جلست بهدوء في السيارة. رفع ذقنها ونظر داخل عينيها. "وحشتيني أوي يا جنيتي. إيه مفيش وحشتني يا جود؟ ولا موحشتكيش؟ أردف بها عندما أسند جبهته فوق جبهتها، مغمضًا عينيه. وبدون سيطرة ضم خصرها لحضنه ولف ذراعيه حول جسدها، حتى قربها منه وأصبحت بداخله. التقط كرزتيها المنتفختين الشهيتين. بعد فترة، فصل قبلته الجامحة وهو يلمس خديها بأصابعه. "وحشني صوتك وهمسك يا قلبي. مالك ساكتة ليه؟
نظرت له وعيناها محجرة بالدموع. وصراعها الداخلي بين قلبها وعقلها وصور أخيها الشهيد لا تفارق عينيها منذ الأمس. انتصر قلبها على عقلها، ورفعت يديها على وجهه، مملسة عليه، ونظرت داخل عينيه وخاضت معركة العيون بينهما بالعشق. "الدَّفِين... اقتربت، لاغية عقلها وكل شيء يبعدها عنه، وقامت بتقبيله كأنها تثبت لعقلها أنه وحده ولا غيره تحيا به الحياة. "وحشتني طبعًا يا حبيبي."
أطبق جفنيه متلذذًا بلمساتها. رفع يديها التي تضعها على وجهه وقبلها بهدوء. "روحي حبيبتك إنتِ." ابتسمت برضا من أثر كلماته التي دغدغت مشاعرها. طوقت خصره، دافنة وجهها بين حنايا عنقه، قائلة: "وأنت الحياة لحبيبتك." عصرها فترة بأحضانها. ورغم عنه تركها حتى يقوم بتشغيل سيارته للاتجاه للمنزل.
وضعت رأسها على كتفه وهي مغمضة العينين، لا تريد مصارعة أفكارها. داعبت بأنفها عنقه، مستنشقة رائحته الرجولية، حتى تخرج من تفكيرها الذي سيؤدي بها إلى الجحيم لحياتهما سويًا. رفعت نظرها وهي تضع ذقنها على كتفه أثناء قيادته للسيارة. رفعت يديها وأمسكت نظارته التي يضعها على شعره. "متلبسش نظارات تاني، بتلفت نظر البنات." "عارف مش عشان النظارة." ثم نظر لها بنصف عين: "عشان جوزك حلو ويعجب." لكمته في كتفه: "والله مغرور." داعب أنفها:
"لا يا حبيبي دي ثقة مش غرور." "على فكرة أنت مستفز وأنا أمرتك بموضوع النضارة دا يبقى خلاص." "قُضي الأمر يا حضرة الضابط." ضحك عليها بصوته الرجولي جعل دقات قلبها في الارتفاع. وضعت يدها على شفتيه متمنية اقترابه مرة أخرى. وكأنه شعر بها، عندها توقف بسيارته. لامس وجهها بيديه. "هتخليني آخدك مكان بعيد عن عيون الكل، محدش يشوفك غيري. ومستحيل أخليكي تطلعي من حضني خالص."
وضعت رأسها موضع نبضه وتمنت أن يفعل ما يقوله. هي تشعر بأنها ليست على ما يرام. ربّت على رأسها. وقام بفك حجابها بعدما اتصل بزاهر الذي يحاصرهما بسيارة الأمن الخاصة. "زاهر، روح إنت وخلي تليفونك مفتوح دايمًا." اتجه لجنيته الصغيرة عندما شعر بوجود خطب بها وتهرب به إليه بقبلاتها، تيقن أنها تخفي شيئًا. قاد السيارة وهو يحاول الضبط على انفعاله الداخلي، وبدأ يتحدث لها كعادته عندما تهرب منه. جمع شعرها جانب كتفها.
"إحنا هنروح على الفيوم نشوف إيه الناقص في شقتنا وإيه اللي محتاجة تغيريه." لم تجب عليه، ظلت كما هي، تضع رأسها بأحضان. وصور جاسر تداهمها بقوة وهو غريقًا بدمائه. أغمضت عينيها. خرجت من تفكيرها عندما تحدث معها عن محاضرتها اليوم. "عملتي إيه في الباثولوجي النهاردة، كان كله تمام؟ أومأت برأسها بدون حديث. نفخ بحزن من حالتها. ولكن لا يغيب عنه تعامله معها منذ طفولتها.
"بقولك يازوزو، ماتكلميني حبيبي شوية عن الباثولوجي أشوف نفس معلوماتي، ولا إنت تفوقتي على أستاذك؟ اعتدلت وابتسمت عندما تذكرت إشادة الدكتور بذكائها.
"بص ياسيدي، الباثولوجي دا بيدرس أنواع الورم. كل مكان بورمه. يعني نوع الورم وجيناته وتاريخه، وكمان بنعرف نحدد إن كان فيه فرصة إن يرجع للمريض مرة تانية ولا لأ. بس دا طبعًا عن طريق التحاليل الخاصة به، ودا يا حبيبي مش بيظهر من التحاليل العادية لأ. دا بيتم من خلال تحليل الأنسجة. من خلال التحليل بيوضح معلومات تفصيلية عن الحالة وعن طبيعة الورم وعن طرق علاجه." رفعت نظرها له.
"مرض الأورام دا صعب أوي، ربنا يعافي كل مبتلى ويبعده عنا يارب. من ساعة ما بدأت أتعمق بدراسته وأبحث عنه، لاقيته صعب أوي. على قد إن فيه نسب شفاء، بس مهما كان مراحل علاجه أصعب بمراحل منه." ضم رأسها لحضنه، مفتخرًا بصغيرته الذكية الرحيمة. قبل رأسها وأردف: "ربنا يشفي جميع مرضى السرطانات يا حبيبي ويجعلك سبب في تخفيف آلامهم." رجعت نامت بحضنه وأردفت متذكرة: "كنت نفسك تكون دكتور مش كدا؟ أومأ برأسه وابتسم على الذكرى.
"كنت دايما وأنا صغير بقول هكون دكتور عشان أخفف وجع الناس. وهفتح مستشفى كبيرة وأعالجهم ببلاش." رفعت رأسها ونظرت له بحب. "عشان كدا خليت حازم يعملك تصميم لمستشفى كبيرة عايز تعملها بالمجان، مش كدا؟ لامس وجهها بيديه وابتسم. "وحبيبي هيكون مديرها وهو المسؤول عنها كلها." تنهدت بحزن وتحدثت بيقين. "عارفة أنا السبب في إنك متجيبش مجموع الطب. انشغلت بيا ونسيت طموحك، صح؟ نظر لها ثم نظر للطريق. "ليه بتقولي كدا يا قلبي؟
متفرقش مين فينا، المهم نكون سبب في تخفيف آلام الناس. أنا ولا إنت مش هتفرق. وعايز أكدلك مش إنت خالص. للأسف أنا اللي زهقت من مذاكرة الثانوية، تحسيها مكلكعة كدا." ضحكت عليه وعلى حركاته التي يفعلها حتى لا يحزن قلبها. "لا يا راجل، اومال مين اللي كان بيقعد يذاكرلي بالساعات؟ ثم استرسلت حديثها مفسرة: "دا إنت بتشرح أحسن من المدرسين بتوعي." جذب رأسها إلى حضنه. "حبيبي بس اللي ذكي وكان بيفهم بسرعة."
ضحك بذكرى لجاسر التي شقتها لنصفين ورجعت للذي تتهرب منه. "الصراحة جاسر الله يرحمه هو اللي جنني. هو كان آخره فعلاً شرطة، مينفعش في الطب خالص." نظرت إليه بصدمة من ذكراه لجاسر. وبدأت تتصارع أفكارها، وبدون وعي سألته سؤالًا شق قلبه. "هو جاسر مات إزاي يا جواد؟ وهل فعلاً إنت ليك يد بموته؟ وليه كتبتلي البيت، وليه تكتبلي بيتكم أصلًا؟
"دا تمن دم جاسر فعلاً يا جواد. رد عليا وريح قلبي. قولي كل اللي شوفتيه دا كذب، أنا ماليش دعوة بيه. أخوكي مات بأجله. قولي مش إنت اللي فضلت تكابر بقراراتك لحد ما وديته بإيدك للموت؟ كذب اللي شوفته وقولي لو موقفش قدامي كان زمانه عايش مكاني. ليه هو اللي يموت وإنت تفضل عايش؟ متعرفش إن كل حاجة تتعوض إلا الأخ. يعني جاسر ما يتعوضش يا جواد. للأسف، بس الحبيب ممكن." هنا وقفت عن الحديث.
بكت بنشيج، واضعة يديها على وجهها عندما علمت أنها أوجعته بحديثها. جحظت عيناه من كم الأسئلة التي حاصرته بها. شعر بانسحاب الهواء من حوله. شعر بعدم قدرته على الحركة، كأن أعضاء جسده شلت بالكامل. ولكن كل ما يشغله نظراتها التي تغيرت مليون درجة أثناء حديثها واتهامها العلني له.
غير اتجاه السيارة متجهًا لمنزله بالقاهرة بعدما قرر ذهابه للفيوم. كأنه تلقى ضربة قوية بقلبه. لا كأنه تلقى بصاعقة من أعلى القمم الجبلية. لا كأنه ذُبح بسكين بارد بكل جبروت من عاشقة الروح. *** في لندن استيقظ صهيب صباحًا، وجدها تنام على صدره بهدوء. كانت كالملاك، هيئتها الجاذبة له التي جعلته غير متحكم بنفسه. رفع شعرها الناعم من على وجهها، ثم جذبها حتى أصبحت بأحضان. فتحت عينيها عندما شعرت به.
أغمضت عينيها مرة أخرى عندما تذكرت ليلتهما الأولى. تورّدت خداها على ذكراها. رفعت نظرها إليه عندما همس باسمها. "نهى." اصطدمت بوجهه القريب ونظراته التي خدرتها، فقد كانت تبعث في جسدها قشعريرة لذيذة، وأنفاسه التي اختلطت بأنفاسها. ثم أردف بهدوء: "مبروك. بقيتي حرم صهيب الألفي قولًا وفعلًا حبيبي." مسح على شعرها بحب، مقبلًا جبينها. "بحبك أوي. كنت خايف أخسرك أوي." أمسك يديها عندما وضعتها على وجهه.
"أوعدك هخليكي ملكة قلبي يا روح قلبي." لمست وجهه بحب وأردفت: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." ثم استرسلت مفسرة: "أنا لو كنت شاكة في حبك ليا، كنت مستحيل أفضل دقيقة واحدة معاك." جذبها بأحضان وابتسم من ثقتها. "أنا مش بحبك بس، أنا بموت فيكي يا حبي." خرجت من أحضانها وتحدثت بخجل: "عايزة أقوم ومش عارفة. ممكن تخرج بره علشان أعرف أقوم؟ عايزة أصلي الضحى." قبل خديها وداعب أنفها. "تدفعي كام وأقوم؟
أغمضت عينيها من همسه المحبب لروحها. نظر لعيناها المغلقة، ثم أخفض رأسه وتذوق عسلها المصفى في قبلة شغوفة أقرب للالتهام. حاوطت عنقه، مرحبة بعالمه الخاص، وحركات يديه على جسدها، منتقلًا إلى جنته الصغيرة الخاصة بهما. *** في غرفة حازم
استيقظت مليكة باكرًا، أدت فرضها من صلاة الفجر، لمحبة صلاة الفجر للرحمن فقد قال الحبيب "صلاة الفجر تبرئ من النفاق" أي لا يشهدها منافق. اللهم اجعلنا من مقيمي صلاة الفجر. ولما قال الحبيب "ركعتا الفجر خير من الدنيا ومافيها". ثم جلست تذكر ربها فترة من الوقت بالتسبيح والتهليل، لأنها تعلم بقول الرسول "من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر".
ثم قامت بتلاوة وردها اليومي. ما أجمل من اللجوء لرب العزة في إزالة الكروبات والهموم. خرجت إلى الشرفة تستنشق بعض نسمات الخريف الباردة. فالطقس اليوم بارد جدًا. تذكرت جاسر في ذلك الوقت لأنه كان يعشق هذا الجو. تساقطت دموعها رغما عنها عندما لامت نفسها وعاتبتها بالتفكير به وذكراه، رغم إنه متوفى. إلا أن الفكرة أحزنتها، بل ذبحتها.
تنهدت بوجع، فهي اليوم بعصمة رجل آخر. وليس مجرد رجل، إنما هو عشق الروح، هو الرجولة في أسمى معانيها، هو الحصن المنيع للوجع. جلست تنظر بشرود وهي تستغفر ربها. تذكرت قصيدة "أنا العبد الفقير" وبدأت تنشدها: "أنا العبد الفقير الذي أضحى حزينًا.. على زلاته فزعًا كئيبا. أنا العبد السقيم من الخطايا.. وقد أقبلت ألتمس الطبيب. أنا العبد المفرط ضاع عمري.. فيا حزناه من حشري ونشري. من يجعل الولدان شيبا.. ويا خجلاه من قبح اكتسابي.
إذا ما بدت الصحف العيوبا.. ويا خوفاه من نار تلظى. إذا زفرت وأفزعت القلوب.. ألا فاقلع وتب واجتهد. فإنا رأينا لكل مجتهد نصيبا.. وكن للصالحين أخا وخليلًا. وكن في هذه الدنيا خليلًا.. وقل أنا العبد الفقير ظلمت نفسي. وقل أنا المقطوع فارحمني وصلني.. وقل أنا المضطر أرجو منك عفوًا. فمن يرجو رضاك فلن يخيبا."
أغمضت عينيها، تتمنى حياة مليئة بالحب والعيش بما يرضي الله. هي لم تكن خائنة أبدًا، فهي متزوجة من نعم الرجال. عليها الآن دفن الماضي تحت الركام حتى لا تغضب ربها. اتجهت للداخل وقامت بصلاة الضحى التي لا يختلف أثرها في الثواب والغفران، لتفوز بحجة وعمرة. "اللهم ارزقنا إياها يا أرحم الراحمين." بعد فترة من الوقت اتجهت لغرفتها. وجدت حازم قد انتهى. بسط يديه إليها. ألقت نفسها بأحضانها وهي تبكي بقوة لما صار لها.
ربت على ظهرها بحب. هو يعاني مثلها، ولكن ما باليد حيلة. قبل رأسها بهدوء. فهو استمع لها وهي تنشد أنشودتها المحببة بحزن. خرجت من أحضانها ووضعت وجهه بين راحتيها. "حازم، متزعلش مني. مقصدتش أزعلك حبيبي والله." ثم استطردت حديثها مفسرة: "إنت حبيبي وروح قلبي. إنت النبض والحياة. بس هو... قاطعها عندما قام بتقبيلها بقبلة عاشقة حتى يخرج نفسه قبلها مما يشعر به من وجع.
نظر لعيناها بشوقه الجارف. رغم اقتراب الأجساد، ولكن روحيهما كانت تبتعد لمسافة لبعض الوقت. "وحشتيني يا ملاكي." وضعت رأسها في حضنه. "وأنت كتير يا حبيبي." طوق خصرها بيديه ورجع لشفاها ليبث شوقه وعشقه على جسدها بالكامل، حتى تلاحمت الأجساد وكل منهما يجازف ليصل لقلب الآخر بعشقه الذي يستحقه.
بعد فترة ليست بالقليلة، التي أخرج كلاهما العشق الدفين الذي يحتويه للآخر. مليكة التي حاولت أن تثبت له أنه عاشقها الروحي الوحيد وما صار إلا ذكريات للماضي. أما حازم حاول أن يثبت لها أنه يثق بها، وحدها التي امتلكته ولا غيرها. ذهبا في سبات عميق. *** في غرفة سيف جلس في شرفته حزينًا، كأنه يعاني من اختناق شديد ولا يعلم أثره. قام وتوجه للواحد القهار ليشكي له آلامه، فكيف يذهب لغيره وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
بعد فترة من انتهاء صلاته، قام بالاتصال بها حتى تقوم بأداء فرضها. ثم اتجه لشرفته يجلس ليشاهد شروق الشمس مع استذكاره لحديثها بالأمس غير المقتنع به. وقف بالسيارة أمام النيل، ثم صوب نظراته الهادئة لها رغم نيران قلبه. "احكي، سامعك. ياريت تحترميني شوية وتقولي مالك." تنهدت بوجع. ورغم حديثه الذي تعلم أنه لا يتركها مهما كلفه الأمر، هي لا تريد أن تحزنه عليها، لا تريد أن ينظر لها بشفقة، وخاصة عندما وجدت كم حبه لها.
"مفيش يا سيف. كل ما في الموضوع إني عرفت مشكلة قديمة بين ماما وعمو حسين، وعرفت إنه مستحيل يوافقوا على جوازنا." ضيق عينيه ونظر لها بغموض. "إنتِ بتكلمي واحد أهبل يا ميرنا؟ إنتِ عارفة أنا ميهمنيش حد في الدنيا غيرك. وقولتلك قبل كدا مستعد أتجوزك حتى لو غصب عن أي حد." "بس دي الحقيقة يا سيف. أنا مش عايزة مشاكل مع حد. استدارت له وتحدثت بهدوء.
"إنت شاب ناجح وأي واحدة تتمناك. غير إنك جذاب ومن عيلة مرموقة. يعني انساني وابدأ حياة جديدة بعيد عني." قام بتشغيل سيارته. "هعدك أفكر في موضوع الجواز." ثم قاد السيارة دون حديث آخر. يكفي هذا، لقد اخترقت قلبه بلهيب حديثها. كيف له يحارب من أجلها وهي التي تدوس عليه دون رحمة. *** خرج من شروده عندما استمع لبكاء غزل في الشرفة التي تجاوره. اعتدل متحركًا متجهًا لغرفتها. قام بالطرق عليها.
فتحت له بعد فترة وجيزة. نظر لعيناها المنتفختين ووجهها الأحمر من شدة بكائها. "غزل، مالك بتعيطي ليه كدا؟ وبعدين جواد لسه مرجعش لحد دلوقتي." هنا تذكرت لقاءها به ومظهره الذي ينم عن الوجع والخذلان منها. "غير مسار السيارة متجهًا للمنزل دون حديث آخر." حاولت الحديث معه ولكنه لا يريد الاستماع لشيء آخر. نعم، أخطأت، تعلم، وليس خطأ عادي، بل ألقته بضربة قسمت قلبه قبل ظهره لنصفين. وصل إلى المنزل وأردف وهو ينظر من خارج النافذة.
"قدامك ست أيام على الفرح. إحنا لسة في الأول، يعني لو عايزة ننفصل معنديش مانع. كمان هيكون أحسن. بس عايز أعرف مين قالك دا كله؟ مين اللي خلاكي تطعنيني وتكسريني كعادتك؟ أخرجت الهاتف بهدوء عندما وجدت حالته لا تنم عن شيء سوى الوجع. أمسكه ونظر في الفيديو والصور التي أرسلت لها. حاول تعبئة رئتيه المتألمتين بالهواء ولكنه لا يشعر سوى بآلام في أنحاء جسده. ماذا صار له؟ هل هو بالفعل بالشخص الضعيف العاجز عن مواجهتها؟
وضع يديه على عجلة القيادة ومازالت نظراته تبعد عنها. "انزلي وفكري في اللي قولته. مفيش قدامك وقت. طبعًا زي ما شوفتي الكل عرف، أنا فرحنا بعد أسبوع." أردف بها وهو يضغط على قلبه بكل قسوة. أمسكت يديه تستعطفه بنظراتها وحديثها. "جواد، أنا آسفة. عارفة اتسرعت في الكلام وعارفة... قاطعها بالحديث قائلاً: "ميرضينيش دكتورة غزل حزنك ووجعك وخصوصًا بعد ما عرفتي إن حبيبك اللي ممكن تعوضيه إنه قتل أخوكي." ثم استدار ونظر لعيناها بقوة.
"أصل الأخ مستحيل يتعوض. لكن جواد الحبيب يتعوض." ظل ينظر لها تبكي بصمت. رفعت يديها تلمس خديه. أبعدها عنه بهدوء عندما أنزل يديها. "مالوش لازمة اللي بتعمليه. اتكسرت والحمد لله. بس خلاص اتعودت على كدا." ثم اقترب من شفتيها وأردف وهو ينظر لها: "كسرة الثقة أوجع بكتير من كسرة القلب. تخيلي إنت كسرتي الاتنين." جذبها من رأسها واضعًا جبهتها فوق جبهته.
"شكرًا مرة تانية حبيبتي على كسرك ليا كل مرة. شكرًا حبيبة الروح على دبحك ليا. شكرًا يا غزل، جواد الألفي على ثقتك واتهامك لجوزك. ودلوقتي انزلي لو سمحتي." *** جذبته بقوة وأردفت ببكاء. "أنا مش بتهمك، أنا اتفاجأت إنك تخبي عني حاجة زي كدا. ليه محكتليش دا كله؟ ليه خبيت عني؟ ليه خليتهم يسيبوا فرصة يتحكموا فيا؟ وضع يديه على وجهه عندما وجد دموعها. خبأ آهاته الصارخة وخيباته بها داخل قلبه المتألم.
ثم رفع ذقنها، ممسًا على وجهها بحنان رغم جرحه العميق، ولكن ماذا يفعل وهو يعشقها. هي بالنسبة له نبض الوريد. أغمض عينيه بقهر ووجع عندما شعر أنها عالمه الذي حرم جميع صنف حواء عليه إلا منها وحدها. نظرت إليه بتمعن وترقب، وعلمت أنه يصارع قلبه. اقتربت وقبلته بكل عشقها له. كفى صراعًا بينهما. كفى الضغط على مشاعرهما. كفى وكفى.
ظلت تقبله ودموعها تغرق وجهها عندما وجدته فاقد كل شيء. ورغم ذلك تركها تفعل ما تريده. وضعت جبهتها فوق خاصته. "أتأكد إنك نبض حياتي يا جواد. أموت لو بعدت عني. انسى حبيبي لو سمحت. كأني كنت بهلوس في كابوسي." "أنا مكنتش السبب في موت جاسر. معرفش هو عمل كدا ليه. صدقيني لو أعرف مستحيل كنت أسيبه يعملها. أنا أفديكم كلكم بروحي واتمنيت وقتها أكون مكانه." رفع نظره لها وأكمل استرسال حديثه بوجع روحه.
"هو ارتاح وسابني في الدنيا توجع فيا. عارف مهما أقولك مش هقدر أوصلك بوجعي من فراقه." سحب نفسًا ثقيلًا يعبأ به رئتيه المتألمتين، ثم زفره على مهل، كأنه يختنق. ثم استطرد مكملًا: "جاسر مكنش ليا مجرد واحد شغال معايا، أو مجرد صاحب. جاسر كان زي ابني والله. اتقسمت بموته." ابتسم ابتسامة باهتة خالية من الحياة واكتمل حديثه. "كان أقرب شخص ليا بعد سفر حازم. رغم فرق العمر اللي كان بينا، بس كان بيفهمني من نظرة، من كلمة." أكمل صارخًا
بوجعه: "أنا اللي مفروض أحميه مش هو أبدًا. بس معرفش عمل كدا ليه. كان نفسي يعيش وأعاقبه على أفعاله دي." عصر عينيه بقهر. "بس هو سابني ألطش في الدنيا." ألقت رأسها بأحضانه عندما شعرت أن كل ذرة بمشاعره تنتحب وحزينة، نادمة على ما تفوهت. طوقت خصره وهو مغمض العينين، لا يعلم ماذا عليه فعل. يؤلمها بالفراق، أم يؤلم روحه، أم يختار شخصيته المسيطرة عليه ويتركها للأبد؟ ولكن كيف؟ بادلها أحضانها عندما سيطر قلبه عليه.
مسحت رأسها بحضنه قائلة: "عارفة مهما أقول مش هتصدقني لأني ما وثقتش فيك واتهمتك. بس والله ما قصدي أتهمك." رفعت بصرها إليه وهتفت: "جواد، أوعى تعاقبني وتبعد عني. اعرف إنك هتموتني. لو عايز تخطفني دلوقتي ونسيب كل حاجة ونمشي، أنا موافقة." وضع إصبعه على شفتيها وأردف: "فكري يا غزل. خدي وقتك بالتفكير، قبل ما ترجعي تندمي وتحسسيني إنني السبب في إنك وحيدة. فكري عشان الأخ عمره ما يتعوض، لكن الحبيب يتعوض."
صرخت بوجهه وبدأت تلطمه بجنون. "أنا مهما أقول عارفة وحافظاك يا جواد. عمرك ما هتسامح. لكمته بصدره بقوة، مموتًا أوه من كلماتها. "أنا مش هتحايل عليك، سامعني؟ ياله امشي مش عايزة أشوف وشك. هتفضل تذلني بحبك." ثم صرخت بوجهه: "إنت بتعاقبني عشان حبيتك؟ اقترب من وجهها بعدما سيطر على جنونها، وأردف بهدوء:
"أنا مش حبيتك بس يا غزل، أنا أدمنتك. عشقتك. أنا مش هقول إنني ندمت على كل لحظة. لا، هقول أجمل لحظاتي في الدنيا وإنتي جوا حضني. بس للأسف، دايما مفيش ثقة. ودايما مبررات لجوازنا. منكرش إن الوصية هي اللي أجبرتني بجوازنا. بس فيه الأهم من دا." أشار على قلبه واستأنف بألمه الحاد. "لو عايزة تمشي، امشي. ولو عايزة ننفصل براحتك. وياله اطلع بره عند... "ودلوقتي انزلي عندي مشوار." رفعت نظرها وعيناها التي انتفخت من كثرة بكائها.
"لو هتمشي وتسيبني كدا اعتبر انتهينا يا جواد." حاول تهدئة نفسه من كلمات هذه المعتوهة كما وصفها. ولكن كيف وهو يشعر كأنها أشعلت صدره بنزين سريع الاشتعال. نزل من سيارته متجهًا لجهتها، ثم فتح الباب وجذبها بهدوء من السيارة بعدما وضع حجابها على شعرها. خرجت معه، جذبه من خصره متجهًا بها لداخل المنزل. رأته نجاة من النافذة. اتجهت إليهما سريعا عندما رأت حالة غزل. وقفت أمامه وتحدثت متسائلة: "مالها غزل يا حبيبي؟
حاول تمالك أعصابه والسيطرة على غضبه قدر المستطاع. وقرر الصعود بها لغرفتها دون حديث. "جواد." أردفت بها نجاة بقوة. زفر بحنق، هو يعلم والدته لم تتركه. نظر لها. "تعبانة شوية يا ماما. صعبان عليها تكون وحيدة في الدنيا. إنتي عارفة بقى يا نوجة، الأخ عمره ما بيتعوض، بس الزوج بيتعوض." أردف بها بوجع، ناظرًا للدرج بهدوء مخيف لحالته. وقفت غزل بين يديه وحدثت نفسها: "متلوميش غير نفسك يا غزل. إنتِ اللي وصلتي نفسك لكده." ألقت
نفسها عليه وأردفت بحزن: "أنا مش قادرة أتحرك، مش عايزة أطلع فوق." اتجاهت نجاة بعدما حزنت على حالتها. "كدا يا غزل؟ أنا يا بنتي سبتك عشان تقولي إنك وحيدة؟ ولا أخواتك صهيب وسيف ومليكة سابوكي؟ ثم رفعت نظرها لجواد التي رأت حالته ومعالم وجهه الحزينة التي جزمت منها أنها قد قاربت على الإغماء، كأنه تعرض لصاعقة زلزلت كيانه. وضعت رأسها بصدره وأردفت: "أنا تعبانة يا ماما. بعدين نتكلم لو سمحتي."
حملها دون حديث آخر، متجهًا بها للمصعد دون الدرج. حزنت عندما علمت هروبه من حصارها. رفعت يديها مطوقة عنقه. ضمها لصدره بقوة. لا يعلم لماذا يشعر بأنه متناقض في الشعور. تنهد بحزن متجهًا لغرفتها. أجلسها على الفراش بهدوء، ثم تحرك مغادرًا. "جواد." أردفت بها. وقف وهو يوليها ظهره، ثم تحدث: "نامي يا غزل وارتاحي دلوقتي. أنا مش عايز أتكلم عشان متزعليش مني." ثم تركها مغادرًا.
أطبقت جفنيها المتعبتين وتركته يغادر، تاركة دموعها تنساب عندما علمت أنه لن يسامحها بسهولة. خرجت من شرودها عندما سمعت سيف يتحدث لجواد. "خلاص يا جواد، متخافش. أنا معاها أهو وهي كويسة." رفعت يديها لتأخذ الهاتف وتتحدث معه، ولكنه أغلق سريعًا. جلس سيف بجوارها. "غلطتي يا غزل. أنا نبهتك كتير، بس كالعادة مندفع." وضعت يديها على وجهها وأردفت بوجع: "والله ما أقصد أجرحه يا سيف." *** زفر بحنق وتحدث غضبان من أفعالها المندفعة.
"جواد معدش صغير لتهوره دا، وعايز أقولك حاجة. أنا لو مكانك صدقيني مستحيل أسيبك على ذمتي دقيقة واحدة، حتى لو بموت فيكي." صرخت بوجه سيف. "إنت عايز تضغط على أعصابي يا سيف؟ بدل ما تهديني؟ نظر لها باستياء ثم قال بإذعان. "فوقي يا غزل. إنتِ مش البنت الصغيرة. إنتِ كبيرة وواعية ما فيه الكفاية. الراجل منا بيحتاج اللي تحسسه إنه أهم واحد في الدنيا، مش تتمنى موته." مسح على وجهه بغضب وتحدث.
"أنا لو مش متأكد من حبك له، والله كنت كسرت عضمك وخلّيته يطلقك. يخر بيت جبروتك يا شيخة. دا إنتِ خليتي جواد الألفي بذات نفسه زي المراهق. أنا تعبت منك، ومتفكرنيش صهيب هتصعبي عليا. لا، فوقي لنفسك قبل ما تخسري جوزك." أوقفها وأمسكها بقوة من كتفها. "حواليكي عقارب وإنتِ زي الهبلة بتسلميه تسليم أهالي. مفكرتيش اللي بعت الفيديو دا عايز حد منكم يبعد عن التاني؟
والمصيبة ممكن يكون بيفكر إنكم تخلصوا على بعض، والأقرب ينتقم من جواد فيكي." وضع وجهها بين راحتيه. "فيه ست عندها عقل بتحب جوزها الحب دا كله وممكن تكسره كدا؟ فيه ست عندها عقل عارفة ومتاكدة إنها مستهدفة من اللي حواليها تسيبهم ينهشوا فيها؟ فيه دكتورة بذكائك مبتستخدمش عقلها قبل تهورها بالكلام؟ فوقي يا دكتورة وحافظي على جوزك." أمسكت يديه بعدما علمت بجرم تهورها وأردفت بتحدي.
"وأنا أوعدك يا سيف هرجع جوزي ليا ومخليش بينا حتى الهوى." ربت على يديها بحنان أخوي. "دا اللي عايزه منك حبيبتي. متديش فرصة لحبيب قبل عدو يتحكم فيكي. أنا هنزل أجيب صهيب وحازم قدامي نص ساعة." ثم استطرد مشجعًا. "امسحي دموعك واستعدي لفرحك. متخليش حد يكسرك." ابتسمت له وأردفت مؤكدة. "بوعدك هصلح اللي كسرته. هو فين دلوقتي؟ ضحك عليها بقوة. "في الفيوم." رفع حاجبه وأردف بخبث. "لو منك أروحله الفيوم حالًا."
دفعه للخارج وهي تبتسم بود ومحبة له. "قول لزاهر يجهز. اعمل زيارة لحضرة الضابط." ربت على كتفها. "مالوش لزوم حبيبتي، هو في الطريق. أخويا العاشق ميقدرش يبعد عن حبيبته كتير." أردف بها متجهًا لسيارته. *** في شقة شهيناز تتحدث بالتليفون. "أيوه زي ما فهمتك، هو عنده جلسة محاكمة النهاردة في محكمة (*****) . عايزاه بدون شوشرة. فلوسكم هتوصلكم لما تهربوه. أنا بعت نص المبلغ والتاني بعد تنفيذ العملية."
جلست بعد إنهاء المكالمة وهي تمسك صورة غزل وجواد بعد خروجها من الجامعة اليوم. بدأت تحدث نفسها. "وبعدين معاكم إنتوا الاتنين؟ أنا قولت بعد الفيديو دا هتموتوا بعض، بس من نظراتكم دي كأني معملتش حاجة." زفرت بغضب ووضعت رأسها بين راحتيها. "لازم أعمل حاجة تفركش الجوازة دي. ممكن أعمل إيه يا شهيناز؟ صرخت عندما عجزت عن التفكير، وبدأت تتحدث بغضب. "لازم يموت يا جواد وبإيد غزل أهو. أخلص منكم بضربة واحدة. بس إزاي؟
استنى لحد عاصم ما يرجع." ابتسمت عندما تذكرته بلمساته. لقد اشتاقت له، كما خيل لها، فهو الوحيد الذي يجعلها تشعر بالسعادة وهي بين يديه. لا تعلم أنه يفعل بها ذلك لعدم امتلاكه لغزل بها. ظهر يجلس الجميع على المائدة في جو من الفرح والبهجة. تحدث حسين بمحبة. "ربنا يسعدكوا يا أولاد وأشوف أحفادي قريبًا." ضحك صهيب وأمن على حديث والده. "يارب يا سحس، أصل هيكون شكلي وحش أوي." ضغطت نهى على قدها ثم نظرت له وهمست.
"ما تحترم نفسك إنت كمان." نزل برأسه لها ورفع حاجبه. "إيه يا بنتي؟ هو إحنا ماشيين في الحرام؟ دا أنا حتى مفرحتش لسة بجوازي." لكمته بذراعها وأردفت بتوبيخ عندما شعرت بسخونة وجنتيها. "لم نفسك يا صهيب، ماشي." قاطعهم سيف الذي يراقب حركاتهما. "ما تسمعونا بتقولوا إيه يا بيه صهيب؟ قالها وهو يرفع حاجبيه بشقاوة كالاطفال. حمحمت نهى التي تورّدت وجنتيها بالخجل. "أبدًا، دا بيقولي هروح الشركة بعد الغدا، مش كدا يا صهيب؟
جحظت عيناه خاصة بعدما أردف والده. "آه ياريت يا بني. أنا عندي سفر مهم لاسكندرية وفيه اجتماع النهارده، أحضره إنت وحازم." مط شفتيه بغيظ من زوجته اللعوب. "ماشي يا بابا." سافر أنت يا حبيبي. توجه بنظراته لنهى. "إنتِ عايزة أروح الشركة النهاردة؟ أومأت برأسها دون حديث. رفع حاجبه وأردف بغيظ منها. "والله." أجابته بشماتة. "والله." وقف وأمسك يديها. "آسف، لازم أريح شوية قبل الاجتماع."
نظرت حولها بخجل من نظراتهم مع ابتسامة مليكة لأخيها، أما ضحكات سيف على أخيه، أما غزل فكانت في عالم لوحدها عندما علمت بعدم وصوله حتى الآن. بعد فترة من الوقت، رجع جواد متجهًا لغرفته وهو يتحدث مع عثمان عن هروب عاصم. جلس في الشرفة وهو يزفر بغضب مما يحدث حوله. مسح على وجهه بعنف. جاذبًا شعره للخلف، كاد أن يقتلع. دلت العاملة بقهوته. "بابا وماما فين؟ مش باينين." وقفت وتحدثت باحترام.
"البشمهندس سافر ونجاة هانم عند الست مليكة بتحضر أوضتها، والبشمهندس صهيب ومراته راحوا الشركة، والبشمهندس سيف لسه خارج من شوية مع أستاذة ميرنا." "والدكتورة نايمة بقالها شوية." أومأ برأسه. خرجت العاملة. قام بإشعال سيجاره لأول مرة منذ شهرين بعدما أقلع تمامًا عنها. جلس يفكر بحديث باسم. "فيه ناس دخلت البلد مش مريحين. المخبرات مراقبينهم بس على ما أعتقد دول جاين لهدف."
قطع شروده دخول غزل بخطى متعثرة. اندفعت تركض له وهي تشعر بكم اشتياقها له. ألقت نفسها بأحضان وبدأت تلطمه بكل قوتها وأردفت بصياح. "ممكن أعرف كنت فين بقالك يومين ومبتردش على تليفوني ليه؟ إيه يا حضرة الضابط هترجع تطلع برودك واستفزازك عليا؟ أخرجها من أحضانها بهدوء رغم اشتياقه الكامل لها. ود لو يسحقها بأحضان ود لو يعاقبها بطريقته عما تفوهت به.
اهتزت نظراته أمام ثورتها، فلم تسعفه الكلمات، كأن لسانه شل وعجز عن التعبير عندما وجد حالتها المزرية أمامه. *** مسح دموعها بهدوء وأردف بصوت غلب على نفسه أن يكون طبيعيًا. "فكرتي في كلامي يا غزل ولا لأ؟ فكرتي بعقلك كويس؟ ضربت أقدامها بالأرض لاستفزازه لها وبدأت تحدثه كالمجنونة التي فقدت عقلها بالكامل وتهذي له ببعض الكلمات المرعبة. "هطلق منك يابا رد يامستفز؟ بدأت تلطمه.
"هقتلك يا جواد. لازم أقتلك زي ما بتقتلني كل مرة بقولك أهو." أمسك يديها محاوطًا خصرها وصرخ بوجهها عندما وجد حالتها. "غزل، اهدي. اتجننتي؟ رفع ذقنها وتحدث بمغزى: "عايزة تقتليني وتاخدي طار أخوكي، ماهو أنا السبب في موته." هضمته بكل ما لديها من قوة وبكت بقهر من عدم مسامحته لها. "بعد الشر عنك يا حبيب غزل. يارب أموت يا جواد عشان أريح الكل مني." ضغط على ضمتها. قاطعهم اتصال زاهر به.
"جواد، فيه عربية مصفحة قدام الفيلا. شكلهم مش مصريين." تركها سريعا ونزل لأسفل. استمع لصوت طلقات نارية بالخارج. قابله والدته ومليكة الذين شعروا بالذعر. وقف أمامهم، حاول تهدئتهم. اتجه حازم إليه وأردف متسائلاً. "مين دول يا جواد؟ يعني إحنا لسه ناقلين جديد، مين يعرف المكان دا؟ "حازم، أنا لازم أخرج وإنت أمنهم كويس. شوف سلاحك، ممنوع حد يخرج منهم. وكلم صهيب هو على الطريق وشوف سيف فين. ركزلي على سيف يا حازم، فهمتني؟
أومأ برأسه حازم. "تمام، متخافش هتصرف. هتصل بالأمن وأعرفهم." أمسكته غزل من يديه. "مش هسيبك تخرج لو فيها موتي، سمعتني يا جواد." ربت على ظهرها. "غزل، لازم أخرج. مش عايز دلع." دفعها على حازم. "اتصرف يا حازم. متخليهاش تخرج مهما يحصل." ثم اتجه سريعًا للخارج. أسرعت خلفه. وقف فجأة، وطلقات الرصاص تحاوطهما. أسرع إليها مقبلاً رأسها. "حبيبتي، اهدي عشان نعرف نخرج من هنا. خليكي واثقة فيا." رفعت يديها لوجهه. "هتاخد بالك من نفسك."
أومأ برأسه وخرج سريعًا. قام الاتصال بأمن الفيلا ومتابعته لزاهر عبر اللاسلكي. عرف أنهم ينتمون للمافيا. حاول أن يسيطر على الوضع الأمني. ولكن تدربهم على أعلى مستوى. يعرفون أماكن اصطيادهم بدقة. سقط الكثير من أمن الفيلتين. حاول جاهداً عدم دخولهم للفيلا. كانت تتحرك ذهابًا وإيابًا. لم تستطع السيطرة على أعصابها. وما هي إلا لحظات اختفاء حازم. اتجهت سريعًا للخارج وهي تبكي، تبحث عنه بكل مكان. ارتاح قلبها عندما وجدته أخيرًا. ***
اتجهت له. نظر جواد للشخص الذي يوجه سلاحه على أحد ما خلفه. استدار ينظر هوى قلبه عندما وجدها تسرع اتجاهه ببكاء. رفع سلاحه ليطلق رصاصته، ولكن سلاحه فارغ. لم يتأن له الوقت. وقف أمامها عندما اقتربت منه ولا يفصلها سوى سنتيمترات. *** وقفت سريعًا بعد سقوطها من دفعته لها. اتجهت إليه تبكي. جلست بجواره ورفعت رأسه على ساقيها. "جواد حبيبي، افتح عيونك."
حاول جاهداً أن يظل ثابتًا حتى يحميها. ينظر في الاتجاهات ليرى أحدًا يقترب، ولكنه سمع أصواتًا كثيرة. عرف حينها أن الشرطة وصلت. رفع يديه على وجهها وأزال دموعها. "أنا كويس، متخافيش." نزلت بجسدها. وضعت جبينها على جبينه ودموعها تتساقط بغزارة عندما وجدته يقاوم ليفتح عيونه. "حبيبي، اوعى تسبني. مش هسامحك. هتسيب غزالتك يا جواد؟ مش مسموحلك تبعد عني ولا دقيقة." فتح عينيه بصعوبة وحاول أن يتحدث. نزلت بوجهها إليه أكثر حتى تلامست
الشفاه وأردفت باكية: "أنا بحبك أوي يا جواد. بحبك لدرجة الجنون والعشق. خلي عشقي ليك يرجعك ليا ويديك طاقة حبيبي." جواد، والله كان كلام هموت لو حصلك حاجة. صرخت بأعلى صوتها. "والله هموت لو حصلك حاجة." حاول رفع يديه ولكنه شعر بتخدير جسده وفقد الحركة تمامًا. بدأ يتمتم بعض الكلمات. "غزل... بكت بقوة عندما فتحت قميصه ورأت موضع الرصاصة التي توجد بمكان حساس. وضعت يديها على جرحه وضغطت عليها. نظر إليها وحاول الكلام.
وضعت أذنها بجانب شفتيه. "بحبك يا بنتي الحلوة." ثم أغمض عينيه. جحظت عيناها عندما غاب عن الوعي. رفعت يديها لترى نبضه. نظرت إليه وجدته وكأنه فارق الحياة. هزت رأسها ورفعت رأسه إلى أحضانها وظلت تردد "لا... لا". ثم أطلقت صرخات باسمه وهي تكاد تفقد أحبالها الصوتية. وصل جميع الموجودين بالداخل والخارج. أسرع صهيب اتجاه الصوت. وجد أخيه غرقان بدمائه. وغزل تضمه إلى صدرها. وقف وكان قدماه شلت ولا يستطيع الحركة. اتجه حازم إليه.
حاول أن يسحب غزل من أحضان جواد ولكنه لم يستطع. جلس أمامها يجذب جواد من أحضانها. ضمته بكل قوتها وهي تتحدث بصوت باكي. "مستحيل تسبني يا جواد." صرخت وبدأت تتمتم: "مش مسمحولك." نظرت لحازم وصرخت: "محدش هياخده مني. ابعدوا عني." أردفت بها وهي تدفع حازم ومليكة بقوة. أما نجاة التي جلست بجواره ولا تشعر شيئًا غير فلذة كبدها فاقد الحياة أمامها. نظرت لغزل تحاول أن تكذب عينيها التي رأت أنه حقيقة مفجعة. وضعت رأسها فوق رأسه وهي تبكي.
"قوم يا حبيبي وحياة غزالتك يا جواد. شوف عايزين ياخدوك مني زي ما خدوا جاسر. بس مستحيل أسيبهم ياخدوك." ضمته أكثر وأكثر وبدأت وكأنها جُنت بالفعل. "قوم يا قلبي، هموت يا جواد والله هموت." "جوااااد." صاحت بها بقهر رافعة رأسها للسماء. *** "يارب رحمتك بيا يارب." وقف حازم عندما وجد حالتها قاربت على الانهيار العصبي. قام بصفع صهيب عندما وجده واقفًا ولم يبدِ أي حركة.
ظلت تصرخ باسمه حتى هو ت فاقدة الوعي. بينما جواد وصلت سيارة الإسعاف لنقله للمشفى. انتشر الخبر سريعًا. ووالده الذي لم يكن موجودًا. وصل الجميع إلى المستشفى، خلف سيارة الإسعاف. تجلس أمام غرفة العمليات كأن روحها فارقت الحياة. ترتعش شفتيها وهي تردد اسمه وتتذكر حديثه دائمًا لأنه مستعد للتضحية بعمره من أجلها. تتذكر حديثه بأنها ستصبح أرملة. جالسة تنظر في نقطة ما بشرود، لا تشعر بما حولها، كأنها الوحيدة بالمكان.
استمعت لبكاء مليكة بجوارها وهي تدعو له بالسلامة. أغمضت عينيها. وضعت يديها على وجهها وهي تبكي بنشيج مرة أخرى عندما استمعت لاسمه. اتجهت نهى وضمتها بأحضانها، وهي تنظر لصهيب الذي لا يقل حالة عن غزل. تخاف عليه من الصدمة. تدعو ربها ألا يضرهم فيه. أما والده الذي نقل إلى الغرفة التي تجاورهم عندما ساءت حالته بعدما عرف بحالة ولده.
نظرت لمليكة التي يضمها حازم ويكاد يختنق حزنًا من نظراته الشاردة. أما سيف الذي يجلس بجوار باسم ويضع رأسه بين راحتيه، ضاغطًا عليها بقوة. اتجاهت ميرنا وجلست بجواره، ممسدة على ظهره بحنان. أغمض عينيه ونظر إليها لعل يجد عندها طوق نجاته في محنته. نظرت لغزل التي وضعت رأسها على الحائط ودموعها تتساقط بصمت.
حاولت نهى الحديث إليها ولكنها لم تشعر شيئًا غير صوره، همساته، ضحكاته، لمساته. رجعت للخلف واسندت على الحائط ودموعها تتساقط بصمت. اتجاه حازم إليها عندما رآها بتلك الحالة. جلس على عقبيه أمامها. "زوزو حبيبتي، بطلي عياط. هيقوم بالسلامة." لم تنظر له وكأنه لم يكن. ابتسمت عندما تخيلته سيف، فسيف يشبه كثيرًا. حاولت التحدث ولكن عجز اللسان عن الحديث.
وقف حازم وحاول إيقافها ولكنها ظلت كما هي. فجأة صرخت باسمه عندما توجه سيف وجلس على عقبيه يمسح دموعها وأردف بهدوء. "غزل، بلاش تعيطي، سمعاني. جواد هيقوم، أنا متأكد من كدا. جوزك مش ضعيف ولا إنتِ إيمانك ضعيف." ظلت تبكي بصوت مرتفع. أمسك كتفيها وأردف بصياح: "مش عايز أسمع حد يعيط. جواد لسه عايش. مسمعش صوت حد فيكم." قالها وهو يوزع نظراته بينها وبين مليكة ووالدته.
اتجاه حازم مرة أخرى بجوارها وضمه لأحضانها عندما وجد جسدها يرتعش من كلمات سيف. "غزل حبيبتي، جواد كويس." استدارت برأسها عندما استمعت لاسمه. "فين جواد يا حازم؟ هو فين؟ "هو جوا بين الحياة و... وضعت رأسها في حضنه. "أنا السبب يا حازم. هو نجاني بنفسه. أنا السبب. قولت لكم قبل كدا أنا نحس على الكل." لف ذراعيه على جسدها وأردف: "إش إش. اهدي حبيبتي، هيكون كويس صدقيني هو مش هيسيبك."
أخيرًا وقفت واتجهت لغرفة العناية. اتجهت وارتدت الملابس الخاصة بالعناية. "نظرت للممرضة الخاصة بالعناية. "أنا مراته ودكتورة امتياز. عايزة أدخل أشوفه. متخافيش مش هتأخر." "ممنوع يا فندم، معنديش تعليمات." دفعتها بقوة. "أنا مش مستنية آخد إذن حد عشان أدخل لجوزي." دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء. أتت الممرضة لإخراجها. منعها صهيب. "سيبها لو سمحتي. خليها تشوفه شوية."
اتجاهت له وهي تذرف دموعها. اقتربت منه وجلست على ركبتيها أمام فراشه. كان يوصل جسده بالابر ويوضع على وجهه جهاز التنفس الصناعي. لا يشعر بما حوله. رفعت يديه التي تغرز بها بعض المحاليل وقبلتها ونزلت دموعها. "حبيبي وحشتني أوي. ينفع كدا تفضل نايم ومبتردش عليا؟ من إمتى يا جود غزالتك بتحتاجك ومتكونش موجود؟ ملست على شعره بحب واقتربت مقبلة جبينه وهمست له. "غزالتك هتموت من غيرك. وحياتي يا جود تفتح عيونك وتضمني بيها."
لمست خديه بإصبعها. "بحبك يا عمري أنا. آسفة حبيبي." قبلت خديه. "عارفة إنك زعلان مني أوي. بس أنا هموت من غيرك حبيبي." وجدت موضع الرصاصة. "لمستها بهدوء ثم قبلتها. "ياريتني كنت أنا يا حبيبي. وحشتني يا جود." ظلت بجواره لبعض الوقت وهي ممسكة بيديه وتضعها على خديها. خرجت بعد وقت متجهًا للخارج. بحثت بعينيها على صهيب لم تجده. اتجهت لمليكة تسألها عنه. "فين صهيب يا مليكة؟ نظرت لها بوجع وأجابتها.
"راح يشوف بابا. بابا تعبان أوي، دخل في غيبوبة سكر." أغمضت عينيها وأردفت داعية له. "إن شاء الله هيقوم بالسلامة عمو قوي وهيفوق." تنهدت مليكة بحزن وهي تشعر بوجع شديد وأردفت داعية. "يارب رحمتك بينا." اتجاه وجلست بجوار ليلى وسيف. ضمتها ليلى لأحضانها. "جوزك عامل إيه حبيبتي؟ رفعت كتفها ولا تعلم بما تجيب. بعد فترة من الوقت وجدت حركة غير طبيعية بالطرقات وصوت إنذار لجهاز العناية التي يوجد بها جواد.
أسرع الجميع إلى الغرفة ينظرون من خلف الزجاج. تقف تضع يديها على الزجاج وتنظر للجهاز الذي وقف النبض عنه. هنا وقف التنفس. هنا وقفت حركة دوران الكون حولها. هنا فقط فقدت الحياة. وضعت رأسها على الزجاج وأغمضت عينيها وتذكرته. *** "اعرفي إن الحياة لجواد هي غزل. إنتِ غزل الجواد. طول ما فيكي حياة أنا هكون على قيد الحياة." ثم رفعها بين ذراعيها وأركبها جواده ببيت المزرعة. "تعرفي الحصان دا اسمه؟ رفعت حاجبيها وهزت رأسها بـ "لا".
"هسميه 'عشق' عشان دا هديتي في أجمل يوم بحياتي." قطبت جبينها. "مش فاهمة حاجة." صعد خلفها على جواده، وتحرك سريعًا واضعًا رأسه على كتفها. "الحصان دا 'باسم'. هداهولي يوم ما اعترفتيلي بحبك." مسح على شعرها وأردف: "بحبك أوي يا غزالتي."
خرجت من ذكرياتها عندما سمعت صرخات حولها. نظرت وجدت مليكة تصرخ بأحضان حازم، وصهيب الذي يحضن والدته التي تشعر بأنها فاقدة للحياة. نظرت لسيف الذي يصوب لها نظرات بهدوء. اتجهت سريعًا تنظر للغرفة وجدت الطبيب يسحب الجهاز من جسده. أسرعت للداخل كالمجنونة. "إيه الهبل دا؟ إنتوا بتعملوا إيه؟ دفعت الممرضة التي تسحب جهاز التنفس. "وسعي كدا، مبناخدش منكم غير إنكم تريحوا دماغكم." قامت بوضع الأجهزة بجسده.
"ياله حبيبي. عارفة إنت عايز تعرف بحبك قد إيه بس صدقني، بحبك أد الكون وما فيه. جواد سامعني؟ شوف مراتك هتعمل عليك دكتورة أهو. ووعد مني مفيش دكتور هيدخلك تاني." دخل باسم وسيف الذي يتحرك كإنسان آلي وتحدث بهدوء. "غزل، مينفعش كده. إنتِ مؤمنة بقضاء ربنا." "جواد خلاص." رفعت يديها وهي تحاول إنعاش قلبه. "آخرس يا سيف." أشارت لقلبها. "دا بينبض." ثم توجهت بنظرها لجواد. "يبقى دا عايش."
دموعها تتساقط بقوة، لا تعلم شيئًا سوى شعورها بأنه مازال قلبه ينبض. اتجه الطبيب المسؤول إليها. "لو سمحتي يا دكتورة، المريض فارق الحياة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!