تحميل رواية «تمرد عاشق الجزء الثاني» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في قانون العشق يقولون... لا يوجد تعريف للحب لكنك ستشعر به حين تراه. في إحدى محافظات مصر، محافظة الفيوم، حيث الطبيعة الخلابة من صوت السواقي والشلال، وتغريد العصافير، ورائحة الزهور، وخاصة بمنزل يشبه السرايا وهو منزل الحاج محسن الألفي، وبجواره منزل منصور الحسيني. تجلس العائلتين في جو من الحب. هاتين العائلتين لم تربطهما قرابة الدم، ولكن تربطهما قرابة الصداقة. فما أجمل الصداقة التي تبنى على الصدق والحب والخير. صداقة دامت لأكثر من ثلاثون عامًا لم يشوبها كره أو ضغينة من كلتا العائلتين، ألا وهما عائلة ح...
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سيلا وليد
لا تتركني بهذا العالم المخيف..
أو اسحبني إليك.. فلا حياة لي دونك.
سكن لثوانٍ يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة من فرط خوفه عليها. شعر بألم ينخر عظامه إذا أصابها مكروه. قاد سيارته بسرعة جنونية والألم يكاد يخنقه. أمسك هاتفه وظل يعاود يهاتفها مرة بعد مرة ولكن هاتفها كما هو. ما زالت هذه الرسالة توصل لأذنيه يكاد يصاب بالصمم.
وصل في خلال دقائق معدودة. هرول سريعًا حتى أنه لم يغلق باب سيارته. اتجه للمكان المخصص لأمنها، ولكن رأى هناك شيئًا يفزعه. صمت رهيب بالمكان ولا يوجد أثر لأي شيء. وقف وكأن الأرض تميد به وكأنه سيغشى عليه من هول ما به.
دخل إلى الحرم الجامعي فورًا وطالب بكشف الكاميرات. ورغم أن الوقت سريعا في بحثه، شعر أنه كالسيف ينحر عنقه بألمه الشديد من برودته.
وقف أمام الكاميرات وكانت وتيرة أنفاسه تتسابق في التسارع حتى شعر أنها ستتوقف نهائيًا. جحظت عيناه واغشت مقلتيه العبرات وهو يراها أمامه وتتحدث بهاتفها. فجأة هوت فاقدة الوعي عندما اقتربت إحداهن وهي تمسك شيئًا ما بيديها على وجهها.
أسرع رجلين لحظات ولم يراها أمامه عندما حملها أحدهم ووضعها بالسيارة التي تركن بجانب الطريق. أسرع يجاهد وقته ليرى أرقام السيارة ولكن لم يوجد بها أرقام.
ابتلع ريقه الجاف عندما قام هاتفه بالرنين.
"أيوه يا باسم."
صمت هنيه وهو يستمع لباسم.
"عثمان لقيتهم في عربية وشكل حد حطلهم منوم يا جواد."
مسح على وجهه بعنف. لثوانٍ كان صمته مميتًا ثم بلع غصة وخزت جوفه بأشواك حادة وتحدث رغم ضعف كيانه.
"غزل اتخطفت يا باسم من نص ساعة. اعمل اتصالاتك وأقفل مخارج القاهرة كلها."
نظر إلى الكاميرا وأمتلكه اليأس حينها تسلل الرعب لقلبه من فكرة فقدانها.
"لازم ألاقيها يا باسم اتصرف أنا عاجز ومش قادر أفكر."
حاول باسم تهدئته ولكن كيف يهدئ وقلبه يمزق إلى أشلاء.
اتجه مغادرًا الجامعة وركب سيارته منطلقًا إلى قسمه وقام باتصالات عدة. ولكن الوضع كما هو عليه.
دخل صهيب وحازم اللذان وصلا للتو بعد معرفتهما الأخبار. وجدوه جالسًا يضع رأسه بين راحتيه كالذي فقد أغلى ما يملك.
"جواد."
أردف بها صهيب بهدوء. رفع نظره لأخيه ولم يتحدث. كانه جسد فقط لا يوجد به حياة. اقترب حازم وجلس بجواره ربت على ظهره بهدوئه.
"هنلاقيها إن شاء الله. عدينا بأكتر من كده والحمد لله عدت."
أطرق رأسه للأسفل وهو يقاوم رغبة قوية في البكاء.
لماذا تضعه الحياة دائمًا باختبارات صعبة؟
كيف سيعثر عليها؟
صرخة داخلية بآهة عالية خرجت من جوفه فجأة يتبعها أنين بمقلتيه وهو يناظرهم. أخيرًا خرج عن صمته. أخيرًا وقف وبدأ عقله الذي شُل لساعات يعود ويشغله.
"أكيد حد قريب هو اللي خطفها. ماهو مش معقول بره البلد. لا دول شكلهم عاديين. لو المافيا كانوا قتلها عشان يكسروني."
هنا وقف اللسان عن التفوه عندما أنذره العقل بما سيحدث فيما بعد.
خطى بخطوات هزيلة للخارج. أمسكه صهيب متسائلًا.
"إنت رايح فين وناوي تعمل إيه؟"
"معرفش."
كلمة بسيطة مختنقة بحلقه أخرجها من فمه.
"معرفش."
كررها للمرة الثانية ثم ناظره بمقلتين تائهتين.
"أخويا عاجز ومش عارف يعمل إيه. مراته فين ميعرفش. معرفش."
"يا صهيب هعمل إيه. غير إني عاجز."
جذبه صهيب لأحضانه.
"اهدى يا جواد عشان نعرف نفكر. أكيد اللي خطفها له حاجة. يعني شوية وهنعرف."
قاطعه عندما نظر له بزعر مما يحدث لها. ازداد ارتجاف شفتيه ولم يقو على البوح مما يعتريه داخله.
دخل باسم سريعًا وهو يبتسم.
"عرفنا مكانها يا جواد."
***
رعشة قوية ضربت جسده عندما رفع نظره لباسم.
"فين؟"
كلمة تساءل بها.
"عثمان تتبع السلسال بتاعها زي ما قولتله. هو في الأول مكنش له أي إشارة كالعادة. بس فجأة شوفنا إشارة في مكان بضواحي الجيزة."
اتجه سريعًا للخارج وهو يردف.
"جهز القوة وألحقني مفيش وقت."
وقف أمامه ونظر له.
"جواد اهدى لازم نعمل دراسة. منعرفش البيت ده تبع مين. إحنا عرفنا المكان ومش متأكدين. وعثمان راح يشوف إيه الموضوع."
صرخ بوجهه وتحدث.
"ولا دقيقة يا باسم سمعتني. أنا معرفش ممكن يعملوا إيه."
قاطعهم رنين هاتفه برقم غير مسجل.
"أهلاً يا بن الألفي. إيه أخبارك يا باشا مصر؟"
نصب عوده ووقف يستمع وينصت باهتمام عندما علم بهوية المتصل.
"شاهيناز!!"
أردف بها جواد بهدوء مميت.
رفع نظره لحازم وصهيب وتحدث.
"إيه اللي فكرك بيا يا بت؟"
ضحكت بشماتة على كلامه واستنبطت بخوفه الذي يتوارى به خلف صياحه.
"غزل جواد الألفي. أوبا مرات حضرة الضابط اللي الكل بيعمله ميت حساب."
قهقهت عليه وأردفت بصوتا كفحيح أفعى.
"أنا شمتانة فيك يا جواد. اه والله. عايز تعرف ليه يا عمري؟ هريحك. أصلك غالي عليا أوي."
قالتها بتهكم.
"عشان هخلص منك القديم والجديد. حقي في جاسر."
أردفت بها بحزن.
"حقي في ضربك ليا وإهانتي. حقي في موت أخويا في السجن على إيد مجرمين. حق عاصم اللي بين الحياة والموت. حق فلوسي من ماجد اللي استحملت قرف راجل عجوز سنين لمجرد إني اتجوزت حبيب عمري."
اسودت عيناه وتحولت ملامح وجهه كمجرم بات يتربص لعدوه للفـتك به.
ناهيك عن نظراته الوحشية التي أجزم من يراها أنها لو أمامه لقتلتها بنظراته.
"وماله يا شاهي خدي حقك تالت ومتلت. وأنا هاخد حقي. وحياة كل كلمة وجعتي قلبي بيها لأحرق قلبك. وأوعدك يا مدام شاهي هنتقابل قريب وقريب أوي. وغزل هتبات في حضني."
مسح على شعره بغضب وكاد أن يقلعه. وبقوة ركل المنضدة ليتهشم كل ما عليها.
وصرخ كزئير أسد.
"أقسم بالله ماهر حمها."
ظل يلكم الحائط حتى نزفت يديه.
حاول حازم وصهيب تهدئته ولكنه كان كالمجنون يطيح بكل شيء يقلبه.
ضرب على صدره وصرخ بهم.
"مفيش حد حاسس بال نار اللي هنا. دي للمرة الكام وهم بيدبحوني بدون رحمة. ذنبها إيه؟"
أردف بها وهو يشعر كأن روحه تنسحب منه.
جلس وظل يستغفر ربه.
جلس صهيب بجواره ممسدًا على ظهره.
"إن شاء الله هترجع يا حبيبي بس اهدى."
رفع عينيه وتحدث بصوتا مبحوحا من اختناقه بالبكاء.
"ليه كدا يا صهيب؟ ليه دايما بتتأذى من أقل حاجة؟ ليه الدنيا بتسرق السعادة؟"
انسدلت دمعة شريدة من مقلتيه.
"عرفوا يدبحوني بسكينة باردة أوي يا خويا. أنا بموت."
جذبه لأحضانه وأبكى على هيئة أخيه وعلى حالة غزل التي عليها الآن.
***
عند شهيناز.
صرخت عندما أغلقت الهاتف. ظنت أنه سيركع لها لإنقاذها. حينها ستأخذ حقها.
اتجهت إلى رجلها الضخم الذي يقف بجوارها.
"البنت صحيت ولا لسه؟"
أجابها الرجل.
"هتصحي دلوقتي يا هانم."
اتجهت به وصوبت نظرات تحذيرية.
"إياك البنت دي يحصلها حاجة وخلي بالك وحاصر البيت كويس مش عايزة ناموسة تعدي. البنت دي كنز ولازم أحافظ عليه."
بداخل غرفة مظلمة. استيقظت وهي تشعر بصداع يفتك بها. نظرت حولها بخوف وتذكرت ما صار لها.
"جواد."
قالتها بخوف. جلست ودموعها تساقطت عندما وجدت نفسها بهذا المكان المظلم البارد. احتضنت جسدها بيديها وظلت تناجي ربها أن يخرجها من الظلمات التي وضعت بها. انسدلت دموعها بقوة من مقلتيها وهي تتخيل جنون جواد عندما يعلم. أخرجت سلسالها وقبلته.
"حبيبي أنا كويسة ومستنية تيجي تاخدني من هنا."
فجأة ضيقت عينيها وتسائلت.
"ياترى مين اللي خطفني؟ طيب عاصم في غيبوبة."
استمعت لصوت أذان الحي القيوم.
ظلت تدعي ربها وهي على يقين أن زوجها سينقذها.
ترتجف شفتيها بصمت تضرعت للحي القيوم ألا يصيب زوجها شيئًا.
استندت جالسة على الفراش وهي تضع رأسها على الحائط البارد بجوارها وتتذكر قبل يوم.
استيقظت باكراً وجدته يضمها لحضنه كعادته وهو يتململ بنومه. وعلى وجهه تظهر قطرات من العرق. مسحت وجهه بهدوء وتحدثت لإيقاظه.
"جود حبيبي اصحى شكلك بتشوف كابوس."
ظلت تمسد مرة على وجهه وأخرى على شعره. رغم نومه الخفيف إلا إنه ما زال بأحلامه. انخفضت وقبلته وتحدثت مرة أخرى تهمس بجوار أذنيه.
"حبيبي اصحى."
فتح عينيه فجأة واعتدل سريعًا يضمها بقوة بحالة مرعبة وهو يتمتم.
"الحمد لله حبيبتي إنك بخير. أحمدك وأشكر فضلك يا رب."
عصرها بأحضانه حتى شعرت بتفتيت عظامها. أخرجها من أحضانه وهو يقبلها بعنف لأول مرة ثم تحولت قبلاته إلى حنونة وذهب بها لعالمه الخاص ليؤكد لحاله إنها بين يديه. ظلا فترة ليست بالقليل. ورغم شعورها بالتعب من جنونه إلا إنها راعت حالته التي كان عليها. بعد فترة ضمها لأحضانه وفجأة انسدلت دموعه بقوة واضعًا رأسه في عنقها حتى شعرت بها غزل. تركته يفعل ما يريده.
بعد فترة استدارت له واضعة رأسه بأحضانها وتحدثت بهدوء رغم ألمها.
"حبيبي ده كان كابوس. أنا كويسة وبين إيدك."
ثم رفعت وجهه وهمست أمام شفتيه بإغراء أنثى.
"وكنت بتعلمني فنون العشق المجنون. بس مكملتهاش ينفع كدا. تعرفني نصها بس."
مسح على وجهها بحنان مقبلًا جبينها.
"ربنا يديمك في حياتي."
هو يعلم أنها تحاول أن تنسيه كابوسه.
ضم وجهها بين راحتيه مقبلًا شفتيها بعمق وتحدث.
"غزل لو حصلك حاجة أنا هموت صدقيني. العالم كله في حتة وانتي لوحدك في حتة تانية خالص. شوفتي الشريان اللي بيضخ الدم من القلب للجسم. هو إنتِ كده في حياتي. إنتِ كل حياتي. عايزك تاخدي بالك من نفسك كويس أوي. إنتِ مش مجرد مراتي بس لأ."
ثم استرسل مفسرًا لها.
"إنتِ بنتي. عارفة يعني إيه البنت بتكون لأبوها. هي اللي بتسند أبوها وقت تعبه. هي العطف والحنان."
ثم نظر بوجهها بالكامل وقبلها وأكمل مسترسلًا.
"إنتِ مراتي حبيبتي. عارفة يعني إيه الزوجة لزوجها. يعني نصه التاني. يعني حبه وحياته. يعني أسراره وقوته وقت ضعفه."
لمس وجهها بحنان.
"إنتِ أختي اللي وقت وجعي بتحس بيا. بتراعيني بحنانها."
ثم تنهد ونظر بحنان لها وأكمل مستطردا.
"إنتِ أمي اللي بتدعيلي في صلواتها وبتستناني لما أرجع عشان قلبها يرتاح."
ضمها لحضنه بقوة.
"إنت حبيبتي وقلبي وحياتي وكل ما أملك. يا رب ما يوجع قلبي عليكي حبيبتي."
ثم ابتسم لها بهدوء وناظرها بعينيه العاشقة.
"عايزة تتعلمي فنون العشق. كده أنا معلم فاشل اللي يخليني شهرين ولسة تلميذتي النجيبة فاشلة."
نظر لمقلتيها.
"آسف. عارف أذيتك."
وضعت رأسها في حنايا عنقه تقبله.
"انت حبيب عمري وصبايا وشبابي. إنت النفس اللي بتنفسه وأنا بستنشقه بهدوء. أنت العاشق الولهان وأنا العاشقة المجنونة بحبك. أنت العاشق المتمرد ليا، وأنا غمرة عشقك."
لامس عنقها بظهر يديه وهو يناظرها بهدوء عاشق مستمتع بعشقه ثم أردف وما زالت نظراته تعانقها.
***
في قانون العشق حبيبتي يقولون...
خير لنا أن ندفن قلوبنا ونحن أحياء
أفضل من أن نعطيه لمن لا يستحقه.
تنهد بوجع مردفًا.
"كنا ممكن نعيش إزاي لو القدر فضل معاندنا. وفضلت أتمرد على قلبي واتجوزت زي ما كنت مخطط."
جذبته بقوة من عنقه وهي تجلس أمامه.
"ماكنتش هسمح بدا أبدًا."
ارتعشت شفتيها وغمامة من العبرات بدأت تعلن عن تمردها في مقلتيها.
"متفكرنيش يا جواد بوجع قلبي. لاني كنت بموت."
حاوط جسدها واضعًا رأسه في حنايا عنقها.
"آسف."
قالها بحزن داخلي جعل جسده ينتفض من الألم كلما تذكر تلك الأيام وقلبه المتمرد.
انسدلت عبراتها رغما عنها.
"أكتر حاجة بتوجع أوي يا جواد لما تحب شخص وتشوفه ملك لغيرك. نظراته، همساته، لمساته لغيرك. ده فعلا موت بطيء جدًا للقلب."
خرجت شهقة خافتة منها فجأة. واضعة يديها على فمها حتى تمنعها.
خرج سريعًا من أحضانها واختطفها في أحضانه مطوقًا خصرها بقوة. والألم ينخر جسده بالكامل لدموعها التي نزلت على قلبه لتكويه بدون رحمة.
أخرجها وهي تتماسك بقوة به لتخيلها أنه ملكًا لغيرها. ضم وجهها مقربًا إلى شفتيه ناظرًا لأنحاء وجهها بالكامل. وتمركز لداخل مقلتيها الخاطفة لقلبه.
"كل حاجة كنت بعملها عشان أحميكي. إنت متعرفيش أهميتك عندي إزاي. كنت خايف زي ما قولتلك."
لامس دموعها بشفتيه ملتقطها.
"صدقيني يا نبضي لو كنت بس أشُك إنك ممكن تحبيني ربع الحب ده. والله لو ههد الدنيا كلها. بس خفت أوهمك وتوهميني ونطلع خسرانين. إنسي يا غزل عشان خاطري. كأن الفترة دي اتمسحت."
***
ضمه لأحضانه واعتصرها داخله.
"والله ما لمست أي ست تانية غيرك إنتِ. ولا عمري حسيت بأي مشاعر تانية غير لقلبك إنتِ."
لامس شفتيها.
"من وقت ما اعترفتيلي بحبك وأنا حرمت عليا ستات العالم كلهم. حتى بعد ما اطلقنا واهنتيني بجبروتك. حاولت أكرهك."
لامس شعرها وأرجع خصلاتها المتمرده خلف أذنها.
"وشمتي قلبي وحياتي كلها."
أكمل مسترسلًا.
"قلبي أعلن عصيانه عليا ورفض حتى ينبض للحياة وإنتِ بعيدة عني. كنت عايش ميت."
اقتربت منه وظلت تقبله بشقاوتها وخرجت عن حالتها التي كانت عليها منذ قليل واضعة يديها على قلبه.
"علشان إنت ملكي يا جواد الألفي. كل حاجة فيك ملك غزل الحسيني. وده مش كلامي على فكرة."
وضعت جبينها فوق جبينه.
"فاكر كلامك إن غزل إنت أحق بيها."
لم ينتظر أكثر من ذلك. ظلت نظراته تضمها.
وفجأة جذبها مغردًا بها في عالمه الخاص ليكمل لها سيمفونية عشقه الأبدي الذي خطه بنبضاته.
خرجت من ذكرياتها مبتسمة ولكن فجأة انتفضت عندما فتح الباب عليها ودخلت شاهيناز تتدلى بخيلاء أمامها.
طالعتها غزل واردفت بهدوء.
"شاهيناز."
جلست واضعة ساقًا فوق الأخرى ونظرت بتهكم ثم ابتسمت بخبث وعيناها تلتمع بحقد داخلها اتجاه غزل التي لم تقترف ذنبًا لها ورغم ذلك وقعت تحت يد هذه الشمطاء التي لا تعرف رحمة. ظلت غزل بمكانها وكأنها لم تكن.
أمسكت شهيناز هاتفها وناظراتها.
"غزل. غزل."
ظلت تردد اسمها بسخرية.
نصبت عودها ووقفت أمامها.
"أكتر واحدة كرهتها في حياتي الأمورة غزل. الكل عايز يرضي الكونتيسة غزل. الكل اهتمامه لغزل. كان نفسي يضمني زي ما بيضمك. يطمن عليا لما يرجع. لا أول ما يدخل البيت يجري على أوضة الهانم. كله كوم وجواد الألفي كوم تاني. أنا أعرف واحدة حاولت معه أكتر من سبع سنين ترسم عليه. بس هو واحد متعجرف مغرور."
ابتسمت بسخرية.
"طلع عاشق طفلته اللي مربيها. وأنا اللي كنت بقول مستحيل يبص لعيلة. بس تعرفي طلعت غبية برضو. كان لازم أعرف انه مبيحبش ندى."
ضيقت عينيها.
"هو كان بيحبها ولا كان بيمثل علينا عشان محدش يلاحظ حبه؟"
ثم استطردت.
"أيوه أكيد عمل كده وخطب ندى. بس يا عيني كانت بتعشقه وهو الصراحة يتحب."
نزلت بجسدها وأردفت.
"تعرفي أنا طلبت منه نقضي ليلة مع بعض. ماهو ده برضه جواد الألفي على سن ور مح."
قهقهت بطريقة مجنونة.
"بس اللي صدمني بعد كده إنه بيحبك فعلاً."
قالتها وهي تشير عليها بسخرية.
"أنا جواد ميهمنيش أصلًا. هو اللي كان حياتي وفجأة اتخطف مني. بس ماجد هو السبب في موته. هو اللي ضربه وطرده وخلاه يموت بحسرته."
ضيقت عينيها وتسائلت.
"إنتِ بتتكلمي عن مين؟ عن بابا؟"
قهقهت عليها. ثم نزلت لمستواها وحاوطتها بذراعها.
"من إمتى وماجد بيهمني. أنا بقول على حبيبي جاسر."
جحظت عيناها من كلماتها.
أومأت برأسها بنعم.
"أيوه اتجوزت أبوكي عشان بحب أخوكي. بس حبيبك المحترم فرقنا من بعض. وضربني كمان."
نظرت لها بشماتة.
"وأهو هرد له كل حاجة."
دفعتها كقطة شرسة. أخيرًا خرجت عن صمتها. هي كانت تعلم أنها فعلت أشياء مسيئة لوالدها ولكنها لم تعلم بما فعلته.
انتصبت ووقفت بمقابلتها. وأمسكت ذراعيها والشرر يتطاير من مقلتيها عندما علمت بانحطاط أخلاقها وأردفت بصوتا مخيف لأول مرة.
"تفتكري اللي وطى راس أبويا ممكن أعمل فيها إيه؟"
"واللي تمرمط شرف أخويا المتوفي ممكن أرد عليها بإيه؟"
"واللي ما تحترم سيرة جو زي أعمل فيها إيه؟"
ثم أضافت بنبرة ذات مغزى.
"ده أنا تربية جواد الألفي يا حلوة. اللي ضربك قلم واحد رأفة بحالك."
أنهت كلماتها بنظرة مشمئزة. ثم دفعتها كأنها شيئًا قذرًا.
لقد فل السهم من القوس عندما تخيلت حالة زوجها في اختطافها. خرجت روحها الثائرة بداخلها لتحطم هذه الحمقاء التي كانت تظن إنها ستركع لها بخوف.
نظرت لها باشمئزاز عندما ابتلعت غصة بحلقها عندما تذكرت أخيها الشهيد في أيامه الأخيرة وهنا تيقنت وأرجعت أسبابه لتلك الشمطاء.
رفعت سبابتها أمامها وتحدثت بفحيح.
"خرجيني من هنا. أصل ورحمة جاسر لابكيكي بدل الدموع دم."
دفعتها بقوة من أمامها.
"أوعي تفكري إني هخاف منك يا حقيرة. لا فوقي واعرفي إنتِ واقفة قدام مين."
أشارت لنفسها بفخر.
"أنا غزل جواد الألفي."
ذهلت شاهيناز من قوتها. دارت حولها حتى تبث الرعب بقلبها رغم أن الغضب تمكن منها من تلك المتعجرفة كما وصفتها.
رفعت حاجبها وتحدثت.
"لا يابت شاطرة. فعلاً تربية ابن الألفي."
"بس أحب أطمنك يا حلوة."
"هجيبه على وشه ومش بس كده. هاخد حقي تالت ومتلت منه. حقي كله كله."
أردفت بها مغادرة ولكن وقفت أمام الباب وناظراتها.
"هشوف غلاوتك عند الباشا كام. باي يا حلوة لحد ما حضرة الضابط يجي."
خرجت مغلقة الباب خلفها بقوة.
دون حديث انهمرت الدموع فوق وجنتيها وهي تنظر لسرابها وقلبها على وشك الخروج من صدرها من شدة خوفها على زوجها الحبيب. لا تعلم بماذا تخطط تلك الشمطاء.
مسحت دموعها ووقفت وهي تمسك رأسها تحاول التفكير. ماذا ستفعل؟
في فيلا حازم الألفي.
تجلس بشرفتها وهي تنظر لمرور الناس في الشوارع تسرع هربًا من قطرات المطر.
تذكرت قبل أسبوع.
دخل حازم مساءً مقبلًا جبينها.
"عاملة إيه حبيبتي؟"
ثم وضع يديه على بطنها.
"والولا الشقي ده عامل إيه؟"
ابتسمت له بحب ثم وضعت يديها على يديه.
"ابنك كويس يا سيدي بس مامته اللي مش كويسة. باباه بيتأخر في الشغل كتير."
ضمها لأحضان وتحدث أسفًا.
"آسف يا قلبي. إنت عارف صهيب الأيام دي مبيروحش الشركة. وسيف لسه ميعرفش نظام الشغل."
رفع ذقنها مقبلًا كرزيتها المنتفخة أمامه.
"بس وعد مني حبيبي هاخد إجازة عشان أفضي لك بس نهى ترجع لحالتها."
***
هنا تذكرت ما صار في تلك الليلة.
رجع من الفيوم. جلسوا سويا بحديقة المنزل بعض الوقت.
"هطلع يامليكة محتاجة حاجة حبيبتي؟ عايزة أنام الساعة داخلة على واحدة. زمان صهيب في سابع نومة."
ضحكت مليكة عليها وتحدثت.
"ما أعتقدش صهيب نام وانتِ بره. على العموم اطلعي حبيبتي وأنا شوية وهطلع. مش قادرة أنام دلوقتي."
ثم اتجهت بنظرها لفيلا جواد.
"كان إيه لزوم جواد إنه يزين الفيلا كده وهو عامل الفرح في الفيوم وكمان مش هيرجع قبل شهر."
نظرت نهى للفيلا وأجابتها.
"عريس بقى وعايز يفرح ويفرح عروسه. ربنا يسعدهم يارب."
أمنت على دعائهم.
قاطعهم وصول حازم.
وضعت نهى يديها على بطنها وابتسمت.
"خلي بالك من حبيب خالته ده. أشوفكم الصبح إن شاء الله. تصبحوا على خير."
سكنت لثوانٍ ثم رفعت نظرها لحازم.
"تفتكر عاصم ممكن يأذي غزل بعد جوازها؟"
مسح على شعرها بحنان وتحدث.
"أنا بتمنى نخلص منه. على طول إنسان مؤذي."
تنهدت وأجابته.
"فعلاً جاسر كان دايما يقول عليه كده."
نسيت تمامًا أنها توجعه بحديثها.
ابتسمت لذكراه.
"تعرف في مرة استنى غزل قدام المدرسة."
"مسكه كان هيموته يوميها. لولا وقفة بينهم."
لمعت عيناها بالدموع.
"حبيبي ما استحملش يشوفه جنب أخته. رغم إن جاسر كان قلبه طيب ورحيم بس كان اللي يقرب مني ومن أخته ياكله. كان دايما يقولي إنتِ وغزل أغلى حاجة لقلبي."
***
كان يقف وينظر لها بصدمة. ضغط على يديه كأنه يخرج عصبيته في ضغطه. عيناه تصوب نظرات نارية اتجاهها. نار الغيرة أشعلت صدره ببنزين ملتهب بنيران الحقد الذي بدأت تظهر علناً.
"كفاية."
صرخ بها فجأة.
انتفض قلبها من هيئته التي تراه بها لأول مرة. أغمضت عينيها عندما علمت إنها أوصلته لهذه الحالة. اتجهت تضع يديها على وجهه.
"حازم مكنش قصدي."
وضع يديه أمامها.
"مش عايز أسمع ولا كلمة يا مدام. الحق عليا أنا اللي كنت مفكر نفسي إني الأول والوحيد في قلبك. كنت حاسس إن فيه حاجة غلط بس بكذب إحساسي."
رمقها بإمتقاض وأكمل بلوم.
"وصلت بيكي البجاحة إنك توقفي قدام جوزك أبو ابنك اللي في بطنك وتتغزلي في راجل تاني مهما كان وتنعتيه بحبيبي."
أمسكها بعنف وتحولت عيناه للغضب وتحول من هدوئه لعاصفة كادت أن تلتهم كل شيء أمامه.
"حازم."
أردفت بها بارتجاف.
"حبيبي والله."
قاطعها بغضب عنيف.
"آخرسي ياملكية مش عايز أسمع صوتك نهائي."
ثم خرج كأنه يطارد من عدو.
انسدلت دموعها وهي تحاول أن تعتذر له مرة بعد أخرى ولكن كيف له يسامحها على ما تفوهت به.
دلف للغرفة وجدها تجلس في الشرفة ودموعها تنسدل من مقلتيها على وجنتيها التي بهتت بعض الشيء. اتجه لها وتحدث.
بهدوء رغم حربه الداخلية في قلبه.
"عندي ميتنج مع الشركة الإسبانية. وهتغدى برة. حبيت أعرفك عشان متجيش توقفي قدامي وتقولي."
"إنت بتردلي وجع قلبي مع مارسيليا."
نظرت له وعيناها تغشاها الدموع.
"لسة مش عايز تسامحني ياحازم. خلاص أعلنت تكون جلادي بدون رحمة."
ود لو يضمها داخل أحضانه حتى تتألم ولكنه أقنع نفسه أن يأخذ موقف حتى لا تغلط مرة أخرى في رجولته.
سحب نفسًا ثقيلاً يعبأ رئتيه المتألمتين من هجرانه لها ووجع قلبيهما ثم زفره على مهل وجلس بجوارها.
"مليكة."
أردف بها بهدوء.
ناظرته ورموشها مبتلة بدموعها.
حاوط جسدها بذراعيه عندما ضعف أمام حالتها.
"أنا استحملت كتير ودست على قلبي كتير في وجعه. بس إنتِ كل مرة بتدوسي أكتر عليه لحد مابقاش مهتم للنبض تاني."
نظر لها ومسح وجنتيها بأنامله الخشنة ونظر لعيناها بشوق جارف. ود لو يخطفها ويدلف بها على فراشهما ليخبرها كم عانى في جفاء البعد. ورغم ذلك تحدث بما يخالف قلبه وتمرد على قلبه.
وتحدث:
"عندما تموت قلوبنا ونحن أحياء لن نعد كما كنا حتى لو مر ألف عام ولم نتخطى الألم أو نتجاوزه أبدًا. فالموتى لا يرجعون إلى الحياة."
رفع ذقنها مقبلًا جبينها.
"سيبي الوقت يحاول يلملم اللي إنتِ كسرتيه بدون رحمة."
ولكن قاطعه رنين هاتفه.
"أيوه يا صهيب."
هب واقفًا.
"إمتى حصل ده؟"
"طيب خمس دقايق وأكون عندك. لازم نروح لجواد حالا أكيد حالته صعبة."
وقفت أمامه وأردفت متسائلة.
"ماله جواد يا حازم فيه إيه؟"
نظر لها بتيه وكأن القدر يدفعه ليفيق من غيرته ويوّليه حق الأخوة الواجبة عليه.
صدمة سقطت عليه كصاعقة تصـ. ـفعه بكل قوتها في يوم شديد البرودة.
"غزل اتخطفت من الجامعة."
هوت على مقعدها عندما شعرت بأن الأرض تميد بها وكأنها سيغشى عليها من الصدمة. انتبهت حواسه لما حدث لها.
***
جلس على عقبيه أمامها. ممسكًا بفمها ومقبلًا.
"هترجع متخافيش. جواد مستحيل يسيبها حتى لو هيموت."
نظر لها ودموعها تتساقط بشدة.
"روح لجواد يا حازم أكيد حالته صعبة. لا ده أكيد بيموت حبيبي."
مسح على وجهه.
"هترجع إن شاء الله."
أردف بها مغادرًا.
في غرفة صهيب.
تجلس والدتها بجانبها تطعمها بعض طعامها. مسحت على شعرها بحنان.
"عاملة إيه ياقلبي؟"
لمست على وجهها.
"نهى حبيبتي حاولي تخرجي من اللي إنتِ فيه. جوزك هيموت عليكي يابنتي."
وضعت رأسها على كتف والدتها وتذكرت تلك الليلة.
فلاش باك.
باليوم التالي من زفاف جواد. استيقظت مبكرًا عندما قضت ليلة مع زوجها من ليالي العشق الجميل بينهما. شعرت بألم أسفل بطنها. استيقظ صهيب على آلامها.
اعتدل سريعًا. وتساءل.
"مالك حبيبتي؟"
أجابته بابتسامة حتى لا تشعره بالذنب.
"مفيش حبيبي شوية إرهاق وقلة نوم."
استيقظ وجلس بجوارها ضامًا إياها لاحضان.
"هقوم أعملك حاجة دافية تهدي أعصابك وأعملك ساندوتش. ملاحظ أكلك بقى ضعيف أوي."
"صهيب أنا عايزة أنام بس وهرتاح. ماليش نفس حبيبي والله. يمكن السفر بتاع امبارح ده اللي تعبني."
***
ضم وجهها بين راحتيه وتساءل.
"تعبك ده بسببى يانهى مش كده؟"
هزت رأسها بلا.
"ليه بتقول كده؟ أي حاجة بتحصل بينا طبيعي. أنا بس شكلي أخدت برد متخافش هنام وأقوم كويسة."
قبل جبهتها ودثرها بالفراش.
"هعملك حاجة دافية وساندوتش بسيط عشان خاطر حبيبك تاكليهم تمام."
أومأت برموشها الطويلة دون حديث.
بعد فترة دخل عليها بكوب من الحليب وبعض شطائر الجبن الرومي وجلس بجوارها. كانت ما زالت تغوص بالنوم.
"أيـقظها مقبلًا شفتيها. فتحت عينيها واعتدلت بالماء.
حاوط جسدها بيديه وأطعمها بعض الشطائر. ولكنها رفضت شرب الحليب.
"صهيب ماليش نفس له. أنا أكلت عشان خاطرك أهو كفاية لو سمحت حاسة هرجع اللي أكلته حبيبي بلاش."
مسح على شعرها مقبلًا إياه.
"نامي حبيبي عندي ميتينج مهم مع مارسيليا وحازم هيجي غصب عنه زي ما إنتِ عارفة لازم يكون موجود. ربنا يستر، ويعدي الاجتماع ده على خير."
قبلت يديه التي يضعها على وجنتيها.
"هيعدي إن شاء الله حبيبي. خلي بالك من نفسك وإياك البت الصفرة دي تقرب من حازم."
اقترب وهمس أمام شفتيها.
"طيب تقرب من جوزك عادي."
جذبته بقوة عليها ناظرة له شرًا وتحدثت بغضب.
"يبقى سيبها تقرب كده وشوف هعمل إيه."
التقط شفتيه بقبلة شغوفة طويلة ثم تركها مغادرًا بعد تجهيز نفسه.
بعد فترة.
استيقظت على رنين هاتفها. فتحت عينيها وأجابت.
"أيوه يامليكة. حاضر ياحبيبتي شوية وهنزل."
اتجهت الاثنتان لفيلا جواد لوضع بعض الأشياء بها عندما أوصتهم غزل.
شعرت مليكة بالإرهاق. ربتت على كتفها وأردفت.
"روحي أنتِ وأنا هكمل وأخلي الدادة تدخل الهدوم دي."
جذبتها مليكة من يديها.
"تعالي نتغدى الأول وبعد كده نكمل. معرفش بقيت مفجوعة أوي. موصية على سمك."
ضحكت الفتاتان وجلسا سويا لتناول الغداء.
"أنا هروح آخد دوايا وأرجعلك. محدش يعرف إننا هنا وأعرف همت الشغالة عشان لو حازم جه."
ذهبت مليكة لمنزلها لأخذ دوائها واتجهت نهى لإكمال بعض الأشياء.
فجأة انقطعت الإضاءة عن المنزل. اتجهت لهاتفها حتى تشعله. اتجه الأمن ليعرفوا سبب انفصال الكهرباء. حاصر الأمن فيلا جواد عندما علموا بمن اقتحم الفيلا.
اتصل صهيب بها.
"أيوه حبيبتي بتعملي إيه. اتغديتي ولا لا."
"أنا في فيلا جواد من المغرب. بس الكهربا قطعت والأمن."
رد صهيب سريعًا.
"نهى لازم تخرجي من عندك. مين خلاكي تروحي هناك؟"
لحظة توقفت عن الحديث عندما وجدت شخصًا ما يخرج من غرفة جواد. واستمعت لطلقات نارية بالخارج. ارتجف جسدها وهي تتحدث.
"صهيب فيه ناس غريبة في أوضة جواد."
صرخت فجأة عندما جذبها أحدهم من حجابها بقوة لا ترى وجهه. همس بجانب أذنيها.
"خليكي هادية وامشي قدامي. أصلي أفرغ المسدس ده في دماغك. إنتِ حلى الوحيد عشان أعرف أخرج بعد ما موت رجـ. ـالتي كلها."
ارتعشت أوصالها وشعرت بالخوف من همساته المخيفة. هزت رأسها وعيناها تنظر بخوف.
"ضحك بقوة وأردف بشماتة.
"مرات ابن الألفي بترتعش. نفسي أصورك وأبعتك لجوزك المحترم. عاملين كمين يا ولاد (---)."
صرخت بوجهه عندما لكمته تحت الحزام وأسرعت تختبئ منه. ظل يبحث عنها ويسبها بأبشع الشتائم.
***
دخل باسم وفريقه عندما علم بوجودها داخل المنزل.
"وجد عاصم يجرها أمامه عندما عثر عليها خلف الستارة. انسدلت دموعها أمام باسم.
ارتعب من هيئتها. نظر بهدوء لعاصم.
"سيب نهى يا عاصم. مالهاش ذنب."
قهقه عليه بسخرية.
"أسيب مين دي نجاتي من هنا. هايه ياحضرة الضابط بقيت غبي ليه."
ثم توجه بنظره للمنزل.
"فين ابن الألفي؟ أومال ليه الدعوات إن الفرح هنا."
وضع سلاحه تحت ذقنه علامة للتفكير.
"أنا كده فهمت. ابن الألفي عملي كمين. أو ممكن كمين للمافيا اللي أكيد كدا كدا هيصفوه."
"سيب نهى يالا."
أردف بها باسم بقوة. حاصره عثمان من الجهة الأخرى.
ارتعبت نظرات عاصم عندما وجد نفسه محاصر بكل الجهات.
بلحظة لكم نهى بظهرها بقوة وعلى ساقيها حتى ركعت على ركبتيها تصرخ من الألم ووضع السلاح على رأسها.
"لو مخرجتوش وسبتوني هفرغه في راسها."
"نزل سلاحك ياحضرة الضابط إنت وهو لو عايزين مرات ابن الألفي تعيش."
"تمام تمام."
أردف بها باسم وهو ينظر لعثمان حتى يخرج عندما وجد حالة نهى المتأذية.
جذبها بقوة من حجابها وهو يبتسم بشماتة.
كانت تصرخ بقوة. ركلها بقدمه في بطنها عندما خرج باسم وفريقه أمنه حتى يخرج ويتركها. أمسكت بطنها وصرخت جالسة غير قادرة على الحركة.
رجع باسم سريعًا له.
"مكانك وإلا هموتها. أنا كدا كدا ميت مش فارقة معايا."
دلف حازم في هذا الوقت وصعق من هيئة نهى ودمائها التي أسفل قدمها وهي تصرخ من شدة الألم.
صرخ به حازم.
"إنت متخلف ياله بتشطر على واحدة ست."
صرخت نهى بأعلى صوتها عندما اشتد الألم. بلحظة اختطف باسم سلاح حازم وأطلق على عاصم الذي كان يناظر نهى فاستقرت الرصاصة في صدره.
خرجت من ذكرياتها المؤلمة عندما تحدثت والدتها.
"صعبان عليا غزل ياقلبي. البنت دي دايما السعادة مسروقة منها."
نظرت بشرود لوالدتها.
"إن شاء الله هيلاقوها. جواد مستحيل يسكت دا روحه فيها."
قاطعهم رنين هاتفها.
"أيوه يا صهيب فيه أخبار؟"
مسح على وجهه بعنف وأردف حزينًا.
"لسة فيه مكان. لسة بيشوفه ممكن تكون فيه. المهم إنتِ عاملة إيه حبيبتي؟"
"أنا كويسة متقلقش عليا. المهم خليك مع جواد لازم ترجعوا بغزل ياصهيب."
"أخدتي دواكي يانهى؟ اهتمي بصحتك حبيبتي واعذريني إني سبتك ومشيت."
أغمضت عينيها بألم عندما شعرت بوجعه.
"أنا كويسة أوي حبيبي وهنزل كمان عند ماما نجاة."
في قسم الشرطة.
تحرك باسم وجواد بعدما أخبرهم عثمان بوجود غزل بذلك المكان.
حم حم باسم وحاول يتحدث إليه.
"جواد هنرجعها متخافش. حاول تهدى. إنت كده بتفقدني أعصابي."
حاول تهدئة نفسه كلما تذكر إصابتها بمكروه. تحترق خلاياه الداخلية لتصبح رمادًا.
وصلا للمكان وراقبوه من مسافة ليست بالبعيدة.
أمسك يديه وحاول تهدئته.
"جواد مراتك جوه. مع عصابة. فاهم معنى ده. أي تهور منك ممكن تتأذى."
وجدوا سيارة سيف أمامهم.
جحظت عين جواد عندما وجد سيف يدخل المبنى الذي توجد به غزل.
يتبع •
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سيلا وليد
ماذا تظنين الحياة بدونك؟ اتعتقدين أن الحياة حياة؟ أقسم لك أن ليس لي حياة وأنت بالبعد عني... يا من ملكتي كل كياني، فأنني الحبيب الذي يغرق بعشقك من الوريد للوريد.
يجلس صهيب وحازم بسيارة خلف سيارات الشرطة... ينظر للطرقات بتيه وكل خلية تنتفض خوفاً عليها. اتجه بنظره لحازم:
- لو غزل جرالها حاجة، جواد ممكن يتجنن فيها ويخرج عن شعوره ويغلط، فهمتني؟
ربت حازم على ذراعيه:
- إن شاء الله مش هيحصل حاجة، أنا متأكد. جواد ممكن يخرج عن السيطرة في بعض الحاجات، بس لما يكون حد مهدد بالخطر بيفكر مليون مرة.
قاطعهم اتصال مليكة:
- أيوه يا مليكة...
كانت تجلس بسيارتها تبكي. أردفت بصوت باكٍ:
- حازم، شهيناز بعتتلي صور لغزل... غزل عندها، هي طلبت مني أروح آخدها لو خايفين عليها.
هنا انتفض جسده بالكامل وتحدث بغضب:
- إياكي تتحركي من عندك، إحنا قدام بيتها وجواد دخل يجبها. مليكة حبيبتي متعمليش حاجة متهورة.
بكت بصوت عالٍ اخترق صدره:
- بدل إيدي حاجة أعملها لأخويا مش هتأخر.
جذب صهيب الهاتف:
- اسمعي كلام جوزك يا مليكة، جواد عندها دلوقتي. متديش اللي بيخططله ممكن يوجعوه بيكي. حبيبتي متنسيش إنك حامل وهي ممكن تأذيكي. إحنا كلنا هنا... لو فعلاً عايزة تساعدي جواد، متتحركيش من مكانك.
خرجت من بين شفتيها آهة مؤلمة عندما شعرت بألم شديد:
- مليكة انتِ فين دلوقتي؟
تساءل بها صهيب:
- أنا في ( ). طيب ارجعي حبيبتي على البيت وإحنا شوية وهنرجعلك.
زاد الألم عليها. ابتلعت آلامها وتهدجت نبرتها:
- حاضر يا صهيب.
تحدث حازم الذي لم يعجبه تصرفها وبهدوء ظاهري وبنبرة عميقة:
"ينفع اللي بتفكري فيه؟ يعني فين مخك؟ وهي بتسحبك لعندها علشان تذل جواد وتخليه يلف حوالين نفسه. ارجعي لما إحنا نقصر يبقى فكري يا مليكة."
هنا صرخت من شدة آلامها وكأنها تشعر بانسحاب روحها. أوقفت السيارة جانباً:
- حازم أنا تعبانة أوي، شكلي هسقط الولد.
نظر لصهيب الذي استمع لصرخات أختيه وشعر أن قلبه على وشك الخروج من مكانه خوفاً عليها:
- مليكة حبيبتي خليكي عندك حبيبي أنا عشر دقايق وأكون عندك.
- انزل يا صهيب بسرعة، لازم أروحلها.
أشار بيديه واردف:
- تمام تمام يا حازم اهدى، إن شاء الله خير. اهدى وسوق على مهلك، أنا مينفعش أسيب جواد هنا وأروح معاك.
دفعه حازم بسرعة عندما فتح الباب:
- أنا هروحلها، وسع خليك إنت هنا.
بدون كلمات أخرى تحرك وقاد سيارته سالك طريقه بسرعة جنونية حتى يصل إليها.
عندما شعر بتوقف قلبه، دلف سيف بهدوء إلى المنزل... حاوطت عيناه البيت بالكامل فكان يحاوطونه رجال ذات أجسام ضخمة البنية. فُتح الباب وهلت منه شهيناز بابتسامة خبيثة. نظر لها نظرات قاتمة ووجهه عبارة عن لوحة فنية يغمره الغضب والاشمئزاز من تلك الشمطاء كما نعتها:
- فين غزل؟
تساءل بها سيف بهدوء مريب.
اقترب الرجل منه لكي يفتشه. أشارت له بيدها:
- لا دا سيفو، أمور عيلة الألفي مالوش في الأسلحة، هو له بس في البنات الحلوة.
اقتربت منه ونظرت له بإعجاب فهي لم تراه منذ أكثر من خمس سنوات. رفعت يديها وأمسكت زر قميصه وتحدثت بغنج:
- بس كبرت وحلوت أوي ياسيفو، بقيت راجل بجد.
رفعت يديها تلمس وجهه. أمسك ذراعها بقوة والشرر يخرج من مقلتيه:
- إيدك دي هكسرهالك يامقرفة. فين غزل؟
اتسعت حدقتاها شيئاً فشيئاً وصدمة قوية على وجهها عندما وجدته بهذه القوة. دفعها بقوة بعيداً عنه ومسح يديه بطريقة مقرفة من لمستهما:
- فكرة نفسك مين؟ فوقي واعرفي انتِ بتلعبي مع مين.
دار حولها وهي مازالت بصدمتها:
- على ما أظن عاmathrmشرتي عيلة الألفي وتعرفي إن دمهم مُر... وإنتِ اللي هتشربيه... أصلك جبتيه لنفسك... إحنا كنا سيبينك تلعبي بس براحتنا برضه.
ثم استطرد مكملاً:
- إنك تتخطي حدودك... فعرفي إنك لعبتي بعداد عمرك.
صدمة تلو الأخرى جعلت جسدها يترنح لبعض الشيء فهي كانت تعتقده مازال ذلك الشاب المستهتر، ولكن قوته أذهلتها.
ضحكت بصخب عليه عندما أتتها فكرتها الحقيرة لتحتضن رأسهم في الرمال:
- لا فعلاً ابن الألفي بجد ياسيفو... بس أحب أقولك أنا مش بالضعيفة أبداً وعاملة حساب كل خطوة. فكر بس في نفسك هتعمل إيه لما أعملك فضيحة مع مرات أخوك حضرة الضابط.
صرخ بوجهها وصفعها جعلها تترنح من شدتها. اتجه إليه الرجل وكاد أن يضربه ولكن أوقفنه بيدها:
- سيبه يموت، أنا في ضرب الرجالة الحلوين دول. ماهو جاسر، ياما ضربني وكنت بعشقه... وشكلك كده هتكون محله ياسيفو.
شهيناز أردفت بها بصرخة:
- قلتي تعالي وأنا همشي غزل. جيت عايزة إيه تاني؟ خليها تروح.
جلست تضع ساقاً فوق الأخرى:
- إنت صدقت ياسيفو ولا إيه؟ وقفت ودارت حوله وتحدثت بسخرية:
- ينفع غزل تمشي قبل ما مليكة تيجي؟ الله هو أنا نسيت أقولك يا حبيبي مش مليكة جاية في الطريق؟ ماهو لازم أجركم كلكم يا أولاد الألفي. لسه صهيب... بس دا أجيبه إزاي إلا لما أبعتله فيديو صغنون كده وانت ومرات حضرة الضابط في حضن بعض ومن غير هدوم.
أردفت بها وهي تطلق ضحكات صاخبة تصم الآذان:
- نظرت للرجل ضخم البنية:
- دخله عندها واعملوا المطلوب بسرعة.
جذبها من خصلاتها:
- وديني لأموتك يا حقيرة، أوعي تفكري إنك هتفلتّي مني.
صرخت بالرجل:
- أديله الحقن بقولك وشوف شغلك.
جذب الرجل سيف الذي حاول بكل قوته يضربه ولكنه كان كالحائط:
- دفعه بقوة داخل الغرفة.
أسرعت غزل إليه التي كانت تجلس تفكر بما ستفعل:
- سيف!
أردفت بها بدهشة.
- إنت كويسة؟
أومأت برأسها بنعم. مسح على وجهه بعنف وظل يركل الأرض ويصرخ:
- لازم تخرجي من هنا حالا. بس إزاي بنت الكلاب ضحكت عليا.
دلف الرجل الضخم وبيديه إبرة لحقنهما. ضيقت غزل عيناها ونظرت لسيف الذي أُذهل وشل عقله بماذا يفعل؟ عرف الآن خطأه الفادح أنه لم يخبر جواد. نظر لذلك الرجل:
- عارف لو قربت منها هقتلك.
ظل ينظر له الرجل نظرات قاتمة ونادى على آخر:
- امسكوه خلينا نخلص قبل المدام ما تموتنا.
لحظات فقط مرت عليهم كحد السيف على رقابهم. كان ينظر لغزل التي لم تفهم بما تخطط تلك الشمطاء. اقترب الرجلان من سيف الذي بسرعة البرق خطف سلاحه وأطلقه على أحدهما. أسرعت غزل تتمسك بملابسه عندما اقتحم آخر الغرفة. ما هي إلا لحظات دخلت شهيناز عندما استمعت لطلقات نارية. ذُهلت عندما وجدت غزل خلف سيف ورجل غرقان بدمائه. صرخت بالآخرين:
- اتصرفوا، الوقت بيعدي.
رفع سيف سلاحه أمامهما:
- لو حد قرب هقتلكم.
صرخ بها.
في تلك الأثناء تسلل جواد وباسم بالقوة وحاصروا المنزل. شاهد جواد من فتحات النافذة غزل وهي تتحامى بسيف وذلك الحائط البشري بيديه حقنة. أسرع للداخل وهو يشير لعثمان بأن يتبعه من هذه الجهة. أما باسم اتخذ بعض من قواته الذين صعدوا بجانب المنزل لإحاطته. وما هي إلا لحظات وكانت الغلبة لقوات الأمن عندما اقتحموا المنزل بأسلحة كاتمة للصوت. لم يتبقى سوى شهيناز وذلك الرجلين بالداخل. اقترب الرجل ولم يبقى بينه وبين سيف الذي اهتزت يديه بالسلاح حتى أسقطه الرجل من يديه. ضحكت شهيناز بصخب وجلست تضع ساقاً فوق الأخرى:
- هشوف دلوقتي أجمل عرض. وبعد كده الناس هتتبسط أكيد، ماهو مش أي حد.
صرخت غزل عندما علمت بما يدور بعقلها:
- أقسم بالله ما هتلاقي حد يرحمك. وجواد هيجي يا حقيرة، عارفة ومتأكدة خلال لحظات وهتشوفيه هنا. قلبي بيقولي.
صرخت بها بقهر عندما أمسك الرجل بسيف وظل يلكمه. وضعت غزل يديها على أذنها وهي تصرخ باسم جواد الذي ركل الباب بقدمه. وما هي إلا طلقة استقرت برأس الرجل والأخرى بصدره. لحظات فقط وانقلبت لعبة تلك الحمقاء. أسرع لغزل يضمها عندما وجدها تجلس وتصرخ وهي تضع يديها على أذانها. لم تراه. جذبها لأحضانه وهو ينظر لسيف بغضب مما فعله. كانت تقف في إحدى أركان الغرفة وجسدها يرتعش خوفاً عندما وجدت قوات الأمن اقتحمت المنزل كاملاً. تسللت رائحته. فتحت عيناها تنظر له. ألقت نفسها بداخل أحضانه وتطوق عنقه بقوة:
- كنت عارفة إنك هتيجي يا حبيبي.
عصرها بأحضانه ورعشة قوية أصابت جسده من هول مارآه من ذعرها:
- إش إش، اهدي حبيبي أنا جيت خلاص. ولا يهمك يا قلبي.
حملها بين يديه وخرج من الغرفة. قابله صهيب وباسم بعدما أنهى مهمته بالكامل في القبض على كل من بالمنزل. حضن صهيب أخيه عندما علم بما صار. تحرك الجميع لخارج المنزل خلف جواد، الذي حمل غزل متجهاً لسيارته. أجلسها بالسيارة دون أي حديث. أغمضت عيناها وأرجعت برأسها للخلف، لعلها تنسى ما صار لها.
❈-❈-❈
اتجه جواد لباسم:
- سيبها يا باسم.
قطب جبينه وتساءل:
- ناوي تعمل إيه يا جواد؟
اتجه بنظره لعثمان:
- خد الكلبة دي وديها المكان اللي قولتلك عليه.
وقف باسم أمامه:
- جواد بلاش اللي بتفكر فيه.
تحرك وكأنه لم يسمع شيئاً:
- عثمان اعمل زي ماقولتلك. هحاسبك إنت لو منفذتش.
- فين حازم يا صهيب؟
- مليكة الحقيرة شهيناز كانت بتستدرجها وتعبت في الطريق وحازم راح لعندها.
ضيق عيناه:
- تعبت إزاي وإنت إزاي تسيبه لوحده؟
اتجه سريعا لسيارته متجهاً لأخته:
- فينك يا ابني ومليكة مالها؟
أجابه على الطرف الآخر:
- كويسة متخافش.
- غزل، عملت إيه؟
نظر للتي تجلس بجواره جذبها لأحضانه مقبلاً جبهتها:
- كويسين الحمد لله. وسيف كان هنا، كلنا تمام. المهم طمني على مليكة.
- كويسة بقولك وهتبقى خال لولد يا حمار.
- ربنا يكملها على خير حبيبي إحنا راجعين على البيت وأنت إلحقنا. المهم تكونوا كويسين.
تنهد حازم وتحدث:
- عايز أكلم غزل يا جواد.
وضع الهاتف على أذنها وهمس لها:
- طمنيني.
- حازم حبيبي، قالها بهدوء رغم لهيب قلبه المشتعل على حالتها ومظهرها الذي وجدها به:
- أنا كويسة يا حازم.
أردفت بها غزل دون حديث آخر. ضمنت ذراع جواد ووضعت رأسها وهي تستنشق رائحته لتتأكد أنها بأمان. بعد فترة وصل إلى منزلهما. كان ينتظر كلاً من والده ووالدته ووالدة نهى. أوقف السيارة واتجه إليها وقام بفتح باب السيارة. كان جسدها يرتعش ولم تقو على الحركة. اتجهت نهى سريعاً إليهما:
- جواد غزل عاملة إيه وليه شايلها كده؟
أومأ لها أنها بخير ثم حملها بين يديه واتجه بها لمنزلهما. أوقفهما والده:
- مراتك عاملة إيه حبيبي؟ وإخواتك فين؟ سيف ومليكة؟
- الحمد لله يا بابا كويسين، جاين بعد شوية.
صعد بها إلى غرفتهما. هو لا يشعر بشيء سوى إنه يريد النوم فقط.
❈-❈-❈
اتجه بها للمرحاض وقام بخلع ملابسها بعدما امتلأ المغطس (البانيو) بالمياه. دثرها داخله بهدوء. انتفض جسدها عندما شعرت بالمياه. جلس على حافته وهمس لها:
- إهدي أنا معاكي.
ظل يغسل جسدها بهدوء مع تدليكه الهادئ ليزيل بعض تعبها الجسدي والنفسي في ذلك الوقت. أغمضت عيناها مستمتعة بلمساته الدافئة لقلبها. وقلبه الحنون المراعي لحالتها. تعشقه بجنون كما يعشقها. ود لو يخفيها عن العالم أجمع، كل نظراته توحي لها بذلك. نعم شعرت بحبيبها الغارق حد النخاع أن يتمنى بإخفائها عن الجميع. وضعت رأسها على جبينه عندما أنزل بجسده ليجلب بعض العطور لها:
- جواد ساكت ليه؟ حالتك بتخوفني حبيبي.
لامس جانب وجهها وأردف ومازال يتصنع أمامها أنه بخير:
- أنا كويس حبيبي.
صار معها بعض الوقت حتى انتهى تماماً من حمامها. أوقفها وساعدها بتجفيف شعرها وجسدها. ألبسها مئزرها (البورنس). جذبها من خصرها للخارج. ثم جفف شعرها بالمجفف الكهربائي وأعد ملابسها. كل ذلك وهي تنظر له فقط لا تقوى على الحديث. فرغم ما يفعله إلا أن نظراته تهرب بملاقات عينيها. لم تعلم لماذا شعرت بآلام في فؤادها. هل من حالته؟ أم لأنها هي السبب بالوصول به لتلك الحالة؟ أمسكت يديه وهو يقوم بارتدائها للملابس:
- أنا هلبس يا جواد. روح إنت خد شاور وأنا هكمل.
وضع لبس منزلي بجوارها عبارة عن ترنج شتوي ثقيل.
- هساعدك الأول وبعد كده هروح.
تمركزت عيناها على وجهه الذي يظهر عليه الوجع. أما هو فتمركزت عيناه على شفتيها وهي تتحدث. تملك منه الشوق أن يتذوقها ويثبت لحاله أنها بين يديه. ولكن لم يقو على ذلك. استدار سريعاً للمرحاض هروباً منها. اتجهت للخزانة وضعت ما جلبه. وأخرجت منامة نوم باللون الأرجواني الداكن الذي ملمسه من الحرير الناعم ليظهر جمال بشرتها الطفولية بسخاء أمامه. يصل قميصها إلى مافوق الركبة مع خيوط كاملة بظهره. ويفتح من الأمام حتى مقدمة الصدر. حقاً ظهر جمال أنوثتها الطاغية. ناهيك عن رائحتها التي تذهب العقل. اختارت أفضل العطور التي جلبها إليها.
❈-❈-❈
قامت بإغلاق الإضاءة إلا من بعض الشموع ذات الرائحة الفواحة التي قامت بإشعالها. دقات قلبها بالارتفاع رغم مازالت تحت صدمة ما كانت عليه. ولكن حالته التي رأتها به جعلتها تخرج عن صمتها. خرج يلف نفسه بمنشفة كبيرة. وجدها تجلس على الفراش بهيئتها الجذابة. رفع رأسه ينظر في عينيها. تقابلت نظرتهما بشوق جارف بكل ما تحمله قلبيهما من عشقهما الدفين. تحرك متجهاً لغرفة الملابس سريعا. ارتدى ملابس بيتية مريحة. جلس بجوارها عجز عن الكلام في حضرة جمالها. استلقى بجسده على الفراش واضعاً ذراعيه حتى تنام عليه كما عودها. وضعت رأسها وملست على شعره بحنان. ثم اتجهت بنظرها لعينيه الذي أغلقهما متلذذاً بلمساتها. رفع يديه وقبل يديها بهدوء. وضعت رأسها في حنايا عنقه وهي تهمس له:
- وحشتني أوي حبيبي. غزالتك بين أحضانك وبتقولك هتفضل معاك لنهاية العمر.
رفعت نظرها له وتشا بكت النظرات قبل الأجساد. أغمض عينيه وسحب نفساً عميقاً كأنه يملي صدره من رائحتها. نطق أخيراً بصوت متهدج ممزوج بمشاعره لها:
- تعرفي من ساعتين بس كنت بموت.
زفر بوجع واستطرد حديثه:
- أتمنيت إني ما قلبتكيش ولا حبيتك. حسيت بالعجز أوي وأنا مش عارف أفكر وأوصلك. كنت بموت يا غزل.
كل ذرة بمشاعرها تنتحب وحزينة على نظراته الحزينة الموجعة عليها. وضعت أناملها على شفتيه واقتربت قبلته:
- بعد الشر عليك يا حبيب غزل. أنا مخفتش لأني عارفة جواد حبيبي هيجي وينقذني.
ظل يوزع على وجهها قبلات سطحية إلى أن وصل لشفتيها وتعمق بقبلاته عله يستريح من لوعة قلبه المتلهف عليه. جذبها مقربها إليه حتى يشعر إنها بين يديه وليس حلماً. أخذها لجنة الخلد التي يعيشون سوياً بها. ظل يذيقها كم من عشقه. وأخذها بعدة جولات حتى أرهق كلاهما وذهب بنوما عميق حتى لا يتذكرا ما صار لهما.
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات استيقظ جواد. وجدها تدثر نفسها بأحضانه. تذكر جولات عشقه التي كان عليها منذ فترة قليلة. قبل رأسها. وظل يحمد ربه على وجودها بحياته. ظل ينظر لها كأنه يحفر معالم وجهها المحببة إليه. رمشت بأهدابها عدة مرات ورفعت رموشها عندما شعرت بأنفاسه الحارة تلفح عنقها:
- صباح الخير يا حبيبي.
لمس وجنتيها المنتفخة بأنامله:
- صباح الحب يا عيون حبيبك. عاملة إيه يا روحي؟
ضمنت نفسها لأحضان:
- بردانة أوي. الجو شكله برد أوي. ياريتني سمعت كلامك ولبست الترنج.
ضيق عيناه رافعاً جانب وجهه وتحدث بسخرية:
- ليه؟ مفيش راجل معاكي على السرير؟
وضعت وجهها في صدره عندما علمت بأنها استفزته بكلاماتها:
- بصيلي بتخبي نفسك ليه.
- رفعت نظرها إليه تاه برماديتها. نزل بوجهه ملتقطاً شفتيها وأردف بصوتاً مبحوحاً:
- ينفع كده تغلطي في حبيبك وتقولي إنك بردانة وانت جوا حضنه...
ظلت تنظر له بصمت وتهيم به عشقاً تتمنى أن تظل السعادة دائماً لقبيهما. رفعت أناملها إلى خصلاته:
- حبيبي أحسن راجل في الدنيا. وبحبه قد العالم دا كله.
قهقه عليها:
- بتهربي يا زوزو من حبيبك بحركاتك الطفولية. لكمته بيديها الصغيرة:
- إنت فصيل على فكرة ووسع كده عشان عايزة أقوم.
- جواد، أردفت بها بصوتاً مرتفع غاضباً.
رفع حاجبه:
- إيه؟ حد قالك مبسمعش؟ ما أنا قاعد جنبك اهو بتنادي على حد في الشارع.
دفعته حتى سقط على الفراش بظهره. نفخت وجنتيها كالأطفال:
- هاتلي قميصي يا بارد عايزة أروح الحمام.
وضع يديه تحت رأسه ونظر للسقف:
- هو أنا لابس قميصك يا بنتي؟ ما دوري عليه.
رفعت جسدها حتى التقطت قميصها من الأرض بجواره وهو يبتسم بخبث عليها. أمسكت بأناملها شيئاً آخر ورفعته أمامها وفجأة وضعته تحت الغطاء. ساند على مرفقيه ورفع حاجبه بشقاوة:
- بتخبي إيه يا زوزو؟ أوعي يكون تيشيرتيا. هزعل لأنك هتلبسيه يعني هتلبسيه يا قلبي.
تورّدت وجنتيها عندما رفع الغطاء وأمسك بأنامله الذي كانت تخفيه. قهقه عليها بضحكات صاخبة وهو يرفعه بإصبعه:
- واو يا بت يا زوزو شكله تحفة. بقولك ماتقومي كده تلبسيه.
وضعت يديها على وجهها:
- والله إنت بارد ومستفز يا جواد.
فجأة وجدت نفسها معلقة بالهواء عندما دلف بها للمرحاض:
- عايز نعوم شوية في البانيو اللي جوا ده. هو أنا كنت جايب المقاس ده كله عشان إيه.
في غرفة صهيب. بعد فترة من رجوعه، جلس في الشرفة يضع رأسه بين يديه. دلفت الغرفة وجدته بهذه الحالة. اتجهت له وجلست على ساقيه:
- حبيبي زعلان وبيفكر في إيه؟
ارجع بجسده للخلف وهو يضمها لصدره بقوة:
- عاملة إيه يا قلبي النهارده؟
- كويسة أوي حبيبي. زعلان ليه وقاعد كده ليه؟ مش كل حاجة تمام؟
رجع خصلاتها المتمردة خلف أذنيه:
- دلوقتي أنا أحسن راجل في الدنيا. بدل ضحكتك دي منورة دنيتي.
التقط شفتيها بقبلة سريعة ثم حملها بين ذراعيه ليتوج غرامه بليلة غرامية لنبضات قلبيهما. بعد فترة تسكن بأحضانة وهو يتلاعب بشعرها. رفع ذقنها بأنامله:
- عاملة إيه دلوقتي يا نهى؟
وضعت رأسها على صدره وتنهدت بحزن:
- بقالي شهرين بحاول أتجاوز اللي مريت بيه. عارفة إنك تعبت مني.
رفعت رأسها تنظر له بحب:
- غصب عني حبيبي والله. متزعلش مني.
جذبها بقوة لأحضانة:
- عارف ياقلبي إنك مريتي بتجربة صعبة. نهى أنا معاك لآخر العمر.
لمس وجهها بحنان:
- تعرف إني حلمت إنك عايزة تطلقي.
اعتدلت عندما وجدت نبرة الحزن بصوته:
- ليه بتقول كده؟ هو كنت مذنب في اللي حصل؟ دا نصيبنا والحمد لله على ابتلاءه. أنا اللي تعبني صدمتي من اللي حصل. بس موضوع الحمل ده بإيد ربنا. يعني ربنا مكنش رايد بيه. ممكن يكون كان فيه أذية لينا. على الرغم إنهم توأم بس بحمد ربنا على كل حال. كفاية إنك معايا، وأننا بخير وكمان مفيش أذية من اللي حصل.
وضع وجهها بين راحتيه والتقط شفتيها ليغوص بعالمهما الخاص.
❈-❈-❈
في فيلا حازم. بعد رجوعهما من المستشفى. أعد لها وجبة متكاملة للحفاظ على صحتها:
- حاسة بإيه دلوقتي حبيبتي؟
قالها وهو يلمس على شعرها بحنان. وضعت رأسها على كتفه فقد اشتاقت له حد الجنون. لمست عنقه:
- حازم وحشتني أوي. لسة زعلان مني؟
ما كان عليه أن يلقي كل شيء أثار وجع قلبيهما وأن يحملها بين ساعديه ليعلمها كم اشتاق لها. نظر لعيناها السوداء الجميلة:
- عايزة تعرفي وحشتيني قد إيه؟ وكمان علشان أسلم على جواد الصغير.
طوقت عنقه:
- بجد يا حازم هتسمي الولد جواد؟
دا عبس أنفها وتحدث بحب:
- بجد يا روح حازم. على فكرة كنت هسميه جاسر بس أخوكي حضرة الضابط رفض. قال جاسر دا تبعي أنا. آسف حبيبتي عارف قسيت عليكي، بس غصب عني.
لمست وجهه بعشق بعينيها:
- أنا بحبك أوي يا حازم ربنا يخليك ليا.
اتجه بها للفراش:
- طيب يا قلبي عايز أعرف الحب هيفضل كلام كده نظري؟ طيب نعمل إيه بكلام الدكتورة المجنونة دي.
قهقهت عليه بضحكاتها الأنثوية:
- معلش يا حبيبي أنا كمان اشتقتلك بس عشان جود الصغير يجي بالسلامة.
ضحكت فجأة:
- شوف ابنك بيسبح جوا أهو.
وضع يديه وجده يتحرك داخل أحشائها:
- شوفي بيرحب بينا إزاي. شكله هيكون شقي زي خاله.
قبل قليل كان يجلس حسين بجانب نجاة في غرفة المعيشة. تحدث حسين:
- أنا حزين أوي على الولا. كل ما يخرجوا من حاجة يدخلوا في حاجة تانية.
دخلت أمل ووالدتها التي تظهر عليها الشماتة:
- إيه اللي حصل ده يا حسين؟ لسة عارفين دلوقتي إن غزل اتخطفت من مرات أبوها.
نظرت أمل لوالدتها وأردفت:
- دلوقتي جواد يا حبيبي محتار مش عارف يرجعها إزاي؟ وممكن مرات أبوها دي تعمل حاجات استغفر الله العظيم. تخلي ماشي ورأسه في الأرض.
ظلت تجلس تستمع إليهما حتى انتهوا من حديثهما. وقفت وتحدثت بهدوء:
- واللي وصلكم الأخبار ما قالش إن جواد خلال ساعتين رجعها وبدون خدش حتى في ضوافرها.
في غرفة سيف بعد فترة. دلف والده إليه وجده يجلس على جهازه المحمول:
- بتعمل إيه يا حبيبي؟
وقف لوالده احتراماً:
- اتفضل يا بابا فيه حاجة.
جلس حسين أمامه وأشار له ليجلس:
- ينفع اللي عملته ده ياسيف؟
أكمل مفسراً:
- يعني لو قدر الله يا ابني أخوك ما وصلش في الوقت المناسب كان ممكن يحصل إيه.
نزل برأسه للأسفل:
- أنا آسف يا بابا. أنا كل اللي فكرت فيه إني أنقذ غزل.
رفع نظره لوالده:
- إنت مشفتش جواد كان عامل إزاي يا بابا. صعب عليا. روحت من غير ما أستخدم عقلي. مكنتش أعرف إنها بالقذارة دي.
ربت حسين على كتفه:
- ربنا ميزنا بالعقل يا حبيبي عشان نفكر في مشاكلنا وحلها. التهور دايماً يا ابني بيكون خسارة.
تنهد بهدوء:
- الحمد لله على كل حال. المهم تاخد بالك بعد كده. أنا وعمك هاشم اتفقنا على يوم الجمعة عشان كتب الكتاب.
حضن والده وشكره. تحرك حسين مغادراً الغرفة.
بعد شهر على مرور الأحداث. مساء. رجع من عمله بعد أن قرر يفاجئها بإجازة خارج البلد. وجد المنزل هادئ من شقاوتها ولا يوجد عاملين بالمنزل. قطب جبينه مستغرباً الهدوء. صعد لغرفتهما سريعاً. دلف إلى الغرفة برقّت عيناه مما رأى.
يتبع.
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد
أخبروها إنها الأمنية التي أغمض عيني عليها في نهاية كل يوم وأتمنى أن لا تنتهي أبداً.
فأنتي لستي شيئاً عادياً بحياتي، لستي إحساساً عابراً، ولستي ألماً يمكن الشفاء منه.
أنتي في عمري شيئاً لا أستطيع الاستغناء عنه.
رجع مساءً من عمله، دلف للمنزل وجد الهدوء يعم المكان.
أسرع لغرفته، فتح الباب بهدوء.
جحظت عيناه مما رأى.
كيف هذا الملاك التي أصبحت في حبها ملاكاً لي؟ وأنا كنت المتمرد، بل أصبحت القاسي لقلبي وقلبها. بل أصبحت الجلاد.
نظر إليها، كانت كحورية بحر بمفاتنها التي تذهب العقل لتجعلك كالسكران.
تقف في منتصف الغرفة بطلتها البهية ورائحتها الخلابة.
ماذا تفعل بي يا طفلتي؟
هل رميت بسهم العشق الذي لا يشبع مهما ارتوى؟
الآن أنا كالمدمن حبيبتي الذي اعتاد على جرعته من رحيقك واقترابك.
وكيف يداوي المدمن إلا بمصله؟ لما لا وأنتِ أصبحتِ مصلي لشفائي.
أصبحتِ ثنايا الروح.
أصبحتِ الحياة لحياتي.
في قانون العشق يقولون: داخل كل امرأة طفلة بريئة لا تكبر على اللعب، وعاشقة لا تكبر على الحب، وأنثى لا تكبر على الحنان.
لهذا لا أشعر بوقتي مهما مر معكِ.
فركت يديها وهو تلتفت في جميع الاتجاهات.
كانت تضع منضدة متوسطة الحجم بجانب الشرفة، مع الموسيقى الهادئة والشموع الحمراء.
حقاً كان مكاناً بمشاعر رومانسية.
خطى إليها بهدوئه المعتاد.
كانت نظراتهما تحتضن كلاهما.
اخترق قانون العشق المسافة بينهما، وعيونه تلاحقها.
أقسم بربه لم ير في جمال عينيها. فهي كترانيم مقدسة لقلبه.
حاوط خصرها مستنشقاً عطرها بلذة عاشق حد النخاع.
أخذ شهيقاً عميقاً لتسري رائحتها وتتغلغل في ثنايا دواخله.
ساد الصمت بينهما، ورغم ذلك تتحدث النظرات بالكثير والكثير من الاشتياق الطاغي عليهما.
وضع رأسه بين خصلاتها وأردف، محاولاً كبت رغبته بها في الحال.
"وحشتيني."
رغم إنها بسيطة، ولكن لواقعها الكثير والكثير في القلوب لتلحن معزوفاتها النابضة.
استمع لنبضاتها المرتفعة وصدرها الذي يعلو ويهبط أمامه بإنشغال.
رفعها من خصرها، متوجهاً بها لداخل الغرفة.
طوقت عنقه بمجرد حمله لها.
رفعت نظرها لتفاحة آدم خاصته، داعبتها بشفاهها مما أثارت رجفة لذيذة في جسده.
جلس وأجلسها على ساقيه.
مرر أنامله الخشنة على وجهها الطفولي.
أغمضت عيناها من لمساته.
"جواد وحشتني."
أردفت بنبرتها الحنونة العاشقة له.
كم يعشق اسمه من شفتيها.
رغم الكثيرات اللاتي كن أمامه، ولكنها هي سواهم.
امرأة ذابت جليد قلبه من عشقها.
قرّبها منه حتى تلامست الشفاه بمزيج العشق.
"حبيبي، حتى يقوى على الحديث."
"روح وقلب جواد يا حبيبي."
نظر لداخل مقلتيها.
"ناوية تعملي فيا إيه تاني يا جنيتي؟"
تلعثمت خجلاً وطافت عيناها يميناً ويساراً.
"حبيت أعملك غداء خاص في الأوضة."
رفعت يديها ولامست زر قميصه، وتحدثت بصوت رقيق.
"بيقولوا أقرب حاجة لقلب الراجل معدته. وأنت عمرك ما طلبت حاجة معينة مع إني عارفة كل أكلك. بس النهاردة خرجت عن وجبات جواد الألفي المألوفة وحبيت أكله على ذوقي."
ثم رفعت أناملها وتفحصت تقاسيم وجهه التي تعشقها حد الجنون.
رافعة أناملها تتحسس وجهه.
"لازم تأكل من عمل إيدي النهاردة."
اقتربت وهمست بجانب أذنه.
"مراتي وقفت في المطبخ علشان تأكلك من إيديها."
ظل يقاوم نيرانه الملتهبة بها، ولكن فقد عجزه واقترب متناولاً ثغرها ليتلذذ بطعم شهدها.
ناهيك عن كلماته التي أصهرتها تحت يديه.
ماهي إلا لحظات وضعت يديها على صدره لتوقفه عما انتواه.
"حبيبي قوم خد شاور علشان نتغدى وبعد كدا أنا معاك. أنت مهمل في أكلك خالص يا جواد."
وقف ومازالت بأحضانها متجهاً للطاولة الطعام، ليتفحص مابها.
رفع بعض أغطية الأطباق ليرى ما أعدته جنيته له.
"أشوف عظمة مراتي في الأكل الأول."
"إيه دا يا غزل؟"
رفع ساقيه على المقعد وأجلسها عليها.
قاطب حاجبيه مع ابتسامة شقت ثغره.
"حمام يا غزل."
قهقه عليها مما جعلها تخجل وتضع رأسها في حنايا عنقه.
"أنا سألت ماما عن الأكل المفضل، فقالت لي على الحمام."
اتجهت يديه للطبق الآخر ورفعه.
جحظت عيناه وهو يضحك بصوته كله ويقرّبها لقلبه.
"مستحيل تكوني انتي اللي عملتي دي."
"طيب الحمام معروف يا قلبي، إنما دي عرفتيها إزاي؟"
لكمته في صدره.
"بس يارخم، أنا معرفش البتاعة دي ماما اللي عملتها وقالت لي أقدمهالك."
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يرتوي من عشقها له.
"تعرفي بحبك أد إيه؟"
ضيقت عيناها وأردفت بمشاكسة وهي تضع يديها بخصرها.
"لأ لسة معرفش ياحبيبي."
ظل يقهقه عليها.
ثنى ركبتيه وحملها متجهاً بها إلى الأريكة.
قطب جبينه ونظر لها.
"أنتِ تخنتي ياحبي ولا إيه؟"
"إنت اللي معنتش قادر تشيل ياحبيبي."
وقف مكانه جاحظاً عيناه بها.
"بتغلطي ياحبي ودا هيطلع عليكي."
رفعت يديها لذقنه.
"ماهو إنت اللي بتحسسني إني بغلة."
داعب وجهها بأنفه.
"لأ ياحبي إنتِ أجمل سيدات العالم."
بسط جسدها على الأريكة ودقات قلبه وأنفاسه بالارتفاع.
حاوطها بيديه وأردف مشاكسًا حتى يخرج من حالته.
"شايفة حبيبك مقصر معاكي فقولتي أعمله حاجة ترم عضمه."
وضعت يديها على عينيها.
أردف بها وعينيه تتأكل ملامحها الجميلة.
احمرت وجنتاها بحمرة الخجل وهربت بنظراتها منه من مغزى كلماته.
أنزل رأسه ليدفن أنفاسه بعنقها، مما أدى إلى تغلغل روحها.
فرفعت يديها تلمس خصلاته الحريرية.
رفع نظره وابتسم بوجهها.
"إنتِ عارفة لو أكلت الحاجات دي دلوقتي ممكن تباتي في المستشفى يا مراتى الحلوة."
"جواد متبقاش رخم، أنا بحثت وعرفت إن الرجالة بتحب تاكل الحاجات دي."
ظل يناظرها بهدوء.
"جوزك زي أي حد يا زوزو، مستني أكل علشان يقويه."
تمتمت بكلمات مستاءة من رد فعله وضحكاته.
قرص وجنتيها.
"بموت فيكي ياحبي وأنتِ بتهتمي بجوزك حبيبك."
قبّل يديها بحب.
"تسلم إيدك حبيبي، ريحة الأكل تحفة بس أنا مش مسؤل عليكي تمام."
اعتدل بقامته متوجهاً للمرحاض.
"خمس دقايق وراجع علشان ألتهُم الكوارع بتاعتك دي مع إني مبحبهاش بس هاكلها يا حضرة الدكتورة نشوف فايدتها إيه."
رفع حاجبيه وأكمل بانتشاء.
"ومتسأليش عن نفسك بعد كدا."
ألقته بالوسادة.
ظل يقهقه عليها.
"يارب يصبرني عليكي يا جنيتي، شكلي هاجي آكلك بدل الكوارع والحمام."
❈-❈-❈
في الفيوم.
ظهراً.
تجلس أمام الشلال تنظر لجمال الطبيعة بهدوء يسكن روحها.
تمدد بجسده وضع رأسها على ساقيها متمتماً.
"إيه رأيك في المنظر اللي يخطف العقل دا؟"
لمست شعره بأنا ملها مبتسمة.
"بقالنا أكتر من سنتين متجوزين يعني بعد كتب كتابنا أول مرة تجبني هنا. أنا أسمع على جمال الفيوم وطبيعتها الخلابة بس بصراحة أول مرة أجيها بعد ما اتجوزنا."
ناظرته.
"جينا يوم فرح جواد بس، ومشينا على طول."
تمتم حزيناً.
"من يوم موت جاسر الله يرحمه وعمو ماجد، وإحنا ماجناش غير كام مرة على السريع."
اعتدل جالساً.
"تعرفي كان كل سنة نيجي آخر أسبوع في رمضان ونعمل موائد الرحمن هنا."
ابتسم بحزن لذكريات مازالت عالقة في الروح.
"آخر رمضان كنا هنا كلنا، وقت ما غزل وجواد دخلوا في معركة العشق الممنوع. المهم جاسر ده كان ملاك العيلة."
انسدلت دموعه عنوة عنه وأرغم عن الذكريات المؤلمة.
"كنا لازم نروح نصلي العيد، وكنا نشيل غزل ونجري بيها. وجواد يتجنن ويرفع غضبه علينا ويقول."
"بس ياحمار منك له."
مسحت دموعه بحنان ووضعت رأسها في أحضانه.
"ربنا يرحمه حبيبي، تعيش وتفتكره دايماً بالخير."
ناظرها بهدوء.
"جنى كمان أول ما جت الفيوم قالت عليها زيك، فيكوا شبه كبير أوي يا نهى."
ترقرت عبراتها عبر وجنتيها بسرعة لا تعلم لماذا انشطر قلبها من فكرة إنه مازال يحن لذكرياتها.
فهتف سؤالها صميم قلبه، ليحول قلبه لشظايا الأسف على ما تفوه به.
صراع عنيف اندلع بداخلها ووخز قلبها بأشواك عندما تذكرت حبه لها.
شعرت بأنه سدد طعنة لقلبها قوية بنصل سكين بارد.
رفعت وجهها واردفت متسائلة.
"لسة بتفكر فيها بعد اللي صار ده كله؟"
رد عليها بلوم واستنكار.
"ليه الدموع دي حبيبتي."
لمس جانب وجهها بإصبعه.
"مش معنى إني ذكرتها يبقى لسة بفكر فيها، الكلام جاب بعضه. نهى ده مجرد كلام بس."
وضعت رأسها.
"متزعليش مني، هرمونات الحمل."
وضع يديه على أحشائها.
"كنتِ عايزة تخبي عليا، لولا عرفت بالصدفة."
ابتسمت بوجع.
مطت شفتيها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بنبرة حزينة.
"محبتش أعلقك بيه زيي وفي لحظة مش نلاقيه. إحنا المرة اللي فاتت مكنش نعرف وتعبت جدا بعدها."
تنهدت بحزن وأكملت.
"حقيقي معرفش أنا كنت تعبانة من فقدانهم قبل ما أعرف بوجودهم ولا تعبانة من اللي شوفته."
قبّل رأسها.
"كل ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا."
في منزل والده بالفيوم.
تجلس بأحضان والده على عشب الحديقة.
ابتسم حازم لذكريات الطفولة.
"كنا بنلعب هنا لحد ما نتهد وننام على الأرض، ويجي عمو ماجد الله يرحمه ينام جنبنا ويحكي لنا حواديت."
أكمل استرسال ذكريات البراءة.
"مرة جواد ركب العجلة وراح الدرس وأنتِ فضلتِ تعيطي علشان تروحي معه على العجلة. فعمو ماجد راح جاب لك عجلة مخصوص وعلمك عليها في الحديقة كلها."
استدار ورفع وجهه إليها.
"جاسر أخدك من إيدك ومسح دموعك وقتها معرفش أضيق ليه لما حطيتي راسك في حضنه، مع إننا كنا لسة ولاد."
أغمضت عينيها والذكرى تصفعها.
حتى خيالها صوره بالكامل.
ضحكاته، همساته، لمساته، حتى قبلاته.
فتحت عينيها فجأة وقد غزا الحزن ملامح وجهها.
حجبت الدموع عنها رؤيتها لحازم وكل ما تراه جاسر فقط.
طلعها حازم مرتقباً رد فعلها.
وأندلع لهيب الحزن بقلبه عندما وجد صراعها الداخلي أمامه.
جذبها لأحضانه متناولاً ثغرها ليخرجها من حالة التيه والإرتاب التي غزت قلبها.
رغم نظرته التي أحس بقبضة قوية تعتصر قلبه لتخيله إنه لمسها قبله.
من قبلاته التي رآها ذات مرة أشعلت لهيبه قلبه واعتصرته وجعلته كنيراً متأججة.
ورغم ذلك أردف.
"جاسر كان غالي على الكل ياقلبي، أنا مش هضايق منك صدقيني لأني عارف ومتأكد حبي في قلبك."
ابتسم بوجع.
"كفاية إن أخته السبب في جمع شملنا، يعني حتى بعد موته ذكراه جمعتنا."
تذكر ذلك اليوم.
صرخ بوجهه.
"إمشي من هنا يامليكة، أمي ذبحتني وأنتِ دوستي عليا بكل جبروت."
أمسكها من ذراعها بغضب وحدقها والشرر يتطاير من مقلتيه.
"اللي بيحب بيثق في حبيبه بيوقف قدامه وبيواجهه. أنتِ عملتي إيه؟ قفلتي على نفسك ومواجهتيش، وأول عريس اتقدملك وافقتي عليه كأنك ما حبيبتينيش، وأنا دلوقتي بقولك أنا كمان محبتكيش، ويلا روحي عايز أرتاح."
اهتزت نظراتها أمام ثورته فلم تسعفها الكلمات.
فهو محق ولكن كيف تخبره بأنها أحبت غيره.
جاسر كان كمرهم ليطيب جراحها.
أنسأها حزن قلبها.
بخطى متعثرة اندفعت خارجة تركض بضع خطوات بلا هدي قبل أن تشعر بصدامها عندما وجدت غزل تقف على باب الغرفة ودموعها تنسدل بغزارة.
وزعت نظراتها بينهما ورجفة قوية اعتصرت فؤادها على ذكريات أخيها التي بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً.
"كنتوا بتحبوا بعض، يعني سبب سفرك السنوات دي كلها."
خطوبة جاسر لمليكة.
حاول أن يتحدث ولكنها مسحت دموعها.
خطت بخطوات هزيلة.
"ليه خبيت عليا."
ارتجفت يديها وهي ترفعها على وجهه، وخزة أصابت قلبها.
"أنا بشوف فيك جاسر، أكتر واحد شفته هو إنت، حتى واخد من ملامحه كتير."
عصرت عينيها بدموعها الملتهبة لعيناها.
أسرعت له وألقت نفسها بأحضانها وهي تبكي بنشيج.
لا تعلم سبب بكائها.
هل سبب محو جاسر تماماً من حياة مليكة؟
أم إنها تبكي عندما علمت بعشق حازم لمليكة، أي أنها لا تبتعد عنها وآخر بغريب سيأخذها بدلاً عن جاسر.
اتجهت لها مليكة واردفت بشفتين مرتعشتين.
"غزل اللي سمعتيه دا من زمان أوي من قبل حتى ما أحب جاسر."
صاعقة هزت جسده بالكامل من كلماتها.
مازالت تؤلمه بدون رحمة.
آلان تنسب حبها لشخص آخر أمامه.
أغمض عينيه يدعي ربه بالثبات أمام غزل حتى لا يؤلم روحها.
خرجت من أحضان حازم ونظرت له فهي تشعر بوجع قلبه لأنها عاشت أوجاعه.
"كنت بتحب مليكة يازومي."
ابتسمت بوجع.
"لأ إنت مكنتش بتحبها أنت مازلت بتحبها والدليل الحزن اللي دايماً بشوفه في عيونك."
أمسكت وجهه بين راحتيها.
"قدرت تستحمل ده كله إزاي ياحبيبي."
انسدلت دموعها بغزارة.
"أنا أكتر واحدة أحس بيك ياحبيبي، بس الفرق بينا إن ربنا عوضك بحبك ورجعهولك. حافظ عليه ياحازم، مليكة طيبة ومعذورة والله."
استدارت لها.
"هي كمان بتحبك صدقني، مش كدا يا مليكة."
اقتربت منها وهمست لها.
"عيشي حياتك حبيبتي، الحي أبقى من الميت، وحازم زيه زي جاسر."
أمسكت يديها ووضعتها بأيدي حازم.
"عيشوا حياتكم، الحياة قصيرة، واللحظات السعيدة بقت قليلة جداً."
رفعت نظرها لحازم.
"الفرصة جت لحد عندك اغتنمها صح ومتخليش الماضي عدوا لك."
احتوت كفه بين راحتيها وتحدثت بهدوء منافي للموقف وآلام قلبها ورغم ذلك اختارت كلمات منتقاة أصابت كليهما.
"الحب بيجي مرة واحدة حقيقي قدامنا، يا نغتنم الفرصة دي ونحاول نحافظ على حبنا يا إما نيأس ونسيب اليأس عدوا كالشيطان. قدامكم أمل ترجعوا حبكم ربنا بعتهولكم، ياريت تجيلي نص فرصتكم دي."
اتجهت خارجة ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدت جواد يقف يستند على الحائط ويضع يديه بجيب بنطاله.
خرج من شروده وذكرياته.
جذبها لأحضانه مقبلاً جبهتها.
"جاسر هيفضل عايش في قلوبنا ياحبيبتي."
❈-❈-❈
عند سيف وميرنا.
يجلس فوق الشجرة ويلقي لها بعض حبات التوت التي عالقة بالشجرة.
"والله هنزل بقولك أهو بطلي ضحك."
قهقهت عليه بصوتها الرقيق وهي تنعته بالحرامي متسلق الأشجار.
"الله وأنا مالي، مش حضرتك اللي عامل لي سبع الليل وقولت لازم أجبهولك من الشجرة."
جلس على غصن الشجرة وهو يناظرها بحب.
"عارفة والله لا أفكر بها ولادنا وأحكي لهم عن يوم كتب كتابنا إني سرقت توت لأمكم."
ظلت تقهقه عليه، سحرته بضحكاتها التي أنارت حياته.
"خلاص اتجوزنا وجبنا ولاد وكمان بتحكي عن إنجازاتك في السرقة."
"إنتِ هبلة يابت كلها عشر ساعات وتكوني مراتي."
وضعت يديها على شفتيها.
"أيوه ياحبيبي عارفة، إن شاء الله هكون مرات حضرة البشمهندس العظيم سيف الألفي."
ظل يطالعها بحب حتى لم يلاحظ انكسار الغصن إلا عندما ارتطم جسده بالأرض.
ارتجف قلبها عندما وجدته يتألم من ركبته.
أسرعت وجلست أمامه.
"إيه اللي حصل وازاي وقعت كدا؟"
أصابها الهلع عندما أغمض عينيه من الألم.
ابتلع آلمه ونظر لها.
"أنا كويس متقلقيش."
صمد عن آلمه وحاول الوقوف.
أمسكت يديه واستندت على ذراعها ووقفت ولكن وجدت جرح بركبته.
أشفقت عليه كثيراً.
"أنا آسفة والله ياسيف مكنش قصدي أبداً."
ابتسم لها.
"ولا يهمك ياقلبي، أنا كويس. الجرح سطحي بس البنطلون اتقطع."
قالها بضحكات صاخبة.
قطبت جبينها.
"صعبان عليك البنطلون ياسيف."
ثنى ركبتيه مستنداً عليها.
"مش موضوع بنطلون، الموضوع إنك لما تسمعي كلام صهيب عن البرندات بتاعته تقولي الحاجات دي هتعيش العمر كله. ثم أشار لها على البنطال."
"وشوفي من وقعة حصله إيه."
جذبت يديه وهي تضحك على كلماته وعلى مظهره.
وصلا حيث جلوس مليكة وحازم.
اتجهوا وجلسوا بجانبهما.
نظر حازم لبنطال سيف.
"إيه اللي قطع بنطلونك كدا ياسيف."
قهقه فجأة.
"دي جزاء الحرامي."
قطبت مليكة جبينها.
"سرقت إيه ياسيف المرادي. هو ياحبيبي كل ما نيجي الفيوم لازم تعملك مصيبة وأنا اللي بقول عليك عقلت."
ضيقت ميرنا عيناها.
"سيف كان بيعمل مصايب هنا."
قالتها وهي تناظره بغضب.
ابتسمت مليكة لها.
"الصراحة مش هو بس ياميرو، هو والبت غزل. بس غزل عقلت وهو زي ما أنت شايف."
نظر لميرنا ورفع حاجبيه بمعنى لا تسمعي كلامها بتضحك عليكي.
ابتسمت بسخرية.
"أيوه فعلاً هي بتضحك عليا."
أسدلت هدابها متحاشية النظر إليه وكلمات مليكة تصم أذنيها هو وغزل.
ناظرته بغضب.
"وياترى كنت بتعمل إيه ياسيفو."
قاطع حديثهما اتجاه ليلى لهما.
"صباح الخير على الحلوين. قاعدين في الشمس ولا إيه؟"
"الجو فعلاً جميل، حبيت أشمس ابني ومامته."
جلست بجواره مربتة على ظهره بحنان.
"ربنا يكملها على خير ياحبيبي."
نظرت لبطن مليكة التي بدأت في الظهور وأردفت متسائلة.
"لسة قدامك أد إيه ياحبيبتي؟"
ملست على بطنها وابتسمت.
"باقي أقل شهرين إن شاء ويشرف ولي عهد حازم الألفي."
أردفت بها وهي تضع رأسها على كتفه.
نظرت ليلى حولها.
"هي غزل لسة ماجتش من القاهرة."
وصل صهيب ونهى وهما يتمازحان.
"السلام عليكم يا أهل الكهف، أخيراً صحيتم."
وزعت نظرها بينهما.
"إنتوا كنتوا فين كدا."
جلست نهى بجوارها وهي تخطف حبات التوت من ميرنا.
"روحنا الشلال شوية لما لقينا الكل نايم."
"هو إيه التوت الأخضر ده ياميرنا، هو التوت بيظهر في الشتا؟"
ضحك سيف مردفاً.
"آه التوت الحرامي، ده توت جبلي بس معرفش الراجل ده جايبها وزرعها هنا ليه."
"هو فيه توت جبلي؟"
تسائلت بها نهى.
ضحك عليها سيف.
"بيقولوا لما أدخل زراعة هاعرف."
"هو جواد لسة ماوصلش؟"
أردف بها صهيب بحيرة.
أجابه حازم.
"لأ، كلمته شوية قالي لسة خارجين من القاهرة راحت عليهم نومة."
أومأ برأسه بمعنى تمام.
تحرك متجهاً لمنزله.
قابله والده.
"صهيب أنا كلمت المأذون وهيجي بعد صلاة العشا، والعمال بدأوا يجهزوا للحفلة."
دقق النظر إليه.
"مالك ياصهيب."
ابتسم لوالده ابتسامة لم تظهر لعينيه.
"سلامتك ياحبيبي أنا كويس، هدخل آخد شاور العصر هيدن أهو."
ربت على كتفيه.
"متأكد إنك كويس ياحبيبي."
رفع وجهه لوالده ووضع يديه.
"أنا كويس حبيبي، بعد إذنك."
وصل لغرفته.
جلس فوق فراشه بظهر منحني وكتفين متهدلين.
أثقلهما الوجع لذكريات أليمة اليوم، لا يعلم عن أي ذكرى يحزن.
مسح وجهه براحتيه وهو يتمتم.
"اللهم ألهمنا الصبر يا أرحم الراحمين."
رجع بجسده للخلف مستنداً على فراشه متذكراً مقابلته ببثينة.
كان يجلس بالشركة يعمل على جهازه المحمول.
يرتدي نظارته الطبية التي أعطته وقاراً.
دلف السكرتارية الخاصة به.
"حضرت الضابط جه يافندم وبيقول لحضرتك منتظرك في مكتبه ضروري."
قطب مابين حاجبيه وأردف متسائلاً.
"غريبة أوي جواد ييجي النهاردة المفروض يكون في إسكندرية النهاردة."
رفع نظره إليها.
"تمام روحي أنتِ على شغلك."
أغلق حاسوبه واتجه لمكتبه.
دخل كعادته بمزاحاته.
"معقول العريس ساب إجازته وجاي لي هنا."
ولكنه فجأة قطع حديثه.
عندما شعر كأن شل لسانه ولم يقو على خروج الحروف عندما وجدها تجلس أمام جواد.
سكن لثواني.
شعر بصفعة قوية على وجهه وكأنه يجد جنى التي تجلس بمقابلته.
وقف جواد واتجه له عندما وجد حالته.
شعر باختناق صدره كأن الأكسجين انسحب من حوله.
رفع نظره وطالع جواد.
نظراته تائهة، حائرة.
أشار بيديه ولسانه مازال لم يقو على الحديث.
سكن لثواني.
ضمه جواد وهمس له.
"صهيب الماضي انتهى ومش هيرجع تاني، لازم تفوق من الماضي، لازم تدفنه ولازم تواجه مش هتفضل طول عمرك بتهرب منه."
رفع وجهه بين راحتيه.
"زمان طلبت مني إني أنسى وأسامح وأعفو فاكر قلت إيه."
"إحنا عبيد والحكم والرحمة لرب العبيد. ليه هتفضل تهرب؟ ليه هتفضل تدفن نفسك بالماضي؟ إنت لازم تفوق."
أشار بيديه.
"جاية هنا ليه؟ عايزة إيه مني تاني؟"
اتجه بنظره لجواد.
"دي بعتت لي رسالة يوم فرحي يا جواد. عارفة بعتت إيه؟ عارف عملت فيا إيه؟"
نظر لها جواد بحزن.
وضعت رأسها في الأرض ندماً على ما فعلته.
ربت على كتفه.
"انسى ياصهيب هو أنا اللي هقولك. فين صهيب الدكتور النفسي اللي كان مجنن العيلة."
لكمه لكمة خفيفة بصدره.
"ارجع اتشقى واعمل دكتور عليا يلا، علشان أحس إنك بجد دكتور."
اتجه بنظره لبثينة.
"أنا هسيبكم شوية مع بعض."
اتجه لأخيه.
"عايز أقولك الضغينة عندك مش أقل من اللي كانت عندي."
أردف بها مغادراً.
جلس بمقابلتها.
"عايزة إيه يابثينة؟"
"موتي فرحتنا، وجاية دلوقتي وبتخططي لأيه؟"
اقتربت منه.
"عايزك تسامحني، والله أنا ماكنت أقصد ولا أعرف إن ده هيحصل. أنا كنت مفكرة إنه هيكون كلام بس."
وقف وصرخ بوجهها.
"الكلام معادش منه فايدة، النتيجة واحدة إن جنى اندفنت في التراب، لبست الأبيض بدري بس للأسف كان كفنها مش فستان فرحها."
زفر بغضب واتجه لها.
"أوعي تفكري إني سبتك علشان صعبتي عليا أبداً. أنا سبتك علشانها، علشان دي اللي كانت بتربطنا ببعض، علشان لما نتقابل متقوليش ليه عملت في أمي كدا."
ابتسم بسخرية واسترسل.
"ماهي أصلها طيبة كانت مفكرة كل حياتها. أنتِ متعرفيش إن أختها باعت حياتها علشان شوية فلوس."
ركل الكرسي وتحول لإنسان أول مرة تراه.
واستطرد.
"متعرفيش إن أختها هي السبب في موتها، متعرفيش إن أختها كانت بلا شرف ورمت نفسها للشيطان. وبدل ما تيجي وندواي جروحنا، لا راحت أشعلت البنزين في الجروح."
رفع نظره وناظرها بغضب.
"متعرفيش إن الشيطان يرفع لها القبعة والله وهي بترسم وتخطط إزاي تقتل روح بريئة. لا وكمان عايزة بنت في ربيع الظهور كانت عايزة حد يغتصبها."
جلس وهو يضع رأسه بين راحتيه، مع انسدال دموعه.
"متعرفيش إنها حولت شخص من شخص مليء بالحيوية والنشاط لشخص ميت جسد بس مفهوش روح. شخص كان بيدعي كل ليلة إن ربنا يختاره علشان يوصلها."
رفع نظره مرة أخرى وأكمل مفسراً.
"للأسف يابثينة هانم. أنتِ موتي حاجات كتير حتى لو من غير دم. وأول اللي موتيه موتي أخلاقك ودينك. موتي تربية أبوكي وأمك فيكي. موتي أختك. موتي جواد لما كان بيتحاسب على قضية اغتصاب."
ضحك بسخرية.
"بقى أخويا اللي بيتعامل بكل احترام من الكل تيجي واحدة زبالة عايزة تنسف تاريخه وشرفه بقضية عار. جاية وعايزة أسامحك على إيه؟ أنا لو هسامحك، هسامحك علشان حاجة واحدة بس: إنك بعدتي عني وارتحت منك."
تحرك مغادراً ولكنه وقف على باب الغرفة وتحدث وهو مولّيها ظهره.
"أنا بدأت حياة جديدة، ياريت تبعدي عن حياتي زي ما كنتي بعيدة. وشكراً لدعوتك عليّا."
قالها وغادر متحسراً على نفسه من ماضياً مازال يصفعه بقوة.
قابلته نهى وهي تبتسم وحضنته.
"عندي مفاجأة حلوة، بس مش هنا ولا دلوقتي. أنا هسبقك على البيت متتأخرش."
قالتها مقبلة خديه ثم خرجت سريعاً.
حمد الله كثيراً إنها ذهبت ولم تراه بهذه الحالة من غضبه ووجع قلبه.
❈-❈-❈
خرج من شروده عندما دخلت الغرفة.
"صهيب قاعد كدا ليه؟ قولت هتطلع تاخد شاور وتنزل إيه اللي حصل؟"
جذبها بقوة حتى سقطت بأحضان.
اقترب من شفتيها وألتقطها لينسي بها همومه وأحزان قلبه التي تكويه.
قطع قبلته وهو ينهج.
"مستني مراتي الحلوة ناخد شاورنا سوا، حتى ابننا يعوم معنا."
ملست على أحشائها بحب.
"أنا فرحانة أوي حبيبي، ربنا يبارك لنا فيه وييجي على الدنيا بكل خير وسلامة."
جذبها لأحضانه.
"ربنا يخليكي ليّ يا حبيبة قلبي."
قرب وجهها منه.
"بحبك أوي يا نهى إوعي تزعلي مني حبيبي. عايز أقولك الماضي اتمسح من قلبي مفهوش غير ذكريات بس، مجرد ذكريات بس اللي هنا إنتِ وبس."
قالها مشيراً لقلبه.
جلست على ساقيه وحاوطت عنقه.
"لو عندي شك في كدا صدقني كنت خرجت من حياتك حتى لو بموت فيك."
لمست جانب وجهه وقبلته بعشق.
"عارفة إن دي ذكريات واللي مالوش ماضي مالوش حاضر ياحبيبي. أنا ماليش أحاسبك على الماضي ياصهيب، أنا أحاسبك بعد ما عرفتني وارتبطنا."
نظر لها بأعين عاشقة.
"وحشتيني ومتقوليش علشان الولد، وحشتيني يعني وحشتيني."
أقترب متناولاً ثغرها ليذهب بها لجنة خلد ماتابع قراءة الفصل ٣٣.
الفصل الثالث والثلاثون
الجزء الثاني
عودة للصفحة السابقة
في القاهرة.
استيقظ جواد قبيل الفجر.
فتح عينيه ببطء كان شعرها يغطي وجهه بالكامل.
أزاحه بهدوء رافعاً رأسها من على صدره جاذباً إياها لذراعيه.
ابتسم عندما تذكر ليلته المجنونة مع عاشقة روحه.
أقترب من أنفاسها التي تمثل له نعيم الحياة.
ظل يملي عينه من جمالها الخارق لقلبه.
تسحره بكل ذرة بكيانه.
نعم، لقد فزت بجنة الدنيا أيها الرجل. هذا ما أردف به لنفسه.
ابتسامة غزت محياه مما أشعرته بتضخم دقات قلبه داخل صدره لامتلاكه لها.
التقط ثغرها المكتظ حتى يشعر بجمال صباحه.
فتحت عينيها ولكنها أطبقتهم مرة أخرى عندما شعرت بإرهاق جسدها.
ذهبت لنومها مرة أخرى وهي تهمهم باسمه بين شفتيها.
لمس كيانه وتغلغلت روحه بابتسامة مشرقة بمجرد سماعه لاسمه من بين شفتيها.
دفن أنفاسه في عنقها وتحدث بصوتاً مبحوحاً، مفعم بالمشاعر.
"حبيبي قلبي قومي وحشتيني."
رفع رأسه ليرى تفاصيل وجهها عندما تستيقظ.
صورها بقلبه كلوحة فنان مبدع.
رمشت بأهدابها تحاول فتح عينيها.
"جود الساعة كام."
رجع لوضعيته مرة أخرى وأردف حتى لفحت أنفاسه الحارة عنقها، ويديه تتحرك بحرية على جسدها اللين تحت الغطاء الناعم.
"الساعة أربعة، لسة ساعة وشوية على الفجر."
صوته، لمساته، أنفاسه الحارة زلزلت كيانها مما جعلها تشعر بكهرباء تسري بعمودها الفقري.
شعرت بلذة خفيفة بجسدها، جعلتها تفتح رمديتها بالكامل، رافعة أناملها بشعره الناعم الغزير.
"إيه ده إحنا منمناش غير ساعتين بس."
اعتدل رأسه حتى اختلطت أنفاسهما.
أقترب أكثر ملتقطاً شفتيها، وكانت أكثر من مرحبة بقبلته التي لم يفصلها سوى احتياجهما للهواء.
داعب وجهها بأنفه.
"شوفتي عملتي في جوزك إيه، قولتلك بلاش الأكل ده."
رفعت يديها على وجهه تتحسسه.
ثم أردفت بصوتاً هامس جعله متيماً لعشقها الأبدي.
"جوزي مش محتاج أكله ولا غيره."
لامست شفتيه وأكملت.
"حبيبي حبه اللي بيحركه."
ناظرته برمديتها.
"مش حبك ليا اللي بيحرك مشاعرنا."
قالتها وهي مازالت تتلمس وجهه.
أغمض عينيه تحت يديها وهو يذوب كجليد في فصل الصيف، وتحدث وهو مازال مغلق عينيه.
"حبيبك يندم على كل لحظة بعد عنك فيها. حبيبك لأول مرة يتمنى يرجع للعشرينيات عشان يقدر يستمتع بحبه أكتر وقت."
جذب خصرها مما اخترق قانون عشق المسافات بينهما.
فتح عينيه وناظرها.
"بحبك حب مش طبيعي، حب مخليني عايش في الجنة ولو وزعت فلوسي كلها علشان أحمدة على النعمة دي مش هتكفي."
ألقت بنفسها عليه.
"وأنا بعشقك وبعشق كل لحظة قربنا فيها من بعض وبكره كل لحظة بعدنا فيها عن بعض."
دفنت رأسها في عنقه، مما أشعل جسديهما بالكامل ليشعر بأن جسديهما لم يتقابلا منذ أيام بل شهور وماهي إلا منذ ساعتين فقط.
جذبها بقوة حتى أصبحت فوقه بالكامل، ليغوص بفن عشقهما للمرة التي لا يعلمون عددها كطائر النورس فوق البحار.
بعد فترة اتجه بها إلى حمام الغرفة وأنزلها بهدوء لبانيو الاستحمام عندما وجد علامات الإرهاق على جسدها بالكامل.
دلف هو الآخر لداخل البانيو، جلس خلفها حتى ألقت ثقل جسدها بالكامل عليه لعدم قدرتها على الحركة.
بعد فترة كانت تجلس بجواره بعد انتهائهما من صلاتهما.
جلس يرتل بعض آيات الذكر الحكيم، بينما هي كانت تقوم بالتسبيح على أنامله.
ثم اتجهت لقراءة أذكار الصباح مع بعض الدعوات.
انتهت من أذكارها.
ألقت برأسها على ساقيه تستمع لصوته العذب في تلاوته للقرآن لسورة البقرة.
انتهى بعد قليل من تلاوته، ولكن رجع لسورة الفاتحة.
قرأها بتمهل.
قطبت مابين جبينها واعتدلت جالسة بعد انتهائه.
"ليه قرأت الفاتحة مرتين."
ابتسم لها ثم جاذ بها رأسها لأحضان.
"مش عيب تبقي كبيرة كدا وتسألي ومتعرفيش أهمية المثاني السبع."
ضيقت عيناها وتسائلت.
"المثاني السبع؟"
رجع بجسده للحائط جاذباً جسدها معه.
"كان عندي اتناشر سنة وقت ماعرفت وتيقنت من أهميتها. ناظرها وأردف متسائلاً."
"ليه قراءة الفاتحة شرط أساسي في الصلاة. ده مش أساسي لا بدونها الصلاة باطلة."
وضعت رأسها على كتفه.
"مراتي زيرو في المعلومات الدينية آخرها تصلي، تصوم، تقول أذكار، دعوة حلوة وقت المطر."
ابتسم بوجهها.
"مراتي أحسن واحدة في الدنيا بس عايزة تقتحم عالمها الديني."
"بصي ياستي الفاتحة سميت بالمثاني لأنها تثنى في الصلاة، يعني لازم نقرأها في كل ركعة، حيث قال رسولنا الحبيب: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم الكتاب فصلاته ناقصة." وخلي بالك ده حديث موثوق من أبو هريرة."
ثم اكتمل حديثه.
"وسميت بالفاتحة وأم الكتاب لأنها تبدأ في بداية المصاحف. ومن شرفها وعظمتها للمؤمن والمسلم إنها بين ربنا وبين عبده."
رفعت رأسها وتسائلت.
"بمعنى؟"
أجابها.
"لأنها قسمت بين العبد وبين ربه. اتجه بجسده وأعدل جلستها."
"بصي يا زوزو: إيه اللي بين الإسلام و بين الأديان التانية؟"
"الصلاة حبيبي."
"هم ممكن يكون لهم صلاتهم بس غيرنا طبعاً، يعني إحنا ربنا ميزنا بالفاتحة أو السبع المثاني أو أم الكتاب أي اسم يعجبك إزاي بقى."
"يعني وإحنا بنقرأ الفاتحة 'الحمد لله رب العالمين' ربنا بيرد عليه ويقول 'حمدني عبدي...'"
"نكمل 'بالرحمن الرحيم' قال الله عز وجل: 'أثنى عليّ عبدي'."
إذا أكمل وقال.
"'مالك يوم الدين...' قال الله عز وجل: 'مجدني عبدي'."
وإذا قال:
"'إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم'."
يقول الله عز وجل: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل."
استطرد مفسراً.
"يعني مجملها إن ربنا يهدينا الصراط اللي هنجو من نار جهنم وبئس المصير. ربنا يعفو عنا وينجينا من نار جهنم يا رب العالمين."
"ومنسيش كمان إن الفاتحة دي فيها شفائين: شفاء القلوب، وشفاء الأبدان. يعني لما بنقولها بيقين لو عندك هم ربنا يزيله ويشفي قلبك من الحزن وكمان بتقرأيها للأموات بتكون دعاء لهم."
"أما شفاء الأبدان زي الرقية الشرعية اللي بتنجينا من السحر والحسد. ربنا يبعد عن كل حاسد ومنافق يا قلبي."
ابتسمت بوجه تحمد ربها على نعمه وفضله عليها.
ناظرته بعيونها الجميلة وابتسامتها.
"تعرفي من كتر ما حصلي كنت مفكرة أنا أتعس بنت في الدنيا. بس ربنا فعلاً رحمته واسعة أوي. إحنا منعرفش إن كل ابتلاء فيه خير، بس نقول إيه معندناش صبر على الابتلاء."
قبّل جبينها ودعى.
"ربنا يرزقنا الصبر على ابتلائه دايماً. عايز إيمانك بربنا قوي، مفيش حاجة تهز دينك حتى لو ابتلاك بأكبر وأعظم حاجة بتحبيها."
ألقت نفسها بأحضان.
"ربنا رحيم بيا وإن شاء الله مفيش وجع لقلبي بعد كدا. إنت أكبر نعمة عندي بدعي ربنا ليل نهار يبارك لي فيك ويديمك طول العمر. جواد أنا قوية علشان إنت جنبي حبيبي. بتمنى من ربنا تفضل السعادة لقلوبنا."
حملها بين يديه حتى وصل لفراشهما.
ثم قام بخلع إسدالها.
"تعالي نكمل نومنا عندنا سفر، وكل 'ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا'. يعني ربك هو الحافظ وهو المدبر لأمره."
ألقت بنفسها في حضنه كأنها ستفتقده.
همس لها وهي مازالت بأحضان.
"على فكرة حضن كمان وهشيلك على البانيو وإنت عارفة إيه اللي هيحصل بعدها. إحنا لسة في الشتا يا قلبي وكتر الحموم بيكسر العضم."
رغم أنه أردف بها كي يخرجها من حالتها ولكنها تعلقت به أكثر.
بسط جسدها بهدوء على الفراش وتمدد بجانبها، مطوقاً خصرها وهو يهمس لها بكلمات الاطمئنان.
❈-❈-❈
هي كنزه الثمين الذي لا يرى شيئاً في الكون أثمن منه.
رفع شعرها على جنب وجذبها مقبلاً شفتيها قُبلات سطحية حتى ذهب في سبات عميق.
بعد عدة ساعات بالسيارة.
تجلس تستند على كتفه تطوقه.
"ليه بابا أصر يكتب كتاب سيف في الفيوم."
رفع حاجبيه متزامناً مع شفته العلوية.
"حسين ده عليه أفكار جُهنمية. حاولت أفهم منه كل اللي قاله 'البلد وحشتني والأهل واحد ليه لأ'."
حاولت ادعاء الثبات أمامه.
"فعلاً البلد وحشتنا كلنا. كان نفسي أقولك ياريت نرجع زي زمان، بس ده مستحيل."
جذب رأسها لأحضان.
وأردف مبتسماً كي يخرجها من حالتها.
"وحشتيني على فكرة. كل ما افتكر الحمام والكوارع وأنا بحس إنها مأخدتش حقها."
رفع ذقنها وزع نظره بينها وبين الطريق أمامه.
"كنتِ مجنونة ياقلبي."
تورّدت وجنتاها بدماء الخجل وهي تطرق أنظارها أرضاً هاربة من مغزى كلماته.
فقدت قدرتها على الكلام وارتبكت في جلستها وبدأت تنظر من النافذة.
جذبها مرة أخرى عندما ابتعدت بعض الشيء.
ابتسم بهدوء وهو يرميها بعيونه الصقرية ليتفحص جمال وجهها وخجلها.
قهقه عليها عندما تقابلت بنظراته.
وضعت يديها على وجهها.
"بس بقى يا جواد بص قدامك بدل مانعمل حادثة."
قبّل رأسها.
"ده مكانك إياكي تبعدي مرة تانية."
وضعت رأسها على كتفه مرة أخرى وقامت بتشغيل الكاسيت.
"أنا بعشقك أنا.. أنا كلي لك."
ظلت تدندن مع الأغنية.
دنا من أذنها.
"أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك."
رجفة لذيذة أصابت جسدها من أنفاسه التي ضربتها.
أغمضت عينيها تستمتع بصوته وهو يغني لها.
اعتدلت تنظر له.
"وعدتني تغني لي قبل كدا فاكر."
ابتسم ونظر لوجهها ذو اللوحة الفنية الخلابة التي تثير قلبه بل جسده بالكامل.
"أوعدك الليلة كلها هتكون بتاعتك، تحت أمرك. مش هغني لك بس هنسهر ونحاكي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا مع بعض. وعاملك مفاجأة هتعجبك أوي، قبل ما تبدأي في الماجستير."
تغلغلت روحها بابتسامة مغرمة به بمجرد استمعت كلماته فأصبحت كفراشة جذابة الألوان تتحرك بخفة فوق الأزهار.
لمست جانب وجهه.
"ووعد مني هعملك مفاجأة هتطير عقلك. أنا كمان هشوف مين مفاجأته أحسن."
ضرب على المقود وهو يضحك بصوته الرجولي.
"وحياة ربنا موتي هيكون على إيدي يا جنيتي."
نامت على كتفه.
"مش مهم المهم هنموت مع بعض. لا إنت تعاني من بعدي، ولا أنا أعاني من بعد."
اعتدلت سريعاً.
"لأ مش هتكون معاناة قد ما هيكون موت حقيقي بس بالروح."
مسح دموعها التي تساقطت فجأة.
"حبيبتي إحنا بنهزر، ليه قلبتيها حزن كدا."
هزت رأسها وعادت لموضعها.
"أنا مش عايزة أتخيل يا جواد، بلاش وحياتي عندك، تهزر في الموت. كفاية وجع لحد كدا."
ضمت نفسها بالكامل لداخل أحضانه مما جعله يفقد السيطرة على القيادة.
هدأ من سرعة السيارة ووقف بجانب الطريق.
استدار بجسده لها.
تشبثت بقميصه ودموعها تسبق كلماتها.
بكت بقهر يتيمة عندما تخيلت فكرة فقدانه.
بدأ الخوف يلتهم قلبه عليها كما تلتهم النار سنابل القمح المحترقة.
شعر باحتراق صدره عندما وجد حالتها هكذا.
دموعها تكوي قلبه.
نعم هو يخاف أكثر منها.
نزل من السيارة وطلب من زاهر قيادة سيارته عندما فقد السيطرة على نفسه من حالتها.
"سوق بينا يازاهر وخلي حد من الأمن يركب عربيتك."
استدار وجذبها للخلف.
جلس وأجلسها بأحضان.
الشعور بطفلة ضائعة مشتتة عندما فقدت والديها.
هذا كل ما شعرت به عندما تحدث بكلماته المازحة.
نامت بأحضانها على موضع نبض قلبه وهو يتمتم لها ببعض الكلمات الهادئة.
"أوعدك عمري ما أسيبك ياقلبي."
داعب وجهها بأنفه.
"إنتِ متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه. إحنا بنهزر. وبعدين فين إيمانك بربنا يازوزو. ده إيمانك بربنا."
أخيراً هدأت وذهبت في سبات.
❈-❈-❈
وصلا بعد قليل إلى الفيوم.
نصب عوده وهو يمد يده لها ليساعدها على النهوض من السيارة.
وضعت يديها بيديه ونزلت من السيارة.
اتجه سيف إليهما وهو يقوم بالتصفير.
"والله خايف على نفسي ليفكرونكم العرسان."
رفع حاجبيه متحدثاً بسخرية.
"إحنا أحسن من العرسان نفسهم يلا."
وقفت بجانب سيف.
"ألف مبروك ياسيفو وعقبال الليلة الكبيرة."
جذبها من يديها.
"هتفضلي ترغي تعالي ندخل نشوف بيعملوا إيه من غيرنا."
اتجه بنظره إلى سيف.
"كله تمام."
أومأ له برأسه بنعم.
قبّل يديها.
"حبيبتي ادخلي لماما وطنت حسناء عندي مشوار مهم لازم أعمله."
قطبت جبينها.
"مشوار إيه ده يا جواد؟"
ربت على كتفها.
مردفاً.
"لما أرجع هقولك."
قاطعهم دخول أمل ووالدتها الذين وصلوا للتوا.
"إزيك يا جواد."
قالتها أمل وهي تنظر له بإشتياق.
ارتدى نظارته الشمسية وحياها بهدوء.
"إزيك يا أمل، أنا كويس."
أعاد نظراته لغزل.
"ادخلي يلا عايز أمشي."
أومأت برأسها ودخلت.
وقفت أشجان أمامه.
"فيه موضوع مهم يا جواد عايزين نتكلم فيه."
تحرك مغادراً للسيارة.
"إن شاء الله."
وصل بعد قليل لمقبرة جاسر وأمجد.
وقف أمام المقبرة ينظر بشرود وأحداث الماضي كلها أمامه كشريط سينمائي.
أغمض عينيه بحزن وتحدث.
"عامل إيه ياصاحبي وحشتني."
تنهد بألم كاد أن يذبح صدره.
كان يقف يبكي على مأساة الفراق من أعز الأصدقاء بل كان كالأخ.
شعر بألم بقلب مفطور ملئ بالثقوب الحزينة كلما تذكره.
اتجه وجلس أمام المقبرة وبدأ يحدث نفسه.
"كيف نخبر الجميع إننا بخير وقلوبنا تشتهي ضم أشخاص فارقت الحياة."
"لا يعلموا أن البقاء على قيد الحياة أشد ألماً من الموت نفسه. ياله من فراق دائم يبعث للقلب الآلام وآهات صارخة، حتى لو شعرنا بما حولنا إننا بخير."
تنهد بحزن من أعماق صدره.
"وحشتني أوي، الفراق آه لو تعرف فراقك عمل إيه."
أمسك حفنة من التراب بجوار المقبرة.
"شوفت يا جاسر اتخلقنا منه وهنرجع له. انسدلت دمعة شريدة من عينيه."
"رغم السعادة اللي عايش فيها بس ناقصني إنت. أيوه ياصاحبي."
"فيا حاجة ناقصة رغم وجود صهيب وحازم بس إنت غيرهم."
آهة صارخة خرجت من جوفه.
"كان نفسي تشوف السعادة اللي أنا وغزل عايشينها."
استكمل حديثه المؤلم.
"كان عندك حق ياحبيبي. مفيش أجمل من إنك تنام مرتاح وحبيبك في حضنك."
تنهد وحاول أخذ نفس يملأ رئتيه بهدوء ثم طرده.
"خايف، تخيل. جواد خايف من بكرة. خايف السعادة دي تتسرق مني. خايف على غزل أوي. خايف على أخواتي. أول مرة أحس إني خايف أوي كدا. بقيت أنام زي الأسد مفتح عين ومغمض عين. بقينا نمشي أمن جوا وأمن برة."
زفر وأكمل مستطرداً.
"أنا مش خايف على نفسي قد ما أنا خايف على غزل لو حصلي حاجة. تعرف إننا مبنعرفش نتنفس بعيد عن بعض."
ابتسم بوجع.
"أختك بقت مجنونة أوي."
ضحك، هي طول عمرها مجنونة الصراحة.
"بس بعشق جنانها كبرت أوي مش بالسن بس، كبرت بمواقفها بقت بتعرف تمتص غضبي. وكمان بقت بتعرف إزاي تكون حنينة وفي نفس الوقت قطة شرسة. تقول إيه بقى جنيتي تربيتي."
تذكر شهيناز.
وقف ولمس المقبرة.
"أخدت لك حقك وحق عمو ماجد ياحبيبي. عايزك تنام وترتاح مع إنها جت متأخر بس جت. لسة حق دمك مكملش. لو عرفت هو مين متخافش حتى لو فيها موتي خلال شهر هعلقه على حبل المشنقة زيه زي غيره."
"دفنت لك شهيناز بإيدي دي تحت الأرض. هخلص منها القديم كله."
هنا ذهب بذاكرته لذلك اليوم.
بعد رجوع غزل.
باليوم التالي ذهب إليها حيث المكان الذي وضعها به عثمان.
وقف عثمان عندما وجده.
"زي ما طلبت حضرتك ياباشا. بس حضرتك الضابط باسم رافض كل اللي بنعمله."
"ملكش دعوة بباسم أنا هتصرف معاه. هي صاحية."
أومأ عثمان برأسه.
"كانت بتصرخ من شوية."
فتح جواد الباب ودخل إلى غرفة تحت الأرض.
دلف للداخل وجدها تجلس على الأرض وهي تبكي ومظهرها مزري للغاية.
جلس أمامها على المقعد.
"شاهي، شاهي. قولي يا ست الحسن والدلال أعمل فيكي إيه. اختاري موتة تليق."
وقفت واتجهت له.
"تعرف أكتر واحد كرهته في حياتي إنت."
قهقه بصوتاً مرتفع.
"القلوب عند بعضها يامدام شاهي. أخفض رأسه وتحدث."
"تعرفي لو ينفع أغنيها وأنزلها ألبوم ما أتأخرش."
فجأة جذبها من خصلاتها.
"الحق عليا، أنا اللي غلطت لما عرفت إنك قذرة ورغم كدا سبتك."
"كان المفروض أرميكي رمي الكلاب يوم ما سقطت ابن ماجد. كان المفروض أحبسك يوم ما عرفت إنك بتغتلسي من الشركة. كان المفروض أموتك أو أدفنك بالحياة يوم ما عرفت إنك قذرة وبتجري ورا جاسر وبتحاولي تفرقي بينه وبين مليكة."
شهقت شهقة فارغة الوجع تحاول الثبات أمامه قدر المستطاع ولكنه رطم رأسها بالحائط وبدأ يتحدث بغضب وخرج عن السيطرة.
"كان المفروض ماسيبكيش عايشة يوم واحد بعد ما رحتي واتفقتي مع بثينة بقتل أختي واغتصاب غزل."
دفعها بكل قوته.
"إنسال الدم من أنفها وهي تبكي وتهز رأسها بلا همت أن ترد عليه لكنه استوقفها بسُباته محذراً."
"إياكي أسمع صوتك سمعتي. اقترب بخطى سلحفية وأثنى بجسده."
"وياريت تتهدي بعد ده كله، لا رايحة تخطفي مرات جواد الألفي."
دار حولها حتى بث الرعب بها، وجف حلقها وارتعدت مفاصلها.
نظر لها بنظرات قاتمة ووجهه يغمره الغضب.
تمنى أن يخنقها ولكنه اتجه وجلس مرة أخرى على المقعد ووضع ساقاً فوق الأخرى.
"سمعيني كدا كنتِ عايزة تعملي إيه."
"أيوه أيوه افتكرت. عايزة تجيبي أخويا وتصوّريه مع مراتي."
هنا وقف كالوحش المفترس وانقض عليها لم يرى أمامه سوى زوجته وهي تصرخ باسمه ورعبها مما خطط لهما.
دخل عثمان سريعاً عندما استمع لصرخاتها.
"جواد إنت بتعمل إيه؟ هتموت في إيدك."
ظل يركلها بكل جسدها لم يرى، لم يسمع شيئاً.
دفعها عثمان بكل قوته.
"لو سمحت يافندم فوق دي ما تبصق عليها."
"الموت رحمة للي زيها. عايزها تشوف العذاب ألوان. افصل كل الكهرباء دي. أنا عايز الأوضة دي مقبرتها سمعتني ولا لأ."
نزل بجسده جالساً على عقبيه أمامها.
"احمدي ربنا إنك واحدة ست. أقسم بالله لا أخليكي تتمني الموت ما طالوش."
وقفت تستند على الحائط من شدة آلامها.
"جواد وحياة رحمة جاسر تسامحني. أمسكت بيديه."
"وحياة غزل عندك تسامحني وتسجني وديني السجن بلاش تسبني هنا."
دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض.
"اسمي حضرة الظابط يا بت متنسيش نفسك. نظر لها باحتقار ثم تحرك مغادراً وهو يصرخ بعثمان."
"البنت دي ممنوع تشوف نور ربنا لحد ما تموت. استدار لها وتحدث."
"البقاء لله ياشهيناز. نسيت أقولك عاصم مات من يومين عقبالك."
❈-❈-❈
خرج من شروده عندما شعر بأحدهما يضع يديه على كتفه.
"لما إنت جاي هنا ماقلتليش ليه."
جذبها وأجلسها بجواره مطوقاً خصرها.
"زاهر معاكي برة."
أومأت برأسها.
اتجهت للمقبرة.
"وحشتوني أوي."
ناظرت زوجها الذي يجلس بجانبها.
"شوف يا جُسورة مين عندك. غزالتك وحبيبها، بس المرادي مش حبيبها بس لا جوزها وكل حياتها. ومش جاية تشتكي منه، أبداً."
ابتسمت وهي تناظره بعشقها.
"جاية أفرحك حبيبي زي ما فرحتني. جاية أقولك إنك أجمل وأحن أخ في الدنيا."
اتجهت بنظرها للمقبرة.
"جاية أقولك لو فضلت أدعي ربنا ليل نهار على رحمته بيا، مش هتكفي. جاية أقولك حبيبي ضحيت بنفسك علشان أختك تعيش. استكملت مسترسلة."
"حبيت تدفن نفسك علشان تبسطني. حتى وإنت تحت التراب فكرت بأختك. أنا أسعد واحدة بالعالم ده ياحبيبي. عايزك تطمن على أختك."
استدارت له مرة أخرى.
"وكمان اطمن على صاحبك وقدوتك في إيد أمينة."
ضحكت بصوت هادئ.
"أنا أخيراً عرفت ليه جواد قدوتك. بجد إنتوا الاتنين أغلى ما أملك. إنت بذكرياتك وهديتك اللي مهما أعمل علشان أجازيك عليها مقدرش. وهو بحبه وسعادته ليا."
وضعت رأسها في حضنه.
"وحشني أوي يا جواد نفسي أضمه وأشم ريحته. فعلاً الأخ ميتعوضش أبداً. ومش أي أخ، ده جاسر."
قبّل جبهتها.
"ربنا يرحمه حبيبتي."
ضيّق عينيه ليخرجها من حالتها.
"إزاي صاحبه في إيد أمينة يابت. ده أنا ضعت. فعلاً أنا كنت بقوله إني في إيد."
"كنت لسة بقوله ياروحى."
لكمته بجنبه.
"وسع كدا أنا مخصماك علشان مقلتليش إنك جاي هنا. على فكرة أنا جاية صدفة مع خالتوا حسناء جت تزور عمو حسن فقولت هروح معاك."
هي هناك عند المقبرة.
وضع جبينه فوق جبينها.
"بتهربي يازوزو علشان معاقبكيش إنك خرجتي من غير ماأعرف."
وقف وجذبها معه.
"بس هتتعاقبي ياقلبي. وقدام أخوكي وأبوكي أهو لازم جوزك يعاقبك."
ألقت نفسها بأحضان وبكت لقد خلعت قناع الصمود.
"ياريتهم يردوا عليك يا جواد. أنا موافقة إني أتعاقب منك. بس أسمع حد فيهم وهو بيقولك اكسر لها عضمها حتى. أنا موافقة تعملوا فيا اللي انتوا عايزينه."
ضمها بكل قوة لديه.
"عرفتي ليه مردتش أقولك إني جاي هنا؟ علشان دموعك دي بتموتني. يرضيكي تموتيني يازوزو."
مسحت دموعه مقبلة خديه.
"بعد الشر عليك يا روح غزل."
مساءً.
كان يجلس الجميع بالحديقة المزينة بالأنوار.
توضع منضدة متزينة بوسط الحديقة يجلس عليها كلاً من: هاشم والد العروس. بجانبه حازم. وعلى الجانب الآخر يجلس حسين بجانبه سيف وجواد. ويوجد المأذون في المنتصف.
بعد فترة انتهى مراسم عقد القران.
اتجه حازم لأخته التي تجلس بجوار حسناء ونجاة.
"ألف مبروك ياقلبي، يارب دايماً السعادة لقلبك وحياتك."
ثم قبّل جبهتها.
ثم اتجه بها حيث والده وسيف.
ضمها هاشم لحضنه.
"ألف مبروك بنتي الحلوة، ربنا يسعدك حبيبتي."
قبّلها فوق جبهتها.
اتجهت لحسين.
قبّل حسين رأسها.
"ألف مبروك يابنتي ربنا يسعدكم يارب."
اتجه صهيب وجواد لسيف مهنئين بعقد قرانه.
وقف سيف أمام والده الذي تظهر سعادته اليوم لا توصف.
فاليوم مسك الختام لأولاده فلذة كبده آخر العنقود والحبيب والأقرب لقلوبهم.
قبّل يد والده الذي قام بتقبيل جبهته.
"ألف مبروك ياحبيبي ربنا يسعدك ودايماً السعادة لحياتك."
تحرك أخيراً لعروسه المنتظرة مباركتها.
وضع وجهها بين راحتيه مقبلاً جبهتها.
"مبروك يا أميرة قلبي."
وفجأة طوق خصرها وظل يدور بها مع التصفيق والتصفير من الجميع الذين يحضرون.
بدأت الحفل بالموسيقى الهادئة ورقص العروسين.
وقف صهيب وبسط يديه لزوجته.
"تسمحي لي بالرقصة دي يا أم عتريس."
وقفت وتشابكت الأيدي.
ظل يتراقص بها وسط جموع الحضور وبجانبهما أمل وصديقة سيف وهي تنظر لجواد الذي يجلس بجانب غزل متشابكين الأيدي وينظرون لبعضهما بعشق ويتحدثون كأنهم يعيشون أيام المراهقة.
خرجت نهى من أحضان صهيب.
"تعالى نقعد أنا تعبت."
جذبها.
"تمام تعالي أقعدي هروح أجيب لك فواكه."
أومأت برأسها.
بعد قليل انتهت الرقصة مع دوران سيف بعروسه.
ضحك صهيب عليه.
"وادي سيف اللي عامل لي عاقل أهو لسة مدخلش عش الزوجية واتجنن."
لكمته نهى التي جلست تأكل حبات من الفراولة.
"زي ما إنت اتجننت كدا ياحبيبي."
استند على المنضدة متشابك اليدين.
مسلط عيناه على شفتيها وفمها الذي يلوك الفراولة باستمتاع.
دنى منها.
"بطلي تاكلي قدامي فراولة. أنا بنبه مرة واحدة."
رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية.
"ولو منبهتش ياروحي هتعمل إيه."
"هكتب كتابي."
أردف بها بهدوء وهو يشاكسها كالاطفال.
"يا عيني عليك ياصهيب اتجننت ياحبيبي بدري بدري."
وقف فجأة.
"معلش ياماما نهى بطنها بتوجعها هتطلع ترتاح شوية وأنا هوصلها."
نظر له جواد نظرة أرعبته.
"اقعد يالا هتسيب أخوك وتروح فين."
نظر لنهى وهي ترفع حاجبها بشقاوة.
ربتت على كتفه بسخرية.
"اقعد ياحبيبي، أنا كويسة قال إيه بطني بتوجعني. جتك ضربة في بطنك ياصهيب. بتنق عليا."
ضحكت غزل عليهما ومصمصة شفتيها وهي تنظر لصهيب بسخرية.
"ألف سلامة ياصهيبوتي تعيش وتاخد غيرها."
لكزها جواد هامساً.
"إحترمي نفسك حرّمي المصون. بطلي ضحك، كفاية فستانك ده اللي مش طايقه عليكي."
رفعت أناملها وأغلقت زر قميصه.
"وانت لم نفسك ياحبي مش هفضل أقفل زراير قميصك كل شوية. إيه حد قال عضلاتك حلوة."
كان يتابعهما بجلسته وهو ينفث دخان من أنفه ولكنه ابتسم.
"جدعة يابت يازوزو بتعرفي تاخدي حقك. قوليله ليه فاتح زراير قميصه والجو برد يعني مش حر. ياترى ليه."
استرسل إكمالا لحديثه وجواد يناظره بغضب.
أمسك عنباية ووضعها بفمه وهو ينظر لجواد بشقاوة.
"علشان الحفلة مليانة مزز شوفتي صحبات ميرنا بيرقصوا إزاي على واحدة ونص وعينهم على حضرة الضابط تقوليش مفيش غيره بالحفلة. أنا نفسي أقوم أطبلهم. أهو يمكن يحسوا بوجود حد تاني."
ضغط على شفته السفلية.
"قوم ياحضرة الطبّال الهُمام، وريني مواهبك. والله هبهدلك."
لم ترى نظراتهم المتحدية.
توجهت بنظراتها إلى البنات اللاتي يتراقصون على الموسيقى الشعبية واخيراً جلسن ووقفت أمل بمنتصفهن وبدأت تتمايل بجسدها الأنثوي التي كانت تظهر معالمه بسخاء من فستانها الأخضر الذي يصل لركبتيها.
كانت أمل نظراتها تحاصره.
استدارت غزل إليه وبدأت نيران الغيرة تأكل دواخلها ولكن اطمأنت عندما وجدته يتحدث مع صهيب.
فجأة جذب سيف، جواد وصهيب وحازم للاستيج واشتعل الاستيج بالأغاني الشعبية مع رقصات البنات.
وقفت وهي تنظر له بغضب عندما وقفت أمل تتمايل بجسدها عليه، وهو ينظر لها بغموض هادئ.
مطت شفتيها كالاطفال.
فجأة ابتسمت واتخذت قرارها.
خطت بكعبها العالي وفستانها السماوي الجذاب الذي يرسم جسدها رغم وسعه بعض الشيء إلى حيث وقوفهم.
جذبتها مليكة التي كانت تجلس بجوار نجاة تتابعهم.
وقفت أمام غزل عندما وجدت نظراتها إليهما.
"بت يا غزل ناوية على إيه. جواد بعيد عنها هي اللي بترمي نفسها. زوزو إنتِ دكتورة دلوقتي، حافظي على مركز
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سيلا وليد
جلس بجوارها مطوقاً ذراعيها، هامسًا لها:
- الحفلة خلصت، خدي المفتاح وروحي على العربية، لما أقول لبابا حاجة.
أغمضت عينيها وسحبت نفسًا عميقًا، وكأنها تملأ رئتيها من رائحته. فكلما تذكرت ما صار منذ قليل، يصيبها الجنون.
كان يطالعها بهدوء، ود لو خُلِق له جناحان حتى يستطيع أن يخطفها ويطير بها إلى عنان السماء. نعم، فهي دون غيرها التي امتلكت كل ذرة في كيانه.
"غزل"، همس بها بهدوء عاشق لا يشعر بما حوله.
ارتجف قلبها لدى همساته التي أقشعرّت لجسدها ولمست أوتار قلبها. رغم غضبها منه، إلا أنه يمتلك قدرة في جذبها إليه بطريقته الساحرة. فتحت عينيها ببطء.
- هنروح فين؟ أنا مش عايزة أمشي زعلانة منك. بهدوء قالتها رغم دقات قلبها العنيفة.
نصب عوده الفارغ وأوقفها. مطوقًا خصرها.
- تمام، تعالي. تعبت وعايز أرتاح، بس هنرجع القاهرة مش هنبات هنا.
تحركت معه دون حديث. وقف أمام والده.
- حبيبي، أحنا هنمشي وهارجع بعد يومين تلاتة كدا. اتجه بنظره لغزل، التي كانت تنظر للبعيد ويبدو عليها الحزن من معالم وجهها.
- مالك يا زوزو؟ عينيكي حزينة ليه حبيبتي.
رسمت ابتسامة على وجهها.
- سلامتك حبيبي، أنا بس تعبانة وعايزة أرتاح مش أكتر. قبّل جبينها.
- عايز ابتسامتك دايما تنور وشك ياحبيبتي. والولد دا لو زعلك عرفيني وشوفي هعمل إيه.
شبك يديه بيديها رافعًا حاجبيه بسخرية.
- ما تسوقش فيها ياحسين، وحياة أبوك الحكاية مش ناقصة. الموضوع على آخره.
قالها ثم تحرك مغادرًا.
فتح باب السيارة، أجلسها ثم اتجه لمكان القيادة.
قام بالاتصال بزاهر.
- زاهر، خليك هنا مع أهلي، وزي ما اتفـقنا تمام. أنا يومين وهرجع.
ثم قاد السيارة دون حديث. ساد الصمت السيارة لبعض الوقت. جلست تنظر من النافذة لقطرات المطر التي بدأت في الهطول.
- غزل، ممكن تبصيلي.
التفت إليه بحنق وصاحت به:
- نعمين، عايز إيه؟
أوقف السيارة بجانب الطريق ثم جذبها، ملتقطًا ثغرها في قبلة شغوفة. أقرب للالتهام، أظهر بها كما يعشقها ولا يرى سواها.
فصلت قبلتهما وهما يكادان أن يلتقطا أنفاسهما. رفع يديه على وجهها.
- حبيبي، مفيش غيرك في الدنيا. أنا أعمى عن حريم العالم كله، بعشقك بطريقة مجنونة. طبع قبلة سطحية على شفتيها.
- بلاش أفعالك المجنونة دي. أنا مش زعلانة منك على غيرتك. جذبها بقوة حتى أصبحت بأحـضانه.
- بالعكس، بموت في غيرتك وببقى نفسي أحطك جوا قلبي وأقفل عليكي.
- وأنا لو مكانك كنت عملت أكتر من كدا، بس في حدود ربنا.
حاوطها بذراعيه وضـمها بقوة لصدره.
- إنما تيجي وتغضبي ربنا وتترقصي قدام الكل، دا اللي مستحيل أسامحك فيه.
رفع ذقنها وأردف أمام شفتيها:
- اغضبي، ثوري، لو هتضريني ما عنديش مشكلة كمان، بس بينا.
لامس جانب وجهها بإصبعه.
- هتضريني يازوزو؟ قالها بملامسة الشفاه.
كانت كلماته تدغدغ مشاعرها وتلهب جميع حواسها. تود لو يظل يضمها ويقبلها فقط. ورغم ذلك، ابتلعت غضبها منه وناظرته.
- ليه مُصِرّ تحرق أعصابي يا جواد؟ ليه مبتعمليش حساب قدامهم؟
جحظت عيناه من كلامها. أشار لنفسه.
- أنا يا غزل، بقل منك. مبعملش حساب لوجودك.
قاطعته بصوت مرتجف رغم دقات نبضه تحت يديها.
- أيوه، لما تقف مع واحدة وتضحك معاها قدام الكل، لا وكمان عجبك رقصها.
لكمته بصدره.
هنا تذكرت. دلفت لاستيج ولكن أوقفتها نجلاء ابنة عمها.
- عاملة إيه يا غزل؟ أنا جاية وطالبة منك إنك تسامحيني.
قطبت جبينها.
- إنتِ ملكيش دخل يانجلاء باللي عمله عاصم وعمو. هزعل منك ليه.
انسدلت دموعها.
- كنت بكرهك جدًا. نظرت لجواد الذي يقف يتحدث مع أمل. بس دلوقتي رضيت بنصيبي وعرفت كل واحد بياخد نصيبه.
نظر إلى ما تنظر له.
- قصدك كنتي بتحبي جواد يانجلاء؟ ولكنها تركتها عندما وجدت أمل تسحب جواد من يديه في مكان هادئ.
ربتت على كتفها.
- حبيبتي، أنا مسامحاكي تمام. بعد إذنك.
اتجهت سريعًا لوقوفهما.
- أنا عايزة أطلق يا جواد، زي ما جوزتني، طلقني. تصنعت الحزن.
- جواد، دي كانت غلطة والله. أنا عمري ما حبيت غيرك. ليه مش عايز تسامحني؟ قالتها وهي تتلاعب بزر قميصه.
أنزل يديها.
- أمل، هو إنتِ إمتى هتحترمي نفسك وتحفظي كرامتك؟ أنا مستحيل أبص ورايا، غير إني بعشق مراتي. أما طلاقك وجوازك أنا ماليش دخل بيه. عندك خـالك. ابعدي عني وعن مراتي. أنا لسة باقي على قرابتنا.
اقترب أكثر.
- رمش غزل اللي بيوقع من عينها لما بتعيط عندي يساوي الدنيا وما فيها. بلاش تخرجي الوحش اللي فيا. وبلاش أسلوبك الرخيص دا.
زفر بغضب عندما حاوطت خصره.
- اتجننتي يابت، شيلي إيدك لأكسرهالك.
- إنت حقي أنا يا جواد، أنا أول حب في حياتك، أنا حب الطفولة. وعايزة أعرف صحيح مش هأثر فيك ولا لا. اديني فرصة أخيرة. مستعدة أكون زوجة تانية. راضية تيجيلي ليلة واحدة. أنا راضية بأي حاجة.
دفعها بقوة حتى اصطدمت بالشجرة خلفها.
أشار بسبابته.
- والله لو آخر ست في الدنيا.
صرخت بوجهه مقتربة من وجهه وجذبته من قميصه تحاول تقبيله. رأت غزل متقدمة إليهما.
- إلحقني يا جواد، أنا دايخة. وفجأة ألقت نفسها بأحـضانه.
وصلت غزل في ذلك الوقت.
- والله حلو الأحضان دي. تفاجأ بوجودها أمامه. معرفش مالها فجأة قالت.
وجدها تذهب تجذب أمل من خصرها حتى أصبحت بأحـضانه بالكامل، متجهًا بها لمنزلهما. أوقفته عندما رجعت.
وبكوب كبير ألقته بوجهه. قفزت أمل.
- إنتِ مجنونة يابت، قالتها أمل بغضب.
رفعت حاجبها.
- كنت بفوقك ياروحي، أصل جوز حبيبي قالي إنك تعبانة ومغمي عليكي.
كانت تمسك قميص جواد وتلقي نفسها بأحـضانه.
خرج من شروده عندما نظرت إليه بغضب.
فجأة أمسكت أزرار قميصه وفتحتها بالكامل وقامت بخلعه وإلقائه بقوة من النافذة، واضعة رأسها على كتفه.
- اقفل الشباك وامشي يالا.
صمت هنيهة يحاول تمالك نفسه حتى لا يضحك على شراستها. نزل بذقنه على حجابها.
- كدا إنتِ مرتاحة يعني وأنا مفيش غير الحملات دي.
لكمته وهي مازالت بوضعها.
- امشي، متخلينيش أغبى عليك. وقت ما نوصل هنوقعك في البانيو عشان راحتك. دي مش خايفة على جوزك حبيبي ياخد برد.
- اوف، خلاص.
استدارت تخطف جاكيته الشتوي.
- امسك، البسه وأول ما نوصل نرمي هدومك نرميها في الزبالة.
ابتسم بحب لها.
قام بفك حجابها. يستنشق شعرها وهو يشاكسها.
- غيرتي ريحة البرفيوم بتاعك إمتى ياروحي؟
اعتدلت سريعًا ونظرت له شرزًا.
- والله كمان نسيت ريحتي.
ظلت تلكمه بغضبها ونيران قلبها المشتعلة. ظل يقهقه عليها. مطوقها بقوة. وضع وجهها بين راحتيه.
- بموت فيكي ياهبلة.
لامس جانب وجهها.
- دي كانت بتقولي عايزة أطلقها من الولد اللي جوزتهولها.
اعتدلت مضيقة عينيها.
- وياترى حضرتك مالك بطلاقها وجوازها، يكونش حضرتك مأذون؟
قاد السيارة بدون حديث. ظلت تتأكل في أصابع يديها من غيظها وبروده. قام بتشغيل كاسيت السيارة وبدأ يدندن مع الأغنية. استشاط داخلها من بروده واستفزازه لها.
نظر لها نظرة جانبية. ملامحها الجميلة البريئة التي تؤثر قلبه وهي عابسة، جعلته يبتسم محبًا لوحتها الرائعة التي رسمها. نظراته كانت تتفحص وجهها.
صوبت له نظرات نارية.
- مالك ياحضرة الضابط منكشح أوي كدا ليه؟ ماتفرحني معاك.
قطب جبينه بعدم فهم.
- تقصدي إيه يازوزو؟ علشان فرحان وبغني. ما أنا لازم أغني. إنتِ مش معايا، إيه اللي يخليني مضايق.
تحركت أنامله بخفة على ملامح وجهها الذي يعشقها. خرجت تنهيدة من جوفه أحرقت بحرارتها بشرتها الناعمة.
- لو مفرحتش وأنا مالك السعادة دي كلها، يبقى أنا إنسان جاحد لنعم ربنا.
تبادلت النظرات بينهما وتحاكت العيون بالكثير والكثير.
لم أحلمْ يومًا بامتلاكِ العالم
حلمتُ فقط بامتلاكِ قلبِك
.....
اليوم امتلكت العالم لأني امتلكتك.
اقتربت منه ووضعت رأسها على كتفه. حا ضنه ذراعه، متشابكة الأيدي.
- حبيبي.
- أنتَ تمثِّل لي الشَّطرَ الأروعَ من هذا العالم..... إن لم تكن العالم وبما فيه.
همس في أذنيها.
- وحشتيني، ونفسي أوصل في خلال دقايق علشان آخدك في حضني.
ارتجف جسدها من شدة ما كانت كلماته تدغدغ مشاعرها. رفعت رأسها تطالعه بنظراتها العاشقة. كان قريبًا من وجهها حتى تلامست شفتاها بذقنه.
- بحبك أوي.
خفق قلبه بشدة. نظر لها وتمنى أشياء كثيرة. جذبها مطوقًا جسدها بقوة.
- نامي مكانك لحد ما نوصل المطار.
اعتدلت تناظره.
- إحنا هنرجع بالطيارة. إنت عارف مبحبش ركوب الطيارة والمسافة مش بعيدة.
جذبها مرة أخرى.
- إحنا مش هنروح القاهرة، رايحين مكان تاني. ومش عايز أسئلة. نامي علشان شوشو بيقولي على حاجات. استغفر الله العظيم. مسمعش صوتك إلا لما نوصل.
- مش مهم رايحين فين، المهم إننا مع بعض. همست بها لنفسها، ورغم همسها الخفيض إلا أنه سمعها.
نزل بأنفه يستنشق رائحتها العبقة، ناظرًا للطريق مرة وإلى ملامحها وهي تضمه مرة أخرى. بعد فترة وصلا إلى المطار.
ركبا الطائرة التي أقلعت بهما إلى شرم الشيخ.
في الفيوم.
بعد انتهاء الحفلة. أمسكها من يديها متجهًا بها لمنزل والده. كانت تتهادى بخطواتها بسبب ثقل حملها. حاوط جسدها متجهًا لغرفتهما. ضحكت فجأة. ناظرها.
- مالك ياحبي.
جلست على الأريكة، ترفع ساقيها على المنضدة ومازالت تضحك.
- كل ما افتكر غزل واللي عملته في أمل، وأنا بموت ضحك.
قطب جـبينه متسائلاً.
- غزل وأمل؟ ليه عملت إيه؟
جلس بجوارها.
- أمل فضلت تعاندها ورقصت قدام جواد. وفجأة عملت نفسها إنها دايخة وسندت بجسمها كله عليه وهو واقف. راحت غزل المجنونة بكوباية ميه ودلقتها فوقيها، خلتها تنط وتصرخ.
قهقه حازم عليها.
- جدعة والله. مع إن أمل بنت عمتي، بس الصراحة عيارها فالت، محبتهاش.
قاطعهما اتصال هاتفي.
- مين بيتصل دلوقتي حبيبي؟ معقول جواد.
رفع حاجبه بمعنى لا.
- أيوه يا مرسيليا. فيه حاجة متصلة بيا دلوقتي ليه؟
- حازم، أشعر بألم في بطني، يكاد يطيح بي. أريد طبيب. ممكن أن تحضر لي طبيبًا.
ضم مليكة لحضنه ولف ذراعه حول جسدها.
- آسف مرسيليا، أنا لست بالقاهرة. هتصل بطبيب يذهب إليكي. ابعتي اللوكيشن.
وقفت وبدأت تصيح بوجهه.
- إنني أقول لك أتألم. ويكون إجابتك لي كهذا؟ عفوا سيد حازم، أشكرك على اهتمامك.
- أنا عملت اللي أقدر أقدمهولك. أنا برة مصر. حتى ولو موجود مستحيل أجيلك دلوقتي. عايزة دكتور، ابعتهولك. مش عايزة، براحتك.
أغلقت بوجهه وبدأ تطيح بكل ما تطاله يديها. صرخت بقوة.
- سأجعلك تندم أيها المغرور.
كان يجلس بجوارها يشرب شرابه المفضل وهو ما يعرف بالخمر.
- قولتلك ابعدي عن هذا الحازم، لكنك غبية مارسيلى. ضيعنا وقتنا. لماذا لا تشعرين بي أنني أحترق بلهيب عشقك.
صرخت أمامه.
- جاك، ماذا تعتقد أنني أترك حبيبي، لمجرد أنك معجب بي. لن أكون مارسيل إذا ما جعلته يأتيني حبوا عند حازم.
بعد إغلاقه للهاتف، سند جبهته فوق جبهتها، وتحدث مغمضًا عينيه وبدون سيطرة على مشاعره. ضمها بقوة إليه.
- طبعًا، أنت عارفة من زمان موضوع مارسيل. أنا رفضت الشراكة معايا، وخلّيت صهيب يلتزم بكل حاجة. محبتش أظلمهم بمكسب شراكة مع شركات والدها. إنتِ عندي أهم من أي مكسب. صدقيني لو كنتي رفضتي، كنت قطعت العلاقة تمامًا، بس انتِ أصررتي على الشراكة.
مسد على خصلاتها واضعًا رأسها عليه.
- إنتِ حياتي وما فيها ياروحي.
هدأت روحها الثائرة بداخلها ما إن استمعت لحديثه ليطيب خاطرها. رفعت وجهها إليه ونظرت له بعيون عاشقة.
- ليه أرفض مكسب زي دا؟ بدل أنا واثقة فيك يا حبيبي. ربنا يخليك ليا يا أجمل زوج في الدنيا.
عند صهيب.
دخل الغرفة ينتظرها. كانت تجلس مع والدته وحسناء بعد انتهاء الحفلة. ظل يدور في الغرفة، يجلس مرة، ويقف مرة، يمسح على وجهه بعنف، من برودها واستفزازها له.
بعد فترة دخلت وجدته على حالته. قطبت جبينها.
- قاعد كدا ليه يا صهيب؟ مغيرتش هدومك ليه حبيبي.
جذبها بقوة ناظرًا لها شرزًا.
- كنتي فين بقالك أكتر من ساعة.
استغربت من هجومه عليها. جاوبته بسخرية مقيتة من أسلوبه.
- كنت باتفسح على الكورنيش. جلست واضعة ساقًا فوق الأخرى.
صُعق من رد فعلها. اقترب منها، وحاول الثبات قدر المستطاع حتى لا يغضبها.
- نهى، أنا طلعت من ساعة. إنتِ ما طلعتيش ليه بعدي حبيبتي.
حركت حاجبيها بطريقة طفولية قاصدة استفزازه.
- ليه ياقلبي؟ كنت مستني الرضعة ولا إيه.
ضربت يـدًا بالأخرى.
- كنت قاعدة مع ماما نجاة وطنط حسناء، وهم بيعـايدوا غزل. قولت أكلمها بالمرة. ماهو نسيت أقولك.
- جواد أخد غزل شرم الشيخ يحتفل بعيد ميلادها الأربعة وعشرين. شوفت الحب.
مسح وجهه براحته يتمتم.
- يارب صبرني ما أفقدش أعصابي عليها الليلة.
ضغط على قبضة يديه بعنف، وحاول يتنفس بهدوء ناظرًا لها.
- عارف إنهم في شرم، جواد قالي. دول لسة متجوزين بقالهم ست شهور، يعني عرسان ياقلبي.
رفعت حاجباها بسخرية.
- أيوه فعلًا، وإحنا متجوزين بقالنا ستين سنة. المهم، عشان متقولش بنق عليهم. ربنا يسعدهم. إنت كنت عايز إيه؟
اتسعت حدقتاه شيئًا فشيئًا.
- متعرفيش عايزك ليه يانهى. المفروض كان عندك حقنة من نص ساعة.
ضيقت عينيها وأردفت.
- نعم ياحبيبي؟ حقنة؟ هو إيه الموضوع بالضبط؟ من فترة بطنك بتوجعك، ودلوقتي حقنة. والله ياصهيب ما أنا سيباك ولا هأجل لك اللي في بالك.
قهقه عليها بضحكات صاخبة. أخيرًا أخرجها من برودها المتصنع. جذبها لأحـضانه.
- والله العظيم إنتِ مجنونة. والله عندك حقنة، أنا مردتش أقولك عليها، بس حقيقي لازم تاخدي حقنة حبيبتي عشان التثبيت.
خرجت من أحـضانه تسرع إلى المرحاض عندما نفذت رائحته إلى رئتيها. ذهب خلفها وجدها تستفرغ ما في معدتها بطريقة مؤلمة. حاول أن يساعدها ولكنها وضعت يديها أمامه.
- أنا كويسة. أبعد ريحة برفانك قلبت معدتي.
صدمة زلزلتـه. حبيبته تشمئز من رائحته.
في شرم الشيخ.
دخل إلى القرية السياحية التي مقرر أن يقضون بها بعض الوقت.
- جواد، ليه جايبنا شرم في الشتا؟ الجو بيكون ساقعة أوي هنا.
جذبها من يديها متجهًا للشاليه.
- إحنا في آخر الشتا، الجو مش ساقعة أوي. غير إن الشتا شرم بتكون هادية، وإنتي بتحبي المناظر الطبيعية. فقولت نقضي يومين هنا ويومين في سيناء.
دخل الشاليه. المكان مجهز لاستقبال عروسين، ولكن كتب عليه بالقلوب الحمراء والفراشات الرقيقة. Happy birthday Ghazel. كانت إضاءته خافتة وتزيينه من اسمها بجميع اللغات، ناهيك عن رائحته الخلابة، والطعام الموضوع بأحد الأركان.
قامت برفع فستانها وتحركت لداخله. دارت حول المكان بابتسامة حالمة. اتجهت له وقبلته من خديه.
- إنت عامل حسابك بقى على كل حاجة.
كان يقف ساندًا على جدار الحائط يضع يديه بجيب بنطاله ينظر لانبهارها بالمكان. صعدت إلى الأعلى. كان عبارة عن غرفة فقط بحمامها. وضع على الفراش فستان سندريلا باللون الأبيض، وتاجًا خاصًا به، وبجواره ملابس خاصة بالنوم.
أمسكت الفستان ونظرت له. أغمضت عينيها عندما تخيلت كيف ستكون ليلتهما سويًا. خرجت ونزلت للأسفل. وجدته يقوم بإشعال الشموع وإغلاق جميع الإضاءة.
حـضـنته من الخلف واضعة رأسها على ظهره.
- إيه المفاجأة الحلوة دي.
استدار إليها.
- حلوة المفاجأة. حبيت نحتفل زي كل سنة لوحدنا. أنا جبتلك أكل على ذوقي بس مش حمام ولا كوارع. عارفك بتحبي السي فود كتير. عشان كدا طلبت منك متاكليش هناك.
اقترب جاذبًا خصرها.
- متخافيش، أعرف فايدته كمان.
ابتسمت ناظرة للأسفل. سيطر الخجل عليها كليًا وشعرت بدقات قلبها العنيفة في صدرها. ودّت لو خرجت من ضلوعها.
رفع ذقنها، وثارت قلبه على برائتها وخجلها الذي جعل خدّيها كحبة فراولة آن وقت جنيها. بعشقه اقترب، ملتقطًا ثغرها ليتذوق شهد عسلها الطاغي بنضاتها له. نعم، أصبحت له ترياق الحياة، كما أصبح لها نبض الوريد.
وضعت رأسها في حنايا عنقه، تتمسح به كقطة أليفة.
- جود حبيبي، هحبك أكتر من كدا إيه.
أخرجها من حـضنه يناظرها بعشق.
- و جود مش عايز غير إنك تحبيه وبس. نفسه يحطك جوا قلبه ويقفل عليكي عشان محدش يشوفك غيره. تعالي شوفي التورتة بتاعتك دي مفاجأة.
نظرت إليها بجانب النافذة متسائلة.
- مالها دي؟
- جبتلك نوع الشوكولاتة اللي بتحبيه.
قبّلته بخديه. رفع حاجبه وأردف مستاءً.
- حاليًا مقبولة. تعالي. تعالي ناكل الأول وبعد كدا هنقعد للصبح. وأغنيلك وأعملك اللي انتي عايزاه. أتمنى بس النهاردة، وأنا تحت أمرك.
جلس وأجلسها بجواره. بدأ يطعمهما مع كلماتهم عن أنواع الأسماك التي يتناولونها. بعد فترة، انتهى من الطعام. متوجهين لغرفة المعيشة.
- دلوقتي هنقعد. أفتحلك قلبي من أول ما حسيت إني بتنفسك.
وضعت وجهه بين يديها.
- معقول إنت جواد اللي وجعني السنين دي كلها؟ معقول تبقى بتحبني كدا، وتسيـبنا نتوجع؟
اشتـبكت عيناه بعيناها التي سحرته منذ صغرها. جلس على المقعد وأجلسها على ساقيه، جامعًا خصلاتها على جانب واحد من كتفها.
- روحي البسي فستانك وأنا منتظـرك.
بعد فترة اتجهت للاسفل.
- نزلت بكعبها العالي وفستانها الأبيض القصير الذي يشبه الأميرات.
وصلت لعنده كان ينظر لخطواتها وكأنها تخطو فوق نبضات قلبه. وقفت أمامه مبتسمة. حملها ودار بها.
- أميرتي كبرت سنة كمان. تعرفي كل سنة اليوم دا أجمل أيام حياتي.
تلمست ذقنه النابتة.
- النهاردة هعرف كل خبايا حبيبي.
داعب وجهها بأنفه.
- حبيبك معندوش خبايا ياقلبي.
ظلت تلمس ذقنه مع نظراتها العاشقة له. أثارت جنون عشقه ونيران لهيب قلبه. قبل يديها المرفوعة على وجهه.
- تحبي أحكيلك من إمتى؟ من يوم الولد بتاع إعدادي، ولا من يوم ما تيتا قالتلي إن غزالتك بقت آنسة.
جحظت عيناها من كلماته.
- تقصد إيه؟ سؤال راودها بدون فهمها لكلامه.
فرد جسده على الأريكة ضامًا إياها لصدره.
- لما رجعت من الجامعة. أنا وباسم اليوم دا عمري ماهنساه. كان عندك خمس سنين وكان مقرر عيد ميلادك. نزلت أنا وباسم عشان نشتريلك هدية. اليوم دا باسم كان هيضر بنى. مفيش حاجة عجبتني خالص.
ضحك عندما تذكر.
- فاكرة جبتلك هدية إيه؟
رجعت برأسها على كتفه وهي تلمس صدره بحب.
- أيوه، جبتلي التابلت اللي كنت طلبته من جاسر، وكمان دب كبير أوي اللي قطعته لما رحت خطبت النسناس بتاعك.
قالتها ثم لكمته بصدره.
اقتطف قبلة عندما وجدها عبثت كالأطفال بغيرتها المحببة لقلبه.
- بالضبط حبيبي، هو اللي قلت عليه.
لامس خديها.
- مش كل مرة هقولك.
- مكنتش أعرف شعوري يا غزل. كنت فاكر شعور أخ لأخته.
استدارت وجلست بمقابلته.
- عرفت إنك بتحبني قبل خطوبة ندى ولا بعدها؟
أعاد شعرها المتناثر عن عينيها للخلف. مرر يديه على شفتيها، ثم رفع نظره.
- هتفرق يا غزل. إحنا اتجوزنا خلاص.
... وأنتِ في حضني دلوقتي. ومش بس كدا، أغلى عندي من الدنيا كلها.
نظرت له بنظرات تقطر عشقًا واقتربت وقبلته على شفتيه قبلة خاطفة.
- لو سمحت يا جواد، احكيلي كل حاجة. مش عايزة أي حاجة حتى لو بسيطة معرفهاش.
تمركزت عيناه على شفتيها التي قبلته. وقف فجأة وأحضر قطعة من كيك عيد الميلاد، وبدأ يطعمها.
- عارف إنك بتعشقيها.
قامت بمضغها بهدوء وهو ينظر لها ويحدث حاله.
- كيف لك يا رجل تتمتع بكل هذه السعادة دون أن تشكر ربك عليه؟ لقد وعدت ربك وأخلفت وعده. أين وعودك وعهدك للواحد القهار.
قاطع حديثه مع نفسه عندما بسطت يديها بالشوكة لتطعمه مثلما أطعمها.
- اقترب والتقط شفتيها التي تلونت بالشوكولاتة، متذوقًا طعمها باستمتاع.
- اممم، أجمل كيك أكلته بطعم الفراولة.
ضيقت عيناها.
- فراولة؟
لمس شفتيها.
- بقى عندي أطعم شوكولاتة وأروح آكل من الشوكة.
وضعت رأسها في صدره عندما شعرت برعشة تسري بعمودها الفقري.
- اليوم دا رجعنا البيت، كنتي بترقصي مع سيف، والكل عمال يصقفلك. أضـيقت جدًا معرفش ليه. ممكن عشان تأخيري مفرقش معاكي، ولا عشان رقصك مع سيف اللي كنتوا قريبين أوي من بعض، وكان مترشح بقوة لجوازك. ولا عشان إنتِ صغيرة أوي على دقات قلبي. الوقت دا علاقتي اتقطعت بأمل خالص، وبدأت أربط حاجات مكنتش واخد بالي منها.
تنهد بألم لبعض ذكرياته الحزينة. رفع ذقنها ونظر لمقلتيها وأكمل استرسال حديثه.
- أصعب حاجة على القلب إنك تفضل تعانديه وتتمردي على نبضاته. كنتي بتكبري قدامي وكل سنة في عيد ميلادك أخاف من اللي قبله. طاقتي بدأت تتلاشى، لحد ما جيتي لسن السبعتاشر، وغزل كبرت والعرسان بدأت تدق الأبواب. كان في اجتماع لجميع ممولي الشركة والكل لازم يحضر. حضر الجميع، قبل طبعًا مانشتري الأسهم كلها. واحد قعد جنب والدك الله يرحمه وقاله كدا: إحنا عايزين نقوي العلاقات يا ماجد، إيه رأيك في النسب؟ أسامة شاف بنتك وعجبته.
وضع يديه على صدره عندما تذكر ذلك الحوار. وبدأ صدره يتأجج بالنيران.
- ولا يوم ماشيهيناز قالت سامح هيخطب غزل. ولا يوم ما عاصم وأبوه جم.
بدأ يحرك يديه على صدره كي يهدئ من نيرانه الداخلية.
- نـظر إليه. دا كله كان بيحصل قدامي وأنا عاجز، مش قادر أتكلم. مش عارف أقول إيه. خوفت يبصولي بطريقة مش كويسة، وأنا أصلًا مش متأكد إن شعوري دا صح ولا لا. كل اللي حسيت بيه: أي حد يقرب منك هقتله.
رفعت يديها من على صدره، وبدأت تدلكه بهدوء مع عبراتها التي انسدلت.
- قبّل دموعها واضعًا جبينه على خاصتيها.
- في الوقت دا اتعرفت على ندى في فرح باسم. كانت قريبة إيمان مراته. وأخدت رقمي منها. واتكلمنا مرة ومرة عزمتني على مشاهدة حلقة لايف في البرنامج بتاعها. ورغم كدا كنت كل ما أرجع البيت أنسى كل اللي حصل معايا طول اليوم، ومش عايز غير إني أضمك لحضني وأطمن عليكي.
زفر بحزن، وأكمل استرسالا.
- لو حسيت بدقات قلبي وإنتي قريبة، كنت بعنف حالي على كدا. مرة في مرة اتأقلمت على الوجع ورضيت قلبي إن دا العشق الحرام.
قطبت جبينها وتسائلت.
- عشق حرام؟ إنك تحب حد بيموت فيك، بيكون عشق حرام.
ارتجفت شفتيها من كلماته التي صد متها.
- أنا كنت عشق حرام.
جذب رأسها لصدره وتنهد بحزن، يهرب من آلام قلبه وقلبها في ذلك الوقت. حاوط جسدها بيديه.
- كنتي بتقولي يابابا يا غزل. عارفة يعني إيه فضلت تقوليلي يابابا لحد خمس سنين وبعد كدا أبية. إزاي أتقبل دقات قلبي.
أكمل معقبًا.
- مكنش ينفع أبدًا. أنا كنت عامل زي الغرقان ومفيش حد ينقذه. دخلتلي ندى وبدأت تقرب مني وأنا حسيتها منقذي. البنت كانت كويسة. شوفت فيها حاجات حلوة. أقنعت نفسي بحبها وكل مرة أقول لقلبي دي حبيبتك.
صرخت بوجهه واضعة يديها على أذنيها.
- كفاية يا جواد لو سمحت.
ضم وجهها بين راحتيه.
- لازم تسمعيني وتعرفي أد إيه اتعذبت واتكوّيت. وفي الآخر اتهمتيني إني اتجوزتك عشان وصية.
وضعت يديها على شفتيه.
- انسى أي حاجة، خلاص أنا نسيت.
دخلت في مرة عندك فضلت أخبط على الباب. كنتي تعبانة وقاعدة في الحمام وماسكة بطنك وبترجعي وحالتك صعبة. قلبي وجعني من شكلك. شيلتك وماما جت على صوتي. كان جسمك كله عرقان. كنت رايح أجيبلك دكتور. ماما قالتلي خلاص يا جواد هي هتنام وترتاح.
صرخت بوجهها.
- دي بتموت ياماما، مستحيل أسيبها كدا.
مشيت خطوتين، وقفت ومعرفتش أرد.
- لما قالتلي دي حاجات بنات ياحبيبي روح أنت على أوضتك وأنا هعملها حاجة سخنة.
وضعت رأسها في عنقه خجلًا. ابتسم على خجلها رغم آلامه من ذكرياته.
- تعرفي حسيت بإيه؟ وقفت وكأن في حد ضربني بعصاية غليظة على ضهري عشان أحس بالوجع أوي وأفوق وأرجع أعرف إنك خلاص مَعَدش يربطني بيكي حاجة.
أكمل مسترسلاً وهو يمسد على شعرها.
- تاني يوم روحت لندى وطلبت منها الجواز. وشرطت عليها لحد ما تخلصي.
ضحك بخفة. كان معظم كلامي معها عليكي. ابتسم بسخرية.
- روحت خطبتها عشان أنساكي. مكنش فيه لقاء بينا يخلو عنك.
لامس خديها مقبلاً.
- كل دا حاجة، وحضرتك لما جيتي ووقفتي قدامي وقولتي إنك بتحبي واحد تاني.
أشار لقلبه.
- دا كأنك حطيتي فيه بنزين وولعتي فيه بدون رحمة. هنا بس عرفت إني بحبك وبجنون. كان نفسي أموتك وأموت نفسي.
أغمض عينيه ورجع بجسده للخلف ساندا رأسه على الوسادة.
- وقتها عرفت إنك العشق الممنوع لآخر العمر. كملت خطوبتي، كان لازم أكملها. مكفكيش اللي قولتيـه. جيتي وفضلتِ تترقصي لي في الخطوبة. بقيت عامل زي الغبي مش عارف إنتِ لدرجة دي مبسوطة من وجعي. لا ورايحة تترقصي بكل جبروت وتوري جسمك للناس.
ضغط بيديه التي كانت تحتضن خصرها عليها بالقوة حتى شعرت بألمها.
- مستنية أصقف لك على عرضك.
صرخت من ضغطه على خصرها. جذبها حتى نامت على صدره مقبلًا رأسها.
- آسف حبيبي، وجعتك صح.
هزت رأسها بلا.
- كمل. سمعاك.
أخذ شهيقًا ليملأ رئتيه ثم طرده بهدوء.
- رجعت البيت وقتها ومفيش حاجة قدامي غير إني آخدك بحضني وبس. بعد مشيتك مع حازم، كنت بعد بالدقيقة حتى أنهي الحفلة اللي من يومها وتأكدت إن قلبي هيفضل يعاني العمر كله. رجعت ولقيت كلام شاهيناز عن سامح أخوها، وإنتي عارفة الباقي.
- عشان كدا سهرت معايا طول الليل على العجل.
وضع رأسها بين يديه.
- كنت عايز أثبت لنفسي إنك ملكي أنا وبس. بس كالعادة أنب نفسي وأصحيها من كابوسها.
- بس اللي اداني أمل اعترافك بحبي، ونظراتك ليا بعد ما خطبت ندى، غير بعدك عني.
أمسك يديها واضعًا إياها على نبض قلبه.
- اتوجعت كتير أوي حبيبي، واللي وجعني أكتر لما قرأت مذكراتك بدموعك. بس كان خلاص كل حاجة بقت تمام.
- صهيب كان يعرف بحبك.
مسد على خصلاتها مبتسمًا.
- أهو دا الوحيد اللي قفشني وحس بيا.
تذكر ذلك اليوم.
- وقف أمامه: إنت بتحب غزل.
أشار بسبابته.
- ومتقولش زي مليكة، لأنك مهما تهرب مش هتقدر تواجه كتير.
لكزه في صدره.
- القلوب ما علاهاش سلطان يا جواد، والحب مش عيب ولا حرام. عارف الظروف صعبة، بس مندَفنِش نفسنا لمجرد أوهام، ونريح نظرات الناس.
قبضة قوية اعـتصرت قلبه. صمت هنيهة يحاول أن يلتقط أنفاسه.
- إنت اتجننت يا صهيب، إيه اللي بتقوله دا؟
تحرك صهيب ووقف أمامه ينظر لمقلتيه.
- بتضحك على مين يا جواد؟ إنت مكنتش شايف نفسك النهاردة بتعمل إيه. دا شوية وكنت هتموت البت في إيدك. إيه يعني لما تحب واحد.
احترق قلبه ولسانه عاجز عن الرد. دار صهيب حوله.
- إحنا نشوف الولد لو كان كويس يبقى على خيرة الله.
- اخرس يا صهيب، متكملش. سمعتني. إياك أسمع صوتك تاني.
قالها عندما فقد عقله، وألم اجتاح كيانه. لم يعد يشعر بنفسه إلا وهو يثور كالأسد المفترس الذي خرج من عرينه يبحث عن طعامه بلهفة.
- محدش له الحق فيها دي. أنا وبس. سمعتني؟ أنا اللي أقول دا آه ودا لأ.
جلس صهيب ووضع ساقه فوق الأخرى.
- تمام يا حضرة الضابط، حفظت شعرك النبيل. وبكرة الصبح هخلي البيت كله يسمعه. بس ياترى بعد أشعارك الحلوة دي، إيه العمل بقى؟ هتفضل تقنع نفسك وتقنعني بكدا. إنت بتظلم تلاتة. غزل، ندى، إنت. خطوبتك بكرة يا جواد، إنت لسة في الأول.
لا يزال متسلحًا ببروده. ضحك عليه.
- شكلك اتجننت يا حضرة الدكتور.
تركه وغادر.
خرج من شروده.
- دا اللي صهيب قاله، لحد ما جاسر استشهد، والباقي طبعًا اللي عملتيه إنتِ وهو.
أخرجها من أحـضانه.
- كنتوا متفقين عليا يابت.
ضحكت عليه عندما تذكرت ذلك اليوم الذي اعتبرته من أجمل أيامها. اقتربت وجلست على ساقيه، مداعبة خديه.
- عايزة أقولك كنت بارد ومستفز بطريقة لا تطاق.
رفع حاجبه متحدثًا بتهكم.
- يعني عشان كدا رايحة تلعبي مع صهيب يابت؟ قولي. سامعاك.
نامت على صدره متذكرة حديث صهيب.
دخل صهيب وجدها تبكي بأحـضـان مليكة.
- هقولك على حاجة وتأكدي إن دا لمصلحتك إنتِ وجواد.
- اتأكدي إن جواد بيحبك ومش بيحبك بس، لا بيموت فيكي. وأظن إنت مش عبيطة وتعرفي تميزي كويس بين حب الحبيب وبين الحب الأخوي.
ضيقت عينيها.
- إنت بتقول إيه؟ جواد.
وقفت أمامه وتساقطت دموعها.
- إنت ليه بتضحك عليا؟ أنا راضية بحياتي وأتمنى له السعادة من قلبي، والله.
ثم أكملت مفسرة.
- شكلك نسيت إن كتب كتابي بعد كام يوم.
صرخ بوجهها.
- بيضحك عليكي ياهبلة. جواد.
أمسك يديها.
- زوزو، إنتِ بتثقي فيا؟
أومأت برأسها.
- أكيد، بس أنا مش رخيصة عشان أرمي نفسي عليه.
- بس يابت مين قالك إنك رخيصة. بقولك بيحبك وبجنون كمان، بس خايف من كلام الناس. اسمعي مني بس.
نظرت مليكة إليها.
- اسمعي كلام صهيب حبيبتي ومش هتندمي. جاسر، قالي إنه بيحبك. جواد اعترفله بكدا والله.
انتهت ورفعت رأسها له.
- بعدها دخلت والشـرار في عيونك الحلوة دي وجاي تخوّفني بيها.
استندت بيديها على صدره تطالعه كالقطة الشرسة.
- فاكر قولت إيه وقتها.
ضمها لحضنه وهو يضحك بصوته الرجولي.
- يابنتي من وقت ما شيلتك وإنتِ عندك شهر، وقولت البت دي تخصني.
لكمته بصدره.
- شوف مين اللي بيقول. دا إحنا سوقنا عليك ذباب وناموس المنطقة.
ظل يضحك عليها ويهمس لها.
- لو فضلتِ شوية بس تغلطي عليا بهبلك، صدقيني كنت عملت حاجات تانية.
وقفت سريعًا بقدميها الحافيتين ووضعت يديها بخصرها.
- كنت هتعمل إيه قولي؟ عايزة أسمع حضرة البارد.
جذبها بقوة حتى سقطت بحضنه.
- كنت خدتك كدا في حضني.
ظل يقبلها حتى أصبحت تبادله قُبـلاته بكل لهفة وعشقًا. حملها متجهًا بغرفتهما. وضعها على فراشهما.
- هجيب العود من تحت وراجع لك.
وقفت متجهًا للمرحاض وقامت بتغيير ملابسها وارتدت منامة (قميصًا) أحمر يظهر بشرتها الحليبية الناعمة، وسيقانها كان ما قبل ركبتيها مفتوحًا بالكامل من الصدر والظهر. صعد للأعلى ولم يجدها. استمع لصوت المياه علم أنها بداخل المرحاض. خرجت حافية القدمين تتحركان ببطء نحوه بتناغم بحركاتها الهادئة. اتسعت عيناه من مظهرها الخلاب. جلست بجواره على الفراش. أمسك العود وحاول أن يلتقط أنفاسه وينظمها. بدأ يدندن لها (لو أقولك إني بحبك الحب شوية عليك). وضعت رأسها على كتفه وبدأت تغني معه مرة وتضع يديها بخصلاته مرة، مع قُـبلاته لها. انتهى من أغنيته ووقف وامسكها وبدأ يتراقص معها على الموسيقى الهادئة المنبعثة من هاتفه. ضمها من خصرها بقوة واضعًا رأسه بخصلاتها مستنشقًا رائحتها. رفعها من خصرها وبدأ يدور بها، وهي تضحك بسعادة من ذلك العاشق المتمرد. ثنت ساقيها وطوقت عنقه تناظره بابتسامتها الخلابة لقلبه. أنزلها بهدوء ومازال يضمها.
- كل سنة وإنتِ دايما في حضني ومبسوطة.
ردت بصوت كادت أن تهمس به من كثرة مشاعرها.
- كل سنة وإنت حبيبي ومحاوطني بحنانك. كل سنة وإنت معايا وبتفاجئني.
بهدوء ظاهري وبنبرة عميقة ومشاعر مسيطرة. اقتربت من شفتيه.
- والسنة الجاية ابننا يكون معانا.
وضعت رأسها على صدره.
- جواد، نفسي أجيب ولاد منك أوي. نفسي أحس بحاجة منك جوايا.
ظل يتراقص بصمت، يتمنى أكثر منها. ولكن كيف لها بذلك الوقت، من إجهادها، ومحاصرته من جميع الجهات.
خرجت من أحـضانه.
- حبيبي، مبتردش ليه؟ عايزة نجيب ولاد.
أطلق تنهيدة.
- اصبري السنادي كمان. إن شاء تخلصي بس الماجستير.
مسح على شعرها الناعم.
- أنا عايز أكتر منك، بس أهم حاجة راحتك وبعد كدا كله يهون.
رفعت نفسها وقبّلته على خديه.
- كتير عليا السعادة دي حبيبي. كل حاجة اتمنيتها عايشها.
جذبها متجهًا لفراشهما.
- تعالي نكمل كلامنا.
وقفت وهي تضع يديها بخصرها.
- لا، أكيد بتهزر. هنفضل نتكلم طول الليل.
قهقه عليها بصوت مرتفع. ضمها لحضنه ومازال يضحك.
- جواد، متستفزنيش. بطل ضحك.
نظر إليها وعينيه أدمعت من كثرة ضحكاته.
- طيب نعمل إيه.
لكمته في جنبه متجهة للفراش، وتوردت خدودها من تلميحاته.
- عايزة أنام وإياك اسمع صوتك تاني.
وجدت نفسها فجأة في الهواء عندما حملها.
- بعشقك يابت يازوزو على برائتك وعفويتك دي.
داعب وجهها بأنفه.
- تنامي قبل ما نحتفل؟ ينفع تضحكي عليا بالقميص اللي منور في عينيا دا؟ دا حتى لونه أحمر وليلتنا حمرا إن شاء الله.
- جواد، نزلني بقولك أهو. وحياة ربنا أصوت وألم عليك الناس يابارد إنت.
- والله لو عملتي إيه بقالي ساعتين بشرح نظري وأهيأ وفي الآخر تنامي قبل ما أدخل العملي. دا إنتِ أكتر واحدة تعرفي العملي أساس النجاح ياحبي. وحشتيني أوي يازوز... أوي. إزاي يجيلك قلب تنامي وتنسي معزوفات حبيبك. ينفع تنامي قبل ما تكتبي بأنفاسك نبضات قلبه.
وضعت رأسها في حضنه. حبست أنفاسها داخل صدره.
- جواد، كفاية.
وضع يديه على شفتيها.
- مش عايز أسمع غير إني وحشتك وبس.
وضع يديه يتلمس بشرتها الحريرية بطول ذراعها. أثارت نعومة بشرتها حواسه. لف خصرها بذراعه مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط بأنفاس تتثاقل شيئًا فشيئًا. حملها وضـمها لصدره لتسمع نبضاته العازفة بقصة عشقه وثغره. لم يفصل ثغره بقبلاته الملتهبة مع كلماته ولمساته التي بعثرت كلاهما. بدأ يرويها عشقه الدفين لسنوات، عشق بخلاياه النابضة، يخصها وحدها دون غيرها. أعاد روحها الغائبة. تخللت أنامله الرقيقة بخصلاته تبعثرها متلذذة بعشقه المجنون. ظلا على هذه الحالة فترة ليست بالقليلة إلى أن ذهب في نوم عميق.
في الفيوم.
في مكان هادئ بين الفلتين بالحديقة. أقام مخيمًا بسيطًا مع حفلة رومانسية بسيطة حضورها هو وهي فقط. كانا يتمشيان مع التناغم الموسيقي الأجنبي الهادئ.
- ألف مبروك حبيبتي. النهاردة أنا أسعد واحد.
وضعت رأسها بحضنه.
- الله يبارك فيك ويحفظك ليا العمر كله. ميرنا، أنا بحبك بجنون من أول ما عيني وقعت عليكي. وحياتي كلها اتغيرت للأحسن. أتمنى حياتنا كلها حب وسعادة وثقة.
وزع نظراته على وجهها.
- أنا مبسوط أوي بحجابك. مفاجأتك حلوة ياقلبي.
لامست جانب وجهه.
- أنا بحبك أوي ياسيف صدقني ونفسي أسعدك.
قام بفك حجابها لينفرد أمواج شعرها البني الناعم على ظهرها بصورة خلابة.
- المفروض تكوني لابسه ومقتنعة بيه، مش عشان تسعديني حبيبتي.
خلع كاب فستانها فأصبح بحمالات رفيعة أمامه، ليظهر جمال ذراعيها وبشرتها الناعمة. وضع رأسها بعنقه يستنشق رائحتها لأول مرة بهذه الطريقة. أغمضت عيناها، ورجفة أصابت عمودها الفقري مما جعلها غير قادرة على الوقوف. ضـمها من خصرها بقوة عندما شعر بحالتها، ملتقطًا ثغرها في قبلة شغوفة أقرب للالتهام. فصل قبلته وتعمق في النظر إليها. أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه. تو ردت خدودها بحمرة الخجل، ودقات قلبها تنبض بعنف. لأول مرة تشعر بتذبذب بكائها.
بعد شهرين بمدينة الإسكندرية تحديدًا بأحد الشواطئ الشهيرة تجلس بجواره على يخت لأحد رجال الأعمال المشهور. نظرت حولها تستمـتع بنسمات العليل. ابتسمت نغم لها.
- إسكندرية منورة دكتورة غزل.
رمقتها بابتسامة هادئة.
- منورة بأهلها وناسها. جواد كلمني كتير عليكو.
اتجهت بنظارها لمتيم قلبها.
- قصدك عن ريان. قالتها بحالمية عاشقة.
أومأت لها بهدوء.
- بيشكر فيه ومعجب بنشاطه جدًا.
قاطعهم وصول جواد وريان. ألقى جواد تحيته عليهما، جالسًا بجوار زوجته.
- عاملة إيه؟
- الجو هنا حلو أوي يا جواد.
قاطعهم ريان.
- فعلًا إسكندرية عروس البحر المتوسط. أنا مقدرش أعيش في مكات غيرها. أكتر محافظة بحبها في مصر.
- لا طبعًا أحترم رأيك يا بشمهندس. بس اعترض عليه في بعض النقاط. أنا يعتبر زرت محافظات مصر كلها. كل محافظة وفيها ما يميزها. بس أكتر حاجة عجبتني الغردقة وشرم، وجنوب سينا.
طبعًا وافقت نغم الرأي.
- فعلًا يا ريان الغردقة رائعة، كفاية البحر الأحمر والشواطئ هناك تحفة.
- طيب نكمل كلامنا واحنا بنتغدى ياحبيبتي.
جلسوا حول مائدة الطعام يتناولون غدائهم الذي كان متنوعًا من أنواع الأسماك. رفع ريان نظره لجواد.
- متقولش عن أسماكنا حاجة بقى. هنا أحلى وأطعم سمك تاكله.
ضحكت نغم على زوجها.
- ريان منتمي أوي للإسكندرية بكل ما فيها.
ابتسمت غزل برقتها.
- على فكرة إسكندرية بحبها جدًا ومن زمان أوي كنا بننزل نصيف فيها. توجهت بنظرها لجواد. بس طبعًا جواد اتنقل فترة لجنوب سينا فدا خلانا ننقل على الغردقة وشرم.
- عجبتك المستشفى يا دكتورة؟
أردف بها ريان متسائلاً.
- جدًا. ربنا يجعله في ميزان حسناتكم. حلو الأعمال الخيرية أوي. شكرًا يا جواد على كل حاجة.
- على فكرة فيه شريك تالت معانا بس عنده ظروف ومسافر دلوقتي.
ارتشفت من كأسها متذكرة.
- أيوه افتكرته، البشمهندس إلياس. هو إنتِ بتشتغلي يا غزل؟ تسمحيلي أقولك غزل من غير ألقاب.
- أه طبعًا. تقولي اللي يعجبك وبعدين شكلنا هنكون صحاب.
ضحك جواد على زوجته.
- ليه إنتِ مفكرة الإسكندرية جنب القاهرة حبيبتي ولا إيه.
- مش بعيدة برضو ياحضرة الضابط. إحنا على طول بننزل القاهرة وعندنا بيت هناك. البشمهندس صهيب وحازم زارونا مرة هناك حتى قالوا إنك في شهر عسل.
- فاكر حاجة زي كدا. هو البشمهندس عمر فين؟ كنت مفكره موجود.
- عمر برة مصر.
أومأ برأسه متفهمًا. كانت تستمتع بنسمات الريح وهي تتناول طعامها بصمت. قاطعهم وصول الأولاد. اتجه عمر الذي يبلغ من العمر عشر سنوات في ذلك الوقت، وبيجاد سبع سنوات ومالك ذات الخمس سنوات مع مربيتهم.
أشار ريان لعمر.
- تعالى ياعموري، سلم على عمو جواد.
اتجه ينظر له ويرحب بأدبه. أما بيجاد وقف.
- مين عمو جواد دا يابابا؟ أول مرة نسمع عنه.
بسط جواد يديه.
- ماهو لو جيت سلمت كنا اتعرفنا.
- إنت اسمك إيه؟
- هو أنا لازم أقول لحضرتك اسمي من غير مانتعرف.
- ولد يابيـجاد، اتكلم بأدب.
نظر لوالده.
- هو أنا قولت حاجة.
مسد جواد على رأسه مقبلاً.
- ابنك دا يدخل الشرطة هيكون ظابط ممتاز.
ألقى بيجاد نفسه بأحـضـان جواد.
- تصدق حبيتك ياعمو جواد أول ماشفتك. بس أنا عايز أكون طيار.
نظر لوالده.
- شوف الناس اللي بتفهم.
اتجه بنظره لجواد.
- فيه ناس هنا فاهمين الشرطة غلط.
اتكأ بذراعه الصغير على كتف جواد وهو جالس.
- تعرف أنا نفسي أكون ظابط بس حاسسهم باردين وتنكين كدا. بيقولوا الظباط وحشين وبيموتوا الناس.
أطلقت غزل ضحكاتها على ذلك الطفل البريء. رفع جواد حاجبه وأردف بسخرية من صوت ضحكاتها. وريان الذي مسح على وجهه خجلًا من جواد. أما نغم ووضعت رأسها في الطبق تتناول طعامها بدون حديث. جذبـه جواد وأجلسه أمامه.
- ليه الظباط باردين يابيـجاد؟ مين فهمك الكلمتين دول حبيبي؟
أشار على نفسه.
- أنا فهمت دي مش محتاجة ذكاء. هاتلي ظابط كدا تعرف تتكلم معاه كلمتين وهو يحترمك ويسمعك. دول على طول.
- اسمع يامتهم. بتقول إيه ياولد.
حمحم ريان:
- جاد حبيبي اسكت عيب تتكلم كدا. دلوقتي عمو يقول إيه؟ معرفش يربي أولاده.
قاطعهم عمر الذي يجلس بجوار والدته.
- هو عنده حق يابابا. أنا قولتلك قبل كدا الولد بيجاد أكتر واحد بيفهم في عيلتنا. صح ياجاد.
نظر ريان سريعًا بنغم التي أغمضت عينيها من استفزاز أولادها. أمسكت قطعة من الجمبري ووضعت بفمه.
- كل ياحبيبي. دا حتى الأطفال عارفين إنتوا إيه. قالتها بسخرية.
- آسف ياجواد. أرجو ما تاخدش في بالك.
ابتسم ونظر لغزل.
- لا أبدًا، دول ولاد. عندنا طفلة صغيرة مفيش على لسانها غير باردين برضو.
قطب جبينه متسائلاً.
- إنتوا عندكوا أطفال؟ على ما أظن إن البشمهندس حازم مراته لسة والدة من أسبوعين وصهيب لسة.
قهقه عندما وجد غزل تنظر له شرزًا.
- لا، دي بنت الجنايني.
ضغطت على قـدمه واقتربت هامسة.
- احترم نفسك زوجي المصون. هعرفك بنت الجنايني هتعمل إيه.
- هو إنتِ حامل يا غزل؟ تساءلت بها نغم.
نظر لجواد وحزنت.
- لا، لسة مأجلة لحد ما أخلص الماجستير.
- هو إنتِ لسة مخلصتيش؟
- أنا لسة مخلصة من شهر وبحضر ماجستير.
ربتت على يديها.
- بالتوفيق حبيبتي، ربنا يوفقك.
أومأت برأسها دون حديث آخر وظلت تنظر لزوجها بجانبها وهو يتحدث مع ريان على المجمع الخيري الذي قام بإنشائه مع ريان وإلياس.
بعد عدة أشهر، وقفت تعد له كيك الشوكولاتة. فاليوم عيد جوازهما الأول. ومعها هدية ربنا التي انتظرتها كثيرًا. ورغم أخذها لمانع الحمل إلا أن ربنا أنعم بها. انتهت وصعدت لتجهيز نفسها، فاليوم سيكون مميزًا لكلاهما. ارتدت أجمل شيئًا يعجبه، مع لمستها البسيطة من التجميل. قصت شعرها للأعلى، حتى ظهر جمال عنقها، ناهيك عن رائحتها العطرية الممزوجة برائحة الياسمين. قامت بتجهيز حفلتهما البسيطة. دلف إلى المنزل، وجدها تنتظره بغرفة المعيشة بأجمل طلة. اقترب منها، مقبلًا جبينها.
- وحشتيني يا أجمل ما في حياتي.
ضمت خصره مستمتعة برائحته الرجولية التي تخللت لأنفها. وضعت رأسها في حضنه.
- وحشتني أوي يا جود. بقيت بتوحشني حتى وإنت معايا.
رفعها حتى أصبحت بمقابلته، ملتقطًا ثغره بقبلة سطحية، ناظرًا لترانيمه الخاصة.
- مش أكتر مني ياروحي.
نظر حوله.
- إيه الأكل دا؟ أوعي تقولي فيه كوارع.
أنزلت يديه وسحبته.
- إنت مش ناسي حاجة النهاردة.
ضيّق عيناه متسائلاً.
- هو فيه مناسبة ولا إيه؟
عبست بوجهه، فكيف له أن ينسى أهم مناسبة.
- إنسى، مفيش حاجة. حبيت بس أغير الروتين مش أكتر.
اتجهت لتجلس على الأريكة، وجدت نفسها معلقة بالهواء، صاعدًا بها لغرفتهما.
- تفتكري أجمل يوم في حياتي ممكن أنساه.
صعد بها ليذكرها كيف كانت أجمل ليلة بعمرهما. أنزلها بهدوء.
- فاكرة أول ليلة في جوازنا.
وضعت رأسها في عنقه تقبله وهمست له ممسكة بيديه على أحشائها.
- فاكرة كل لحظة ودقيقة وإنت معايا. فاكرة كل كلمة وكل لمسة. إزاي أنسى أجمل هدية. بحبكوا أكتر من حياتي يا أغلى من عمري.
قالتها وهي تمسد بيديه على بطنها. رفع نظره لها.
- غزل، إنتِ.
لامست شفتيه.
- هتكوني أحن أب يا حبيبي. بحبك أوي.
ضحك بصوت مرتفع وحملها ودار بها وهو يشعر بسعادة العالم يمتلكها.
- أنا اللي بعشقك ياروح جواد.
ظل يدور بها وهو يضمها بقوة لصدره، ذاهبًا بها لجنة الخلد التي يستمتعون بها كلاهما.
بعد شهرين يجلس الجميع على المائدة.
- ماما، نفسي آكل فسيخ أوي مع إن ريحته مش طايقاها.
ابتسمت لها نجاة.
- لازم تاكليه ياحبيبتي، عشان ميطلعش في وش الولد.
اتجهت بنظرها لجواد.
- يبقى هات لمراتك فسيخ ياحبيبي. أو لو معرفتش تجيبه، أخلي عبده يجبهولنا.
ضحك سيف بصوت مرتفع وهو يمسك بأيدي ميرنا.
- ولا جه الوقت اللي أشوف فيه حضرة الضابط بيشتري فسيخ.
رفع حاجبه بسخرية.
- والله بكرة نشوفك ياحبيبي.
ضم غزل من كتفها.
- حبيبي يطلب بس وأنا تحت أمره.
قهقه صهيب بصوت مرتفع كلما تذكر نهى.
- جبته وحياتك وفصصتهولها، وياسلام وهي بتاكله بالبصل.
جحظت عيناه متخيلًا غزل وهي تجلس تأكله وهو يضعه أمامها ورائحته. رمقها سريعًا.
- هو لازم ياحبيبي الفسيخ. مينفعش البيض المسلوق. أهو زفر برضو.
شاكسته.
- لا ياحبيبي، لازم فسيخ. مش كدا ياماما.
- طبعًا ياحبيبتي.
اقتربت وهمست له.
- وبالبصل كمان. قالتها وهي ترفع حاجبها كالأنفال.
اقترب هو كذلك.
- متخلينيش أشتمك إنت وابن الكلب اللي في بطنك.
فجأة قهقهت حتى التفت إليها الجميع.
- إيه يازوزو، هو الحمل جاي معاكي بالقهقهة.
أردف بها صهيب بتهكم.
- روح شوف نهى فوق بتنادي عليك ياصهيبتي. ابنك صحي ياحبيبي وعايزك.
أردفت بها غزل وهي تلـوك طعامها بهدوء.
- دخلت مليكة وهي تحمل ابنها جواد ذات السبعة أشهر.
- صباح الخير. جود جاي يصبح على تيتا وبيقولها ماما هتنزل الشغل مع بابا النهاردة. ياتيتا ممكن تستحمليني.
حملته وظلت تقبله.
- حبيب تيتا إنت ياعمري. طبعًا تيتا تقعد مخصوص لجود باشا.
وقفت غزل متجه له. حملته وظلت تقبله بخديه.
- نفسي آكل خدودك الحلوين دول ياولد ياجواد.
اتجه لها هامسًا.
- والله هو يتمنى تيجي.
رفعت نظرها بتهكم له.
-؛ لا ياحبيبي قصدي على الولد.
- الله، ماهو أنا ولد برضو. جواد.
نعم، أردف بها صهيب الذي اقترب منهما.
- هاتي ياختي الولد لتأكله إنت وهي.
جذبه صهيب.
- صباح الخير ياجود باشا. تطلع تلعب مع ابن خالك فوق ولو عيط أضربه بالقلم على طول.
- إنت بتقول إيه يا أهبل. ابنك لسه يا دوب شهر يا حمّار.
- بعد فترة، كان يجلس أمام مكتب الطبيبة التي تقوم بالكشف على زوجته.
- مبروك يادكتورة. جايلك توأم.
وقف سريعًا متجهًا إليها.
- بتقولي حامل في توأم.
ابتسمت له عندما وجدت معالم الفرحة على وجهه.
- أيوه، تحب تسمعوا نبضات قلبهما.
أومأ برأسه ينظر للجهاز مرة ويراقب دموع زوجته.
- يا الله، ما هذا الشعور.
ارتجف قلبه لدى سماعه لصوت النبض لأطفاله. شعر بانتزاع قلبه من محله. اقترب واضعًا قبلة عميقة فوق جبينها.
- ألف مبروك ياحبيبة قلبي. ربنا يكملك على خير ويجوا بالسلامة.
- جواد، أنا مش قادرة أقوم. عدلني.
ساعدها في الاعتدال. مع اعتدال ملابسها. وقفت يساندها وأجلسها أمام الطبيبة لتستمع لنصائحها. استمع باهتمام لها.
- من الاحتياطات اللازمة من غذاء وأدوية وراحة تامة. دكتورة غزل، عايزة أقولك حمل التوأم يختلف تمامًا عن جنين واحد. دا حالة خاصة لازم تهتمي واحذري في نفس الوقت. إحنا هنعمل بعض التحاليل اللازمة. الوضع تمام حاليًا. المخاطر في التوأم كل ما بتدخلي في الشهور.
- تمام يادكتورة. متشكرين بحضرتك.
جذبها متجهًا للخارج. ولكنـه وقف فجأة بداخل العيادة، عندما وجد إطلاق طلقات نارية كثيرة بالخارج. ضغط على قبضة يديه بغضب. ارتجف جسدها عندما رأت الكثير من أمنه يتساقطون أمام عينيه.
خرج بها من المخرج الخلفي متصلاً بحازم وصهيب، متجهًا للخارج. في نفس الوقت الذي أوصل باسم بدعم له من الشرطة عندما اتصل به زاهر.
قبّل جبينها وضـمها مختفيًا في مكان آمن بها.
- صهيب، خمس دقايق ويكون هنا. عايزك تروحي معاه. وأنا شوية وهحصلكم يازوزو.
طوق خصرها.
- مستحيل أسيبك هنا وأمشي. عددهم كتير.
أخرجها مردفًا بهدوء.
- زوزو حبيبي، هيدخلوا يموتوا الدكاترة اللي جوا. لازم أدخل.
رفع ذقنها.
- مش إنتِ بتثقي في حبيبك.
نظر حوله مقبلاً ثغرها فجأة رغم مفاجأته لها بهذه القبلة، ولكنها بادلته بكل لهفة كأنها ستحرم منه.
- قاطعهم اتصال صهيب الذي يقف بعيدًا عن المكان المحاصر.
ضمها من خصرها وتوجه لأخيه.
- اركبها بجواره.
- صهيب، روح بيها عند ريان بالإسكندرية. دلوقتي أمن مكان محدش يقدر يوصلها هناك. هم دلوقتي عرفوا نقطة ضعفي.
- هنوديها لواحد غريب يا جواد.
صرخ به.
- مفيش وقت، اتحرك دلوقتي. هو عارف هيتصرف إزاي، وإنت اتصل بشركة أمن تانية وأمن البيت كويس.
ضـمه وهمس له.
- مش هوصيكوا على نفسكوا. لو حصلي حاجة، غزل أمانتك حبيبي.
قالها مغادرًا سريعًا مع تساقط دموعه، فاليوم الذي انتظره، ضاعت فرحته من بين يديه.
بعد عدة ساعات، تجلس بجوار نغم التي تحاول تهدئتها.
- حبيبتي، أكيد هو كويس.
صرخت.
- مستحيل، الوقت دا كله يعدي ومسمعش حاجة عنه.
نظرت لريان الذي وقف ينظر لها بقلب مفطور. قاطعهم دخول حازم.
"غزل". أسرعت له.
- فين جواد ياحازم؟ جوزي فين؟
- آسف يا بشمهندس، أنا لازم آخد غزل. إحنا اتأجرنا بيت هنا لحد ما يرجع جواد.
أمسكه ريان من ذراعه.
- إيه الأخبار اللي مالية السوشيال دي؟ جواد مات فعلًا ياحازم.
استمعوا بصوت ارتطام شيئًا بالأرض.
يتبع.
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سيلا وليد
الأماكن لا تساوي شيئًا وهي خالية ممن نحب.
والحنين هو إحساسنا الدافئ بالشوق إلى إنسان ما، إلى مكان ما، إلى شعور ما، إلى حلم ما، إلى أشياء تلاشت واختفت، ولكن عطرها ما زال يملأ ذاكرتنا ومكاننا.
أشياء نتمنى أن تعود إلينا وأن نعود إليها في محاولة بائسة منا لإعادة لحظات جميلة وزمان رائع أدار ظهره لنا ورحل كالحلم الهادئ.
فإذا كان النسيان قافلة تسير، فالحنين قاطع طريق.
❈-❈-❈
فتحت عيناها وجدت نفسها بغرفة من اللون الأبيض.
نظرت حولها ولم تر أحدًا، يبدو أنها بالمشفى.
وضعت يديها على وجهها وأحست بوخزة مؤلمة أصابت شقها الأيسر عندما تذكرت حبيبها، زوجها، مالك قلبها.
نزلت من الفراش وهي تتمتم باسمه.
"جواد."
همست بها وهي تتحرك بهدوء.
فتحت الباب بهدوء.
وجدت صهيب يجلس أمام الغرفة، يضع رأسه بين راحتيه.
التفت حولها تبحث بقلبها قبل عينيها.
وقفت مستندة على جدران باب الغرفة.
"صهيب."
همست بها تناديه.
لم يكن يسمع همسها، فكان في ملكوت أحزانه عندما اتصل به باسم وأخبره بخبر هوى قلبه في بحر أحزانه لطيلة سنوات عمره.
كيف يخبر والده؟
كيف سيكون الخبر على قلب والدتها؟
آهة باحتراق خرجت من جوف قلبه.
"ماذا ستفعلين صغيرتنا؟ لقد كبلتِ من أحزانك ما لا يطيقه قلب ولا عقل."
ظلت تناظره بصمت.
هنا شعرت بالخوف، ولكن كيف وقلبها يطمئنها.
"فين جواد يا صهيب؟ اتأخر ليه؟"
أغمض عيناه وسحب نفسًا عميقًا، كأنه داخل فوق صراع ما بين أحزانه وصموده.
رفع عيناه التي انسدلت دموعه على وجنتيه رافضة صموده الوهمي.
رآها حازم الذي وصل للتو.
"زوزو حبيبتي عاملة إيه."
تقدمت نغم تحاوط جسدها.
"تعالي ارتاحي عشان اللي في بطنك، متنسيش إنك حامل."
نظراتها ثابتة فقط على صهيب ودموعه، كأنها لم تر غيره حولها.
بادلها نظراتها أخيرًا.
وقف متجها لها.
"روحي مع مدام نغم ارتاحي، لازم ترتاحي."
قاطعته.
"اخوكي فين؟ فين جوزي؟"
ارتجف قلبه لدى سماعه لكلماتها، وجمودها أمامه.
حاول رسم الجمود على ملامحه محاولًا ألا يضعف أمامها.
"مليكة جاية بعد شوية هي وسيف، حبيبتي لازم ترتاحي."
قاطعته بصوت مرتجف رغم غصة مؤلمة من هروبه من جوابها.
وصل ريان حيث مكانهم.
نظر لها.
"حمد الله على سلامتك دكتورة غزل."
ناظرته واردفت.
"جواد كلم حضرتك مش كدا يا بشمهندس؟"
نظر للأسفل بأسى وحزنًا، فكل الأخبار تؤكد خبر وفاته.
فهم ما يؤلم قلبها عندما ناظرتهم جميعًا.
استندت على الجدار خلفها.
"عايزة أنزل القاهرة دلوقتي، انتوا جايبيني هنا ليه؟ جواد هيرجع على البيت ويزعل لو ملقنيش."
انسدلت دموع نغم بغزارة على وجهها من حالتها.
تمنت ألا تكون بمكانها يومًا أبدًا.
اقترب حازم محاوط جسدها.
"حبيبتي مينفعش تنزلي القاهرة دلوقتي، إنتِ تعبانة والحمل في خطر. والدنيا ملغمة شرطة، حتى عمي راح الفيوم هو ونهى، مينفعش تنزلي دلوقتي."
صرخت بقهر، زوجة لم تعلم شيئًا عن زوجها.
"محدش هنا له الحق يقولي أعمل إيه، أنا هستنى جوزي في بيتي."
أشفق عليها كثيرًا ويعطيها كل الحق بما تشعر به، فالأمر مؤلم وصعب.
رمق زوجته بنظرة فهمتها فورًا.
"غزل حبيبتي تعالي دلوقتي ارتاحي، الدكتور يطمنا عليكي وبعد كدا اعملي اللي انتِ ترتاحيله."
"عايزة أكلم جوزي الأول، أطمن عليه. حد يديني تليفون."
❈-❈-❈
اقترب صهيب وضـمها لأحـضانه.
"غزل إنتِ مؤمنة بقضاء ربنا، وكل 'ما يصيبنا إلا ما كتبُ الله لنا'."
خرجت سريعًا من أحـضانه.
تناظره بعينين تغشاها الدموع.
"متكملش ياصهيب، أنا جوزي هيجي هو وعدني وأنا بثق في وعده."
سحبها حازم ليدخلها الغرفة، ولكنها وجدت سيف بآخر الممر الذي تقف به.
ابتسمت له عندما اقترب.
"غزل جواد عايش."
أسرعت له وأمسكت بيديه.
"كنت عارفة ياسيف، هو وعدني. تعالى وديني عنده."
"إنت اتجننت ياحمار، إيه اللي بتقوله دا."
ناظره سيف.
"أنا متجننتش، جواد عايش. مالقوش جثته في العربية، الطب الشرعي قال دا واحد تاني. باسم قالي كدا."
صفعه على خديه بقوة.
"فوق ياسيف واتقبل إن أخوك مات. دار حولهم، لازم تتقبلوا الحقيقة، أخوك مات."
وضعت يديها بأذنيها وصرخت.
"باااااس محدش يتكلم، مش عايزة أسمع صوت حد فيكم، أنا جوزي عايش."
جذبها صهيب بقوة ونظر لها بغضب.
"لأ لازم تسمعي، جواد مات. الشرطة أكدت لنا الخبر ودا من امبارح، عربيته انفجرت ووقعت في البحر، وهو كان فيها ياغزل. لازم تقنعي نفسك بكدا. وفوقي عشان ولادك اللي في بطنك."
دفعه ريان بقوة.
"إيه اللي بتقوله دا."
ضمها نغم لأحضانها.
"غزل لازم تهدي عشان اللي في بطنك."
ارتجف جسدها بالكامل مع كلمات صهيب.
"هو اللي مجنون، جواد عايش أنا متأكدة. جوزي عايش. حبيبي عايش. 'جواد'."
همست بها وسقطت ذاهبة لعالم لا يوجد به غيرها.
تلقاها حازم بين يديه.
وبدأ يتحدث بغضب مع صهيب.
ود لو يخـنقه بيديه مما صفعه بها.
أسرع سيف لإحضار الطبيبة.
جلس يمسح بعنف على وجهه.
الدنيا أصبحت تخنقه بما سيواجه ويتحمله.
اليوم سيكون بديلاً لأخيه، ولكن كيف يتحمل ما يراه وما يسمعه.
جلس ريان بجواره، ممسدًا على ظهره.
"معرفش أقولك إيه، غير أنا مش مصدق الأخبار دي الصراحة."
لفت له يتمنى ما يشعر به حقًا.
يتمنى أن يكون كابوسًا ويفيق منه.
قاطعه اتصال مليكة.
سمع لصوت بكائها.
"إنتوا فين ياصهيب وليه روحنا الفيوم؟ وإيه الأخبار اللي شوفتها دي؟ معقول جواد... أبوك ممكن يروح فيها ياصهيب؟"
وقف يحاول التنفس، لا يعلم ماذا يفعل.
أمانته التي تصارع آلامها وعدم تصديقها، ولا والده الذي لو علم سيسقط وربما يموت من أحزانه.
حاول يملأ رئتيه بالأكسجين.
لا يشعر شيئًا غير الاختناق.
أخيرًا خرج صوته.
"فين بابا يامليكة؟ حاولي متخليهوش يشوف أي أخبار، هو كدا كدا مسافر بكرة العمرة هو وماما، ودا كويس."
صاحت بوجهه.
"فين جواد ياصهيب؟ أوعى تقولي إنه مات فعلاً. أخوك فين حبيبي؟ طمن قلبي. وليه حازم مابيردش على تليفوناتي؟"
استمعت لصوت ضوضاء بالخارج.
نظرت من النافذة.
وجدت كم من الصحفيين الذين يتجهون لمنزلهم، والأمن يحاول منعهم.
❈-❈-❈
"صهيب فيه صحفيين كتير قدام البيت."
مسح على وجهه بعنف وأردف.
"هبعتلك حازم وسيف حالًا، وانتِ حاولي تتعاملي بحذر. إحنا لسة حبيبي منعرفش جواد فين."
قالها وتمنى أن تكون كلماته حقيقية.
"صحيح ياصهيب يعني جواد مامتش صح؟ أيوه هو أكيد خاطف غزل كعادته ويومين وهيرجع، ماهي غزل برضو مش موجودة من امبارح."
دا مطمئن شوية.
أغمض عيناه قهراً وألمًا على ما يسمعه.
نظر لحازم وسيف اللذان يقفان على باب الغرفة بصمت.
"حبيبتي لازم أقفل وحازم وسيف هييجولكم."
خرج الطبيب.
وقف متجها له.
"إيه أخبارها يادكتور؟"
"هي كويسة، أنا أدتلها مهدئ مش هتصحى قبل أربع ساعات. الصدمة غلط على اللي في بطنها، ماننساش إنها في شهورها الأولى وكمان توأم."
"تمام شكراً لحضرتك."
قالها حازم بهدوء.
اتجه لريان.
"بنشكرك يا بشمهندس إنت معنا من امبارح، فيك تروح ترتاح."
"مفيش تعب ولا حاجة، أنا هوصل الشركة عندي اجتماع، ونغم هتكون معها، وياريت لو ترجع لعندي في البيت، جواد آخر كلامه تفضل عندي عشان يطمن عليها."
قاطعه سيف.
"هو قصده تقعد في مكان يخصك مش عند حضرتك أبدًا وتكون تحت حمايتك."
أومأ حازم على صدق حديث سيف.
"خلاص إحنا استأجرنا بيت هنا وهروح أجيب مراتي تقعد معها."
"لأ مفيش حد هييجي، وزي ما البشمهندس قال، هي هتفضل عنده، هو هيتصرف. لازم نبعد فترة عشان الأنظار علينا، متنسوش إن عم غزل هربان من السجن ومش هيسكت إلا لما يوصلها، وإحنا اللي ممكن نعرفه مكانها. غياب جواد جه في مصلحته."
ربت ريان على كتفه.
"أنا تحت أمركم طبعًا وزي ماقولتلك جواد موصيني. وحاضر هشوف لها مكان قريب خاص بيا ونغم هتلازمها، لحد مانتأكد من الخبر ولا جواد يظهر."
قاطعه إتصال هاتفه.
تحرك مغادرًا يعتذر.
"سلام لازم أتحرك."
"أيوة."
جحظت عيناه مما استمع لصوت المتصل.
وقف يستمع باهتمام.
"لأ ابدًا الحمد لله، تمام متقلقش، ماهي إلا دقيقتين فقط."
ارتاح قليلاً واتجه لعمله.
بعد أسبوع الحال كما هو.
خرجت غزل من المستشفى إلى منزل خاص بريان مع مكوث نهى بجوارها، وحسين الذي ذهب بصحبة زوجته إلى الأراضي المقدسة ولا يعلم ما صار، ظنًا أن ابنه في مكان ما هو وزوجته.
جلست تستنشق بعض الهواء النقي عله يهدي من نيران أشواقها له.
كان الجو يشبه الصقيع.
اصطدم وجهها بالبرد القاسي الذي لفح وجهها من الشرفة المطلة على البحر.
فاليوم إحدى ليالي الشتاء من شهر يناير.
أغمضت عيناها وتمنت بدخوله إليها حتى يدفئها بقبلاته الساخنة على بشرتها الباردة.
فتحت عيناها عندما اتجهت نهى إليها بطعامها.
"صباح الخير يا جميل، عاملة إيه وحبايب خالتو المحبوبين عاملين إيه."
"فين صهيب؟"
فركت يديها وهربت من أنظارها.
"الجواب صعب أوي كدا، متعرفيش جوزك فين؟"
أجابتها بحزن.
"نزل القاهرة عشان يعملوا عزا جواد، عمو حسين عرف وتعبان في المستشفى."
وقفت كأنها تلقت صعقة على رأسها.
"إيه الهبل دا، عزا إيه ونعي إيه، أنا جوزي عايش."
اتجهت للخزانة، وأخرجت ملابسها وارتدتها سريعا.
وقفت تنظر لها بصدمة.
"غزل رايحة فين؟"
أجابتها بضيق.
"مش شغلك يا نهى."
تنهدت بضيق، فهي في حالة لا تسمع للنقاش.
استدارت لها عندما وجدت حزنها.
"رايحة أشوف جوزي ليه متعمد يعصيني يا نهى."
طرق الباب وظهرت العاملة.
"أستاذة نغم تحت منتظرة حضرتك."
أومأت لها بهدوء.
"تمام روحي قدميلها حاجة وأنا نازلة."
اتجهت لنهى بنظرها.
"إنتِ مش سامعة صوت ابنك؟ روحي شوفي بيعيط ليه."
اقتربت لها تضمها لأحضانها.
"غزل حبيبتي فوقي ياقلبي، أنا عارفة صدمتك كبيرة بس دي إرادة ربنا."
ابتسمت لها.
"أنا كويسة حبيبتي وكويسة أوي."
وضعت يديها على أحشائها.
"ولادي هييجوا وأبوهم هو اللي هيشلهم ويسميهم."
هزت رأسها بوجع من حالتها.
اتجهت ووقفت أمامها.
"غزل بقالنا أسبوع وانتِ على حالتك دي."
قاطعتها.
"نهى نغم تحت عايزة أشوفها عشان ننزل القاهرة. لمي حاجة الولد عشان ترجعي معايا. ملوش لازمة قعدتك هنا."
تنهدت نهى بحزن عليها، لا تعلم ماذا تفعل لكي تخرجها من حالتها.
"عمك يحيى هرب من السجن ياغزل، إنتِ عارفة معنى ده إيه، ده ممكن يوصلك وينتقم لموت ابنه."
ربتت على كتفها.
"متخافيش، زاهر معايا وجواد هيرجع يوقفه عند حده، وأنا مش ضعيفة يا نهى."
❈-❈-❈
وقفت أمام نغم.
"حبيبتي ليه بتتعبي نفسك، أنا كويسة ونهى عندي."
طالعتها نغم بحزن، فقد فقدت كثيرًا من وزنها مع ذبول بشرتها وبهتانها.
اقتربت وجذبتها لتجلسها بجوارها.
"عايزة أقولك أنا مؤمنة بكلامك ويقينك برجوع جوزك، بس ده ميمنعش إننا نحافظ على أمانته لحد ما يرجع."
"أنا لازم أنزل القاهرة يا نغم، عايزة أطمن على بابا حسين."
بعد فترة اتجهت لمسكنهم بالقاهرة.
دلف للمنزل بهدوء، وجدت نجاة التي تجلس تنظر في شرودها الحزين ولبسها الأسود.
خطت إلى أن وصلت إليها.
"عاملة إيه يا ماما."
ارتجف قلبها عندما استمعت لصوتها.
رفعت نظرها إليها.
فجأة تساقطت دموعها.
"غزل حبيبتي يابنتي."
ضمّتها بقوة، أم فقدت وليدها لفترة، الآن وجدته.
خرجت من أحضانها تنظر بأعين تغشاها الدموع.
أحست بوخزة مؤلمة لقلبها.
قبلت رأسها.
"عاملة إيه حبيبتي وقاعدة كدا ليه؟ وإيه كل الأمن اللي برة دول؟"
ظلت تناظر إليها كغريق وجد ضالته فيها، حيث رأت ابنها الفقيد فيها.
رفعت يديها تحاوط وجهها.
"حبيبي كان بيحبك ويموت فيكي، كأني شيفاه قدامي."
جذبتها وأجلستها بجوارها تضمها لأحضانها، وكأنها تستنشق رائحة ابنها بها.
تلاشت بما يدور حولها، فقط تضمها لأحضانها، وتتساقط دموعها.
خرجت من أحضانها.
"ماما حبيبتي بتعيطي ليه؟ انتوا ليه مش مصدقين إن جواد عايش."
وصل صهيب للتو عندما أخبرته نهى بقدومهما.
"إيه اللي جابك من إسكندرية ياغزل؟"
لم تتجه له وكأنه لم يكن موجودًا، ظلت تنظر إلى نجاة.
اتجه إليها ووقف أمامها.
"مبترديش عليا أنا مش بكلمك، ليه جيتي من إسكندرية من غير ماتعرفيني؟"
اهتزت نظراتها للحظات أمام غضبه الذي صورته بالهمجية.
"ليه آخد إذنك؟ مفكر نفسك مين؟"
جذبها بقوة حتى أوقفها.
"غزل إنتِ شايفة حالة الكل إزاي، بلاش تتسرعي حاولي تخرجي من صدمتك دي، جوزك مات."
وصل الجميع على صرخات صهيب.
فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام.
هزت رأسها وأردفت بصوت مرتجف.
"إنت مجنون أكيد، كلكم مجانين، أنا جوزي عايش."
جذبتها مليكة لأحضانها وظلت تبكي.
كل ذرة بمشاعرها تنتحب من حالتها أمامها.
نظرت لمليكة وأشارت لها.
"مليكة انتِ مصدقة إن جواد."
ارتجفت شفتيها، وزعت نظراتها بين الجميع.
"كلكم مصدقين."
اتجه صهيب لسيف.
"خدها مع زاهر وصلها إسكندرية ويارب ميكنش حد لاحظ وجودها هنا."
اقتربت وقفت أمامه بصدمة.
"نعم إنت مين عشان تقولي أروح فين وآجي منين؟ لتكونش تفكر إن أصدق تخاريفكم إن جواد مش هيرجع، ولا تكون مفكر إنك جوزي."
"اعتبريها من النهاردة كدا."
جحظت عيناها من كلماته.
دفعته بكل قوتها وصفعته بقوتها.
برقت عيناه وتنافرت عروقه من فعلتها.
اقترب كثور هائج.
"كنت عارف ياغزل صعب التعامل معاكي، بس بحذرك دلوقتي مفيش كلام هيتراجع بعد كلامي، ودلوقتي هترجعي اسكندرية بالطيارة كمان وهتفضلي هناك لحد ما تولدي."
اقترب أكثر حتى أصبح بمواجهتها، ينظر إليها والشرر يتطاير من مقلتيه، وأردف مايكسر ظهر البعير.
"أنا دلوقتي مكان جواد، سمعتيني وغصب عنك."
اتجهت نهى لهما لكي تهدئه عندما ساءت الأحوال بينهما.
"صهيب إهدأ حبيبي مينفعش."
صرخ بوجهها: "محدش يقولي إهدأ، أنا مش مجنون، أنا قلت اللي عندي."
نظرت نهى له بصدمة ثم اتجهت بنظرها لغزل، ولكن غزل أصبحت كالمهر الجريح.
"آخرص إنت مفكر نفسك مين، أنا متجوزة من جواد الألفي اللي هيفضل اسمه مرتبطني لآخر يوم من عمري. فوق ياحضرة الدكتور، متعملش عليا كبير، أنا مش ضعيفة."
اقتربت وهمست له بصوت كاد أن يكون متزنًا رغم شراسة نظراتها له.
"أنا غزل جواد الألفي تربيته قبل ما أكون مراته، ومتفكرش إني هقبل لمجرد هزار حتى، أنا رافضة كل اللي بتعملوه دا. أنا جوزي عايش وهيرجع وقريب أوي. وطول ما أنا مدفنوش بإيدي يبقى عايش ياحضرة المهندس الذكي. وهيرجع وهعلمه وأعملك الأدب."
نظرت حولها في أرجاء المنزل ووضعت يديها على أحشائها.
"حتى هو قريب مني أقرب من اللي في بطني."
أشارت لقلبها.
"طول ما بينبض جواد عايش. بدل ما واقف تتشطر عليا روح شيل نعي أخوك اللي ملى السوشيال ميديا، ويا ريت مشفتوش وشك قدامي، لأني هزعلك بجد."
قالتها ثم تحركت مغادرة.
جلس صهيب واضعًا رأسه بين راحتيه.
"روح وراها ياسيف، أو كلم حازم يهديها."
ربتت نهى على كتفه.
"ليه بتكلمها كدا ياصهيب؟ كنت قاسي معها."
مسح على وجهه بعنف.
"لازم تخرج من صدمتها، لازم أقسى عليها، دي رافضة الحقيقة، خايف عليها بعد كدا."
"متخليهاش تمشي ياصهيب هاتلي غزل في حضني يابني كفاية جواد وأبوك."
جلس على عقبيه أمامها.
"ماما حبيبتي لازم غزل تبعد عننا الفترة دي، عشان نقدر نحافظ عليها وعلى اللي في بطنها. أنا لوحدي، بتخبط من الكل."
شهقت والدته شهقات متتالية بصوت مرتفع.
"أنا كمان حاسة إن جواد عايش، حاسة إنه قريب مننا يابني."
"إنت هتعملي زيها ياماما."
"خدني لأبوك ياصهيب عايزة أروح أشوفه يابني."
بعد أكثر من ساعتين وصلت إسكندرية وهي تشعر بآلام في أسفل بطنها.
أسرعت للأريكة الموجودة بغرفة المعيشة، ظلت تبكي بوجع قلبها، والآلام داخل أحشائها.
صرخت من شدة آلامها.
أتاها العاملة.
"دكتور إنتِ تعبانة."
اتصلت بنغم هانم.
أشارت بنعم.
بعد قليل وصلت نغم بالطبيب.
حذرها الطبيب من حركتها ومن سفرها، ولكن لم تأخذ بكلماته.
"أعطاها بعض الأدوية الخاصة بتثبيت الحمل، مع تحذيراته المستمرة."
كان يظهر عليها الألم والحزن في آن واحد.
دخلت نغم إليها بنوع من الشوربة المفيدة لحملها ولتدفئتها في هذا الجو القاسي بالإسكندرية.
وضعت الطعام بجوارها.
ربتت على ذراعها.
"لازم تاكلي أي حاجة ياحبيبتي، إنتِ إزاي تعملي حاجة زي كدا، لسة في شهورك الأولى وتسافري المسافة دي كلها وترجعي في نفس اليوم."
مسحت على شعرها عندما وجدت دموعها تنسدل كشلال على وجنتيها.
"عايزة أنام لو سمحتي يانغم، روحي لأولادك."
حازم كلمني وجاي هو ومليكة في الطريق.
قاطعها صوت هاتفها.
"أيوة حبيبي."
"لأ."
بعدت عنها بعض الخطوات وأردفت.
"تعبانة أوي ياريان والدكتور مطمنيش، لوجع بطني وظهري بيقول ممكن نفقدك في أي وقت."
كان يقف بجواره، شعر بأن الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه، عندما شعر بآلامها.
جلس يضع رأسه بين يديه عاجزًا لا يعي ما يدور حوله، شعور بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبته في ضمها واطمئنانها.
انتهى ريان من مكالمة زوجته واتجه جالسًا بجواره.
"هتعمل إيه، الدكتور مش مطمن للحمل، وكمان هي لسة مصرة إنك عايش."
ابتسم عندما تخيل حالتها وهي تناطح الجميع.
فجأة استمع لرنين هاتف ريان.
"خد دي مكالمة فيديو نغم هتصورها زي ماطلبت منها."
أمسك الهاتف ويداه ترتجف.
وقف ينظر لهاتف ريان الذي تركه وغادر للخارج.
تتسطح على الفراش تمسك بصورته وتضمها لقلبها وتنسدل دموعها بصمت.
تتحدث إلى الصورة بقلب مفطور.
"ليه محدش مصدقني إنك عايش."
لامست صورته بأنامـ لها الرقيقة.
"كدا ينفع ياجود، أنا زعلانة منك ومخصماك، قدرت تبعد عني شهر كامل حبيبي، طيب أنا موحشتكش."
وضعت يديها على أحشائها.
"ولادك دول ذنبهم إيه."
أزالت دموعها وأردفت.
"طيب تعالى عشان أنت وحشتني أوي، تعالى أشبع منك ومن ريحتك وبعدين اختفي تاني."
ضمت الصور لصدرها كادت أن تعتصرها.
وآهة خرجت من أعماقها.
"آه يا وجع قلبي عليك ياحبيبي وأنا معرفش إيه اللي حصل معاك، آه يارب، الصبر من عندك يارب."
كان يستمع إليها تكاد مقلتاها تخرج من محجريها وقلبه أوشك على التوقف من فرط ألمه عليها.
انسدلت دموعه.
أسرع للخارج.
قابله ريان.
"رايح فين ياجواد؟"
"رايح لها مستحيل أسبها دقيقة واحدة وهي كدا."
أمسكه من ذراعه.
"بس دي مخاطر، متنساش أهلك في أمان دلوقتي عشان فكروا إنك مت، ولسة ممسكوش عمها، وسفرها للقاهرة دا ممكن يكون فيه خطر."
يعني حد راقبها.
"شوف أنا مقتنع من اللي قاله حضرة الضابط باسم، يمسكوا بس الناس اللي بدأوا يكبروا في البلد، ويبيعوا ويشتروا في البلد بفلوسهم القذرة."
وأكمل مفسرًا.
"يعني دلوقتي انت ميت في نظرهم، هيبدأوا يخرجوا من صمتهم ويلعبوا. في نفس الوقت أهلك بأمان. أما عن عمها مستحيل يعرف يوصلها، وإحنا مأمنينها كويس."
"اقعد وأنا عندي فكرة حلوة هتريحك."
نظر له عندما وصله مايفكر به.
"لأ بلاش، أنا مصر أروحلها."
"ويحصل اللي يحصل، أهم حاجة أروحلها حالًا."
توقف.
"زاهر قال مفيش حد شافهم، هي مقعدتش غير دقايق هناك، غير عربيات الأمن محاصرة المكان، أنا لازم أروح أطمن عليها."
أوقفه ريان.
"حازم ومدام مليكة في الطريق."
وقف يطالعه.
"أنا لازم أشوفها وأطمنها."
زفر ريان بوجع على حالته.
"عارف أن الموضوع صعب، بس خلينا متفقين أن كدا أمن لها، وأحسن حاجة إنها معتقدة إنك عايش."
جلس عاجزًا يتمنى لو يصل إليها ويأخذها بأحـضانه، يستشم تعبير رائحتها.
حقا لقد اشتاق لها حد الموت.
عند غزل.
أمسكت نغم حقيبة يديها مقبلة رأسها.
".. وأنا نص ساعة كدا هشوف الولاد وأجيلك."
ربتت على يد نغم.
"أنا كويسة، ماتشغليش بالك وزي ماقولت حازم ومليكة على وصول."
خرجت نغم وتركتها بمفردها.
أمسكت الهاتف تنظر لوصولهما.
وجدت صورة لهما التي كانت بشرم الشيخ.
تذكرت اليوم التالي.
فلاش باك.
فتحت عينيها.
وجدته يجلس يناظرها بنظراته العاشقة.
اقترب من شفتيها مقتطفًا قبلته الصباحية.
"صباح الحب ياقلبي."
رفعت أناملها على وجهه.
"صباح العشق ياحبيبي."
نزل بجسده محاوطًا خصرها.
"دا كله نوم، ينفع كدا تسبيني الوقت دا كله مشتقالك."
وضعت يديها بخصلاته.
"آسفة حبيبي نمت ومحسيتش بنفسي."
جذبها بقوة لأحـضانه.
تمنى أن يدخلها بقلبه.
بعد فترة من قبلاته الصباحية.
اتجه بها للمرحاض ليتنعما بحمامهما الدافئ.
عصرًا توجها لمطعم مشهور بهذه القرية التي يستقرون بها.
كان المكان هادئًا على غير عادته في فصل الصيف.
تناول غداءهما.
ثم اتجه وأركبها الناقة، وظل يسير لمخيم بعيد بمسافة قليلة.
أنزلها بهدوء محاوطًا خصرها.
"حلو ركوب الجمل."
"جدا ياحبيبي."
"تحس إنك شوية وتمسك السحاب."
قهقه عليها.
"حبيبي إنتِ كنت راكبة جمل مش باراشوت."
ضحكت مثله.
"ماهو عامل زي الباراشوت برضو."
رجع مساءً بعدما زارا بعضًا من الأماكن السياحية الموجودة بالقرب منهما.
قام بإشعال المدفأة، وأحضر الطعام الذي جلبوه من الخارج كان عبارة عن أنواع البيتزا التي يحبونها سويًا.
أشعل الإضاءة الخافتة مع الموسيقى الهادئة.
جلس ينتظرها حتى تنهي حمامها.
بالأعلى أخرجت بدلة الرقص التي ابتاعتها اليوم من إحدى المحلات التي شاهدتها.
استغلت انشغاله بالهاتف، وقامت بشرائها.
ارتدتها مع لمساتها التجميلية، برسم عينيها بالكحل العربي، وأحمر شـفاه ذات اللون الداكن، مع خلخالها، تاركة خصلاتها للعنان، مع رائحتها الخلابة، فقد استخدمت أفضل العطور.
إليها.
نظرت برضا لنفسها بالمرآة.
ثم اتجهت للأسفل حافية القدمين.
كان يجلس يوليها ظهره، والتفت عندما استمع لصوت خلخالها.
اتسعت بؤبؤته شيئًا فشيئًا عندما رآها بتلك الطلة.
بدلة رقص يقال عليها لا يوجد بها أقمشة من قطعة واحدة، معظمها من الخيوط، تبرز جسدها الرشيق ومنحنياتها الخطرة وبياض بشرتها بسخاء، تام أمام عينيه.
ناهيك عن لمساتها التجميلية ورائحتها التي نفذت لرئتيه.
خطى إليها بتمهل.
كانت تهبط درجات السلم الخشبي بدلالها الأنثوي، كأنها تخطو فوق قلبه الذي أصبحت نبضاته الهادرة تتخبط بين ضلوعه وكأنها تعلن ثورتها في عشقه لها.
تطلبه بالكثير في ذلك الوقت.
وصلت أخيرًا إليه.
ينظر إليها فقط.
بدأ يدندن لها.
❈-❈-❈
تقابلت العيون التي أوقدت نيران العشق بقلبهما.
جذبها بقوة حتى أصبحت بأحـضانه.
رفع أنامله يتلمس وجهها بعشق.
بدأ يدندن لها.
"حبيبتي ترقص حافية القدمين."
لفحت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها الناعم، بل شعرت بحرارته المنبعثة من جسده، عندما حاوطها بذراعيه دافنًا أنفه بعنقها.
"ناوية على إيه ياحبيبة جود؟"
رفعت نفسها وطوقت عنقه متحدثة بدلال.
"ناوية أعيش جوزي حبيبي في سعادة محدش عاشها قبله في حياته."
اقتربت تنظر لشفتيه مرة ولعـينيه مرة، رافعة يديها متحسسة ذقنه النابتة.
"ناوية أخليه ميشوفش غير غزل بس."
"ناوية أخليه يمشي ووجه ينور بسعادة الدنيا."
همست أمام شفتيه بشفتيها المطلية بالأحمر الناري.
"عايزة جوزي حبيبي أسعد راجل في الدنيا دي كلها."
قالتها وخطت لهاتفه تغلق الموسيقى الهادئة وتبدلها بأغنية شعبية للرقص.
خلع شاله الملتحف به حول عنقه، وتقدم بخطواته إليها، ممسكًا هاتفه من يديها، وقام بتشغيله لأغنية الرقص.
وقف أمامها رافعًا شاله مقربها إليه عندما صدحت الأغنية بالأجواء.
حاوط خصرها وعاقد شاله حولها وأردف وهو مازال مطوق خصرها.
"عايز أشوف إبداع مراتي حبيبتي."
ضحكت بدلال أمامه، وقامت تتحرك بخجل في البداية.
جلس أمامها ونظراته تفترسها.
"كان جسدها يتمايل برقة مع الموسيقى، مبدعة بحركاتها الأنثوية. رغم أنه رأى رقصاتها قبل ذلك ولكن اليوم مختلف، بحركات الإغراء لديها، قدماها الحافيتين تتحركان ببطء مع صوت خلخالها بتناغم حركاتها، تتمايل برقة أمامه، كأنه تتمايل وتتلاعب بقلبه. بات مذهولًا من حركاتها عندما نست خجلها منه وذهبت بعالم رقصها مع الموسيقى.
"جنيته الصغيرة تكاد تفقده عقله مثلما فقدته قلبه. جسدها يظهر أمامه بطريقتها المغرية مما أهلكت روحه وخلاياه بالكامل."
وقف متجها إليها عندما فقد قدرة تحمله.
كانت نظراتهما متشابكتين ببعضها.
ضغط على هاتفه، وقام بحملها دون أي حديث متجها بها للأريكة التي توضع بغرفة المعيشة.
ابتسمت خجلًا عندما ناظرها بنظراته الراغبة بها.
عندما خفق قلبه بشدة وشعر بجمرات تحرقه داخليًا.
سيطر الخجل عليها وشعرت بقلبها كاد أن يخرج من ضلوعها من همساته لها بكلمات عشقه.
وضعها على الأريكة بهدوء كأنها أغلى الجواهر لديه.
وضع يديه على بشرتها التي تظهر أمامه بوضوح.
استنشق رائحتها التي أذابته وأشعلت نيرانه أكثر فأكثر.
وضعت يديها على عينيها عندما قام بتمزيق تلك التي لا تعتبر شيئًا.
أزاح يديها ناثرًا قبلاته فوق عنقها وجسدها بالكامل، ليذهب بها لعالمه الخاص الذي يمتلكه وحده وليس لأحد غيره.
خرجت من ذكرياتها وازدادت دموعها عندما شعرت باشـتياقها المتعب لقلبها.
❈-❈-❈
بعد شهرين وما زال الوضع كما هو.
أتت نغم لتأخذها هي ومليكة لمتابعتها الشهرية.
كان يجلس بغرفة ملازمة لغرفة الكشف، وبابها مفتوح حتى يسمع ما يقال.
تسطحت على فراش الكشف.
وقفت نغم تنظر للذي يقف بداخل الغرفة يكاد قلبه يخرج من بين ضلوعه.
"الأوضاع مش تمام أوي يادكتور، فيه جنين فيهم ضعيف جدًا. أنا المرة اللي فاتت حذرتك."
"بحاول آكل والله بس مش قادرة، كل حاجة برجعها يادكتورة."
وقفت تنظر لها.
"شكلك مش عايزة الحمل دا يادكتورة."
ارتجف قلبها، واضعة يديها عليهما.
"الحمل دا أغلى من حياتي يادكتورة."
انشطر قلبه لصوتها الحزين.
زفرت الدكتورة من حالتها اليائسة.
"إحنا دخلنا الشهر الخامس. دلوقتي لو عايزة تعرفي نوعهم إيه."
قاطعتها.
"لأ مش عايزة أعرف، المرة الجاية أبوهم هيكون معايا إن شاء الله وقتها يبقى قولي."
قالتها مع انسدال عبراتها.
ضمتها مليكة لأحضانها.
"إهدي يازوزو حبيبتي، إحنا قولنا الزعل مش حلو وبيرفع الضغط."
ساندتها مليكة وساعدتها في اعتدال ملابسها، متجهة للمقعد.
"أنا تعبانة عايزة أروح يامليكة."
ضمتها مليكة وخرجت لحازم الذي ينتظرهما بالخارج.
جلست نغم أمام الطبيبة ودخل حازم بعد خروجها.
"إيه يادكتورة أخبار الحمل."
هنا خرج جواد من الغرفة.
جحظت عيناه عندما رآه.
"جواد."
أردف بها بذهول.
اقترب جواد يضمه ويربت على ظهره.
دفعه حازم بقوة.
"إنت إزاي. أومال دفنا مين مكانك."
وقفت الطبيبة.
"أنا هلف على المرضى بتوعي."
خرجت الطبيبة وتابعتها نغم الذي نظرت لهما.
"أنا هلحق غزل ومليكة."
أومأ جواد لها.
"شكرًا يا مدام نغم."
كان يقف مذهولًا مما يحدث حوله، يشعر بصاعقة على رأسه، لا يعي ما يدور.
"معقول إنت عايش، يعني تلات شهور عايشين في حزن ووجع وإنت عايش."
نظر للباب الذي خرجت منه غزل.
"ذنبها إيه تعيش الحزن دا كله، ذنبها إيه كل ليلة تنام ودموعها على خدها، لدرجة دي محدش فرق معاك."
توقف عن الحديث.
"صهيب كان يعرف."
أشار بيديه.
"لأ أكيد، معقول لأ."
ظل يرددها كالمجنون.
جذبـه جواد وأجلسه بجواره.
"اقعد يا غبي واحكيلك كل حاجة. محدش يعرف غير ريان."
"إنت اللي كنت في الشقة من أسبوعين، إنت اللي غزل شافتك وفضلت تنادي عليك وأنا فكرتها اتجننت."
"ياحازم كان لازم أعمل كدا، في مهمة صعبة ولازم نعملها بدون خسارة حد فينا. باسم ابنه اتقـتل قدامه، عارف دا معناه إيه؟ معناه ممكن أموت لو حد فيكم حصله حاجة. أنا لازم أحميكم لحد ما نقبض عليهم."
قطب جبينه.
"وغزل يا جواد ذنبها إيه تعيش الوجع دا وهي حامل."
"دي بتموت قدامي كل يوم وأنا عاجز. ولا صهيب اللي عمال يخنقها بتحكمه ومفكرها اتجننت عشان يفوقها من صدمتها. تعرف قالها إيه."
ضيق عيناه متسائلاً.
"عمل إيه صهيب؟"
وقف حازم ونظر لخارج النافذة.
"قالها هتجوزك."
هزة عنيفة أصابت جسده مما جعلته يفقد قدرته على الحركة والنطق.
"صهيب قالها كدا."
مسح حازم على وجهه بعنف.
"الدنيا ولعة فوق ما تتصور بينهم. هو مفكرها تحت صدمتها وعايز يخرجها بصدمة أكبر، وهي كرهته ومش مستحملة تشوفه قدامها."
أومأ برأسه بفهم.
"دلوقتي خد مليكة وارجع القاهرة ومش هحذرك ياحازم ممنوع حد يعرف حاليًا، حتى مليكة. أنا هنا أسبوع وبعد كدا ريان هيكلمك ترجع هنا."
"إفهم من كدا إنك هتشوف غزل."
تنهد بحزن يعلم أن المواجهة ستكون قاسية.
❈-❈-❈
مساءً كانت تتسطح على فراشها، وهي تبتسم من حركات أولادها.
دخلت العاملة بكوب من العصير الطازج، مع بعض الفواكه.
"البشمهندس حازم وصاني لازم حضرتك تاكلي الحاجات دي كلها."
أومأت برأسها وتحدثت.
"تمام يانهلة فيكي تروحي ترتاحي أنا هشرب العصير وآخد شاور وأنام."
ابتسمت لها العاملة.
"تحبي أجهزلك الحمام."
ابتسمت غزل.
"متشكرة أوي."
قطبت جبينها وتساءلت.
"غريبة نغم ماجتش النهارده."
أجابتها العاملة بابتسامتها.
"اتصلت من شوية أطمنت عليكي وسألت إن مليكة هانم مشيت ولالا."
"تمام روحي إنتِ."
بعد قليل تحركت للمرحاض بعد ما العاملة خرجت.
بعد فترة تجلس أمام المرآة تحاول أن تجفف شعرها، ولكن جسدها متعب للغاية.
اتجهت للخزانة أخرجت تي شيرت يخصه مريح لأعصابها وجسدها.
ارتدت إسدالها، جلست تؤدي فرضها من صلاة العشاء ثم اتجهت لفراشها.
تمددت وأمسكت هاتفها مع تناولها بعض الفواكه.
كانت تشاهد لبعض عمليات استئصال الأورام.
شعرت بحركة داخل أحشائها.
"مالكم ياحبايبي النهاردة."
ابتسمت وهي تملس على بطنها.
"شكلكم فرحانين بالشور زي مامي، ولا تكونوا بترحبوا بريحة بابي في تي شيرته."
نظرت للبعيد ثم وضعت يديها على بطنها.
"شفتوا بابي عمل فينا إيه. طيب أنا مشتقاله ونفسي أشوفه حالا أعمل إيه."
سمعت طرقات على باب الغرفة.
"قطبت جبينها وتساءلت."
"معقولة نهلة لسة صاحية؟"
"أدخل."
قالتها بصوت متعب.
"دلف بحركات بطيئة ليرى ردة فعلها، في نفس الوقت سمعت رنين هاتفها فكان المتصل نهى."
أمسكت هاتفها تجيب نهى، ولكن سقط الهاتف من يديها عندما تسربت رائحته لأنفها.
رفعت عينيها، تنظر لذلك الذي يقف أمامها كطفل منتظر العقاب.
اتسعت حدقتاها شيئًا فشيئًا، وصدمة قوية زلزلت كيانها.
شعرت برجفة شديدة بجسدها عندما اقترب منها.
ورغم ما شعرت به إلا أنها وقفت سريعا.
أسرع إليها عندما وجدها تريد الاعتدال.
جثى على ركبتيه أمامها، ممسكًا بوجهها حتى يتمالك من نفسه لقوة اشتياقه لها.
سكنت لثوانٍ تتأمل قسمات وجهه الجميل.
رفعت أناملها تتحسس وجهه.
"حبيبي إنت قدامي صح أنا مبحلمش."
ضمته بقوة وظلت تبكي بشهقات مرتفعة شقت قلبه لنصفين.
ظلت تبكي وتبكي إلى أن اختفى صوت بكائها، وبدأت تتمسح به كقطة أليفة ولا تنطق سوى "أحمدك وأشكر فضلك يارب."
آهة وآهة من فراق حبيب ظن البعض إنه دُفن ولم يعود.
ولكن كيف لقلب العاشق يصدق ما يقال وما زالت نبضاته تنبض بالحياة.
وضعت يديها على فمها لتمنع شهقات بكائها، فقط تريد أن تستمتع بأحـضانه.
فقط تريد أن تصدق إنه واقعي وليس بأحلامها الوردية.
اقترب يطبع قبلة عميقة فوق جبينها المغطى بخصلاتها الناعمة التي تنسدل بعشوائية على وجهها.
لامست وجهه، واغمضت عينيها تستمتع بشفتيه على جبينها.
حركت يديها على وجهه بالكامل.
"كنت متأكدة إنك عايش. فكروني مجنونة."
"هو أنا فعلاً مجنونة."
"مجنونة بحبك."
اقترب مقبلاً شفتيها بقبلة عميقة، ليبرد نار اشتياقه لها.
ظل يقبلها لوقت طويل، طوقت عنقه، وبادلته جنونها القاسي في عشقها له.
بدأت تعاقبه بشراسة بقبلتها له، ثم دفعته بعيدًا عنها عندما استعادت وعيها من اشتياقها.
شهقات خافتة انفلتت منها عندما وجدت نفسها ابتعدت عنه.
جلس بجوارها ضامًا إياها لجسده.
وضع ذقنه على رأسها.
كان ما يؤرق روحه أكثر مواجهتها بعد غيابه.
رغم اشتياقه الجارف لها ولكن قلبه يأن احتراقًا لرؤيته لها بهذا الحال.
"حبيبي وحشتيني فوق احتمال قوة البشر، عارف إنك زعلانة مني."
تنهد بحزن.
"ليكي حق ياقلبي، ولو عايزة تضربيني وتطرديني مش هقولك لأ."
رفع ذقنها ناظرًا لترانيمها المقدسة لقلبه.
"صدقيني غصب عني، كان لازم أعمل كدا."
مـطت شفتيها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بصوت حزين.
"أنا كنت بموت كل يوم، وحضرتك عايش ومش قادر تطمن روحي. كل يوم أصبّر نفسي وأقول هييجي النهاردة، وأستناك."
رفعت عينيها وتلاقت بعينيه.
"كنت قاسي أوي يا جواد، كنت قاسي كعادتك معايا."
انسدلت عبراتها تحرق وجنتيها.
"عندك حق تعمل أكتر من كدا، ما أنت سبتني قبل كدا أكتر من أربع سنين، إيه يعني لما أعملها تاني كام شهر وأوجع قلبها تاني."
انتفض قلبه وجعًا وألمًا من كلماتها وبدأت دقاته تتفاني عندما حكمت عليه، ورغم ما شعرت به إلا أن دموعها تكوي قلبه.
"غزل."
خرج اسمها من بين شفتيه بنبرة مثيرة مستمتعًا بنطقها.
رفع وجهها بين راحتيه ينظر لعيناها مقبلاً خديها، مقتربًا من شفتيها.
"أنا كنت بتعذب أكتر منك حبيبي، كنت بتمنى أسمع اسمي بس منهم."
قالها وهو يلمس شفتها.
اقترب أكثر.
"وحشتيني لدرجة خايف عليكي مني."
قالها مغمضًا عينيه وهو يدفن أنفاسه بعنقها مقبلاً بهدوء طاغي لروحها.
كانت ترتجف بين أحـضانه، حبست أنفاسها وارتفعت دقات قلبها التي كادت تشق صدرها، أغمضت عينيها تحمد ربها على وجوده بجانبها أولًا، تستمتع بلمساته وهمساته بعشقه لها، ورغم اشـتياقها الجارف له وتمنيها سحق نفسها بداخل أحـضانه إلا أنها استدارت ووضعت رأسها على الوسادة أخيرًا وهي تبكي من السعادة وتبتسم من وجوده وأقسمت لتعاقبه عقابها الشديد.
ضمها لأحـضانه يهمس بجانب أذنيها.
"؛ انسـي ياروحي اللي بتفكري فيه، مستحيل تبعدي ولا لحظة عني."
أقشعر جسدها من أنفاسه الحارة التي ضربت بشرة عنقها عندما رفع خصلاتها دافنًا وجهه يرويها بوابل بقـبلاته العـاشقة.
التـفتت له عندما جذبها لوجهه، نظرت بعينان تقطر دموعًا ووجعًا من غيابه.
زفرة خافتة خرجت من جوفه.
"بعد ما سبتك اتحصرنا في الوقت اللي بنحاول نقبض عليهم هم حاصرونا، كان فيه منهم قدام حضانة حمزة ابن باسم، خطفوه ليومين وفي الآخر رجعوه لأبوه مقتول."
وضعت يديها على فمها من الصدمة.
"باسم اتصل قبل مانروح للدكتورة، وعرفت إن حمزة مات والناس دي ميتلعبش معاها. عارف إننا جهاز كبير بس إنتِ متعرفيش بتحاربي مين بالضبط."
استنشق بعض الهواء يملأ رئتيه.
"شكل الولد وهو غرقان بدمه وجعني أوي ذنبه إيه، لو تشوفي حالة باسم وقتها."
انسدلت دموعه على وجنتيه.
"لما اتحاصرنا وإنت بين إيدي مفكرتش في غير حاجة واحدة أكيد إنهم هيروحوا لأهلي، ويموتوكي."
جذبها يضمها بقوة كأنها أصابها شيء.
أخرجها من أحـضانه.
"وبالفعل كان فيه عربية عند الفيلا، وحصل هجوم بين الفريقين والشرطة اتدخلت والحمد لله عرفوا يسيطروا، وخليت سيف ياخد بابا وماما ومليكة ونهى للفيوم، مفيش قدامي غير صهيب وحازم اللي بقالي فترة بعلمهم إزاي يأمنوا نفسهم كويس ويتدربوا، غير الحراسة."
"عمك قطع شره ونقلوه للمستشفى وهرب من هناك، خارج عشان ينتقم وياخد حقه."
لمس وجنتيها وتحدث.
"عمك كان شغال مع مهربين آثار وتجار أسلحة وغسيل أموال، ساعدوه وعرف يهرب واللي كنت خايف منه حصل، راقبنا وعرف مكانا وبعت اللي يقدر يحاصرنا. اتصلت بريان مكنش قدامي حد بعيد عن عمك مايعرفوش، وإحنا حاولنا نخرج من الحرب اللي كانت بين المافيا وبين الشرطة."
"باسم قالي اركب العربية وادخل من طريق النيل، وكانت دي خطة أنهم يضربوا عربيتي أو يفجروها في الوقت اللي قبل طريق النيل في الإشارة، لقيت عربيتي اتفتحت وواحد من ضباط المخابرات خرجني وركب واحد تاني وخرجنا في إشارة مرور، دا ما أخدش غير دقيقة بالضبط، كان فيه أكتر من تلات عربيات محاصريني، يعني كنا مخططين لكل حاجة، وفعلاً ضربوا العربية واتفجرت ووقعت في النيل."
"والباقي إنتِ تعرفيه."
"ليه ما اتصلتش يا جواد بيا؟ آخر ست شهور ولا مرة قدرت، ولا بابا حسين مصعبش عليك."
مسك وجهها بين يديه.
"مكنش ينفع تليفونكوا مكناش نعرف مترقبة ولا لا، أخدنا احتياطياتنا. بعد شهر من الحادثة، فعلاً خرجوا وبدأ يشتغلوا تاني."
"مسكنا كتير منهم بس لسة اتنين وعمك، دول قربنا نوصلهم يعني خلاص."
"المخابرات مش ساكتة وإحنا كمان."
"وإشاعة موتك فادتهم بإيه."
ابتسم يمسح على شعرها.
"رجعت سينا ياقلبي عشان دا مكان الخطر كله، فكان لازم أصطادهم واحد واحد وهم مفكريني إني مت وبدأ يشتغلوا براحتهم."
"بس مكنش بيعدي يوم واحد من غير ما أشوفك وأسمع صوتك."
اقترب وقبلها بقبلاته العـاشقة.
"لسة زعلانة يا أم عيالي."
فجأة ضحكت بصوت مرتفع مفزعة من مكانها.
أمسكت يديه ووضعتها على بطنها.
"شوف العيال دول بيعملوا إيه، من ساعة ما رجعت من عند الدكتور ماسكتوش."
ابتسم عندما شعر بحركاتهما تحت يديه.
"عاملين إيه حبايب بابي، مين فيكم الوحش الضعيف اللي مبيأكلش كويس."
برقت عيناها من كلماته.
"كنت هناك."
رفع تي شيرته الخاص الذي ترتديه وقبّل بطنها.
"كل كشف بكون هناك، وأنا اللي بحجزلك."
رفعت أناملها أخيرًا على وجهه واقتربت تقبله برقة.
تولى قبلتها وهو يلتـهب بنيران اشـتياقه الجارف لها.
ليأخذها مرحبًا بجنان الخلد الخاصة بهما وحدهما.
بعد فترة كانت تجلس بأحـضانه يطعمها الفواكه وهو يضمها بقوة لأحـضانه.
"إيه موضوعك إنتِ وصهيب دا."
توقفت عن الطعام.
"ولا حاجة... صهيب وإنت عارف هزاره التقيل، بس وربي لأعلمه الأدب، دا مفكرني اتجننت."
ولكنها توقفت فجأة.
"هو كان يعرف إنك عايش؟"
"دا عامل كبير عيلة."
وضع الموز بفمها.
"لسة حازم قايل لي النهاردة، متزعليش منه، هو كان خايف عليكي لتكوني اتجننتي فعلاً ياحبي."
نظر إليها ودقات قلبه بالارتفاع.
"بحبك بجنون وحبيتك أكتر لما عرفت اللي عملتيه في صهيب."
وضع جبينه فوق جبينها.
"لدرجة دي ثقتك إني عايش."
لامست وجهه وقبلت خديه.
"العشق بينبض القلوب ياحبيبي، وطول ما قلبي بينبض باسمك إنت عايش ومحاوطني بأمانك."
"إيه الجمال دا، التيشيرت مخليكي قمر."
ضحكت عليه بأصوات مرتفعة.
"لأ والله يعني هو حلو وأنا لأ."
اعتدلت على ركبتيها الذي يصل آخر لبسها فأظهرت سيقانها، أمامه واضعة يديها بخصرها.
"هو فعلا اللي حلو عشان بتاعك وفيه ريحتك اللي بتريح أعصابي."
"غزل اسكتي مش هسألك تاني على حاجة، عايز ولادي يجوا بالسلامة."
تحركت أناملها بخفة على ملامح وجهه التي تعشقها ثم رفعت وجهه مضيقة عينيها.
"مش فاهمة تقصد إيه؟"
ظل ينظر إليها بنيران اشـتياقه لها تمركزت عيناه على شفتيها وهي تتحدث تمنى لو يسحقها، تمنى أن يقضي ليلته معها للصباح كما كان يفعل.
اقترب ولمس كريزيتها المغرية لقلبه.
"قصدي إنك وحشاني لدرجة مخلياني خايف على الولاد."
نامت على كتفه عندما فهمت ما يشير إليه، ماسكة بيديه التي وضعتها على أحشائها.
"إنتوا بترحبوا ببابي ياحبايب قلبي."
تلاقت عيناه بعينيها وارتجفت شفتيه ونطق.
"بابي."
رغم إنها من أربعة حروف خفيفة إلا أن واقعها على القلب أشد وأشد.
حملها وهو يطلق ضحكاته بصخب من فرحته.
"وحياة بابي ياحلوين لأخلي بابي يحميكم إنتوا ومامي."
أطلقت ضحكاتها التي أنارت وجهها وتحدثت بدلال.
"دا بابي بيتلكك عشان عايز يعوم مع مامي، بس متخافش البانيو هنا واسع أوي يعني هياخدنا إحنا الأربعة."
وقف ونظر لها.
"نعم ياختي أربعة مين، هم المفاعيص دول هيدخلوا البانيو معانا، دي وهما جوه عشان بس أدلل مامي حبيبة قلبي."
"جودي حبيبي ولادي هيستحموا كل مرة معايا في البانيو واللي عجبه يامرحبتين واللي مش عجبه."
رفع حاجبه.
"يعمل إيه يامامي."
"يعمل عريس زي زمان."
"وحياتك بابي بيندم ونفسه في ليلة من بتوع زمان والقمصان اللي كانت بتنزل في الأرض زي الرز."
ضمها لصدره وهو يبتسم بوجهها.
"تسلملي روحي وضحكتها اللي نورت وجهها."
"بقولك مفيش رقصة من بتوع زمان."
طوقت عنقه واقتربت ترفع حاجبها كالأطفال.
"كان عندنا وخلص ياحبيبي."
"لأ ياحبي طول ما انتِ موجودة عمره مايخلص، اصبري بس لما تجيبي الحلوين حبايب مامي دول، وبعد كدا نشوف غيرهم."
ظلت تناظره بحب وترسم ملامح وجهه بقلبها.
هذا الرجل يعني لها أكسيد الحياة.
كيف ستعيش إذا أصابه مكر وه.
هنا أغمضت عينيها بألم، مجرد تخيلها.
أنزلها وما زال محاصر خصرها وهي تطالع ملامحه القريبة لها.
كان منشغلًا بوضع سائل الاستحمام وتشغيل المياه.
اتجه بنظره وجدها تطالعه.
ابتسم وأردف مشاكسًا.
"عارف نفسي حلو أوي."
وضعت رأسها في صدره وتنهدت تتمنى لا تخرج من أحـضانه.
"أوي يا جواد، إنت أحسن راجل شافته عيني حبيبي."
خرجت من أحـضانه.
"ربنا ما يحرمني منك أبدا."
لامست وجهه بحب.
"أنا مش محتاجة من الدنيا دي غير حضنك ليا وأمانك اللي محوطني."
انسدلت دمعة من عينيها وطالعته.
"اوعدني هتخاف على نفسك عشانى يا جواد، أوعدني قبل ما تعمل حاجة فيها خطر على حياتك."
"تفتكر حبيبتك هتقدر تعيش من غيرك."
ظل ينظر لها بصمت.
ملامحها الحزينة تصـفعه بقوة.
اليوم فقط كره عمله الذي يعشقه.
اليوم فقط تمنى أنه لم يعمل بهذا المجال.
اليوم فقط تمنى أن ينفصل عن كل شيء سواها هي.
ضم وجهها بين راحتيه وأردف بصوت مبحوح بالمشاعر.
"أنا عايش وبتنفس عشانك إنتِ وبس. حياتي كلها قبل مااتـجوزك مكنتش حياة. اعتبري أنا اتولدت من يوم ما اتكتبتي على اسمي، من يوم وجيتي وقولتي إنك بتحبيني. وقتها بس بقيت أعد كل دقيقة في عمري. وقتها وحسيت إن كل دقيقة معاكي تساوي عمر وأنا بعيد عنك. عمري ما عرفت معنى الخوف إلا لما بقي دا بينبض لك. بقيت أخاف إن ساعة واحدة تعدي بعيد عنك. بقيت أحسب اليوم بالثواني قبل الساعات وأندم عن أيام وانتِ بعيدة عني."
ضم وجهها مقبلاً خديها مردفًا: "عشان غزالتي مستعد أضحي بعمري عشان أسعدها."
أردفت بصوت باكٍ كلما تذكرت أيامها بدونه.
"وإزاي غزالتك تعيش وتلاقي السعادة وإنت بعيد عنها. إزاي هتكون غزالتك وإنت بتضحي بعمرك. هيكون فايدتها إيه وإنت واخد روحها معاك."
في فيلا المنشاوي.
تجلس بأحـضانه وهي تضحك بصوت صاخب على كلماته.
"والله ياريان هتفضل منحرف طول عمرك."
رفع حاجبه بتهكم.
"والانحراف وحش ياروحي."
اقترب وهمس أمام شفتيها.
"نسيتي دروسي ياحبي، اللي كنتي بتستيها وبتعدي الوقت عشان تاخديها."
دفعته حتى سقط على الفراش.
"تصدق والله إنت رخـم، وكنت مدرس فاشل."
قهقه عليها بصوته الرجولي.
"أيوه عارف ياحبي مدرس فاشل، بدليل الرقص والقمصان المتقطعة."
جذبها بشدة من خصرها.
"ياقلبي دا إنتِ عندك تلات ولاد والرابع جاي في السكة، لما أنا فاشل الناجح إيه."
جلست على ركبتيها أمامه.
"عارف إمتى هتكون ناجح ياحبيبي، لما أخلف بنت، غير كدا إنت فاشل."
دفعها على الفراش حتى سقطت على ظهرها وظلت تضحك.
نظر لها وعيناه كلها رغبة بها.
"بقالي يومين يانغومتي بتباتي بعيد عني ودا مش كويس لصـحتي."
قطع حديثه طرقات على باب الغرفة.
أعتدل ناظرًا لغزل حتى ترتدي ملابسها.
حمحم ثم أردف بصوت متزن.
"ادخل."
دخل بيجاد وهو ينظر للأرض.
"بابا لو سمحت عايز أتكلم معاك في موضوع."
أرتدت نغم مأزرها الطويل، واتجهت له.
"مالك يابيجو، زعلان ليه؟"
"سيبنا لوحدنا يانغم، روحي شوفي حمزة."
ناظرته ثم اتجهت لبيجاد وتحدثت.
"بس هو."
نظر لها نظرات فهمتها وخرجت متجهة لولدها الآخر.
اتجه بيجاد عندما أشار والده بالجلوس.
"قول ياحبيبي، سامعك."
"أنا النهاردة عملت مشكلة في الكلاس."
"ليه يابيجاد؟"
أردف بها بهدوء.
نظر بأسف في الأرض.
"حضرتك يابابا علمتنا، إيه المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعدك أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر."
رفع نظره لوالده وبدأ يقص عليه.
"النهاردة زميلي عمل حاجة غلط في زميله اللي مخاصمه، وطلب مني أعمل زيه لأنه مبيحبوش."
استمع لوالده باهتمام.
"كمل حبيبي."
"الميس جت وعملت بانش للكلاس كله. أنا وقفت وقولت على اللي حصل، لكن زميلي كذبني وقال أنا كذاب، وبدأ يقول كلام باد عليا يابابي، فأنا اتضايقت وضربته."
ضمه ريان بأحـضانه.
"أولًا إنت مغلطش إنك قولت الحق، لكن ياحبيبي غلط لما ضربته، هو إحنا بلطجية يابيجو؟ يرضيك يجي التيـتشر بتاعك يقول باباه معرفش يربيه."
نظر للأرض بحزن.
"آسف بابي، هو استفزني وكان عايزني أكذب وأخاصم زميلي وأعمل فيه حاجات باد."
ضم وجهه بين راحتيه.
"إنت قولت للميس اللي هو طلبه."
هز رأسه بلا.
"مينفعش بابي أقوله حاجة دي نميمة، مامي قالت مينفعش ننقل كلام مش كويس على صحابنا، أنا بس قولت محصلش لما قال للميس إن بيجاد شاف."
"برافو عليك حبيبي، وأي حاجة تحصل بعد كدا تيجي وتقولي، وأنا هكلم الميس وأعرف الموضوع."
نظر لوالده وتحدث.
"لو سمحت يابابا أنا مش صغير عشان تيجي وتشكي للميس، أنا بس حبيت أعرف حضرتك المشكلة وإزاي أنا اتعاملت معها، وعلى العموم أنا اعتذرت لصديقي، بس معنتش هصاحبه تاني لأنه طلع مش كويس."
ابتسم لوالده واضعًا يديه بخصـلاته الغزيرة.
"يعني كبرت يا أستاذ ومش عايز بابا يساعدك تمام."
في غرفة صهيب بالقاهرة.
يجلس بالشرفة يتناول قهوته والحزن يخيم على وجهه.
أتت وجلست بجواره مربتة على ظهره.
"هتفضل لحد إمتى كدا ياصهيب."
تنهد بوجع وحزن بآن واحد متوجهًا لها.
"أنا حاسس إني بقيت يتيم يانهى، ضهري اتكسر بدري أوي، الزمن غدر بيا بوجع مش هقدر أشفى منه."
جلست على عقبيها أمامه ماسكة بوجهه.
"ليه بتقول كدا ياحبيبي، أنا عارفة مصيبتنا كبيرة، بس ربنا مفيش أحن منه."
صمت هنيهة وأردفت.
"صهيب هو إنتوا دفنتوا جواد فعلاً، يعني شوفته."
مسح على وجهه مرجعًا خصلاته للخلف.
"محدش رضي نكشف وشه، وكمان."
وقف فجأة وبدأ يدور حول نفسه.
"أنا إزاي حاجة زي دي تفوتني، أيوه صح، مستحيل يكون هو."
وقف وقام بتغيير ملابسه سريعًا.
اتجهت له نهى وتساءلت.
"رايح فين ياحبيبي دلوقتي؟"
"رايح إسكندرية ضروري، غزل عندها سر اختفاء جواد."
قطبت جبينها وتساءلت.
"سر اختفاء جواد، صهيب إنت خرفت."
"هو جواد."
قاطعها.
"فيه حاجة غلط ودي لتكون عند غزل يا إما عند باسم اللي محدش يعرف عنه حاجة هو كمان."
"يعني هتروح إسكندرية الساعة اتناشر ياصهيب؟"
"نهى لازم أمشي، لو اللي بفكر فيه صح، صدقيني عمري ماهسامحه، لو عرفت إنه عايش وسايبني كدا."
أمسكت يديه.
"حبيبي متنساش خناقتك مع غزل، وكمان عمها اللي محدش يعرف عنه حاجة، اهدى وبلاش تتهور."
تحرك مغادرًا.
"لازم أروح، وبعدين متخافيش هاخد بالي كويس."
أوقفته.
"صهيب غزل مش عايزة تشوفك بلاش تسبب في أزمة نفسية وهي حامل."
مسح خدها.
"حبيبتي متخافيش أنا هعرف أتصرف وأشوفها برضو عاملة إزاي بعد ما بقت بطيخة."
❈-❈-❈
أمام فيلا الألفي ببعض الكيلومترات تقف سيارة موازية لمدخل الفيلا.
رآها صهيب ورغم ذلك تحرك مغادرًا إلى المطار.
في فيلا حازم.
"حازم ليه سبنا غزل في الظروف دي لوحدها."
أجابها وهو ينظر لجهازه المحمول.
"عندي اجتماع مهم الأسبوع دا ومدام نغم عايزة تاخدها عندها أهو تغير جو، بتقول ولادها بيحبوها وهي ارتبطت بيهم."
في غرفة حسين.
جلس يقرأ آيات الذكر الحكيم.
رن هاتفه برسالة عبر الإنترنت.
"بابا حبيبي عامل إيه، بطلك بخير."
ابتسم بإشتياق لولده البكري، دعا له.
"ربنا يحميك يابني إنت وكل اللي زيك، وميحرمنيش منك يارب. هو اللي يد فني مش أنا اللي أد فنه، ربي عبدك ضعيف على ابتلاءه فهونه عليه."
في شقة غزل.
تنام بأحـضانه بعمق، يطوقها بذراعه مائلاً على وجهها وينظر لها ويحتـرق داخليًا كلما تذكر حديث صهيب لها.
"ياترى ليه قلت كدا ياصهيب لغزل."
حاول التنفس عندما شعر بالاختناق لمجرد الفكرة نفسها.
تألمت بنومها، علم إنها لم تستطع النوم بهدوء بسبب حملها.
جلس متكئًا بظهره للتخت جاذبًا إياها لسريره لتنام بعمق على جنبها اليمين مربت
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سيلا وليد
الفصل الأخير
بنت قلبي...
أحبك
أحرف نطق بها قلبي قبل لساني
أحبك
لحن عشقا وترانيم فرحا تنسيني ألامي
أحبك
يا عشقي الاوحد وأنيسة وحدتي ومرآة وجداني
أحبك
بعشقي
وجنون أشتياقي
أحبك
وكل مابداخلي يناديكي حتى جذور أعماقي
أحبك
بولعي وسكوني وهذياني
أحبك
لاخر لحظه من عمرى ساظل
احبك
...
فيلا المنشاوي
دخلت بقهوته التي اعددتها له... جلست بمقابلته وهو يعمل على جهازه المحمول
- حبيبي بيجاد كان ماله... أنا محبتش أسأله... ترك مابيـ ديه وتناول قدح قهوته مر تشفا بعض الرشفات متلـ ذ ذا بطعمها
رفع نظراته إليها
- حصل معه مشكلة في الكلاس بتاعه... بس هو عرف يتعامل فجاي بيحكي لي ويشوف غلط ولا لا
وقفت متجه له
- يعني إيه ياريان... الولد غلطان ولا لا
ملـ س على خـ ديها... وأجابها
- لا حبيبي هو مغلطش وعجبني تصرفه جدا
ربتت على ذرا عيه
- بيعجني فيك إنك دايما مع ولادك ومبتتعصبش عليهم... حبيت روح الحوار بينكم حبيبي
ضـ مها لأحـ ضانه وقبّـ لها قُبـ لة خا طفة
- شوفي ياقلبي... عمر التربية مابتيجي بالصراخ والضرب... اولاً دول لسة ولاد، أطفال يعني.. بيجاد سبع سنين دا ميعرفش الصح والغلط إلا اللي بنعلمهوله..
ثم أكمل مستطردا
- لما يغلط في السن دا لازم نداوي غلطه منعقـ بوش العقا ب اللي يخليه يتمادى ... أما عمر أكبر شوية ومع ذلك لسة برضو طفل ... يعني عشر سنين برضو لازم نؤهله للصح والغلط... مفيش عقا ب للغلط إلا لما يكون مقصود وطريقة العقاب بتكون مختلفة
قطبت جبينها وتسائلت:
- يعني إيه ياريان عايزني أفرق بينهم
امـ سك بيـ ديها وأجلسها أمامه وعقّب على سؤالها
- دا مش تفرقة يانغم... يعني مثلا ينفع تضـ ربي عمر زي حمزة مثلا... لا طبعا
قاطعته:
- وأنا اضر بهم ليه ياريان إنت لسة قايل مينفعش نضر بهم نعلمهم
- أيوة قولت كدا.. بس فيه غلط مينفعش نتهاون فيه.. يعنى مثلا زي مشكلة بيجاد النهاردة... أنا معرفهم الكذب دا حرام... ومتأكد انه غلط وله عقاب
مش شرط أضر به بالمعنى الحقيقي... فيه ضر ب بالمعنى المجازي ياحبي... زي العقاب
يعني حمزة ممكن تعا قبيه زي ماتعا قبي عمر... دا كان قصدي
وضعت رأ سها بأحـ ضانه وأردفت بسعادة
- أنا مبسوطة أوي ياريان لانك متفاهم وحنين مع الولاد
رفع حا جبه بتهكم من كلماتها
- ليه ياقلبي شيفاني جو ز أمهم... دول ولادي ياهبلة... يعني قطعة من قلبي..
ضحكت بصخب على استفزازها له
- حلوة جو ز امهم دي مسخرة ياريو ياقلبي
ضيق عيناه من ضحكاتها
- دلوقتي بتقولي ريو يانغم
رجعت للخلف لما علمت ماينويه ولكن جـ ذبها بقوة...
- هعرفك جو ز أمهم هيعمل ايه
وضعت يـ ديها على وجهها ومازالت تقهقه عليه
- أنا أسفة يا بشمهندس... إنت جو زي مش جو ز امهم... اقترب منها متلمـ سا وجهها بحنان
- عارفة يانغمتي نفسي في إيه
توقفت على ضحكاتها عندما وجدت هدوئه بالحديث... اعتدلت، امـ سك يـ ديها بين يـ ديه
نفسي أجيب للعيال مر ات أب
توسعت حدقتيها شيئا فشيئا... وفجأة وقفت كالتي لُدغت من أفعى
وبدأت تلقيه بالوسادات وتسّبه بأبشع السُباب... كان يتفادى لكماتها وهو يقهقه عليها وعلى غيرتها... فجأة جـ ذبها لأحـ ضانه
مد اعب وجهها بأنفه
- حبيبي الغيران على جو زه... لكـ مته بذرا عيها بجنبه
- إخرص ياريان وإياك أسمع صوتك يابتاع الجو ازات
التقـ ط شـ فاها لدقائق معدودة حتى تلاشت انفا سها واضعا جـ بينها فوق جـ بينه
- حاضر مش هتكلم تاني... أنا أصلا مبحبش النظري وإنتِ عارفة... بمـ وت في العملى... رفعت أنا ملها تلمـ س وجـ نتيه
التقـ ط ثغـ رها الشهي أمامه مرة اخرى ذاهبا بها لعالمه الخاص
❈-❈-❈
في فيلا عمر المصري
تجلس مرام مع ابنتيها سيلا وماسة
سيلا التي تبلغ من العمر سبع سنوات وماسة اربعة
كانت تقوم بتعليمهما ا لرسم...
- مامي شوفي الرسمة كدا صح... أنا عايزة الميس تكون مبسوطة مني
قبّـ لت خـ ديها
- الله عليكي ياسيلو جميلة ياروح مامي... بس هتكون أروع لو حاولنا ننظم الألوان شوية حبيبة مامي هتلاقي الجمال والرونق أجمل... تمام ياحبيبتي
- حاضر مامي فهمت قصدك
مينفعش احط الدارك(غامق) مع لايت (خفيف).. حضرتك تقصدي كدا
اجلستها بجوارها
- بالضبط حبيبتي بس فيه ساعات رسومات لازم نضيف عليها الاتنين... بس هنا احنا مش محتاجين ألون كتير
- يعني البحر... كفاية لون المية بلو..(ازرق)
ليه نحط ازرق غامق ياحبي مع ازرق فاتح
الميه لونها بيكون واحد بس
برضو الشمس... ليه مدخلة الأحمر مع الأصفر ممكن نحط لون أصفر كفاية
قبّـ لت سيلا خـ ديها
- فهمتك مامي أكيد هعمل كدا... توجهت لماسة التي قامت بتقطيع ورقات الرسم
- أوف مامي انا حبش رسم... أنا أحب أرقص باليه ...دخل عمر في هذه الاثناء وهو يضحك عليها... قبّـ ل رأس مرام،، متجها لبناته وقبل خـ ديهم
- زعلانه ليه ياماستي
أسرعت تجلس على سا قيه...
- بابي فين الشكيولت بتاعه ماسة حبيبة بابي
في فيلا الألفي
دلفت المرحاض وهو تقوم باستفراغ ما في معدتها فهي منذ يومين لاتستيطع قبول الطعام
جلست بأرضية المرحاض وقطرات العرق تغزو وجهها... سمعت بكاء طفلها ولكنها لم تقو على الوقوف... امـ سكت الهاتف الخاص بالحمام
- " مليكة.." تعاليلي أنا تعبانة
كانت تنام تنعم بأحـ ضانه فمنذ فترة طويلة والحزن خيم على قلوبهم... اليوم فقط استطاع كبت حزنه بعدما رآه امامه
فجواد يمثل له الأخ والصديق والحبيب وكل مايملك بعد والده
وقفت ترتدي ملا بسها سريعا... نظر لها مردفا
- فيه حاجة... ماما نجاة كويسة
ارتدت حجابها بعشوائية
- نهى تعبانة أوي وصهيب مش هنا...
قطب جبينه وتسائل
- راح فين صهيب الساعة تلاتة دلوقتي
معقول لسة برة
وقفت على باب الغرفة
- راح إسكندرية
هبّ من نومه وتسائل مفزعا
- راح فين... وليه معرفتنيش
استغربت رد فعله ورغم ذلك اجابته
- راح يصالح غزل ياحازم... مالك فيه إيه
مفيش حبيبتي... روحي شوفي نهى لو احتاجت دكتور عرفيني
وقف سريعا متجها لمرحاضه
بعد قليل خرج وامـ سك هاتفه
في الاسكندرية
جلس مطوقا جـ سدها بين ذرا عيه حتى أصبحت بأحـ ضانه كأنها طفلة يحملها والدها... ممـ سدا على خـ صلاتها الحريرية
يحفر ملامحها كرسام يبدع بفنه برسمها كطلة مبهرة للعيون.. لمـ س شـ فتيها التي مهما أرتوى منهما لكنه يشـ عر بالظمأ... أغمض عيناه عندما تذكر أول قُبـ لاته لها
فكان شعـ وره كشعـ ور أم حُرمت من نعمة الأطفال لسنوات عديدة... ولكن لحكمة ربها ورحمته بها أنعمها بطفلها بين يـ ديها... تعلمون كيف كان الشعور حينذ
ابتسم لذكرياته مع جنيته في أول لقاء حـ ميـ مي بينهما... وكيف كانت طفله خجلة... امرأة عا شقة بين يـ ديه... ظل يتراجع بذكرياته السعيدة التي اعتبرها ميلاده
تأ لمت مرة أخرى بنومها... تمنى أن يخـ طف آلا مها ليشـ عرها بنعيم راحتها فقط... قام بإعتدالها للجانب الاخر عندما علم إنها غير هنيئة بنومها... استمع لرنين هاتفها بجواره
- صهيب جه تحت وبيسأل على حازم
قطب جبينه وتسائل
- جي دلوقتي ليه خير... زفر بضيق
تمام خليه يطلع إتاكد مفيش حد وراه
أجابه زاهر على الجانب الآخر
- تمام متخافش... واخد بالي هو ركب كذا وسيله عمل حسابه يعني محدش وراه
استمع لطرقات الباب
جـ ذبها بهدوء إلى الوسادة مقـ بل شـ فتيها بقُـ بلة سطحية عندما وجدها تمـ سك يـ ديه بقوة كأنه سيتركها همـ س بجانب أذ نيها بعدما قبـ لها
- حبيبي هشوف حاجة برة وجايلك متخافيش... هزت رأ سها ومازلت بين اليقظة والنوم
- زوزو حبيبي صهيب جه برة هشوفه ورجعلك... مقدرش أبعد عنك... اقتـ رب وهمـ س بخفوت لتعيد لنومها
جود حبيبك مستحيل يبعد عن غزالته، نامي دلوقتي ياحبي... قبّـ ل جبـ ينها.. ثم خرج للباب عندما قامت العاملة بفتحه... وتفاجأت بوجود صهيب
أشار جواد لها بفتحه... فتح الباب الذي ظـ هر منه صهيب
- معلش يانهلة صحيتك... حازم نايم ولا... ولكن قطع حديثه عندما وجد جواد يقف أمامه يضع يـ ديه بجيب بنطاله
رعـ شة عنـ يفة أصابت جـ سده بالكامل... هـ زة جعلته غير قادر على الحركة أو النُطق... ظل ينظر له لبعض اللحظات كأنه يحاول استيعاب مايرى ويتأكد إنه حقيقة أم خُيل له .. قاطع نظراتهما لبعض رنين هاتف غزل...
نهلة أردف بها جواد
- هاتي فون الدكتورة... هنا فاق صهيب وعلم مايراه حقيقة.. هنا كأنه تلقى صـ فعة بقوة على وجهه... اقتـ رب بخطى سُلحفية وهو ينظر لجواد الذي كان يناظره بهدوء
- انت فعلا... أيوة أنا مبتوهمش... أقترب حتى وقف أمامه لم يفصل بينهما انش واحدا... رفع يـ ديه... يلمـ س أكتـ افه حتى يتأكد بما سمعه ورآه.
جـ ذبه جواد بقوة إلى صـ دره يربت عليه
هنا خرّ با كيا ولم يعد قوة لتحمله... هنا خرج صمته وكأنه لم يبكـ ي من قبل... لقد عاش الفقدان ثلاث مرات... تمنى أنه لايفقد مرة آخرى...
ضـ مه جواد بقوة عندما شـ عر بما يشـ عر
بس يالا إنت بتعيـ ط زي السـ تات ليه كدا... خرج يمـ سح دمو عه
تراجع للخلف لا يعلم كيف ينظر له
هل ينظر اشتياقا...!!
أم ينظر له معاتباً!!
عقله يعمل بكل الإتجهات حتى شـ عر إنه سيسـ قط للها وية.. رفع أنظاره له وتحدث
- ليه،!! ليه تعمل فيا كدا..؟
ليه تكون عايش وتموُت كل حواليك...؟ توقف لحظة
- يعني غزل تعرف إنك عايش... هز رأ سه وتحدث بيقين
- ايوة هي تعرف.. قاطعه جواد
- محدش كان يعرف غير ريان.. وحازم لسة عارف النهارده هو وبابا
لكـ مه بصـ دره بقوة.. رغم تدرب جواد إلا ان لكـ مته أرجعته بعض الخطوات
رمقه شـ رزا وابتسم بتهكم
ليك عين تتكلم... رفع سبابته عندما حاول جواد الحديث
اخرص ياجواد... مش عايز اسمع صوتك.. وضع يـ ديه يمسح وجهه يحاول إستيعاب مايحدث ناظره بعتاب
- أنا كنت بمو ت كل دقيقه... وإنت عايش... خلتني أشـ عر باليُتم وإنت عايش... إنت تعرف حـ سيت بأيه... حـ سيت إن ضـ هري اتكـ سر وبقى مكشـ وف للي عايز يد بحني ... حـ سيت إ نى وحيد في الدنيا... حـ سيت ان حد بيخـ نق فيا ومش قادر اتنفـ س
ليه إيه ليه تعمل كدا... أردف بها بصياح
دار حول نفسه كالمجنون
- أنا كنت مفكر مر اتك اللي اتجننت وأنا اللي طلعت مجـ نون... أنا قولتلها هتجو زك علشان أمانة أخويا
مـ سح على وجـ هه بعـ نف كأنه يقتـ لع جلـ ده م وجهه... وصرزخ بصوتا مر تفع
- ليه ياجواد كنت بتموّت أخوك وإنت عايش... دا أنا اللي مو ت معاك... أنا اللي مو ت... أنا اللي دايما أخسر حبايبي... ياريتني كنت مو ت بجد ولا حـ سيت بشعـ ور فقـ دانك... شعـ ور مُميت للروح... شـ عور بيخليك عايز تموت علشان ترتاح من قوة الألم
جـ ذبه جواد لأحـ ضانه عندما رأى إنهيـ اره بهذا الشكل...لم يكن يعلم وصوله لهذه الحالة وظل يربت على ظـ هره
- أنا آسف مكنش قصدي أزعّل ولا أحزن حد... كنت عايز احميكم.
❈-❈-❈
قطب مابين حاجبيه
آسف!!
تحمينا!! من إيه؟
وإيه الحماية وإنت مش في وسطينا
ركل المنضدة بأقدامه وصر خ كالمجنون
- ياخي بقولك أنا قولت لمر اتك هتجو زك... بتقولي حماية... فين الحماية دي ومر اتك في حتة وأبوك في حتة وأنا تايه بين الكل
فين الحماية دي وسيف ماشي ضا يع حا سس إنه مش عايش... حا سس انه وحيد... فين الحماية ومر اتك كل ليلة نايمة بتتأ لم لوحدها مبتلاقيش اللي بيساعدها تدخل حتى الحمام... فين حمايتك ياحضرة الضابط
ضـ رب على صـ دره
- فين حمايتك وأنا قلبي نا ر بتحـ رق فيه كل ماأفتكر إني معنتش هشوفك ولا أسمع صوتك...
اقتـ رب ووقف ينظر بداخل مقلتيه
- فين حمايتك وأمك بتقول لمرا تك أنا بشوف فيكي إبني... تساقطت دمو عه بغزار
فين حمايتك وأمي بتقولي متخليش مر اته تمشي علشان اشم ريحته حواليا
- انا كنت بد فن واحد غريب وجـ سمي كله بيتو جع عليه ومعرفش إن أخويا عايش وسايبنا كلنا نتعذب...
كنت بروح أقعد على قبرك.. ابتسم باستخاف قصدي قبر اللي دفـ نته
وأبكـ ي... كنت مستعد أدفع عمري وأشوفك قدامي بس وتقولي بتعيط ليه يالا
- فين حمايتك دي وأنا كل يوم أرجع البيت وأبص على بيتك كأني شايفك في البلكون وإنت بتشرب قهوتك وبتقولي عامل إيه ياحضرة الدكتور
- فين حمايتك وإحنا كل يوم الصبح نقعد نبص على كرسيك انت ومراتك ودموعنا تنزل بصمت ونحاول نضحك علشان مانو جعش قلب أمك وابوك
إنت فاهم معنى الحماية غلط ياحضرة الضابط... اقترب ووضع يـ ديه على أكتـ افه
- الحماية إني اشـ عر بالأمان وكل االي حواليا موجود... الحماية هي السعادة بذات نفسها... عشت الحزن والفقدان لحد مابقتش حاسس يعني ايه حياة اصلا ودلوقتي جاي بعد أكتر من تلات شهور وتوقف وتقول أنا عايش
تقلص المسافة بينهما
- صهيب أنآ مقدر وجـ عك وشـ عورك..
قاطعه كالمجنون
- اسككككككت صر خ بها وهو يضع يـ ديه على آذانه
- معنتش عايز أسمع حاجة... لكـ مه بصـ دره بقوة
- لما تحـ س بيّا يبقى تعالى أقف قدامي وشوف احـ ساس فقدان عزيز عليك إيه... ظل يلكـ مه كأنه لم يشـ عر بما يفعله
- دا إنت ابويا يالا مش اخويا.. دمو عه تساقت بغزارة وأردف بصوتا با كي
- إنت قوتي في الدنيا دي
انت ضهري اللي بقدر امشي وانا مش خايف لاقع و اتكـ سر.. ضـ مه بقوة لصـ دره
- إنت آماني اللي حـ سيت اني خـ سرته وأنت مش موجود
ضـ م بعضهما البعض بقوة... وظل يبكيان بصوتا مرتفع
آهة ملتاعة بنبرة حزينة خرجت من جو فها وهي تقف على باب غرفة المعيشة... جعلتها لم تقو على الوقوف لتجلس أرضا لذكريات حزينة دُثرت بالتراب لاغلى الأحباب... لفقيد الشباب... هنا مشهدهما... أيقظ وجـ ع فؤداها... كيف لكِ صغيرتي التحمل على هذا المشهد الذي يبكـ ي حجرا صماء
استمع لشهـ قاتها... استدار سريعا... لقد ارتجـ ف قلبه لسماع صياحها وشهقاتها... جعلت لهـ يب قلبه بالإشتـ عال لآوجاعها... أسرع إليها، جلس أمامها على ركـ بتيه
- زوزو حبيبي مالك ياقلبي.. ضـ مها لصـ دره وقوة تحمله على آلامه فاقت آلامها
كيف لعاشق أن يصمد أمام أحزان من يُحب... أمـ سك وجهها وأزال عبر اتها التي تكـ وي قلبه بلهـ يب الإحـ تراق
خطى صهيب إليهما بعدما استعاد قوته وتحمله مما رأى... جلس بجوارها ممـ سدا على حجابها
- إهدي يازوزو... إهدي متنسيش إنك حامل... رفعت نظرها لها ودمو عها تنسدل بغزارة كشلال
- حـ سيت بالوجع... عرفت أد إيه فقدان قوتك بيعمل إيه؟
عرفت يعني إيه سندك وأمانك في الدنيا مش موجود...
أمـ سكت يـ ديه ونظرت لمقلتيه
- شوفت أد إيه الأخ مينفعش يتعوض... مـ سح جواد دمو عها وبدأ يعلم بما صار لها
اوقفها وهو ينظر لصهيب
- إرتاح دلوقتي وهنتكلم بعدين... ضـ مته بقوة كأنها ستفقده هو الآخر... ضـ مت حبيبها بل كيانها وذكريات جاسر تداهما
ألقت نفسها بالكامل عليه... تلاقها بقلبه قبل يـ ديه... نعم لقد شـ عر بما تمر به
حم، لها وهو يضـ مها لصـ دره ليسمعها نبضاته الهادرة في ضلوعه كي تهدأ
وضعها على فراشها بهدوء وقام بخـ لع اسدالها واضعا قُبـ لة عميقة دافئة على جبينها
- إهدي حبيبة جود متو جعيش قلبي ياقلبي... رفعت أنا ملها على وجـ نتيه
- أنا بحبك أوي ياجود.. أوي أكتر من أي حاجة في الدنيا دي... شوف وقت ماكان جاسر موجود كنت بحبه أغلى حاجة بس هو حب من نوع تاني... حب بلا مقابل.. ماهو أكيد الحب الأخوي بلا مقابل
❈-❈-❈
لمـ ست وجنتيه بأناملها وتحـ سـ ستها.. ناظرة لعينيه:
إنما إنت لا... مكنتش حب اخوي، حتى وقتها كنت بقتنع بكلامهم بحب أخوي بس كنت بنتظر منك غيره... كنت بنتظر اني أكون أغلى حاجة... كنت بنتظر كلمة بحبك أكتر من رو حي... كنت بنتظر تضـ مني علشان احـ س بنبض قلبك ليا
كان فيه فرق كبير اوي بينكم.. أوي ياجود حتى لما قالوا انك مُـ ت... مصدقتش لأني حا سة برو حك حواليا في كل مكان...
انزرفت دموعها بقوة
- إنما هو لما قولتوا ما ت عرفت سندي وآماني والحنان الأخوي والأبوي... حـ سيت باليتم مع اني عيشته قبله... لكن هو محـ سـ سنيش بيه ولا إنت كمان
إنما إنت لا... لو كنت بقيت زيه... صدقني كان نفسي اتقطع مني... كنت فقدت كل حاجه... النهاردة وانا بسمع صهيب قلبي وجعني عليه أوي... عذرت كل اللي عمله
احـ ساس اليتم والوحدة صعب أوي... مع إنك محرمتنيش من حاجة... بس غصب عني كنت بروح لذكريات الاخوة الجميلة... إنت عوضتني... هو صعب الاحساس اللي عاشه حتى لو سيف وحازم معه... بس كل واحد معزته غير التاني
- ربنا مايحرمني منك ياحبيبي...ظلت تكررها عدة مرات
جـ ذبها بقوة لأحـ ضانه واعتـ صرها يكاد يدخلها لضلوعه حتى يزيل آلا م جر احها
شـ عر بروحه تأ ن بأنـ ين كوتر مقـ طوع.. تنـ هد بحزن عليها... مـ سد على شـ عرها بحب مُقبلا خـ ديها
- طيب مش أنا عوضك بتعيطي ليه دلوقتي ياقلبي
شهقت شهقات مرتفعة تحاول تسيطر على آحزانها... لم تستطع تمالك نفسها من الحزن... عندما تذكرته فكأنه اليوم
نخر الألم عظامه نخرا حتى شـ عر بتشحذ جـ سده بسكين بارد ليشعر بقوة اآلامه
ضـ مها لقلبه يتمنى أخذ آلامها وأحزانها
- زوزو ينفع كدا.. يعني كنت مـ ت أحسن وأهو كانت دمو عك بفايدة
رفعت راسها ووضعت يـ ديهاعلى شـ فتيه مقبـ له بكل عشق وشوق ونظرت بعيناها المنتفخة من كثرة البكاء
- بعد الشر عليك من الموت ياحبيب قلبي.. ليه بتقول كدا ياجود حرام عليك
دخلت أحـ ضانه تتمـ سح به كقطة أليفة
لو مت خدني معاك لأني بعدك ميته
- أشش أهدي أنتِ في حـ ضني أهو.. ومش هسيبك... رفعت رأسها
- أوعدني... لمـ س خـ ديها بشـ فاه مقـ بلا دمو عها
- وحياة غزالتي عندي... ألقت نفسها بأحـ ضانه وهي تبـ كي بنشيج مرير
- لو سمحتي حبيبي بطلي عياط... أنا عاجز مش عارف أعملك إيه... ينفع كدا تزعلي جاسر... بكرة يقولي مامي كانت كل شوية بتعيط
اعتدلت سريعا تنظر له
- "جاسر "همـ ست بها بحنين... لامـ س خـ ديها
- ايوة إن شاء الله هسميه جاسر لو جه ولد
ابتسم لها
- تعرفي حلمت يوم خُطبتي على ندى بإيه
مـ سحت دمو عها بعنـ ف
- نعم ياخويا... أنا بعيط وأنت بتقولي ندى
قوم من جنبي والله أنت فعلا مستفز وبارد
قهقه عليها جا ذبها بحـ ضنه وهو يحاوطها بذر اعيه
- يابنتي استني لما أقولك الحلم
جلست على ركـ بتيها أمامه ودُت لو تصـ فعه على وجهه ولكن كيف وهو نبض الحياة
رفع حا حبه يحاول يستشف ماتفكر فيه
- بتفكري في إيه غزالتي... إوعي تكوني ناوية تعملي مقلب... أشار بعينه على بطـ نها
متنسيش البطيخة اللي في بطـ نك
ضيّقت عينا ها واضعة يـ ديها بخـ صرها
- هقولك هعمل إيه بناء على اللي تحكيه... قول ياابن الألفي ياجميل يابتاع الستات
مط شـ فاه للأمام وارتفع جانب وجهه وتحدث بتهكم:
- دلوقتي ابن الألفي وبتاع البنات ومن شوية أمو ت لو حصلك حاجة ... ماشي يابنت السيوفي... من شوية كنت الهوا والميه
لكـ مته بذر اعيه...
- مادورش وتحـ رق دمي... قولي حلمت بإيه... لمعت عيناه عندما وجد بريق عيناها الغيورة عليه
نصب عوده متجها للشرفة... وقفت متجه له وتصيح عليه
- لدرجة دي الحلم صعب تحكيه..
اتجه بنظره لها وقد راقه غيرتها اللـ ذ يذة له
❈-❈-❈
هشرب سيجارة واحكيلك
- نعمين ياخويا... تشرب إيه؟
والله ياجواد هضر بك أنا بقولك أهو... من إمتى وإنت رجعت تدخن تاني... توقفت عن الحديث تطالعه بخبث
- تصدق ياحبيبي نفسي كمان أشرب سيجارة.. رفعت نفسها تضع يـ ديها على كتـ فه
- تقول إيه ابنك الطفس الجعان طالع لأبوه وعايز يشرب سيجارة
- نعمين ياختي... قولتي إيه
تبادلت النظرات بينهما باستخفاف
- بطلي هبل وتعالي اقولك يامجنونة حلمت ايه
"طعمة، لـ ذيـ ذة... حبيبتي عايزة تتاكل دلوقتي
جلست تمـ ط شـ فتاها كالأطفال وتهز سا قيها بعنـ ف
- قولي ياجوااااد صر خت بها... ضـ مها وظل يضحك عليها.. قبـ لها قُبـ لة سريعة
- عايز اقولك الحلم دا مينفعش يتقال...
دفعته بقوة عندما تلاوشت قواها وهو ينظر لها بهدوء
- ياقليل الأدب.. أنا قولت والله إنك قليل أدب.. هتكون حلمت بإيه يامحترم
اللي مشفتش يوم تربية قالتها وهي تكز على أسنانها
جلس محاوطا اكـ تافها ومازال يضحك عليها
- ياهبلة اسمعيني... الحلم دا كان بيكي انتِ.. جحظت عيناها وارتعـ شت شـ فتيها وأشارت لنفسها بيا
نظر لخـ صلاتها المـ تمردة بفعل عصـ بيتها... تمنى أن يجول بها بجولاته توا ورغم ذلك تمالك حاله
رفع انا مله يرفع خـ صلاتها
- اه والله.. كنت بحلم وعايزه حقيقة دلوقتي
ترقرقت عيناها بالدموع تناظره
- قول وهعملك اللي انت عايزه...
جـ ذبها بأحـ ضانه مُقـ بلا جبينها
- إنت عملتي كل حاجة حبيبي وأكتر من اللي تمنيته... مـ سد على خـ صلاتها رافعا المتمردة منها
- حلمت ان جاسر داخل بيصحيني وانتِ في حضني وبيقولك جعان يامامي
- "جاسر " اردفت بها بتمهل وصوتا متقطع
عندنا جاسر... يعني اليوم اللي كنت رايح تخطب واحدة غيري... حلمت انك جايب ولاد مني... وكمان جاسر ورغم كدا روحت وخطبت وقهر تني
تنهـ د بو جع وحزنا بآنا واحد
- حبيبي متكلمناش في الموضوع دا كتير ليه بتفتحيه تاني وتو جعي قلبي... أنا نفسي انسى المدة دي كلها... صدقيني عايز افقد الذاكرة مش عايزة حاجة تفكرني إنك كنتي بعيد وبنتعذب
تسطـ حت على الاريكة متخذه سا قيه وسادتها و ممـ سكه بها
- آسفة ياجواد بجد آسفة افتكرت بس وجع اليوم دا... نزل بجـ سده مقتـ طف ثغرها بقبـ لة خا طفة ناظرا بعيناها
- افتكري دايما انكِ هزيتي عرشي ياغزالتي مفيش قبلك ولا حتى بعدك
ابتسمت بحب جا ذبة رأسه ومازالت متسطحة
- بعشقك يانبض غزالتك... ثم أغمضت عيناها ذاهبة بسبات عميقا لفرحة قلبها من زو جها الحبيب
باليوم التالي استيقظ على صوت هاتفها كان مازال جالسا وهي تغفو على ساقيه
أمـ سك الهاتف وجده حازم... علم من الأمس إنه يريد يخبره بقدوم صهيب.. انسحب بهدوء من الغرفة حتى لا يزعج نومها واتجه لغرفة أخيه
دلف الغرفة بهدوء وجده مستلقي على الفراش بملا بسه يبدو انه للتو غافيا... تحرك بهدوء وجلس بجواره مقبـ لا جبينه
حامدا الله على وجوده بين عائلته...
زفر محاولا استنشاق بعض الأكسجين لرأتيه محاولا لملمت شتات نفسه
فتح صهيب عينيه عندما شـ عر بوجوده... اعتدل يمـ سح على وجهه
- فيه حاجه.. غزل تعبانة
ربت على اكتافه
- لا ياحبيبي كويسة الحمدلله... بس حازم بيتصل من إمبارح... كلمه وطمنه وبلاش تذكر اسمي في المكالمة.. باقي اسبوع عايز ارجع لحياتي الطبيعية
نظر بساعته
الساعة سبعة دلوقتي... هو صاحي علشان اكلمه.
أومأ برأسه
- ايوة لسة كان بيرن على تليفون غزل... نظر صهيب لهاتفه وجد كم من الاتصالات من
- هو متصل بيا بس التليفون كان سايلنت
حدقه بنظرات ثاقبة
- صهيب ليه قولت لغزل تتجو زها
قهقه عليه صهيب وهو يلـ طم يـ ديه ببعضهما
- تعرف أنا طول الليل وبسأل نفسي ازاي جواد تغاضى عن الموضوع دا
لكـ زه بجنبه
- يعني لو مُت يالا حقيقي كنت هتتجو ز مرواتي
ضـ مه لأحـ ضانه
- بعد الشر عليك ياحبيبي... أنا كنت مفكرها اتجننت فقولت افوقها من الصدمة بصدمة أكبر... اتاري أنا اللي كنت مجنون
ضيق عيناه
- هي البت زوزو كانت تعرف ولا مقرطسانا
دفعه حتى سقط على الفراش
- بت في عينك ياحمار... تقول على مر ا ت جواد الألفي بت يالا... لا ومين الدكتورة غزل
وضع يـ ديه على وجهه من كثرة ضحكاته
- والله هي في نظري بت وهتفضل بت... ياخربيتها دي طلعت مفترية
جـ ذبه من يـ ديه معتدلا
- قبل ماأكون مر ات جواد الألفي أنا تربيته
شوف البت اللي كنت بشلها وبنلعب وبنعمل مقالب... ثم جحظت عيناه وهو يقهقه
- تعرف تربيتك عملت ايه... ضر بتني بالقلم
وضع يـ ديه على خـ ديه
- اي بنت الأيه ايـ دها ملسوعة
- تصدق تستاهل يالا
ضحك الاثنين بصوت مرتفع...
اتجهت إليهما على صوت ضحكاتهما... طرقت باب الغرفة... اعتدل الاثنين عندما فُتح الباب وطلت عليهما تلك الجميلة
- صباح الخير... تدوم السعادة
وقف سريعا متجها لها عندما وجدها تقف بمأزرها الذي ضايقه كثيرا.. جـ ذب يـ ديها
ينفع تخرجي كدا ياغزل
نظرت لنفسها وأمـ سكت حجابها
- ماله ياجواد، ماأنا لابسة أهو
رفع حاجبه بتهكم ناظرا
وروبك اللي لازق على جـ سمك دا ينفع ياغزل.. رجلك باينة ياحبيبتي
ابتسمت له مطوقة عنـ قه أمام الغرفة
- حبيبي غيران ولا إيه
زفر بغـ ضب عندما شـ عر بأن أحدا يراها بهذا المظهر... جميلة حد الفتنة... غيرته مجنونة ورغم ذلك حاوط خـ صرها بذرا عيه... متجها لغرفتهما
- دي مش غيرة أد ماهو حلال وحرام ياحبي... ماينفعش حد يشوف حاجة تخصك غير جو زك... توقفت عن الحركة
- دا صهيب ياجواد... عارف يعني إيه
دا اخويا وصاحبي وكل حاجة... ميغركش شوية الخناقات بتاعتنا بس مهما كان دا صهيب عمره مكانته ماتهتز في قلبي
- غزل أردف بها بصياح عندما شـ عر بنـ يران الغيرة تلـ هب قلبه بل جـ سده بالكامل... تركها متجها لغرفتهما حتى لا يحزن قلبها... عندما وصلت غيرته للصياح بوجهها
دلفت بعده وهي حزينة من ردة فعله... جلس على الاريكة يرجع خصلاته للخلف يكاد يقتـ لعها من جـ ذورها
فكت حصار تشابك يـ ديه، واضعه نفسها بأحـ ضانه... ضا مة وجهه بين راحتيها مقبـ لة شـ فتيه ناظرة لعينيه
- نسيت تصبح عليا على فكرة... صبحت عليا بس بطريقة تانية ياحبيبي
حاوط جـ سدها وهي مازالت بأحـ ضانه ملتقطا ثغـ رها بقـ بلة شغوفة أقرب للالتـ هام... ليثبت لنفسه أنها تخصه وحده.. فصل قبـ لته
- قبل غيرتي فيه حاجات المفروض تتعمل وحاجات لا... فيه حاجه اسمها حلال وحرام حبيبتي... صهيب دا يجو زلك شرعا... يعني مش محرم عليكي سمعتيني اول وأخرة مرة تستفزيني بكلامك دا... انك تتكلمي على راجل تاني مش هسامحك حتى لو كان ابويا نفسه... مش صهيب بس
رفعت أناملها لشعره تمـ لس عليها بهدوء
- أول مرة اشوفك كدا... ايه اللي حصل لدا كله... انت عارف اننا كلنا اخوات مع بعض ياجواد... وبعدين نسيت أنا وهو كنا إيه
رفع نظره لها
- ياريت انسى ياغزل،، بجد اتمنى اني انسى... ضيقت عيناها وتسائلت
مالك ياجواد؟
انت بتغير من صهيب؟
لم يشـ عر بنفسه الا وهو يلتقط شـ فاها...
- صباح الحب ياقلبي
رفعت حاحبها بتهكم
- إنت اتجننت ياجواد... وضع رأسه بعنـ قها
- إنسي... بس خلي بالك من لبسك قدام اي حد حتى حازم نفسه
شـ عرت بما يدور بخالده... لقد علم بما قاله صهيب جعل قلبه ينصـ هر من غيرته
رفعت نظرها له ممـ لسة على خـ ديه مقتربة تهمـ س له
- مش عايز تصبح على ولادك... جحظت عيناه من تقلباتها وظل يقهقه عليها... نصب عوده وحملها متجها للمرحاض
- لا ولادي عايزين شاور مع بابي وبعد كدا اصبح وأمسي
بعد أربع شهور
- يجلس امام اللواء نشأت... يز فر بغضـ ب.. يقبض على يـ ديه حتى نفرت عروق عنـ قه
- وبعدين يافندم... كل مانحاول نمـ سكهم يكونوا واخدين حذرهم
طرق اللواء نشأت على سطح مكتبه
- بقولكم المرادي محدش يعرف بموعد العملية... استمع الاثنين إليه باهتمام... قاطعهم رنين اتفه
- أيوة ياريان... هب واقفا
- تمام خمس دقايق وأكون عندكوا في المستشفى... وقف باسم أمامه وأردف متسائلا
- فيه إيه ياجواد
- غزل بتولد ومفيش حد معها... مليكة سافرت القاهرة إمبارح، لازم اروحلها
مينفعش ياجواد... إنت عارف أنها اتعرفت بعد ذهاب والدتك عندها
- انا ميهمنيش حاجة دلوقتي غير عايز اطمن على مر اتي وبس
وقف باسم أمامه
- جواد إنت بتعرضها وبتعرض عيالك للخطر... دفع باسم متجها للباب
- والله لو دخلوا أوضة العمليات نفسها مستحيل اسبها... حتى لو مو توني فعلا... اردف بها مغادر وكاد قلبه يتوقف من الخوف عليها
دلف سريعا الى المستشفى مع حذره التام... فرغم ماقاله إلا أنه يخاف بجنون عليهما
وجد الممرضات تقوم بتجهزيها
أرتجـ فت أوصاله من خوفه عليها من مظـ هرها المو جع للقلب ... انسدلت دمـ عاتها عندما رأته أمامها
نزلت دمو عها فوق صـ دره كقطع زجاج تمـ زق خلايا جـ سده... شهـ قت عندما ذاد الألم بها شهقاتها اختـ رقت جدار.. رو حه... أسرع إليها وأمال بجـ سده عليها... مُقبُـ لا جبـ هتها
-زوزو حبيبتي هانت كلها دقايق ياقلبي وترتاحي.. خلي إيمانك بربنا كبير.. اعدل البونيه الخاص برأسها
- عايزك تعرفي إنك أجمل سـ ت شافتها عينيا... قالها مقـ بلا رأ سها... ثم استكمل
- هستناكي هنا أنتِ وأولادنا... أجمدي يازوزو.. اذكري ربنا حبيبي وإن شاءالله هتخرجي بسرعة
أمـ سكت يـ ديه وترجته بعيناها وصوتها المتعب
- أدخل معايا ياجواد.. عايزة أحـ س بالأمان حبيبي..
نظر للدكتورة التي دخلت
- إيه يادكتورة جاهزة.. أومأت برأ سها وهي تنظر له
- عايز أدخل معها لو سمحتي يادكتورة
وزعت أنظارها إليهما ثم اتجهت ليـ ديهما المتشابكتين... ابتسمت لهما
- ممكن ياحضرة الضابط... اتفضل خلي النيرس تجهز حضرتك
اتجه ينظر لزو جته ويقـ بل يـ ديها
- مش هسيبك ياحبي... وضع جبينه على جبينها... زوزو أنا بعشقك
حاولت ترفع يـ ديها على وجهه.. أمـ سك يـ ديها ووضعها على خـ ديه... ثم قبـ لها، هجهز وأجيلك
بعد فترة داخل غرفة العمليات
كان يجلس بجوارها ممـ سكا يـ ديها والطبيبة تقوم بالعملية القيصرية لتوليدها... ظل يربت على رأ سها بحنو مع ذكره للواحد القهار... أخيرا استمع لصوت بكاء البيبي
رفع نظره إلى الطبيبة التي ناولته إلى النيرس لتجهيزه... ابتسم عندما وجده أمام نظـ ريه.. امال برأسه يهمـ س لها
- جاسر شرف ياغزالتي... لسة البت الشقية اللي زي أمها... ضغـ طت على يـ ديه كأنها تسمعه
وما إلا دقيقتين وخرجت طفلته الثانية لنور الحياة... هنا ابتسم بدموع الفرحة تنسدل على خديه..قبـ ل يـ ديها
- غزل البنت
انزل برأ سه مبتسما مُقـ بل رأ سها
- ألف مبروك ياعمري... مبروك ياأم العيال
هنا ذهبت بعالم الأحلام
- هي نامت ليه يادكتورة... مش المفروض البنج دا نصفي...
ابتسمت الدكتورة
- متخافش ياحضرة الضابط.. دا أحسن علشان الألم بعد كدا... هو مخـ در كامل
ملـ س على خـ ديها بحب
- ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي يارب
بعد قليل اتجهت لغرفتها ومازال ممـ سكا بيـ ديها... وجد نغم وريان بالخارج
- مبروك ياحضرة الضابط
ابتسم لهما ورد تهنئتهما
اتجهت نغم تد ثرها جيدا بالغطاء... أما هو جلس بجوارها حتى تستيقظ
- ممكن تطلع برة مع ريان وأنا هفضل معها متخافش
- "لا " شكرا يامدام نغم بس أنا عايز أفضل جنبها لحد ماتفوق... دلفت الممرضة بالطفلين ووضعتهما بمهدهما كما طلب منها
❈-❈-❈
نظرت لها نغم
- إنتِ جيباهم هنا ليه مش المفروض يكونوا في غرفة الاطفال
قاطعها جواد
- أنا اللي طلبت كدا... خليهم قدامنا أحسن.. إنت عارفة الخطر اللي محوطنا
اومأت متفهمة... ممكن تروحي انتِ ترتاحي أنا جنبها وكمان ريان مش عايز أعطله
- لا مفيش عطلة وحاجة... أنا هروح أخليه يجيب الولاد من الشوفير تحت ويروح وانا هفضل معها
ظل جنبها إلى أن فتحت عيناها
- "جواد "
- رفع يـ ديها مقبـ لها... أنا هنا يارو ح جواد
حا سة بإيه
- اغمضت عيناها بين النوم واليقظة
أنا كويسة عايزة اشوف الولاد
اتجه أخيرا لأولاده... حمل الولد متجها به لها... "سمي الله حبيبتي"
نظرت له وضعه على صـ درها... قبـ لت رأسه
- عايزة أشوفه ياجواد أعدلني
- أستني شوية يازوزو إنتِ لسه تحت المخـ در حبيبي... أنا سميته جاسر
نظرت له مبتسمة
"ربنا يخليك لينا ياابو جاسر"
نظر لها مبتسما يردد الكلمة... مااجمل شعـ ورها... ربي أعطي كل مشتاق
اللهم ازرع في كل رحما مشتاقا جنينا
رددها بعدما شـ عر بلـ ذة ومعنى هذه الكلمة
تركه بأحـ ضانه متجها للأميرته كما لقبها
- شوفي أميرة بابي بقى دي هتكون رو حه وحبيبه... رفعت نظرها لها
- من أولها كدا خطفـ تك مني،... قبل جبـ هتها قُب، لة عميقة.. حنونة يبث بها امتنانه لها
- إنت عمري وروحي وحياتي... إنتِ الحب والحياة لوجودي
رفعت يـ ديها على خـ ديه
- إنت عوض ربنا الأكبر ليا... أخذ منها طفلهما الاول واضعا ابنته
- دي "غِنى " غِنى الحب والحرب والحياة اللي بينا حبيبي
- جواد عايزاك تبو سني دلوقتي
قهقه عليها
- البنج وعمايله ياحبي هيطلع عليا
بو سني بقى متبقاش بارد...
ضحك بصوتا مرتفع
- كنت هشك فيكي ياحبي... بس بلاش أصلي معرفش الصراحة بعد البو سة دي إيه اللي هيحصل... قاطعهم دخول نغم
- عامله إيه كله تمام
أومأ برأسه بنعم...
جواد والله إنت بارد ومستفز.. ومش هدخل البانيو تاني معاك
كز على شـ فتيه تمنى لو الأرض تنشق وتبت، لعه مما تقوله هذه المجنونة
ابتسمت نغم حرجا من نظرات جواد المخـ ذية لغزل... مازالت تهمهم ببعض الكلمات بينهما...
خرجت نغم معتذرة حتى تترك لهما مساحة مع بعضهما
نزل لمستوى نومها وهمـ س بأذنها
- ينفع كدا تفضـ حيني ياغزالتي، الاغراب عرفوا خط سير الحب كله... قالها وارتفع صوته بالضحكات، عندما ظلت تهمهم كلمات بحبه وعشقه...
غزل اسكتي يابت فضـ حتيني الله يخربيت عقلك
ظلت لبعض الوقت حتى صمتت
دخلت الطبيبة
نظر إليها... أي اخبارها
فحصتها- كله تمام... حمدالله على سلامتها
في هذه الاثناء فتحت عيناها
- حمدالله على السلامة يادكتورة
- الله يسلمك قالتها بصوتا متعب... نظر لجواد الذي يقف بجوار الطبيبة يتحدث إليها فترة... ثم اتجهت لها
اعطتها بعد المسـكنات ونظرت لجواد
- هي هتفضل تنام علشان بس حضرتك متقلقش... قالتها مبتسمة
- متشكر جدا يادكتور... ضغـ طت على يـ ديها حتى شـ عرت بالألم.. شهقه من الألم اخرجت من فمها
اتجه سريعا إليها بعدما وضع طفلته بمهدها
وجدها ذهبت بالنوم والطبيبة تقوم بالكشف عليها للأطمئنان
بعد قليل دخلت نغم
- هروح أصلي خليكي معها معلش هتبعك شوية... ماما ومليكة في الطريق
اومأت له تمام
- متخافش عليها أنا جنبها... اتجه ينظر لأطفاله ثم خرج مغادرا
بعد قليل
فتحت عيناها وهي تردد اسمه
- جواد ولادي... اقتربت نغم
- حمد الله على السلامة ياجميل... ايه ياختي العسلات والقمرات دول... ابتسمت غزل بتعب
- عايزة اشوفهم... دارت بعينها
- فين جواد؟
حملت الولد وتوجهت به إليها
- جواد راح يصلي المغرب... وإحنا مع البسكويت دا.. اعدلتها بهدوء
- ميرسي أوي يانغم اردفت بها بتعب .
مـ سدت نغم على خـ صلاتها
- متقوليش إحنا اخوات ياحبيبتي... كان يقف بجوار مهد الصغيرة ينظر إليها بهدوء... بكـ ت الصغيرة اتجهت إليها نغم... وجدت بيجاد يقوم بحملها
- حبيبي مينفعش تشلها دي لسة صغيرة
وضع أنامله على خـ صلاتها النا عمة
- حلوة اوي طنط غزل هتسموها ايه
ابتسمت غزل له
- غنى ياحبيبي باباها سمّاها غِنى
ردد الاسم بين شـ فتيه
"غنى " حلو اوي... دخل جواد بعد طرقه لباب الغرفة
ذهبت انظاره لبيجاد الذي يجلس وبأحـ ضانه ابنته... ويبتسم لها كأنها تفهمه
هنا تذكر نفسه وهو طفل عندما كان يحمل غزل
اتجه وجلس بجانبها مُقبـ لا راسها وعينيه على بيجاد
- حمدالله على سلامتك حبيبتي
أومأت بعينيها... كنت فين
- كنت بصلي... نظر لنغم التي تقوم بإر ضاع طفله
- مدام نغم تعبت معنا النهارده... ابتسمت له
- ابدا والله انا بحب الأطفال... وبعدين أنا وغزل بقينا صحاب جدا
ابتسمت غزل لها
- جدا ياجواد... نغم زي مليكة ونهى بالضبط... اتجه بنظره لبيجاد الذي مازال يحمل طفلته ويبتسم لها
- حلوة يابيحو
لم ينظر له ولم يترك نظراته لهذا الملاك
- جدا ياعمو جواد... نا عمة ورقيقة... حبيتها أوي... هو ينفع ناخدها يامامي
قهقه جواد عليه
- لا دا باين إنك ذكي يابن ريان... دي أميرة عيلة الألفي حبيبي.. يعني مهرها تقيل
اخيرا رفع نظره لجواد... مضيقا عيناه
- يعني إيه ياعمو
ضحكت نغم لأبنها واتجهت تمـ سد على رأسه
- ماهو إحنا عندنا أمير برضو ياحضرة الضابط
أوما جواد برأسه
- وأحسن امير ربنا يباركلك فيهم يارب
روحي انت يانغم ماتنسيش إنك حامل حبيبتي إنتِ كمان... قاطعهم دخول مليكة ونجاة
اسرعت مليكة لأخيها... الله، الله على حضرة الضابط بقى اب وانا عمتو
ضـ مها لأحـ ضانه ودار بها وهي تبتسم
- مبروك يابو العيال... قهقه عليها
يابت انتِ عمتو من زمان نسيتي عز بن صهيب
ضحكت: ايوة فعلا عزووو حبيب عمتو.. بس برضو ولاد جواد دول في مكان تاني... دا دول شقيتنا غزول
ابتسمت غزل لها
- الله يبارك فيكي ياملوكة..
اتجهت تنظر لهما
فين مر ات ابني... إياكوا اهو أنا بحجز قبل عز
- انسي انت وجو زك الاهبل... بنتي عر يسها حجزها خلاص
ضيقت عيناها في هذه الاثناء
اتجهت والدته له تحمل الطفلة التي كان يحملها بيجاد
- بسم الله ماشاء الله... ربنا يباركلك ياحبيبي... مين دي... كأني شايفة غزل
نظرت لغزل التي نسيتها.... اتجهت لها مقـ بله جبينها
- حمدالله على سلامتك ياحبيبة ماما
اومأت بعينيها... وحشتيني ياماما
ملـ ست خـ ديها بحنان اموي
- حمدالله على سلامتك بنتي الحلوة... وانتِ كمان وحشتيني ياروحي... كان اللي بيصبرني فيديوهاتنا مع بعض
شوفي يامليكة... شوفي الجمال
لا دا جواد هيدفع عمره علشان ياخد الجمال دا
اتجه بيجاد لنجاة
- لو سمحتي ياتيزا حضرتك اخدتي البيبي من غير ماتستأذني
توسعت عيناها من هذا الطفل... اتجهت بنظرها لجواد
- مين العر يس دا... هي بنتك مولودة بعر يسها
رفع حاجبه لوالدته
- شوفتي حد كدا... دي بنت جواد الالفي لازم تنزل من بطن أمها عر يسها يكون مستنيها برة
ضحك جميع من بالغرفة... لكزته مليكة
- لا عريسها جواد الصغير عايز تجيب لبنتك واحد من برة... اتجه بيجاد لنجاة
- دي بتعتي وهاخدها وأنا ماشي... ضحكت نغم لولدها
أشار جواد لبيجاد
- دا ابن المهندس ريان اللي حكتلك عنه... واللي قاعد بيلعب على التليفون هناك دا الكبير بس مالوش في الكلام
ودي مدام نغم مر اته... أكيد اتعرفتي عليها يوم ماجيتي لغزل
سلمت عليها نجاة وجلست ممـ سكة بيد بيجاد
- انت عايز تاخد اميرتنا يا إنت اسمك ايه
هاتي غِنى وأنا اقولك
ضيقت عيناها
- مين غِنى ياحبيبي
رفع حا جبه بتهكم واردف ويحمل الطفلة عندما وضعها جواد له بيـ ديه وهو يجلس بجواره مربتا على ظـ هره
- مش عارفه إسمها وجاية تاخدها مني... قالها بيجاد بسخرية الاطفال
- عيب يابيجو ينفع نكلم الكبار كدا
كان ينظر للطفلة التي بدأت تفتح عيناها.. كيف لطفل بعمره تجـ ذبه طفلة بهذا الجمال
نظر لها وأمـ سك يـ ديها.. ضـ مت أصـ بع يـ ديه بكفها الرقيق
- إنتِ جميلة أوي ياغِنى أوي... تعرفي أنا هخلي ماما تزوركوا كل يوم ونلعب مع بعض... قبـّ ل جبينها ملمـ سا خـ ديها باصـ بعه الطفولي
كان يراقبه وجد نفسه به...
عجبتك يابيجاد
- اوي ياعمو لو ينفع أخدها هاخدها معايا.. رفع نظره يترجاه
- هناخدها معنا وأخلى ماما تأكلها زي مااكلت جاسر أرجوك عمو جواد
قبـ ل رأ سه كانه يرى نفسه بهذا الطفل الذي يبلغ من العمر سبع سنوات
- لو ينفع عمري ماحرمك من نظرة عيونك الحلوين دول لها حبيبي...
- ياله يابيجاد اردفت بها نغم بعدما جلست مع مليكة ونجاة بعض الوقت
رفع نظره لوالدته
- خلينا شوية كمان يامامي
امـ سكت يـ ديه
-؛ ادي غزل لعمو جواد بابا جه تحت حبيبي... هنيجي عندهم بكرة
- قبـ ل الطفلة على خـ ديها... حملها جواد ووضع بالقرب من قلبه كأنه يشـ عر بشـ عور سئ لها... نظر بيجاد له
- هاجي بكرة أشوفها خلي بالك منها
ماذا يقول هذا الصبي...؟
ماذا يفعل ليشـ عر بدقات قلبه تعلن عصيانه على كلماته... كأنه سيخـ طفها منه ورغم ذلك أومأ برأسه
❈-❈-❈
بعد شهرين
تغط في نوما وهي جالسة على فراشها وتقوم بإهتزاز مهد أطفالها... دلف للغرفة بهدوء... ابتسم عندما وجدها بهذه الحالة
سحـ ب تخت الأطفال إلى الغرفة الجانبية بهدوء... وعاد إليها... قام بخـ لع مأزرها
واعدل جـ سدها على الفراش.. مقبـ ل شـ فتيها المغـ رية أمامه قُبـ لة عميقة.. لقد اشتاق لها حد الجنون
فتحت عيناها ومازالت تحت تأثير النوم
طوقت عنـ قه
- وحشتني حبيبي... ارتفعت دقات قلبه بين ضلوعه تمنى لو يسـ حقها بأحـ ضانه.. ورغم ذلك مـ سد على خـ صلاتها الناعمه وهمـ س بجانب اذنها
- أنا معاكي حبيبي نامي وارتاحي أنا هاخد بالي من الولاد..
- بحبك اردفت بها بصوتا نائما... ذهبت بنوما مستغرق... جلس يطالعها بعض من الوقت... ممـ سدا مرة على خـ ديها وآخرى على شعـ رها... قطع تأمله بها صوت أطفاله
اتجه سريعا إليهما
وقف أمام مهدهما... ينظر لصرخات طفلته العنيدة التي لا تستطيع البعد عن والدتها... فكل مرة ياتي بهما لغرفتها تبكي
حملها.. ينظر لعينها الرمادية التي تشبه والدتها كثيرا
- وبعدهالك ياأميرة بابي كدا انا هزعل.. لازم نكون لوذاذ مع بعض علشان احبك اكتر من مامي،، بس إياكي تقوليلها... كانت تضع إصبـ ع يـ ديها بفـ مها... قبـ لها على خـ ديها
- حبيبتي إنتِ جعانة.. طيب ياله ننزل بهدوء ننزل تحت نعمل أكل لنونة بابي من غير همـ س... نظر لجاسر الذي غفى مرة آخرى... واتجه بنظره لغنى
- هو إنتِ مفجوعة ياغنى ولا أنا اللي مش واخد بالي اميرتي...
اتجه للمطبخ يعد رضعتها وهو يدندن لها بصوته العذب... جلس بالمطبخ وهو يمـ لس على خـ ديها
- تعرفي بابي هو اللي ربى مامي وكانت جميلة زيك كدا... ياما قعدنا في المطبخ دا ايام مع بعض... ذكريتنا جميلة فيه
علشان كدا... بابا ادهولي علشان ذكرياتي مع مامي هنا أكبر من أي حاجة... وأغلى حتى من عمري... كان يضع الببرون بفـ مها وكأن التاريخ يعيد نفسه... مثلما فعلها منذ خمسة وعشرون عاما... انتهت الرضعه.. ظل ينظر لسكونها وفجأة تساقطت دموعه ولا يعلم لماذا
هل عودا لذكرياته الماضية
ام لسوء شعـ وره أنه سيفقدها
رفعها موضع قلبه وكاد ان يخفيها بين ضلوعه
- تعرفي بعشق ريحتك... لانها بتفكرني بأجمل أيام حياتي.. انا بعشق جاسر برضو... بس إنتِ شبه مامي أوي كأنها هي اللي قدامي... كانت تقف على باب المطبخ وتنظر لهما بحب وهو يضـ مها لصـ دره ويحاكيها.. ويمـ سد على شعـ رها الناعم
اتجهت إليهما... ضـ مته من الخلف
- أنا بعشقها بقى علشان حتة منك... ولو خيروني بين إني اتنازل عن كل حاجة لمجرد ضـ مه من حـ ضنك... هتنازل على كل حاجة لانك أغلى مما تتوقع
نصب عوده واستدار لها... عندما شـ عر برعـ شة بجـ سده... من كلماته وقبـ لاتها على عنـ قه
جـ ذبها بذراعيه التالي
متجها لغرفة المعيشة.....صحيتي ليه؟
- جاسر صحي رضعته ونام... قولت اكيد كعادتك بتبعد عني ورايح لحبيبتك الجديدة
جلس وأجلسها على سا قيه عندما وضع الطفلة بجواره
ضـ مها لأحـ ضانه... بل سحـ ق جـ سدها بالكامل بأحـ ضانه... واضعا وجهه في خ، صلاتها.. يستنـ شق رائحتها العبقة... كانت ترتدي منامة تصل لركـ بتيها من اللون البني الغامق ... تبـ رز جمال بشـ رتها أمامه
- إنتِ حبيبة عمري وعشقي.. هي حتة منك
- وحشتيني ياحبيبي... لم تنتظر لكلماته... نظراتها فقط كانت تعبر عما تحتاجه من عاشق الرو ح... حمل طفلته جا ذبها من خـ صرها صاعدا بها الى غرفتهما ليرويها من رحيق عشقهما المت،مادي لحد الجنون
❈-❈-❈
في فيلا صهيب
- كانت تنام بأحـ ضانه بعمق استيقظت على الآم الولادة... صر خت بصوتا مرتفع
هب واقفا
- ايه يانهى، هتولدي ولا إيه
الحقني ياصهيب بمو ت... إهة صاحت بها لم تعد تتحمل شدة الأ لم... اتجه سريعا لهاتفه ليتصل بجواد الذي كان غارقا بالنوم
بعد ليلة قضاها بنعيم الجنة
استيقظت من فترة كانت تنام على صـ دره وترسم دوائر وهميه وتكتب بقلبها قبل يـ ديها...
في دين العــشــق كلهـم نـوافل،،
إلا أنت فـرض ....*
ثم_بعد••
أعدُكَ
أنْ لن أقرأ إلا هتاف أحرفكَ
ولنْ أشتاقَ إلا لِعطركَ
ولنْ يكونَ مُلهمي إلا أنت••
أقتربت مقبـ لة شـ فتيه بعشق جارف... فتح عيناه وتقابلت نظرات العيون
أغمض عيناه يتلـ ذذ بصوتها الهامـ س
ببعض كلماتها العاشقة
قطع نظراتهما العاشقة رنين هاتفه
- نظر لساعته.. الساعة تلاتة
- صهيب بيتصل ليه... أعتدلت سريعا
- رد بسرعة ممكن نهى تكون بتولد
فتح الرد
- جواد إلحقني نهى شكلها بتولد هنا هتمو ت... خلى غزل تيجي تتصرف
- طيب إهدى حبيبي حاضر خمس دقايق وغزل هتيجي
بعد ساعة تقريبا
كانت انجبت طفلها الثاني حمزة
مبروك ياابو عز دلوقتى أبو عز وحموزة
ابتسم بعرفان لها
- شكرا ياغزل... مش عارف اشكرك ازاي لولاكي
- ايه ياصهيب هو أنا كنت عملت إيه... او اديني اتعلمت في مرا تك النسا... خرجت عن تخصصي... بس لازم الدكتورة تيجي برضو... أنا عملت اللي أقدر عليه... اقترب مقـ بلا رأ سها
- ربنا يسعـ دك ويفرح قلبك حبيبتي
بعد فترة كان يجلس مع حازم في الحديقة
- يعني هتسافر ياحازم تركيا
اومأ حازم له مردفا
- مينفعش اسيبه لوحده مهما كان دا جو ز ماما
ربت على كتـ فيه بأخوة
- تمام ياحبيبي تروح وترجع بالسلامة.. مليكة هتسافر معاك ولا ايه
- اكيد انا معرفش هقعد اد ايه لازم أطمن عليه
- مبروك ياحضرة الضابط على الترقية صورك مالية السوشيال إنت وباسم.. قدرتوا تمـ سكوا أكبر شبكة تهريب
ابتسم له
- هو أنا قليل يالا ولا إيه... ضحك عليه بصوتا مرتفع
- الصراحه لا، يابن عمي
المهم يحيى السيوفي عمل ايه لما اتمـ سك
هنا تذكر كلمات يحيى عم غزل
- وحياة رحمة ابني اللي قتـ لتوه لاخليكم تتحـ صروا على ماأغلى مالكم
خرج من شروده عندما اتجهت مليكة لهما
- شوفوا الجمال دا... حبيب عمتو جاي يتشمس
حمله جواد وقبـ له
- صباح الخير على أجمل جسور بالعالم
رفع نظره لمليكة
غزل نايمة... أومأت بنعم
رفع يـ ديه يمـ سد على خـ صلاته الكثيفة
- الولا دا نسخة منك ياجود... لما بشوفه كأنك إنت... قبـ له على رأسه مبتسما
- واخد برضو من غزل حاجات كتير... بس أهم حاجة مش واخد شعنونتها كفاية عليا المجنونه اخته
- ايوة بنتك دي صعبة أوي... ماما شايلاها ورايجة جاية بيها ودي عمال تصرخ
زفر بغضـ ب من غزل
- قولت اجبلك بيبي سيتر هي رافضة وتقولي محدش هيربيهم غيري وأهي مشغلة العيلة كلها غير إنها خست وإسمرار عيونها
ربت حازم على سا قيه
- فرحانه بيهم ياجواد سبها براحتها... وبعدين بكرة هتيجي تطلب منك اسألني أنا
ضحكت مليكة
- الصراحة اه ياجواد
مساءا عاد لمنزله ولكن وجد المنزل هادئا على غير عادته
اتجه لغرفته يبحث بعيناه عليهما.. ولكن جحظت عيناه مما رأى
يتبع
رواية تمرد عاشق الجزء الثاني الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سيلا وليد
عيناك شهد، يشتهيه الشعراء......العابدون......
وقلت: وعيناكي معبدي ومحراب حبي......فأنتي كل شعرائي، وكل المتعبدون......!!!
تقف في المطبخ تعد كيك الشيكولاتة، فاليوم عيد ميلاد متيم قلبها.
رجع من عمله، بحث بعينيه عنها. أشارت العاملة بأنها بالمطبخ.
اتجه يقف خلفها وهي تزين كعكة عيد الميلاد الخاصة به، وتتذوقها.
استشعرت بوجوده خلفها عندما استنشقت رائحته المميزة لقلبها.
استدارت وجدته خلفها مباشرة يحاصرها بذراعيه.
مساء الفل حبيبي.
الذي واقف في المطبخ... نظر إلى شفتيها التي يظهر بها آثار الشيكولاتة، وإلى الكيك الموضوع برخامة المطبخ.
بتعملي كيك شوكولات؟ حياتك كلها شوكولات.
طوقت عنقه.
- النهارده يوم مميز عندي. هو مش مميز بس هو أحسن يوم على وجه الأرض بالنسبة لي.
قطب جبينه وتساءل.
- النهاردة إيه؟ مااعتقدش فيه مناسبة.
وضعت إصبعها على شفتيه.
- كل سنة وإنت حبيبي وحياتي وعمري.
ضحك بصوته الرجولي الجذاب مما جعلها تنظر له كوردة ندية الرائحة. ظلت تناظره وضحكاته التي خطفت قلبها.
رفع ذقنها وتاه بنيران عشقه لها.
- عايز أدوق الشوكولات دا.
استدارت تجهز له قطعة، ولكنه أمسك يديها مشيراً إلى شفتيها. وما هي إلا لحظات وهو يتذوق شفتيها.
دفعته بهدوء عندما وجدت نفسها تذوب بين يديه.
- حبيبي إحنا في المطبخ، الشغالين يقولوا إيه.
ابتسم لخجلها وهي تذهب بنظرها في جميع الاتجاهات بعيداً عن عينيه.
قاطعهم هاتفه.
- أيوه ياصهيب. تمام جايلك حالا.
- فيه حاجة ولا إيه؟ ماله صهيب؟
قبل جبينها.
- لا مفيش، دا كان عايزني أمضي على حاجة في الشغل مينفعش تتأجل. وفيه عشا عمل.
ثم استكمل حديثه.
آسف ياعمري، هحاول متأخرش.
رفع أناملها ليتحسس وجنتيها.
- متاكليش الشيكولات إلا لما أرجع.
بعد أكثر من ثلاث ساعات رجع إلى منزله.
دلف لغرفة أولاده أولاً. لم يجد الأولاد بها.
اتجه لغرفته ولكن توسعت عيناه مما رأى. الشموع تشعل الغرفة بالكامل برائحتها ونيران عشقهما قبل نيران إضاءتها.
خطى خطواته المتمهلة بخطى سلحفية يبحث بعينيه عليها بكل مكان.
تفاجأ بها تخرج من غرفة الملابس.
دقات عنيفة فقط، كل ما يشعر به سيوقف قلبه من دقاته، أم أن دقاته ستخرج من ضلوعه.
لم تلاحظ وجوده. اتجهت للمائدة، تقوم بترتيب الطعام عليها.
ما الذي يراه؟ هل حقيقة أم حلماً؟
صارت دقاته تتقاذف بعنف داخل صدره، فيما انسحبت أنفاسه.
ظلت نظراته مثبتة على تلك الساحرة. تقف أمام الطاولة وينعكس ضوء القمر مع إضاءة الشموع على بشرتها البيضاء المثيرة له.
وخاصة ارتدائها لذلك الثوب المثير للغاية حيث يصل لمنتصف فخذها الذي امتلأ قليلاً بعد الولادة.
وحبذا نهديها المستدير الذي كُشف أمامه بسبب ذلك القميص اللعين لقلبه الذي لا يتحمله.
لم يكن يوماً ذا رغبة شهوانية أبداً، ولكن هذه الساحرة ذات الأنوثة الطاغية جعلته يفقد قوته.
ظل ينظر لها نظراته الهائمة فوق مفاتنها بجوع ولهفة. ود لو يسحقها بداخل أحضانه ويغلق عليها بمئات الأقفال.
❈-❈-❈
وقف يحاول أن يأخذ شهيقاً ويزفره بهدوء.
ماذا تفعل به هذه الطفلة الصغيرة؟
احترق جدران قلبه وأصبح كالراهب الذي يقيم محراب الحب لعاشقة الروح والكيان، ولا يحق لغيرها أن تسكنه.
استدارت لتضع بعض الأشياء ولكنها تسمرت عندما استمعت لأنفاسه السريعة.
تقابلت النظرات في حوار عشق متكامل بينهما بنبضات القلوب.
- ماذا تفعلين بي صغيرتي؟
- ألم أقل لك إنك النبض للحياة.
يقولون للعشق قانون ولا يعلمون إنكِ قانون العشق نفسه.
اقتربت ومازالت نظراتها تحتضنه.
- لو تعلم أن حياتي تُحسب بوجودك فقط جانبي، وعندما تبعد عني لم تكن هناك حياة.
وصلت أمامه ولم يفصلهم إنش واحد. حاوطت خصره بيديها واضعة رأسها على صدره موضع نبضه.
- النهارده عيد الحب. وعيد ميلاد الحب. حبيت أعمل حفلة خاصة لحبيبي.
رفع ذقنها ناظراً لعيناها ليغرق بعشقها ويغوص بجمالها.
- إنتِ شايفة إننا محتاجين عيد علشان نحتفل بالحب؟
ابتسمت بدلال وهي تتحسس صدره.
- عارفة إننا مش محتاجين بس حبيت يكون يوم مميز لتاريخ مميز. وخصوصاً النهاردة عيد ميلادك وكمان إحنا بعيد عن بعض بقالنا فترة.
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمستواه، ملتقطاً ثغرها بقبلة شغوفة ودّ لو يرتوي قلبه من عشقها بهذه القبلة.
بعد فترة ليست بالقليلة وضع رأسه بعنقه يستنشق رائحتها.
- وحشتيني أوي.
رفع نظره وجدها تغمض عيناها متلذذة بأنفاسه الحارة على عنقه.
فتحت عيناها وتمادت النظرات لترفع أناملها تتحسس ذقنه النابتة.
- وإنت كمان وحشتني أوي حبيبي.
رفعت نفسها لتصل لمستواه واقتطفت قبلة سريعة. ثم رجعت للخلف عدة خطوات.
- أنا محضرة الحمام. أدخل خُد شاور لما أكمل تجهيز الغدا. أنا جعانة أوي على فكرة.
أقترب جاذبها لصدره.
- هاخد شاور لوحدي. وبعدين أنا جعان أكتر منك.
أردف بها وهو يملس على خديها الناعم.
اشتعلت وجنتاها خجلاً من نظراته الخارقة لجسدها. حاولت الإفلات من بين يديه.
- جود حبيبي أدخل ياله خُد شاور بقولك جعانة مضيعش الوقت. وإياك تكون أكلت برة.
ابتسم لها عندما علم أنها تهرب منه. قبّل جبينها متجهاً للمرحاض. ولكنه توقف.
- فين الولاد؟ مش في غرفتهم؟
- ماما نجاة أخدتهم عندها الليلة. قالت جدها عايز ينام معاهم النهارده. محبتش أزعلها.
وأكملت مستطردة حديثها.
- حسيت أنهم زعلانين أننا معدناش بنروح نفطر معاهم.
تجمد مكانه من كلماتها.
- لا ياحبيبي مين قال كدا. الولاد صغيرين ومينفعش يباتوا هناك. هيتعبوهم.
وقفت أمامه وتحدثت.
- إحنا لازم نخصص يوم نفطر مع بعض كلنا. غير كل واحد يروح يفطر يوم معاهم مننا.
كانت عيناه تناظرها بالحب والعشق الدفين الخاص بها. ورغم شعوره أنه يود اقتحام شفتيها المغرية أمامه، لكنه أومأ برأسه ثم غادر للمرحاض.
بعد دقائق خرج وهو يرتدي بورنس الحمام.
جلس على المائدة ينتظر قدومها.
دخلت محملة بعض المشروبات والفواكه وكذلك كعكة عيد الميلاد.
اتجه يأخذ منها بعض الأشياء.
- فين نهلة؟ ليه خليتيها تمشي بدري؟
وضعت الأشياء.
- حبيت أعمل كل حاجة لجوزي بأيدي النهارده وفرصة تنزل تشوف أهلها. منزلتش من زمان.
❈-❈-❈
دقق النظر له.
- مالبستش هدومك ليه؟
جذبها حتى أجلسها على ساقيه.
- هو مش الليلة عيد الحب؟ بيقولوا في عيد الحب مبيلبسوش حاجة.
أمسك قميصها.
- حتى دا مالوش لازمة يتلبس كمان.
وضعت رأسها في عنقه تلكمه على ظهره.
- جواد سيب القميص عيب كدا.
داعب وجهها بأنفه.
- لازم تكوني حلوة كدا.
خرجت من أحضانه ونظرت لعينيه التي خطفتها من صغرها.
- وينفع إنت تخطفني من صغري كدا؟ وتخليني ما أشوفش غيرك في الدنيا؟
لامس خديها بأصابعه.
- مين اللي خطف مين؟
قبّل عينيها.
- دي أول ما فتحت نورها للدنيا، كأن بريقها اخترق قلبي وتربعتي على عرشه.
وضعت رأسها مرة أخرى في حضنه.
- تعرف لما بقعد مع نفسي، بقول معقول اللي أنا فيه دا حقيقة. خايفة أكون بحلم وأفوق من الحلم. بس لما تاخدني في حضنك وأشم ريحتك وألمسك بتأكد إنك حقيقة.
مسح على شعرها بحنان.
- ربنا يخليكي ليا حبيبي.
- وقفت وتحدثت.
- طيب إيه مش هناكل؟
نظر للطعام ورفع نظره لها.
- برضو حمام؟
وضعت سبابتها على شفتيه.
- متتكلمش كتير. أكلي هتاكله كله وإنت ساكت عندك مانع؟ ولا نروح نتعشى مع بابا حسين ونبات هناك واخلع القميص اللي مضيقني دا. وحاسة إني مش لابسة أصلاً.
- وعلى إيه ياحبي؟ دا أنا ماصدقت. بقالي شهر يامفترية. أنا خلاص هاكل الحمام اللي ريحته تجنن دا.
نظر لداخل مقلتيها.
- الطبق اللي هناك دا فيه إيه؟ أوعي تقولي كوارع.
طوقت عنقه وابتسمت.
- لا ريان بعتلنا شوية سي فود، ماما أخدتهم عملتهم عندها وبعتتلي شوية وصهيب شوية. أنا جبته لو حبيت تاكل منه. عارفة إنك من عشاق الجمبري.
قهقه عليها مقبّلها.
- أنا من عشاق غزل الألفي بس.
لمست خديه بحب.
- أنا انشغلت عنك الفترة اللي فاتت دي بسبب الولاد. عارفة إني غلطت لما رفضت البيبي سيتر، بس وعد مني ياحبيبي عمري ما أقصر تاني معاك.
وضع رأسه في عنقها يستنشقها رائحتها بتلذذ وأردف مغرماً بصوتاً مبحوحاً.
- كنتي وحشاني أوي يازوزو. بس شوفتك تعبانة محبتش أضغط عليكي. بقيت أشتقالك أكتر من الأول معرفش دا ليه.
وضعت وجهه بين راحتيها.
- مش عايز تشتقلي ياجواد. مستهلتش.
قاطعها بقبلة أقرب للإلتهام. تجاوبت معه حتى كادت أنفاسهما تتلاشى.
أخيراً فصل قبلته واضعاً جبهته فوق جبهتها.
- مهما أقولك مش هيوصلك إحساسي. وانتِ بعيدة عني حاسس كأني بقالي سنة بعيد عنك.
- وأنا كمان ياجود صدقني حبيبي.
قاطع حديثها عندما وقف وحملها متجهاً بها لفراشه.
- عايز أشوف مين فينا مشتاق للتاني أكتر.
- يامجنون الأكل هيبرد.
- يبرد ياقلبي بدل ما أنا أنفجر.
دفنت رأسها بصدره. ودقات قلبها بالارتفاع.
بعد فترة ليست بالقليلة كان يجلس على مائدة الطعام، يجلسها بأحضانه بين ساقيه ويطعمها.
- لازم تتغذي كويس. متنسيش إن الولاد كل مايكبروا عايزين غذا أكتر. مش عايزك تقصري في صحتك حبيبي.
مسح على خصلاتها.
- صحتك أهم عندي من أي حاجة.
وضع بعض فصوص الجمبري أمامها.
- الأسماك مفيدة جداً. وكمان العصائر الحلوة دي.
وضعت رأسها على كتفه.
- كفاية أنا شبعت وحاسة بعد الأكل دا كله هتخن.
ضمها بحب.
- اتخني ومالكيش دعوة بس.
ضحكت بصوت مرتفع.
- وترجع متقدرش تشيل.
توقف عن الأكل.
- نعمين ياختي. انتِ بتشكّي في قدرات جوزك.
اعتدلت تنظر له.
- تنكر إنك بتقعد تقولي تخنتي ولا لا.
ارتفعت ضحكاته.
- على فكرة بموت فيكي وانتِ متعصبة بتكوني لذيذة، بس بس الرفيعين برضو.
لمست خديه بحب.
- رفيعة وعيناها رمادية وشعرها بني.
وضع إصبعه على شفتيها.
- اسمها غزل جواد الألفي.
ثم نزل ملتقطاً شفتيها مزيلاً بقايا طعامها.
ناول قطعة كيك الشيكولاتة ووضعها بفمها. ابتسمت وهي تلعكها بفمها بهدوء.
- بحبها جداً. فاكرة من صغري وكل مرة تجبهالي في أي مشوار تكون فيه.
اقتطف الشيكولاتة من شفتيها، متلذذاً بطعمها.
- تعرفي لو أعرف بعدها هاكلها من الشفايف الحلوة دي، كنت جبتلك دستات ياقلبي.
وقف ثم حملها متجهاً للمرحاض.
- هاتي بكيت الشيكولات دا نكملوا في البانيو.
صباحاً.
تنام على صدره العاري. تبتسم بحب عندما تذكرت ليلتهم بالأمس.
اقتربت من وجهه وبدأت تملس على وجهه كأنها تنحت ملامحه الجميلة لديها.
استندت بيديها على صدره واضعة يديها تحت خده.
ناظرة لنومه شبهته بملاكها. اقتربت من أنفاسه تهامس له.
- اللي يشوفك وانت نايم مايقولش إن دا اللي كنت بين أحضانه امبارح. هادي وجميل في نومه، أفلاطون في حبه، متهور في يقظته.
ثم لمست وجهه بأنفها تستنشق رائحته التي تسكرها وتجعلها كفراشة بجناحين تطير بين الزهور بمرح.
فتح عينيه وجدها قريبة منه. كانت جميلة حد الفتنة بشعرها المتطاير بعشوائية على وجهها وخديها ذو الاحمرار من نومها.
نظر لها بعشق.
- صباح الحب ياقلبي.
وضعت رأسها في عنقه.
- صباح الجمال على عيون حبيبي.
شاكسها برفع حاجبه.
- دا إيه الرضا دا كله؟
وضع يديه على جبهتها.
- حبيبي سخن ولا إيه؟
رفعت حاجبها بسخرية ولكمته في صدره.
- تصدق إنت رخم ومتستاهلش الدلع. راجل نكدي.
قهقه عليها بصوتاً مرتفع ثم جـذبها إلى أحضانه.
- والله اتجننت بسببك خلاص. راحت الهيبة.
- وهو كان فيه هيبة ياحبيبي بينا.
- في دي عندك حق.
من صغرك وانتِ الوحيدة اللي بدوس على كل حاجة.
لامس أنفها بموت في شعنونتي.
- بقولك فين الفتانين مش باينين ليه؟
- مجوش من عند بابا.
- لا جم بس جواد ابن حازم وعز نادولهم. نزلتهم مع المربية لما عيطوا.
قطب مابين جبينه متسائلاً.
- هو جواد جه إمتى؟
- معرفش، متكلمتش معاه. حضرتك مانعني أخرج برة بلبس البيت.
- أحسن ياقلبي مش عايز نكد على الصبح.
- المهم الفتانين مش هنا.
- تعالي عايزك في موضوع مهم.
ضيقت عيناها.
- موضوع إيه؟
رفعها بين يديه متجهاً بها إلى المرحاض.
- هنكمل ضياع الهيبة. ونغطس في البانيو وحشني.
لكزته وتحدثت غاضبة منه كعادتها منذ أيامهما الأخيرة عندما تذكرت اقتراب تلك الأمل منه.
- هو إنت مولود في البحر؟ كل شوية تغطس.
وضعها على تختها. وهو يقهقه عليها.
- حبيبي اللي مسحوب من لسانه.
- طيب على ما أعتقد كان فيه حفلة امبارح لجوزك اللي مضايقك دا.
مطت شفتيها.
- لا احنا النهاردة. انسى امبارح.
نزل بجسده محاوطاً جسدها بين ذراعيه مداعباً أنفه بوجهها وهو يتمتم بكلمات عشقه الخاصة بها.
- هنرجع نتخانق ونبعد عن بعض يازوزو تاني؟
- ماهو إنت اللي بقيت مستفز ياحبيبي. وبلاش تكلم دا وتضحك مع دا.
ثم استكملت بسخرية.
- كنت عايز تضرب مريض عندي ياجواد.
- إنت السبب كان لازم تكوني حلوة كدا وتخليني أحبك كدا.
لكزته بصدره.
- إمشي ياله مهما تعمل مش هكون الهبلة بتاعة امبارح. أنا حبيت أكون ست مصرية أصيلة واحتفل بعيد ميلادك.
قهقه عليها.
- من جهة ست مصرية، فأنتِ ياحبي ست أصيلة في الشعننة والنكد.
نظر إلى عيناها وأردف.
- طيب مش هترقصيلي بمناسبة عيد ميلادي؟ على فكرة ضحكتي عليا. وأكلتيني الحمام وشكلك حطيت منوم. معرفش ليه نمت على طول.
برقت عيناها من كلماته.
- اهو دا الراجل الأربعيني اللي بسمع عنه.
رفع حاجبه بسخرية لها.
- قصدك إيه ياحبي وضحي عشان أعرف أتعامل.
مطت شفتيها واردفت بخبث.
- بيقولوا إنه بينام على نفسه وهو بياكل.
- نعم ياختي انت هتضيعي هيبتي يابت؟ اومال مين اللي سهران للصبح وانتي في حضنه؟
كنتِ.
قاطعته عندما وضعت يديها على شفتيه.
- بااااس هتفضحنا. أنا برد عليك ياحبيبي وانت بتقول حطتلك منوم.
ضيق عيناه.
- مالك يابت على الصبح؟ إيه هتفضحنا دي؟ انتِ مراتي وعلى سريري.
ابتسم لخجلها عندما وضعت يديها على وجهها ونزل لمستواها.
- وجوة حضني.
أزالت يديها.
- وسع ياجواد.
قالتها بغلاظة.
- حبيبي زعلان أوي مني. وشايل كتير أوي. عايز أصالحه وأفهمه قد إيه هو غلطان وحاكم على جوزه بالباطل.
رفعت حاجبها بسخرية.
- والله حاكم على جوزه. ياحرام. اللي يسمعك يقول الراجل ملاك برجلين.
اقترب منها.
- يارب أعدم جوزك لو شايف غيرك.
وضعت يديها على شفتيه.
- انت اتجننت؟ إيه اللي بتقوله دا؟ بعد الشر عنك طبعاً.
ظل يناظرها.
- بدل حبيبي هيفضل زعلان مني.
رفعت يديها تتخلل خصلاته بعدما زلزل كيانها.
أقترب يتذوق شفتيها بقبلة محمو مة.
- جود مينفعش غنى ممكن تيجي فجأة.
قهقه عليها.
- هقولها زي كل مرة. بنجبلك أخت.
دفعته بعيداً عنها.
- لا ياحبيبي لازم تصالحني الأول. وإياك ثم إياك تضحك عليا.
نصب عوده معتدلاً عنها. رفع حاجبيه.
- ماشي ياغزل. أنا موافق.
ضيقت عيناها وتساءلت.
- موافق على إيه ياجواد؟
نزل بجسده مرة أخرى وحاوطها بذراعيه.
- موافق أصالحك. مش اللي إنتِ عايزاه.
رفعت يديها تطوق عنقه.
- إيه ياحبيبي كنت بتحلم بكدا؟ هو أنا قولت إني زعلانة؟ لا ياحبي غزالتك مبتزعلش. غزالتك بتعرف تاخد حقها من اللي يزعلها.
مط شفتيه عندما علم بمرواغتها.
- بت هتجنني أبويا ياخربيتك بقيت أم ودكتورة ولسة هبلة وعنيدة.
اتجه للمرحاض.
- اجهزي وجهزي الولاد هننزل اسكندرية. ريان عازمنا على عيد ميلاد بيجاد. بيقول لازم نحضر.
وقفت تتجه له بدلال. مطوقة عنقه.
- نغم كلمتني ودعتني. بتقولي بيجاد عايز يشوف غنى. اهو بيجاد دا بيفكرني بواحد حبيبي.
رفعها لمستواه.
- غلطانة ياحبيبي. حبيبك مستحيل يجي منه نسختين. وبعدين دا عيل لسه يفهم إيه.
رفعت حاجبها بسخرية.
- شوف إزاي. وأنا اللي كنت بقول إني اتحبيت من صغري.
حملها واتجه سريعاً إلى المرحاض.
- هقولك إزاي اتحببتي وانتِ عيلة ياقلبي.
❈-❈-❈
في فيلا صهيب.
يغفو على الأريكة وينام بحضن ولده الذي يبلغ من العمر أربع سنوات.
استيقظ الطفل من نومه. يملس على وجنة والده ويضحك بضحكات الأطفال البريئة.
فتح عينيه مقبّلها.
- صباح الخير ياعزو بابابي.
تلفت حوله وجد نفسه مازال نائماً على الأريكة. اعتدل ضاماً ولده إلى حضنه.
- تعالي نخرج برة عشان منصحيش مامي وحموزي.
كان يتحدث مع ابنه.
- بابا دودو وتيتا.
توقف أمامه.
- عايز تروح لجدو وتيتا.
أومأ الطفل برأسه.
نزل بالأسفل وجد العاملة تقوم بترتيب أثاث المنزل.
توجهت له واردفت.
- صباح الخير يا بشمهندس. أحضر لحضرتك الفطار.
أومأ برأسه بلا.
- لا إحنا هنروح لتيزا نفطر معاها. خدي عز خلى منى تجهزه لما أعمل رياضيتي.
أومأت برأسها أمسكت بيد عز واتجهت لمربيته.
في منزل حسين الألفي.
يجلس في شرفة منزله بعد تدريباته الرياضية يتناول قهوته يتحدث بهاتفه.
- وهو بقى تمام دلوقتي؟
أجابته على الطرف الآخر.
- أيوه أحسن الحمد لله. حازم مسبوش خالص.
تنهد سيف باشتياق.
- ميرنا إحنا هنفضل كتير كدا؟ بقالنا كتير من كتر السنين مش قادر أعد. كل ما نحدد الفرح تحصل مصيبة.
... إيه رأيك بدل أطمنا على باباكي نعمل الفرح بعد العيد على طول. أنا خايف حبيبي يحصل حاجة تانية.
ضحكت بصوت أنثوي ناعم تصوب لقلبه ليحرقها بنيران الاشتياق.
- حبيبي المستعجل. لسة بدري.
- اتلمي ياميرنا أصل والله أحجز وأجيلك دلوقتي.
ظلت تقهقه عليه حتى كاد أن يصاب بجنون العشق.
بعد قليل.
اتجه للاسفل وجد والدته ووالده يجلسون بجانب غنى وجاسر اللذان يبلغان من العمر سنتين وشهرين.
حمل غنى التي ما إن رأته رفعت يديها إليه وتهمهم بكلمات الأطفال في ذلك السن.
قبّلها على خديها ويدغدغها وهي تضحك بصوت صاخب.
- حبيبة عمو ياناس. صباح الورد والياسمين على أميرة عيلة الألفي اللي كلهم ولاد.
- قول بسم الله ياحبيبي. ماشاء الله.
قالتها نجاة.
قهقه عليها حسين الذي يحضن جاسر.
- أمك بتشيل العين ياحبيبي.
جحظت عيناه وأشار لنفسه.
- إيه يانوجة؟ أنا هحسد اخواتي.
ربتت على كتفه بحنان أموي.
- الواحد بيحسد نفسه ياحبيبي.
قاطعهم دخول صهيب بولده.
- صباح الخير ياجدو. صباح الورد ياتيزا.
حملته نجاة مقبّلها على وجنتيه.
- صباح الفل ياحبيب تيزا.
تلقى صهيب غنى من سيف ورفعها بالهواء وهي تضحك بصوتا مرتفع. وتردف "بابا".
- صباح الورد والياسمين لأحلى بابا في الدنيا وعلى حبيبة مرات ابني الغالي.
ضحك سيف بصوته الرجولي الجذاب.
- ابن مين ياحبيبي؟ ابنك دا تشوفله واحدة بتبيع طماطم.
لكزه بجنبه.
- بس يالا. طماطم في عينك. بكرة تشوفوا هتهيم به عشقا.
لمست وجنة صهيب النابتة وهمهمت.
- بابا صيب.
ظلت ترددها بضحكاتها، ضامها لصدره.
- البنت دي أنا بعشقها بطريقة غير عادية. خطفت عقلي وقلبي.
دار بنظره حوله.
- الحمد لله أبوها مش هنا. دا عامل عليها كردون ممنوع الاقتراب منها. يخربيت تقل دمه بيحسسني محدش جاب بنات إلا هو.
رفع سيف حاجبه بسخرية.
- بذمتك دي زي أي بنوتة؟ دي غنى الألفي يابني بنت غزل. كفاية الاسم لوحده.
ارتفعت ضحكاتهما وهو يرفع يديه.
- عندك حق. دي بنت الشعنونه محدش بيجيب عيال زيها.
حمل جاسر مقبّلاً وجنتيه.
- تعالى إنت ياغلبان محدش بيبص في وشك. الولد دا طالع غلبان لمين معرفش. محدش يقولي أبوه. دا أشر واحد في العيلة.
رفع حسين نظره لصهيب.
- دا كبير العيلة ياصهيب من بعدي. والكبير مبيكونش شرير.
- إيه ياحج انت قلبتها دراما ليه؟ بذمتك ابنك دا حتى هده غير غزل. يخربيتة كل ما أفتكر عمل فينا إيه بطني بتوجعني.
قاطعتهم العاملة.
- الفطار جاهز ياست نجاة.
أومأت نجاة برأسها.
- هنفطر ولا نستنى جواد؟
قهقه صهيب حتى أدمعت عيناه.
- جواد مين ياماما؟ دي أجازته.
توقف فجأة وتحدث.
- إيه دا عياله جم إزاي لوحدهم صحيح؟
وقفت نجاة وهي تحمل عز ابنه.
- بايتين معانا من امبارح.
جحظت عين صهيب.
- لا ماتقوليش جواد وغزل سابوا عيالهم يباتوا برة.
اتجه حسين لمائدة الطعام وهو يتحدث.
- ليه يابني مش من حقنا نفرح بولادكم شوية. أنا طلبت وهم مارفضوش. وبعدين غزل صعبانة عليا. ولدين صعبين أوي. واديك جربت مع عز وحمزة لما جه.
اهتزت نظراته لوالده.
- مقصدش يابابا إننا نحرمكم منهما. بس دول صغيرين ومحتاجين رعاية.
جلس حسين ومازال ينظر له باستفهام.
- إحنا ممكن نكون كبرنا في العمر ياصهيب. بس أكيد ماكبرناش على إننا نهتم بإحفادنا.
حمحم سيف عندما وجد النقاش أخذ منحنى آخر.
- صهيب خانه التعبير يابابا. قصده إن سنهم بيكون محتاج والدتهم أكتر. واكيد شوفت طول الليل غنى وجاسر عملوا إيه. دا أنا معرفتش أنام.
أومأ بعينيه لولده.
- أنا فاهم قصده ياحبيبي. بس أنا ووالدتك بنكون مبسوطين أوي وهم في حضننا. أكيد مش هيتعبونا حتى لو تعبونا ياسيدي على قلبنا زي العسل.
تناول سيف فطاره وتحدث.
- أنا عندي محاضرة ياصهيب وبعد كدا هعدي على الشركة. لو فيه حاجة مهمة أجلها لحد ماأجيلك.
كان شارداً في حديث والده. كيف له التغاضي عن والده وتركه وحيداً عدة الشهور السابقة.
رفع حسين نظره له وعلم بصراعه.
- حبيبي أنا مبقولش كدا عشان أفهمك إنك مقصر أبداً. أنا بقول إننا بنكون مبسوطين وولادكم في حضننا. مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد ياصهيب.
وقف صهيب لوالده مقبّلاً رأسه.
- أنا آسف يابابا صدقني. مكنتش أعرف الموضوع فارق أوي كدا.
اتجه حسين بحديثه لسيف.
- حدد ميعاد فرحك يابني كفاية كدا. إيه هتفضل خاطب طول حياتك.
زفر سيف بحزن واردف مفسراً.
- نعمل إيه يابابا بس حضرتك شايف كل حاجة جت ورا بعضها. موضوع جواد. وبعدين ولادة غزل ودلوقتي تعب باباه. بس الحمد لله ريسنا اهو يارب تعدي على خير.
الخاتمة
الجزء الثاني
العودة للصفحة السابقة
بعد عدة أشهر.
بالاسكندرية في مزرعة ريان.
كان يقف بجوار شجرة الموز وهو يحملها لقد بلغت من العمر ثلاث سنوات.
تذكر أول عيد ميلاد لها عندما ابتاع لها فستاناً مع والدته.
- أنطي غزل ممكن تاخدي دا لغنى.
وبالفعل ارتدته وكان باللون الأبيض. قبّلها وتحدث أمام والده.
- شوف ياداد غِنى دي هتكون بتاعتي.
ابتسم ريان له.
- دي مش لعبة حبيبي.
جذب الصغيرة من والدتها وصار بها.
كان يحملها طيلة الحفل والجميع يضحك عليه سوى جواد، الذي اعترف بينه وبين نفسه أن هذا الطفل سيكون عاشقاً لابنته.
تنهد بوجع عندما تذكر مطبات حياته عندما وصل إلى عاشقة الروح. تمنى أن لايكون بمثله في يوماً من الأيام.
خرج من شروده عندما تمتمت بصوت طفولي بيدو.
ابتسم لها وتحدث.
- تعرفي أنا جايبك هنا ليه ياغنى؟
نظرت له الطفلة.
- شوفي الحصان اللي هناك دا. لما تكبري شوية أنا هدهولك هدية عيد ميلادك. بس أكيد مش عيد ميلادك دا. هيكون عيد ميلادك العشرين. وخليكي فاكرة كلامي دا.
كانت تنظر له ولا تعلم بماذا يقول.
رفعها حتى جلست على الحصان وهي تضحك.
اتجه جواد سريعاً عندما رآه يجلسها فوق الحصان رغم حصار يديه حولها ولكن لا يعلم شعوره.
- لا يابيجاد تقع منك حبيبي.
قطب مابين جبينه.
- ليه ياعمو جواد بتكلم عيل؟ اسأل بابا كدا. دا أنا أحسن واحد يركب خيل.
أخذ البنت منه.
- محدش قال حاجة ياحبيبي بس هي لسة صغيرة يادوب تلات سنين. ممكن توقع.
أتى ريان عندما وجد نقاش ابنه الحاد وهو يحاول أن يجذب غنى التي بكت من غضب والدها على بيجاد.
- غزل.
أردف بها جواد بصوتاً مرتفع.
- خدي البنت وخلي بالك منها.
رغم أنه طفلاً لم يبلغ من العمر سوى إحدى عشر سنة، ولكن كلمات جواد أحزنته. وركب حصانه وخرج.
أشار ريان للمسؤول عن الأحصنة.
- خليك وراه سيبه براحته.
ثم رفع نظره حزيناً من معاملة جواد له.
- مسح جواد على وجهه بغضب.
- مكنش قصدي أضايقه بس انت شوفت مصمم إزاي ياخدها معاه.
ربت ريان على كتفه.
- خلاص حصل خير. عايز أفهمك حاجة. بيجاد غير عمر خالص. بيحب يعتمد على حاله ومبييأسش أبداً بدل مقتنع بوجهة نظر. شوف مع إنه صغير بس دماغه تجنن.
ربت جواد عليه.
- ربنا يخليهولك يارب.
في غرفة حازم ومليكة.
تنام بعمق وتنسدل خصلاتها الحريرية على وسادتها. ظل يطالعها بنظراته العاشقة.
اسم على مسمى فهي ملاكه، حياته، حب الطفولة وعشق الصبا والشباب.
رفع أنامله على خديها يتلمسها بحب.
- بحبك بجنون عاشق متوشم قلبه بعشقك الأبدي.
فتحت عيناها السوداء التي تشبه عيون الغزال بصفائها.
قبّلت يديه التي يضعها على وجنتيها.
- صباح الحب ياحبيبي.
أغمض عينيه يتلذذ بصوتها الهامس الناعم الذي اخترق روحه.
وضعت أناملها في خصلاته الغزيرة.
- وحشتني أوي يازومي.
تنهد بحب مردفاً.
- وانتِ ياقلب زومي. عايز نجيب أخ ولا أخت لجواد؟
لمست خديه بحب وأجابته.
- أنا كمان نفسي أجيب ولاد كمان.
ما كان عليه إلا أن يأخذها لعالمها الوردي الذي يتخلله زهورها الندية العالقة بعشقهما.
بعد أسبوعين اتجه الجميع لقضاء أول يوم برمضان في الفيوم. حاول حسين جمع شتات العائلة مرة أخرى، علهم يرجعون يقومون لطقوسهم القديمة مثلما كان يفعل هو وماجد.
قبيل آذان المغرب. تجلس في حديقة منزل والدها وهي تلعب مع أطفالها.
اتجهت لها نجلاء ابنة عمها ووالدتها منال.
وقفت منال تنظر لأولدها والحقد يملأ قلبها.
- ازيك ياغزل عاملة.
ثم اتجهت بنظرها لأطفالها.
- حلوين ولادك ألف مبروك. ياترى بعد ما خلفتي عرفتي غلاوة الابن.
ضمت أولادها بجلستها.
- أنا كويسة ياطنط منال. أيوه طبعاً مفيش أغلى من غلاوة الولد.
اقتربت منها وهي تنظر لأبنها.
- طيب ليه قتلته.
قاطعتها نجلاء.
- ماما انتي قولتي عايزة تسلمي عليها.
رفعت نظرها لأبنتها.
- ماهو أنا بسلم عليها.
كان يجلس بشرفته يتذكر الماضي. اتجه بنظره للحديقة عندما وجد صهيب متجهاً سريعاً لحديقة منزل ماجد. توسعت عيناه ونزل سريعاً متجهاً لهما.
وقف صهيب أمام منال.
- أهلاً منال هانم فيه حاجة؟
رفعت نظرها إليه بكبرياء.
- أهلاً يا بشمهندس. كنت بسلم على غزل الحسيني. متنساش إنها بنتنا.
- من أمتى؟
رغم ارتجاف أوصالها من صوته، إلا أنها حاولت الهدوء ولملمت شتات نفسها.
استدارت له.
- أهلاً يا حضرة الضابط. كنت معدية شوفت الفيلا مفتوحة وهي في الجنينة فقولت أسلم عليها. إيه غلطت؟
تخشى نظراته الباردة. حقاً أنه إنساناً غامض.
أمسكت يد ابنتها وخرجت.
- حمد الله على السلامة.
قالتها مغادرة.
كانت تجلس تضمن أولادها وجسدها يرتجف ولا تعلم لماذا.
نظر لصهيب الذي شك بأمر منال خاصة نظراتها الحادة الحاقدة.
جلس جواد بجوارها ضاماً إياها لأحضانه.
- متخافيش أنا معاكِ حبيبي. مستحيل حد يقربلك.
وضعت رأسها بحضنه.
- قلبي اتقبض لما شوفتها.
لا يعلم ماذا يقول لها، ولكن شعوره المميت بالخوف يكاد يزهق روحه. ورغم ذلك قبّل رأسها وأردف بكلمات مطمئنة لها.
بعد قليل على مائدة الطعام كانوا بانتظار أذان المغرب.
كان يجلس ينظر لدرجات السلم ويتذكر منذ سبع سنوات، عندما كانوا ينتظرون أذان المغرب.
آخر رمضان لهما هنا. كانت تهبط درجات السلالم وهي تكاد تقف من نومها الدائم وجلوسها ومشاكستها لصهيب وسيف.
اتجه بنظره لها.
كانت تجلس تطعم أطفالها وهي تبتسم بحب وحنان لهما. رفعت نظرها له وجدته ينظر بتوهان إليها. علمت بحالته فهي تشعر بما يشعر. لكن حاولت الخروج من الماضي حتى لا تحزن روحه.
على الجانب الآخر من المائدة.
يجلس صهيب ويتذكر ضحكاته كأنه بالأمس كان يوجد هنا. نظر لمقعده بجانب مليكة وهو يهمس لها. انسدلت دموعه رغماً عنه. أزالها سريعاً. ذهب بذكرياته الجميلة المؤلمة الحزينة التي مروا بها جميعاً.
اتجه بنظره لغزل التي كانت تبدو أمام الجميع أنها بخير ولكن نظراتها ولمعة عينيها المنطفية علم بوجود جرح عميقاً داخلها.
رُفع الأذان بالمساجد، وفي إذاعة القرآن الكريم.
نظر حسين لهما جميعاً وتحدث بصوتاً حزيناً عندما تذكر صاحب عمره.
- أدعوا دعواتكم بالستر والصحة والعافية. ودايماً متجمعين مع بعض. وربنا ما يفرقكم أبداً.
هنا أبت دموعها الصمود وتذكرت حديثه لها منذ آخر رمضان هنا ومشاكسة جواد وجاسر ونفس حديث حسين وباباها.
- اقعدي وادعي ربنا إنك تنجحي وتطلعي من الأوائل أصل وربي ما هرحمك ياغزل.
ضمه جاسر لحضنه.
- بس ياجواد غزالتي شاطرة وهتجيب مجموع وهتدخل الكلية اللي بتحلم بيها.
رفع حاجبه بسخرية.
- أيوه ياخويا دلّع فيها. بكرة أشوف غزالتك هتعمل إيه يوم النتيجة.
رفع نظره لها.
- مش بقولك يابت ادعي بتبصيلي كدا ليه؟
شاكسته بنفخ وجنتيها كالاطفال.
- بقولك ياآبيه إنت عايز تتخانق وأنا ماليش نفس. إفطر ياحبيبي وروح صلي.
جحظت عيناه من ردها المستفز. وقف متجهاً لها كالنمر المتربص. حاجز جاسر اخته بذراعه.
- جواد هتعمل عقلك بعقلها. ومهما كان دي زوزو برضو مش أي حد.
كان يجلس يشرب التمر.
- اسكت ياجاسر، خليه يربيها أصل البنت قذفته بقذيفة أربجي.
التفت لصهيب وصوب نظرات نارية.
- بتتريق ياصهيب؟
وقف صهيب جاذباً غزل لأحضانه.
- بقولك ياجواد ياحبيبي إنت عايز تفطر علينا كلنا؟ هي البنت قالت إيه؟
مسح على كتفه بغرور.
- ياله ياحبيبي.
أقاموا الصلاة و"عمو ماجد وبابا زمانهم راجعين وإنت هنا هتاكلنا كلنا".
لطمت يديها ببعضهما وهي تضحك.
- حبيبي إنت ياصهيوبتي. بموت فيك.
- طيب والله ما أنا سايبك ياغزل الكلب.
أسرعت للأعلى وهي تضحك كالأطفال.
- ياماما أبو رجل مسلوخة هيكلني.
ضحك الجميع على مشاكساتها. جـذبها جاسر وهو يضحك على أخته المجنونة.
- إنت الغلطان. هي كانت ساكتة وحضرتك كالعادة.
أنزل برأسه له.
- اشرب حبيبي دي تربيتك.
قاطع ذكرياته عندما تحدث والده.
- ياله ياولاد فكوا صيامكم وتعالوا نروح نصلي في المسجد. البلد وحشتني أوي.
وقف صهيب وسيف وحازم متجهين للخارج. أما الذي يجلس بجوارها وهي تتهرب بنظراتها منه.
أمال وهمس بأذنها.
- كل سنة وانتي معايا ومنورة حياتي. عايز أفطر عليكي النهاردة.
كأن كلماته البسيطة وقعت على قلبها كالجليد ليبرد نار قلبها المشتعل بنيران الحزن. رفعت نظرها له.
- وإنت طيب ياحبيبي.
تحرك عندما وجد سكونها الهادئ سكن روحه.
بعد قليل رجع الجميع من المسجد وجلسوا يتناولون طعامهم في جو من الحب والفرحة بدخول الشهر الكريم رغم أحزان القلوب الداخلية.
- فين جواد يامليكة وكمان عز؟
ابتسمت لأخيها.
- بيلعبوا فوق ياحبيبي في أوضة غزل بألعابها.
أومأ برأسه متفهماً. حمل غنى مقبّلاً خديها.
- حبيبي بابي. القلبوظ ساكت ليه.
وضع يديه على جبهتها.
- البنت سخنة كدا ليه ياغزل؟
أخذتها منه وتحدثت مفسرة.
- بتطلع الناب حبيبي والحرارة عادية متخافش.
أكدت والدته على حديثها عندما وجدت لهفته وخوفه عليها.
- متخافش حبيبي الأطفال في السن دا بيكونوا تعبانين.
رفعها بين يديه يقبّلها بحنان أبوي.
- بكرة هتكمل تلات سنين. عايز أعملهم عيد ميلاد يابابا بعد الفطار. وهعزم ريان كمان.
- طبعاً يابابا. إعمل اللي إنت عايزاه. وكمان نتعرف على ريان كويس.
اتجهت لجواد بنظرها.
- نغم زعلانة أوي عشان خلفت ولد كان نفسها في بنت. وأنا زعلانة عشانها كمان.
ضيق جواد عيناه.
- بس دا بأيد ربنا مالناش تدخل فيه.
- فعلاً يابني المفروض نحمد ربنا.
- لا ياعمي نغم حد جميل مش جاحد أبداً. بس نفسها يعني مش معنى كدا معترضة.
وقف جواد وحمل طفلته الساكنة بأحضانه على غير عادتها.
- هاخد غِنى الدكتور يشوفها مش عاجباني. إزاي هي تعبانة وجاسر لا.
- حبيبي غِنى مفهاش حاجة دا الضروس والناب وهي متأخرة كمان فيهم. جاسر طلعهم كلهم ورا بعض.
دخل صهيب وحازم.
- مليكة اعملي قوة حبيبتي عايز أروح أصلي القيام وشكلي هنام وأنا واقف.
قبّل غنى وباباها يحملها.
- عاملة إيه ياعروسة ابني!!
رفع جواد حاجبه بسخرية.
- ابعد ايدك يالا. وإياك حد يبوسها تاني. قال عروسة ابنك. دي أميرة أبوها ياحبيبي. مفيش إلا ابنك المعفن دا يتجوزها.
مط صهيب شفتيه وأردف بغلاظة.
- اهو جينا للغرور. بكرة نشوف. بس ياريت تلم بنتك اللي كل شوية تجري ورا ولادنا عشان يبوسوها.
دفعه بيديه حتى وقع على المقعد خلفه.
- انت بالذات مسمعش صوتك. وابنك الفاشل اللي كل شوية يضربها ويقولها إياكي تروحي لجواد. ابنك مسميني الوحش.
قهقه صهيب عليه وهو يتحدث.
- والله الولا بيفهم.
ابتسمت نجاة وحسين ودعت بداخلها.
- يارب دايماً السعادة والحب بينهم.
قاطعهم حسين.
- أنا ووالدتك هنسافر بكرة ياولاد عشان نعمل عمرة رمضان. ومش هنرجع إلا يوم العيد. إيه رأيكم؟
- طبعاً ياحبيبي ربنا يتقبل منكم.
هذا ما قاله جواد.
نظر سيف لوالده.
- ياحج أنا عايز أتجوّز. لموني الله يستركم داخل على عشرين سنة خطوبة.
ضحكت مليكة عليه.
- ينفع تتجوز في رمضان ياحبيبي؟ استنى لما رمضان يخلص وبعد كدا نعمل أحسن فرح لأحسن شاب في عيلة الألفي.
أما صهيب الذي بحث عن زوجته.
- فين جنى مش باينة ليه؟
أجابته والدته.
- راحت مع ميرنا يشوفوا حاجة وراجعين حبيبي.
- طيب ياست الكل خُدي عز لما أروح أنام شوية حاسس هقع من طولي.
توجهت غزل له بطبق من الحلويات.
- شوف ياصهيوبتي عملتلك إيه. فاكر الكنافة؟
دقق النظر بها.
- فاكر كل حاجة يازوزو. فاكر قد إيه الحياة دي صعبة وكلها مطبات والشاطر اللي يضحك عليها ويعدي.
أومأت برأسها عندما علمت بما يرمي به.
- ما تيجي نلعب شوية في الجنينة ياغزالتي.
- لعب في عينك ياهبل انت. مش عايز تكبر ليه؟ مفكرها لسة بضفراير.
ترقرقت دموعها عندما تذكرت كل شيئاً أمامها.
وصل أمامها وقبّل رأسها.
- كل سنة وانتي طيبة حبيبتي. تعيشي وتفتكري.
قالها وإنصرف من أمامها سريعاً.
كان يجلس يراقب ما يحدث. فجأة سحبها من يديها.
- ادي جاسر لماما وتعالي عايزك.
بعد قليل كان ينام بغرفتها على ساقيها وبأحضانها طفلته.
- تعرفي كل سنة بابا يجي ويقولي ننزل نقعد كام يوم في رمضان هنا وأنا أرفض.
رفع نظره لها.
- عشان مشافش نظرة الحزن والوجع دي.
رفع أنامله يتلمس بشرتها الناعمة. جاذبها إليه. ملتقطاً ثغرها بقبلة عله ينسى أحزانه وأحزانها.
رفعت أناملها تتخلل خصلاته بحب.
- ربنا يخليك ليا ياحبيبي.
نظرت لغنى التي غفت بعمق بأحضانها.
- هتحبها أكتر مني ياجواد؟ بحسك بتحبها أكتر من جاسر باهتمامك.
وضع ابنته بجواره.
- بحبها عشان حتة منك. بحبها عشان شبهك بكل حاجة. بخاف عليها بجنون زي مابخاف عليكي كدا. بس برضو جاسر دا قطعة من قلبي. جاسر هو روحي وحياتي. مبفرقش بينهم حبيبي.
أكمل مفسراً.
- تعلقي بغنى لأنها بنوتة بريئة وبلاقي نفسي فيها من خمسة وعشرين سنة.
تمددت بجواره واضعة رأسها بحضنه.
- وأنا بحبك أكتر من أي حاجة.
قالتها ثم ذهبت بنوم عميق.
❈-❈-❈
بعد شهر وهو اليوم المقرر لحفل زفاف سيف.
تجمع الجميع حول العروس وهم يهللون بالأغاني الشعبية والرقص.
كانت تقف بجواره متشابكة الأيدي. واضعة رأسها على كتفه وابتسامة تشق ثغرها من فرحتها وهي تنظر لأولادها الذين يحملهما سيف ويرفعهما ليقهقه الطفلان من الأنوار والأصوات الصاخبة.
نزل بجسده وهمس لها.
- هاتي الولاد وديهم عند ماما. جاسر شكله عايز ينام.
أومأت برأسها واتجهت لأولادها.
حملت جاسر واخذت مليكة غنى متجهة لوالدتها التي تجلس بجوار زوجها وهاشم وليلى وحسناء، في جو من الحب.
كانت تجلس تنظر له وفجأة أردفت بصوتاً هامساً.
- حسين سامحتني؟
رفع نظره لها وتحدث بيقين.
- أنا مسامحك من زمان ياحسناء. مفيش حاجة بينا عشان أزعل. الماضي أصبح ماضي.
رفعت نجاة نظرها لهمسة وحزن داخلها. فدائماً قلوبنا تشعر بالغيرة خاصة عندما ترتبط بحبيب.
ورغم ذلك ابتسمت لزوجها الذي ربّت على يديها بحب.
أتت الفقرة الختامية برقصة العروسين الأخيرة.
جذب صهيب نهى لساحة الرقص. واخذا يتمايلان على الموسيقى الهادئة.
نظر لمقلتيها.
- تعرفي نفسي في إيه الليلة؟
وضعت رأسها في حضنه.
- نفسك تخطفني في مركب ونهرب في البحر.
ضمها بقوة لأحضان.
- نفسي جداً. إيه رأيك نسيب الولاد مع مامتك وباباكي ونهرب يومين.
رفعت نظرها تنظر له بعشق طاغي.
- تعرف أنا نفسي في إيه؟
انتظر جوابها.
- نفسي السعادة دايماً تدوم عيلتنا. نفسي دايماً نكون ملمومين مع بعض. بحب جو العيلة بتاعتنا أوي حبيبي. ربنا ما يفرقنا أبداً.
قبّل جبينها قبلة دافئة عميقة.
- أنا بحمد ربنا إنكِ مراتي. ربنا يباركلي فيكي ياحبيبي.
على الجانب الآخر.
كانت تتمايل معه على أنغام الموسيقى ينظر لعيناها التي تشبه عينا الغزالة.
- الفرح حلو والسعادة أجمل شعور المفروض نحمد ربنا عليه.
ابتسمت له وأكدت حديثه.
- السعادة في حاجتين حبيبي. الزوج الصالح وكرم ربنا ورحمته بعبده.
اقترب واضعاً جبينه فوق جبينها.
- بحبك ياملاكي. بحبك أوي.
"حازم".
أردفت بها بهدوء.
- مبروك حبيبي هيجيلك ولد تاني.
جحظت عيناه وضحك فجأة وهو يحملها ويدور بها والكل يرى سعادتهم.
عند العروسين.
كان يطوق خصرها بشدة ويتراقص على الموسيقى. اقترب وهمس أمام شفتيها.
- أخيراً هتباتي في حضني.
تورّدت خدودها من كلماته التي أشعرتها بالخجل.
- سيف بس بقى أنا هيغمى عليا أصلاً.
اقترب أكثر وأكثر حتى كادت الشفاه أن تتلامس.
- بحبك ياعيون سيف. حرام بقالي خمس سنين خاطب ياناس.
وفجأة رفعها من خصرها وهو يلف بها ويردف بسعادة.
- بحببببببك.
صفق الجميع لهذا الحب الصافي الذي تحمله القلوب.
أما عند التمرد العاشقي.
يجلس على المقعد بجوار والده وهو يحمل ولده. يشاهد إخوانه والسعادة تمتلأ وجههم. هنا شعر بسكون الروح.
رفع نظره لزوجته التي تتأكل بنيران الغيرة عندما وجدته يقف بجوار أمل ويتحدث معها. هو كان ينصحها لعل تتغير وتجد الحب الحقيقي ولكن كيف؟
بعد انتهاء الزفاف.
طوق خصرها متجهاً لمنزلهما بسيارته وبالخلف تجلس مربية أولاده.
جذبها لتنام على كتفه كعادتها. حاولت أن تبعد ولكن كيف لها وهو يحسب الثواني حتى يختلي بها. جمالها في حفلة الزفاف جعل قلبه يشتعل بالغيرة عندما كانت ضحكاتها ترنوا بصوتها الرقيق، خاصة عندما اقتراب بعض أصدقاء سيف منها.
وصلا أخيراً إلى منزلهما. نظر لنهلة المربية.
- هتباتي مع الولاد يانهلة الليلة وإياكي تتحركي من جنبهم.
- تمام يافندم. هي غنى بس اللي بتصحى وبتفضل تعيد عايزة مامتها.
وجد والدته متجهة لهما. كانت غزل تغط بنوم عميق على كتفه.
اتجهت له وتحدثت.
- ماتخلي الولاد يجوا يباتوا معايا ياجواد النهارده.
تنهد بارتياح نظر لوالدته بعرفان.
- تمام ياماما وخدي نهلة معاكي عشان غنى متعبكيش الليلة.
حملتها وهي تتحدث.
- لا مش هتتعبني ولا حاجة. هاتي يانهلة جاسر وتعالي. أنا عارفة جواد مش هيعرف يشيل الولد وأمه.
قهقه جواد على كلمات والدته.
قام باعتدالها في حضنه وهو يتنهد بعشقها. فتحت عينها. ورفعت أناملها تتخلل وجنتيه ذات اللحية النابتة.
- حبيبي احنا وصلنا.
استدار بسيارته متجهاً لبيت المزرعة الخاص بها.
- لا إحنا هنروح مشوار.
رجعت لحضنه ونامت مرة أخرى. وصل لمنزل المزرعة.
أنزلها بهدوء وتكاد نبضات قلبه تخرج من صدره من لمستها الحنون.
جلست على الفراش تنظر حولها.
- إحنا فين والولاد؟
- فين الولاد ياجواد؟
اتجه للشرفة لأغلاقها حتى أصبحت الغرفة مظلمة إلا من ضوء القمر ونور الشمعة الذي أشعلها بجانبها.
قام بفك حجابها. مما أدى إلى انسدال خصلاتها بالكامل. وخلع كاب فستانها.
بسط يديه إليها حتى تقف وترقص معه عندما قام بفتح هاتفه على موسيقى أجنبية هادئة.
ضمها بقوة لحضنه. ظلت تتمايل معه على لحن الحب. ودقات القلوب وأنفاسهما المرتفعة كأن هذا لقائهما الأول. فقط ينظر لعيناها وتذكره عندما حملها بين يديه لأول مرة وهي تبلغ من العمر شهراً، حينها سُرق قلبه عندما ناظرته برماديتها الصافية ليعلن من ذاك الحين إنها ملكه وحده.
كانت يداه تضغط على خصرها حتى يقربها إليه. يريد أن يثبت لنفسه أن تلك الساحرة ملكه بين يديه، حتى يثبت أنها حقيقة وليست حلماً.
أنزل برأسه يستنشق عبيرها الذي أطاح بقوته الواهية طيلة الزفاف.
رفع نظره لها وتحدثت النظرات بل القلوب بالكثير والكثير.
"بحبك ياغزالة الجواد".
ناظرته بعيون لامعة ترقرق بالدمع من السعادة.
ابتعدت عنه تدريجياً فانسدلت عبراتها. أخذ يكفكفهم بأنامله. جاذبها كالفراشة الرقيقة لصدره. عندما شعر بما تعانيه.
- دايماً هتلاقي حضني هو أمانك. أوعي أشوف دموعك طول ما أنا عايش.
عانقته بقوة كأنه سيتركها. ضمها من خصرها رافعاً إياه منه حتى أصبحت بمستواه.
شعر بأننين الحب من نظراتها له. طوقها بيد واحدة رافعاً أنامله يلمس خديها.
- تعرفي إنت الوحيدة اللي قدرتي تخترقي كياني وحبك بقى يجري في شرياني. عايز أكدلك أنا بيكي اكتفيت من سعادة الدنيا ياقلبي.
أنزلها بهدوء عندما ابتسمت له.
- تعرف لو مكنتش اتجوزنا كان ممكن يحصلي إيه ياجواد.
ظل يلمس خديها بإصبعه.
- محدش كان هيقدر يقربلك ياروح جواد. حتى لو هسيبك طول العمر من غير جواز.
ابتسمت بسخرية.
- لا والله ومين كان هيوافق.
ضغط على خصرها بقوة عندما شعر بخنجر مسموم من الغيرة من الفكرة نفسها.
- "أنا". كان بس شوفي هعمل إيه.
وضعت يديها على صدره.
- وأعرف إزاي دلوقتي وانت ملكتني.
مازال يتمايل معها على لحن الحب.
- إيه يازوزو نفسك تشوفيني مسجون ولا إيه؟
ارتفع صوت ضحكاتها.
- كان نفسي أشوفك مجرم ياحبيبي.
رفع حاجبه بسخرية.
- وحد قالك إني مش مجرم ولا إيه؟
قهقهت بصوتها الأنثوي مما جعلت نيران عشقه تزيد بأوردته.
- طيب عشان صوت الكروان دا. لازم أوريكي نوع من الإجرام ودلوقتي.
اتجه بها إلى فراشهما حتى يذوقها نعيم جنته بل إجرامه العشقي كما قال.
بعد عدة أيام.
كان الجميع يقف أمام إحدى المباني العملاقة التي يوجد بها أحدث الأجهزة الطبية الحديثة. توجد عدة لافتات على كل طابق. وبالجانب يوجد مبنى على أعلى مستوى من التجهيزات يكتب عليه "الجاسر لعلاج جميع الأمراض بالمجان".
تحت رعاية الدكتور غزل ماجد الحسيني.
تقف بجانبه متشابكة الأيدي وبجوارهما من الناحية الأخرى صهيب وزوجته وعلى الجانب الآخر يقف سيف بجوار زوجته. وبالمقابل يقف حازم بجواره زوجته. وفي المنتصف يقف حسين الألفي بجواره زوجته نجاة الألفي وعلى الجانب الآخر يقف ريان بجوار إلياس السيوفي.
نظر ريان لجواد ليبدأ الافتتاح. ولكنه رفع نظره لوالده الذي قام بقص شريط افتتاح المجمع الخيري لعلاج الأورام.
بعد قليل اتجه لسيارته جاذباً زوجته متجهاً بها إلى الفيوم.
كعادتها تضع رأسها على كتفه وتضم ذراعه.
- رايحين فين ياجواد؟ أنا عايزة أنام، تعبت جداً النهاردة.
لف ذراعه وحاوط جسدها.
- لسة فيه مكان لازم نروحوا النهارده وبكدا انتهت رحلتنا الشاقة حبيبي.
رفعت رأسها وأردفت متسائلة.
- رحلتنا الشاقة؟ إنت شايف إن حبنا لبعض رحلة شاقة.
- جداً ياغزل فوق ما تتخيلي. ونامي لحد ما نوصل وهفهمك معنى كلامي.
بعد فترة وصلوا إلى مدينة الفيوم منها إلى المقابر. كانت تغط بنوم عميق لحملها الجديد.
وضع يديه على وجهها يتحسسها.
- زوزو حبيبي قومي وصلنا.
فتحت عينيها تنظر حولها. ثم اتجهت بنظرها له.
- جواد جايبنا المقابر ليه؟ إحنا جايين نزور جاسر وبابا.
لم يدعها تستكمل حديثها ونزل متجهاً لها ثم فتح باب السيارة وأنزلها. جاذبها من كتفها دالفاً بها حتى وصل للمقبرة، توقف أمام المقبرة بعد سلامه على المؤمنين.
"السلام عليكم أيها المؤمنون المتوفون أنتم السابقون ونحن بكم لاحقون".
ظل ينظر للمقبرة لعدة لحظات. اتجهت غزل وجلست وأمسكت دلواً من الماء. وأروَت بعض الأشجار التي زرعها جواد بجوار المقبرة منذ استشهاده.
أمسكت جدار المقبرة.
- عامل إيه حبيبي. وحشتني أوي. النهاردة جواد جابني فجأة ومعرفش ليه. بس كويس إنه جابني. لأنك كنت واحشني أوي، بقالي كتير مجتش هنا.
جلس بجوار غزل.
- النهاردة خلصت العمل اللي كنا نفسنا نعمله مع بعض ياجاسر. جيت أقولك ارتاح ياحبيبي خدت بـارك وبـارنا كلنا.
كنت عايز أجيبلك جاسر ابننا الصغير.
أكمل حديثه.
- واخد منك كتير أوي. أهم حاجة واخدها الطيبة.
رفع بعض الرمال بجوار المقبرة.
- لو فضلت أشكرك عمري كله مش هوفيك حقك ياجاسر. كنت دايماً قوتي في الحياة وحتى بعد موتك ادتني السعادة كلها. فاكر آخر جملة بينا؟
- اتجوزها ياجواد وابعد عن قلبك المتمرد.
تنهد بحزن لذكرى جملته.
- دا مكنش تمرد عادي حبيبي. دا كان تمرد عاشق. ياريتك كنت معايا ياجاسر، وشوفت أجمل هدية ربنا ادهالي.
وقفت أمامه وانسدلت دموعه.
- بس أحسن تمرد عاشق في الدنيا.
رفعت يديه وقبّلته ثم اتجهت بها على أحشائها ووضعتها. وبقوله هنا قدام أغلى شخص عندي. السعادة والحب كلها معاك إنت.
إنت يعني الحب.
إنت يعني العشق.
مبروك ياحبيبي هتبقى أب للمرة التالتة والرابعة.
تمركزت عيناها عليه.
- أنا حامل في توأم تاني ياجواد وبقالي شهرين.
هزة عنيفة أصابت جسده بالكامل من فرحته التي غمرته بالكامل. لم يكن ذلك المراهق أبداً. ولكن إلى هنا لم يقو على الهدوء.
جذبها بقوة ملتقطاً شفتيها بقبلة عاشقة مجنونة حتى انقطعت أنفاسهما بالكامل.
حملها فجأة وبدأ يدور بها وهو يصيح بأعلى ضحكاته التي سمعها أهل الدنيا وأهل القبور.
"الله الله الله". كم أنت رحيم بعبدك الضعيف يارب العالمين.
اتجه بنظره للمقبرة.
- قولي ياجاسر هطلب أكتر من كدا إيه؟
انتهى من فرحته التي دامت واستقرت بالقلوب. ضم وجهها بين راحتيه وأردف.
أحبك يا نبض قلبي حب لا معالم له ولا حدود، لا بداية له ولا نهاية، بل حب مطلق لا ينتهي ولا يجف، ولا يتوقف عن العطاء، ولا يهدأ منه العشق والاشتياق والحنين. أحبك حب خلوداً لا يموت، حب معمر في قلبي وقلبك نتنفس منه جمال الحياة. ولكن الفرق أني أتنفس منكِ أكثر فكنتي لي كل الحياة. أميرتي أنتِ محياي وهذا يكفيني لأشعر بالأمان أن حياتي بين يدكِ. أحبك يا نبض قلبي، أحبك...!
جواد الألفي.
تمت قراءة ومتابعة روايات جديدة وحصرية.
•