتجه له: "إياك تتحرك من مكانك... هروح أجيبها وآجي."
نظر له بأمل: "عرفت مكانها؟"
سكت برهة: "لسه بس هعرف، متخافش وكل هيتحاسب."
توجه بنظره لحازم: "روح عند بابا وماما المستشفى، ليكون محتاجين حاجة وأنا إن شاء الله هرجعها قبل النهار."
تحدث بها عندما بزغ شعاع الأمل في صدره.
في وقت لاحق.
وصل للمكان المنشود واتجه هو وعثمان وبعض فريقه.
نظر لعثمان وأردف: "بلغت على العربية زي ماقولتلك."
"أيوة وخلّيت أحمد بنفسه اللي يوقف في الكمين."
"برافو عليك، راقب كويس مش هتلاقي حراسة كتير عشان مش متوقعين إننا نعرف المكان دا، دول طلعوا زبالة."
اتجه جواد حيث وجود غزل بينما تخلص عثمان وقواته من المجرمين بعد تبادل إطلاق النيران الذي أدى إلى موت معظم المجرمين.
رعشة قوية ضربت جسده عندما رآها بهذه الحالة.
ورغم ذلك دموع الفرحة تغرق وجهه عندما وجدها أمامه بهيئتها الطفولية التي تخطف لب قلبه.
أسرع إليها وبدأ بإفاقتها: "غزل حبيبتي فوقي أنا جيت يا عمري."
رفعها من على الأرض وبدون مقدمات ضمها بشوق تعانق حنينه الذي غاب عنه لمدة ساعات.
ضمها بقوة لداخل أحضانه.
ولكن أصابته لعنة عندما وجدها لا تفيق ونزلت دموعه بغزارة.
ضمها مرة أخرى إلى صدره عندما وجد جسدها بارداً كالبرود.
رفع رأسها وبدأ يلمس على وجهها بحنان ويصيح بصوتها: "حبيبتي أنا جيت فتحي عيونك متوجعيش قلبي عليك."
أمسك يديها وبدأ يتحسسها.
رفعها وقام بحملها وخرج من هذا المكان الذي كان يشبه القبور.
توجه إلى سيارته.
وضعها بالسيارة وتوجه للقيادة ثم جذبها إلى أحضانه وبدأ يقبل رأسها ثم قام بالاتصال على جاسر: "جاسر أنا لقيت غزل، إياك تتحرك من مكانك، سامعني؟ إياك."
قاد السيارة عائداً لمنزله.
فتحت عيونها كأنها تحلم.
أمسكت مقدمة رأسها تقاوم ألماً رهيباً يفتك برأسها وأردفت: "جواد."
جذبها إليه بشدة: "روحي وقلب جواد أنا هنا يا قلبي."
ظلت تردد اسمه عدة مرات.
لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك وانهارت حصونه بالكامل.
أوقف سيارته على جانب الطريق، وقام برفع وجهها إليه: "زوزو حبيبة قلبي فتحي عيونك، وحشتيني."
أردف بها بنبضه قبل لسانه.
كأن قلبها استجاب لندائه فتحت عيونها ببطء وهي تردد اسمه.
أغمض عيناه وسحب نفساً عميقاً وكأنه عاد إلى الحياة بعد فتح عيونها.
اعتدلت بعدما شعرت بوجوده وقامت باحتضانه وأردفت باكية: "كنت عارفة إنك مستحيل تسبهم يموتوني."
ضمها بقوة عندما ذكرت الموت وكأنها ستتركه بالفعل.
شدد من عناقها وسحب نفساً عميقاً وكأنه يملي صدره من رائحتها التي غابت عنه لساعات.
"جواد." أردفت بها بصوت ممزوج بمشاعر الشوق والفقد والحب والأمان.
"روحه إنتِ يا غزالتي."
أخرجها من أحضانه وقام بجمع شعرها الذي نزل على عيونها مقبلاً جبينها.
شعرت بماس كهربائي يسري بجسدها من حركاته التي يفعلها.
رفع ذقنها ونظر لداخل عيونها: "كنت هموت من الخوف عليكي، بس مش معنى كدا إني مش هعاقبك يا وزتي، لا وحياة كل نبضة خرجت من قلبي خوف عليكي لآدبك يا غزالتي."
دخلت أحضانه وأردفت مستاءة منه: "حتى وأنا مخطوفة وكان ممكن ما أرجعلكش."
آهة خافتة خرجت من جوفه مؤلمة لمجرد تخيله بفقدانها.
وضع رأسها على كتفه وقاد السيارة ذاهباً لمنزله ولكنها ذهبت في النوم.
وضعها على صدره وضمها بيد وقام بالقيادة باليد الأخرى.
وصل المنزل كان ينتظره ماجد ومليكة.
نزل بهدوء واتجه لها وحملها ضاماً إياها إلى صدره برعاية.
اتجه بها إلى غرفتها.
قام بوضعها بهدوء على فراشها: "حبيبتي ارتاحي هنزل مشوار وراجع."
أمسكته بشدة: "لا متسبنيش أنا خايفة."
جلس بهدوء على الفراش وضم وجهها: "حبيبتي نص ساعة وراجع، هشوف جاسر وراجع."
هزت رأسها بلا.
دخلت مليكة نظر إليها: "جاسر كلمك؟"
أجابته بتردد: "خرج من المكتب بعدك على طول، وبعده حازم بعد ما قدرش يوقفه."
قبض على يديه بعنف: "الحيوان زي ما هو برضو مفهوش عقل، خلي بالك من غزل لما أرجع."
بكت غزل: "متسبنيش يا جواد عشان خاطري، أنا خايفة."
نظر بعجز إليها وتحدث بهدوء: "حبيبتي لو مخرجتش دلوقتي ممكن يعملوا حاجة في جاسر، نص ساعة وراجع."
نظر ماجد إلى ابنته التي تتمسك بجواد بقوة.
ظلت تبكي بشدة: "هييجوا يا جواد ياخدوني لما يعرفوا إنك مش موجود، أنا خايفة."
جحظت عيناه بشدة من ارتعاب طفلته.
اتجه إليها بسرعة وضمها لحضنه: "محدش يقدر يلمسك طول ما أنا عايش يا قلبي. والله لأعاقب كل واحد حاول بس يمس شعرة."
اتجه بانظاره لمليكة: "اتصلي بجاسر حالا."
قامت مليكة بالاتصال به.
لحظات وقام بالإيجاب: "أيوة حبيبتي."
"جاسر جواد رجع هو وغزل، انت فين؟"
أشار لها جواد بأن تعطيه الهاتف: "عشر دقايق لو ملقتكش قدامي قسماً عظماً ما أكلمك تاني، اختك ورجعت سليمة، حسابهم مش دلوقتي، متربطنيش يا جاسر ارجع وهقولك هنعمل إيه."
لحظات وسمع جاسر خلفه شخصاً: "ارمي سلاحك وإلا هفجر دا في دماغك، ماشي يا صاحبي يبقى سلملي على الجمبري."
بعدها انقطع الاتصال.
هب جواد واقفاً ونظر إلى غزل: "زوزو حبيبتي هروح أغير هدومي وراجعلك على طول يا قلبي قبل ما جاسر يرجع، ماشي."
ثم قبل جبينها.
نظر لمليكة ووالدها الذي يقف دون حديث: "محدش يسبها ولا لحظة، وأنا راجع على طول."
وبعدها تحرك دون حديث آخر.
قابلته شهيناز ويبدو على وجهها الحزن والوجع: "جاسر فين يا جواد؟ ليه ما جاش معاك؟"
امسكت يده: "لو سمحت اتصل بيه خليه يرجع، أنا قلقانة عليه."
ضيق عيناه ووجه إليها نظرات نارية: "احترمي نفسك ياشهيناز، أنا مش ناقصك دلوقتي."
أمسكته من تلابيبه بشدة: "وحياة غزل عندك يا جواد انقذه ورجعه، هو مشي زي المجنون لما كلموه، والله هسمع كلامك."
أنزل يدها بهدوء: "شهيناز ماتتماديش عشان صبري نفذ بجد."
ثم اقترب منها وأردف لها: "جاسر فرحه بعد أسبوع، وسيبك من أساليبك الرخيصة دي عشان أنا بنفسي اللي هقول لماجد."
سقطت دموعها بغزارة: "ماشي اعمل اللي تعمله بس رجعوهولي، أنا قلقانة عليه."
جحظت عيناه بصدمة من أسلوبها المستفز وخطى للخارج سريعاً دون حديث آخر وبدأ يحدث حاله: "الست دي هتجلطني يخربيت جبروتها، لا دي عينيها فارغة وبجحة."
تذكر حديث جاسر وعلم ما يقصده.
توجه حيث مكان وجوده مع أحد قواته بعد الاتصال به.
في هذه الأثناء كان باسم بالقرب من مكانهم.
قام بالاتصال على جواد: "إيه اللي سمعته دا يا جواد صحيح، العتال خطف غزل وسيف؟"
"رجعتهم ياباسم بس جاسر في إيدهم وأنا داخل عليهم أنا وعثمان."
"طيب انتوا فين؟"
"بعتلك اللوكيشين."
"تمام."
بعد لحظات اتصل باسم: "أنا قريب جداً منكم."
"تمام هستناك."
وصل باسم وجد جواد وعثمان يتابعون المبنى الذي أرسله جاسر بغموضه وشفره بينه وبين جواد.
دخل جواد وعثمان من اتجاه وتوجه باسم وباقي القوات من اتجاه آخر.
يجلس أحد رجال العتال يدخن بشراسة وهو ينظر لجاسر بشماتة وهم يبرحونه ضرباً على الرغم تدرب جاسر وقوته البدنية إلا أن الكثرة تبلغ الشجاعة.
ألقى سيجاره: "بقى انت وابن الألفي توقعتوا الباشا وقبضتوا عليه ومتلبس كمان، دا انتوا جبابرة، بس متعرفوش سعد الدين هيعمل فيكم إيه، هيخليكم تندموا على اليوم اللي اتولدتوا فيه."
وبدأ يضحك بشماتة: "طيب لما انت راجل قوي كدا، ينفع تسيب عشر كلاب على واحد يا خفيف؟"
نظر سعد الدين إليه بصدمة عندما وجد المكان حوصر بهم.
اقترب جواد منه: "مش عيب تبقى طول بعرض كدا وتعملي فيها سبع الليل وسايب المكان من غير حراسة."
لحظة فقط ووجد نفسه ساقطاً على الأرض بعدما لكمه جواد في وجهه أدت إلى سقوطه.
"قوم ياحليتها، كنت مفكر نفسك ذكي يالا."
رفعه من تلابيبه وضرب دماغه في الحائط: "انت بقى اللي كنت عامل راجل على بنتي."
أمسكه مرة أخرى وصدمه بالحائط.
أوقفه باسم: "خلاص يا جواد سيبه هيموت في إيدك."
"دي إيدك اللي ضربتني بيها."
أمسك صوابع يديه وضغط عليها بكل قوته حتى أصدرت صوت تحطمها.
بدأ سعد يصرخ من شدة آلامه.
صوب جواد نظرات نارية: "عشان اللي يفكر بس يدوس على طرف يخصني يفكر مليون مرة قبلها."
ثم ركله بأقدامه وأشار لعثمان: "ارميه في العربية خليه يونس زعيمه في السجن."
اتجه لجاسر الذي غطى وجهه بعض اللكمات وقام بلكمه هو الآخر.
صُعق باسم من فعلته.
أشار له بسبابته: "نفسي أعرف انت مالك اليومين دول بقيت تتمادى من غير ما تفكر."
"حازم." أردف بها جاسر بهدوء.
ضيق جواد عيناه متسائلاً: "ماله حازم، هو فين صحيح؟"
"واحد أخده ومعرفش راح بيه فين."
"آه منك يا جاسر على غبائك."
"ودا أوصله إزاي؟"
بدأ يركل كل ما يقابله ولا يعلم ماذا يفعل.
وقف باسم في مقابلته: "ولما تتعصب كدا هتعرف تفكر، اهدى خلينا نفكر صح ونعرف إيه اللي حصل الأول."
نظر لجاسر ليحكي ما صار: "مكنتش أعرف أنه ورايا إلا لما دخلت وكنت خلاص خارج لقيتهم داخلين بيه وهددوني عشان قدرت عليهم بس مسكوه."
"كان لازم أخضع لهم."
"راحوا فين؟ حاول تفتكر أي حاجة."
خرجوا من المبنى جميعاً.
اتجه جواد إلى سعد كي يستجيبه ولكن وجد حازم يتصل به.
قام بالإيجاب بسرعة: "أيوة يا حازم انت فين؟"
"أنا رايح لجاسر يا جواد في (...) قابلني على هناك."
"هو انت مكنتش مخطوف يابني؟"
وقف حازم وسأله: "عرفت منين؟"
"جاسر خلاص معايا، انت اللي فين؟"
"أنا هربت منهم، انت ناسي يالا الكام سنة تدريب ولا إيه؟"
ضحك جواد بقوة عليه: "لا منستش يابن الألفي. قابلنا على البيت."
في وقت لاحق.
وصل جاسر وجواد، جلست حنان تداوي جروح حازم التي في وجهه.
نظرت لهم وحمدت ربها كثيراً بعدما رأتهم سالمين أمامها.
اتجه جاسر لغرفة أخته سريعاً.
وجد مليكة تجلس بجانبها وهي تغط في سبات عميق بعدما حقنتها الطبيبة بمهدئ.
اتجهت سريعاً إليه وأرتمت بأحضانه تبكي: "كدا يا جاسر تخوفني عليك، أعمل فيك إيه دلوقتي أضربك."
ضمها لأحضانه: "آسف حبيبتي. كان لازم ألاقي غزل، كنت ميت من غيرها يا مليكة."
اتجه بنظره إلى غزل: "هي عاملة إيه؟ حد آذاها؟ جواد محكيليش حاجة."
مسحت دموعه: "هي كويسة حبيبي، بس خايفة شكلهم رعبينها شوية، بس مبتتكلمش غير جواد بس."
نظر داخل عيونها بحب: "أقولك سر."
ضيقت عيناها متسائلة:
همس لها: "اللي يشوف جواد النهاردة يقول دا عاشق حد الموت، أول مرة أشوفه كدا."
"عادي ماهو اللي مربيها."
"معرفش دا إحساس جالي بس."
قاطعهم استيقاظ غزل عندما نادى باسم أخاها.
تحرك جاسر متجهاً إليها سريعاً: "حبيبة قلبي حمدالله على سلامتك، قوليلي يا قلبي عملوا إيه فيكي."
ضمت رأسها في حضنه: "ضمني قوي يا جاسر عايزة أحس بالأمان، أنا خايفة."
ملس على رأسها بحنان: "أنا جنبك يا حبيبتي متخافيش."
خرجت من حضنه: "فين سيف هو كويس؟"
أجابتها مليكة: "سيف كويس حبيبتي هو في المستشفى بس صحته كويسة ومتخافيش الحمدلله شوية كسور. ماما لسه جاية من عنده وصهيب عنده دلوقتي."
ظل تردد: "الحمدلله الحمدلله."
دخل جواد بقلباً مفطوراً عليها بعدما قصت والدته ما صار لها.
نظرت إليه ثم وضعت رأسها في حضن أخيها ولم تتحدث.
اقترب لها كأنه يقترب إلى جحيم حبه الذي سيؤدي به إلى الهلاك.
وقف جاسر وجلس بجوارها، رفع ذقنها: "عاملة إيه دلوقتي؟"
"كويسة." أردفت بها ببساطة ثم نظرت لوالدها: "بابا عايزة أنام في حضنك ممكن تاخدني في حضنك؟"
وصل إليها ماجد في خطوة واحدة: "طبعاً يا حبيبتي."
ضمها بقوة إليه: "بابا أنا خايفة."
عصر جواد عيناه ألماً على حالتها التي وصلت إليها.
دخلت العاملة تردف بهدوء: "يحيى بيه وصل برة هو ومراته وابنه يا ماجد بيه."
أومأ برأسه ثم نظر لغزل: "عمك برة كلمني امبارح وجاي عشان يشوفك لما قولتله وكمان عايز يصالح جاسر."
ضيق جواد عيناه متسائلاً: "ليه جاي دلوقتي؟ مش فاهم."
"قلتله على اللي حصل فقال هيجي عشان يطمن هو ومنال وعاصم."
"زفر بضيق ثم أردف: "خلاص نشوف آخرة الزيارة دي إيه."
باليوم التالي تجلس منال بجانب غزل: "تعرفي يا غزل أنا بحبك قوي، بس اللي بعدني عنك أسرار ياحبيبتي مينفعش تتفتح وتعرفيها لعقلك الصغير دا، وكان نفسي تكوني مرات ابني."
"وياترى إيه أسرار الماضي يا منال هانم؟" أردف بها جواد بقوة.
وقفت منال تفرك يديها: "لا دا حاجات تخصني يا جواد باشا."
ثم انصرفت.
نظر إلى مغادرتها بشرود.
جلس بجوارها ثم سحبها لإحضان: "طفلتي الحلوة عاملة إيه، عرفتي تنامي؟ جاسر قال إنه نام معاكي."
"أيوة نمت كويس عن إذنك."
"رفع ذقنها: "مالك يازوزو زعلانة ليه، هو أنا لسة عاقبتك يا قلبي؟ دا لسة العقاب بدري عليه."
"النهاردة سيف طلع من المستشفى لازم أحضرلكم عقاب يليق بالبرنسيس غزل الحسيني مش كدا ولا إيه."
وضعت يديها على خده وملسته بهدوء ثم نظرت لداخل عينيه: "هتفضل لحد إمتى وانت بتتجاهلني، أنا مش طفلة يا جواد، وعارفة إنك مش غبي، بس عايزة أقولك حاجة واحدة، ساعات بنقول كلمات من قلوبنا وقت ما نحس إننا خلاص مش هنقدر نشوفها أو نحس بيها تاني."
أغمض عيناه ولم يستطع القدرة بعد لمستها له التي جعلته فاقد توازنه تماماً.
تمنى أن يسحقها بأحضان.
اتجهت بأنظارها إلى ندى التي توجهت لهم: "شوف خطيبتك جاية علينا أهو."
"نسيت أشكرك عشان أنقذتني، بس دلوقتي بقولك ياريتك ما أنقذتني."
وصلت ندى ونظرت لهم بشك ثم تحدثت بهدوء: "حبيبي إيه مش هنخرج ولا إيه؟"
اتجهت لغزل: "حمدالله على سلامتك يا غزل معلش جت متأخر."
نظر جواد إليها وأردف: "معلش ياندى عندنا ضيوف وزي ما انتي عارفة دول عزاز وماينفعش أسيبهم وأخرج."
أمسك يدها وخرج إلى الحديقة التي تزين بزينة حتى تخرج غزل مما بها.
"عاملين قاعدة بسيطة عشان نخرج غزل من جو الخوف اللي عاشته."
جاء المساء يجلس الشباب حول مائدة كبيرة.
نظر حازم لجواد وأردف مبتسماً: "ماتغني شوية يا جود، أهو ننسى أحزاننا شوية."
اتجه حازم بنظره إلى ندى: "تعرفي جواد صوته حلو قوي، وكان بيعزف عود وبيانو بس من ساعة ما دخل الشرطة نسي دا كله وبقى زي الشخص اللي انتِ شيفاه دا."
ضم جاسر مليكة لحضنه: "لا النهاردة هيغني عشاني أنا ومليكة، وبعدين أنا كنت مستني يعملنا أغنية لفرحنا يا جماعة كدا... ضيعتوا المفاجأة."
ضحك جواد عليهم: "لا ما أعتقدش إني لسة فاكر الغنى إزاي أصلاً."
لمست ندى يديه وترجته أن يغني.
اتجه بأنظاره لغزل بعدما أمسكت ندى يديه ووجدها تنظر للأرض بحزن.
وصل عاصم حيث جلوسهم، الذي اتخذ مكاناً بجانب غزل بعدما وقف صهيب ليجيب على هاتفه.
"عاملة إيه يا غزل بقالي يومين مش عارف أوصلك."
"الحمدلله كويسة شكراً يا عاصم."
أتت لتقف عندما وجدت نظرات جواد النارية تجاه عاصم، ولكن عاصم أمسك يدها: "اقعدي هو أنا جيت انت تمشي."
مسح جواد على وجهه وحاول الثبات على هدوئه.
كل هذا وجاسر يراقب حركاته.
"ياله يا جواد غني." أردفت بها ندى.
وصل صهيب وجد عاصم احتل مكانه.
أمسك بيد غزل: "تعالي يازوزو اقعدي جنبي عشان أحس بالحياة."
ضحكت بصوتاً عالي: "والله وأنا كمان بحس بالنعنشة بالمكان اللي بتكون فيه."
اقتربت منه: "على فكرة كنت همشي لما انت مشيت."
"حية تاخدك يا خويا انت وهي، اقعدوا مكانكم."
ضحك صهيب في داخله وعلم نيران الغيرة داخل صدر أخيه.
حدث حاله: "دا الليلة هتحلو قوي يا جواد."
أدارت ندى وجه جواد الذي يراقب به صهيب وعاصم: "حبيبي يالا غني عايزة أمشي عندي حلقة الساعة عشرة."
أغمضت غزل عيناها بقهر من لمستها له.
ضم صهيب يدها وضغط عليها وهمس لها: "حبك فاضحك يا مصيبة امسكي نفسك شوية."
فتحت عيونها وهمست له: "بقولك ماتيجي نرقص أنا وانت سلو وجواد يغني."
رفع حاجبيه: "الأمورة عايزة تبات في القبر الليلة."
ضيقت عيناها متسائلة: "ليه إن شاء الله، ماهو قاعد مع خطيبته اللي كل شوية أهي وأمآم."
ضحك بصوتاً صاخب.
نظر عليه عاصم مستاءاً منه بعدما أخذ غزل بجانبه وحدث حاله: "اصبر بس عليا يا صهيب."
رفع جواد حاجبيه: "ما ضحكتني معاك يا ولد ياصهيب." أردف بها وهو يكز على أسنانه.
رفع صهيب جانب وجه ونظر له بتحدي: "لا عيب دا حوار بيني وبين زوزو حبيبتي."
"والله زوزو حبيبتك."
اتجه بأنظاره لها ووجدها تضغط على يد صهيب عندما وجدت ندى تنام على كتف جواد، ولكنه لم يعتريها اهتمام.
كل نظراته وعقله متجه لصهيب وعاصم، صهيب الذي يستفزه، وعاصم الذي ينظر له بنظرة ذئب.
أتت مليكة بالعود: "من زمان ماسمعناش حاجة يا جواد، يالا غني ننسى شوية الكام يوم اللي عدوا."
ملست ندى على وجهه بحب وأردفت: "ماهو قاطع نبض قلب غزل."
"حبيبي النهاردة هيغنيلكم، بس أكيد بكرة هيغنيلي لوحدي."
ابتعدت غزل بنظراتها وكم من آهة داخل أعماق قلبها.
حاولت أن تجمع شتات نفسها ونظرت له مبتسمة: "أكيد جود هيغني، آخر مرة غنى وأنا في إعدادي وبكرة نتيجتي فهيقدم أغنية على شرف النتيجة مش كدا يا جود."
أردفت بها بمرارة قلبها التي تشعر به.
نظر لعيونها الجميلة ولم يستطع رفض أمنيتها.
دقق جاسر نظراته إليه وأغمض عيناه بحسرة.
أمسك جواد العود وبدأ يدندن مع أغنية:
"لو شكى في يوم قلبي منك قوله اصبر
قوله حبك يوم عن يوم بيكبر"
ظل يغني كلمات هذه الأغنية وعيناه متعلقة بها.
نظر صهيب بوجع لأخيه فهو يعلم ما يشعر به ولكن كيف له المواجهة.
وقفت غزل وأمسكت بيد صهيب: "تعالى نرقص."
ضيق عيناه: "ودي أغنية نرقص عليها؟"
وقف عاصم: "تعالي نرقص أنا وانت، الأغنية هادية."
أنزل صهيب يديه: "أنا قولت محدش هيرقص مع غزولة غيري." أردف بها وهو يرفع حاجبه بتسلية.
بسط صهيب يديه لغزل وبدأو يتمايلون على نغمات وغناء الأغنية.
وقف جاسر وامسك مليكة من خصرها: "هي الأغنية حزينة بس حلوة، تعالي نرقص إحنا كمان."
كانت ندى ما زالت تنام على كتفه متاثرة بصوته.
بعد دقائق انتهى جواد.
نظرت له بحب: "تعرف كل يوم أكتشف فيك حاجة جديدة بتحسسني إني لسة بتعرف عليك."
أردفت بها ثم قبلت خده.
فجأة اصطدم بما فعلته نظر سريعاً لغزل التي ما أن راته وضعت رأسها في حضن صهيب.
"عايزة أطلع كفاية كدا سهر." أردفت كلماتها سريعاً.
وقفت ندى وجذبت جواد إليها: "تعالى ياله حبيبي عشان توصلني."
أومأ برأسه متحركاً معها.
همس لحازم: "عينك ماتنزلش من على عاصم."
بعد فترة من الوقت قام الطرق على باب غرفتها.
اتجهت للباب فتحته ووقفت أمامه وهي تضع يديها فوق الأخرى تحتضن نفسها: "نعم في إيه؟"
"بكرة نتيجة، ادعي يا غزل تكون حلوة أصلك جبتي آخرك معايا."
اقتربت بهدوء وهمست أمام شفتيه: "عايزة أشوف آخرة تهديدك دا إيه يا حضرة الضابط."
"أنا نفسي أسقط." أردفت بها ثم أغلقت الباب في وجهه، وهي تتنفس بسرعة فقربها أفقدها توازنها.
"ماشي يا جواد لو ما خليتكش تيجي زاحف ميبقاش أنا غزل الحسيني وخلي الحيوانة تبوسك حلو."
آه نفسي أجيبها من شعرها الحيوانية دي.
أردفت بها وهي تعض يديها بغيظ.
في غرفة جاسر.
بعد مغادرة جواد وخناقه كالعادة مع غزل وشهيناز.
دخل إلى مرحاضه وبعد فترة خرج وهو يلف نفسه بمنشفة حول خصره ويجفف شعره بمنشفة صغيرة بيديه.
خرج وقطرات الماء تتساقط على جسده.
ولكنه تسمر عندما وجدها في غرفته بهذه الملابس التي لا يقال عنها إلا ملابس لليلة خاصة بعروس تقابل زوجها لأول مرة في ليلة تعزف ألحانها بينهم وهي ماتعرف بليلة الدخلة.
جحظت عيناه عندما خطت بهدوء إليه وهي تتدلى بمشيتها: "وحشتني أوي ياحبيبي، ومستحيل أسيبك تضيع مني. انسى يا جاسر، أنا مش همشي غير لما أكون ملكك الليلة، وبعد كدا هكون ملكك انت وبس."
لحظات وغير مستوعب لكلماته كأن أعضاءه شلت وغير قادر على التفوه أو الحركة.
لحظات ودخل والده يردف: "جاسر كنت عايز أقولك."
ثم قطع حديثه وجحظت عيناه مما رأى.