الفصل 12 | من 25 فصل

رواية توأم روح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم يارا سمير

المشاهدات
16
كلمة
7,323
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

في غرفتها تقف أمام المرآة بعينين لامعتين من الحماس، قلبها يخفق بشدة وكأنه يسبقها للذهاب إلى الجامعة. كل حركة تتحركها فيها مزيج من التوتر والحماس. اليوم ستحضر أول سيكشن مع الدكتور إيهاب مختار، الاسم الذي طالما سمعت عنه الكثير وتمنت لقائه. تجهزت ومستعدة لمغادرة الغرفة بابتسامة. فتحت الباب وتمضي بخطى خفيفة تتمتم بكلمات غير مفهومة من فرحتها. كان ينتظرها زين ليرافقها ويذهبا معًا إلى الجامعة. رفع نظره

إليها وقال بنبرة تعجب: _إيه الحماس المفرط دا؟ فكرتيني بأول يوم جامعة؟ قالت بابتسامة: _النهاردة يوم مميز جداً جداً. _ليه؟ هيوزعوا عليكم زلومات؟ خبطته في كتفه: _يا رخم. _لا بجد في إيه؟ ابتسمت وقالت: _النهاردة أول سيكشن لإيهاب مختار. وبعدين أنا قولتلك. _ودا يستدعي الحماس والبهجة المفرطة دي؟ وبعدين المرة اللي فاتت كان إيه؟

_المرة اللي فاتت كان بيعرفنا بنفسه وإنه هيدرسلنا، لكن النهاردة أول يوم فعلي للسيكشن. يومين في الأسبوع ونهاردة أول يوم. _بجد أنا مستغربك، حماس أوفر. _تصدق إنك فعلًا فصيل. بص أنا مش عاوزة أتقفل وأنا صاحية مبسوطة. هتنزل ولا هتكمل أكل؟ _أنا لسه بادئ. وإنتي كمان افطري. _أنا حاسة إني شبعانة. بص خليك كمل وأنا هروح. مش عاوزة أتأخر.

_استني هنا. اقعدي افطري أي حاجة. مش مستعد أكون في جامعتي وفي المحاضرة ويتصلوا بيا يقولوا لي تعالى الحق مريم وقعت من طولها. _عيني في عينك كدا المحاضرة برضه. _أيوه محاضرة في العلاقات. إيش فهمك إنت؟ مش وقت لماضة. اقعدي افطري يلا. أمسكها من يدها وأجلسها وبدأ بوضع الطعام أمامها. أجبرت على تناول الإفطار برفقته. أنهيا تناول الطعام وتحركا مغادرين إلى الجامعة.

كانت مريم تسير بخطوات متعجبة، كل بضع ثوانٍ ترفع يدها وتنظر إلى الساعة بقلق وملامح وجهها توحي بأنها تشعر بالتوتر، وذلك لتأخيرها عن موعد السيكشن. كان زين يسير بجانبها يتابعها ويراقب خطواتها. وحين لاحظ اندفاعها في خطواتها، أمسك يدها وأوقفها: _بشويش. هتقعي كدا. بملامح قلق وتوتر: _اتاخرت يا زين. الله يسامحك أنت السبب. _أنا السبب؟ عشان بهتم إنك تكوني كويسة وميحصلكيش حاجة بقى غلطتي. _أنا قولتك هأكل أي حاجة لما أجي.

_مش هتاكلي. الحماس المفرط اللي عندك دا هيشبعك. وصلوا إلى البوابة. تحركت مريم بخطوات مسرعة إلى الداخل. وقف زين يراقبها بعينيه وهي تبتعد مسرعة، يراها تخترق الزحام بخطى ثابتة وكل شيء فيها ينبض بالاندفاع. وقف مكانه يتابعها بصمت متعجب من طريقتها حتى اختفت من رؤيته وذهب إلى جامعته.

وقفت مريم أمام باب السيكشن تتردد، أنفاسها متسارعة من القلق والتوتر. نظرت إلى الساعة مرة أخيرة وأغمضت عينيها للحظة وأخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تهدأ وتستعد لسماع كلمات التأنيب عن تأخيرها. رفعت يدها وطرقت على الباب بخفة ثم دخلت بخطى حذرة وعيناها تبحثان عن وجه دكتور إيهاب مختار. قالت بصوت خافت: _أنا آسف على التأخير. آسف جداً.

كان الرد لم يكن كما توقعت. رفع إيهاب رأسه إليها وابتسم بهدوء. تلك الابتسامة التي رسمت غمازته الخفيفة في خده الأيسر وقال بنبرة هادئة ومطمئنة: _ولا يهمك. اتفضلي ادخلي مع زملائك. اتسعت عيناها من المفاجأة ثم تورّد خداها بخجل وارتياح في آن واحد. شكرته بهمْسة وجلست في مكانها بجانب أصدقائها ولا تزال الابتسامة تزال مرسومة على وجهها وكأنها بدأت يومها بحلم صغير تحقق على غير توقع. تحدث إيهاب بابتسامته الدائمة:

_طبعاً مش محتاجين أعرفكم بنفسي. أنا إيهاب مختار، من أبناء فنون جميلة، وليا الشرف أدرس لكم الترم دا. مبدئياً كدا اعتبروني طالب معاكم زيكم. يعني أنا إيهاب مختار وبس مش دكتور إيهاب مختار. (ابتسم الجميع وتمتموا بكلمات تعجب) استكمل حديثه:

_متستغربوش. أنا حابب علاقتنا تكون قريبة ومريحة من غير حواجز. إحنا هنقضي مع بعض 3 شهور. إنتوا هتتخرجوا وأنا هرجع إيطاليا تاني لحياتي. فإحنا الاتنين ننتهز الفرصة دي ونعتبر الـ 3 شهور مساحة لراحة من غير ضغوط من غير توتر. إيه رأيكم؟ أسعد الجميع باقتراحه وقال:

_إنتوا 5 مجموعات. أنا قسمتكم لـ 5 عشان منبقاش زحمة. إنتوا تاني مجموعة. اتشرف بمعرفتها. وبما إننا هنبدء صفحة جديدة بتعامل جديد. حابب أتعرف عليكم وهبدأ بالليدر. مين الليدر؟ ممكن يتفضل يقف ويعرفني بنفسه.

في اللحظة التي طلب فيها إيهاب التعرف على قائد المجموعة، ترددت مريم للحظات لشعورها بالإحراج. نهضت من مكانها ببطء وقد اعتلى وجهها شيء من الارتباك، فليس من السهل أن تكون هذه أول مرة يتعرف عليها كقائدة للمجموعة بتلك الطريقة ويأخذ انطباع بعدم التزامها بالمواعيد. وقفت وقالت بصوت خافت: _أنا.. مريم كريم، ليدر الجروب. رفع إيهاب رأسه نحوها وابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي بددت توترها وظهر أثر الغمازة التي ميزته دومًا

وقال بنبرة لطيفة: _أهلاً يا مريم. كنت متوقع شاب من الشباب بصراحة. مفاجأة إن الليدر بنت والجروب يعتبر كله شباب. هل دا خوف منها ولا إيه؟ ضحك وضحك الجميع. وقال أحد الشباب: _لا طبعًا. إحنا بينا كلنا كل الاحترام. بس إحنا بينا وبين بعض اتفقنا إن الليدر يكون أكتر شخص شاطر ودايماً تقديراته مرتفعة. وميما دايماً من المتفوقين. نظر إليها وقال: _تقديراتك إيه؟ _سنة 1 و 2 جيد جداً، و 3 امتياز. _و 4 ناوية امتياز؟ _إن شاء الله.

_حابة تدرسي هنا تكوني معيدة. تحدثت إحدى صديقاتها: _ميما حلمها تسافر برا وتعمل معرض خاص بيها زي حضرتك. شعرت مريم بالإحراج وتحدث إيهاب بلطف: _أنا متأكد إن معرضها هيكون من أنجح المعارض. أنا من دلوقتي حجزت دعوة. اتفقنا. قالت مريم بخجل: _لسه بدري ع الخطوة دي.

_كل حاجة بتبدأ بحلم. أنا كنت بحلم أسافر وسافرت ويكون ليا معرضي الخاص واتحقق. ومن أهم أحلامي كان أرجع الكلية هنا وأدرس فيها واتحقق أهو. الأحلام مبتنتهيش. السعي والمثابرة نتائجهم مبهرة. وأنا واثق إن مريم هتكون فنانة اسمها له سيط كبير في الوسط. _ميرسي يا دكتور. _دكتور إيه؟ إحنا اتفقنا ع إيه؟ ابتسمت وقالت: _ميرسي يا إيهاب. نظر إليها مبتسمًا:

_أيوه كدا. اتشرفت بيكي يا مريم. واجهزي هنتكلم كتير مع بعض. استعدي للصداع وبعتذر لك مقدمًا. (ضحك وضحك الجميع وقال لها) _اتفضلي اقعدي. كان لكلماته وقع مريح في قلبها، ونظراته المتفهمة قللت من شعورها بالحرج. جلست مجددًا والابتسامة تملأ وجهها وكأن هذا الموقف رغم بساطته أعاد ترتيب يومها على نحو مختلف. بدأ إيهاب يتعرف على أسماء المجموعة وتقديراتهم وأحلامهم وطموحاتهم. والحديث كان أكثر ألفة بينهم كأصدقاء. وقف إيهاب وقال:

_بعد ما اتعرفنا. مش هكرر لكم أي حد محتاج سؤال، استفسار، مساعدة. ميتأخرش ولا يتردد. أنا موجود دايماً لكم. وعشان الترم دا يكون مميز وذو أثر معاكم بجانب التدريس هعمل مسابقة صغيرة بين المجموعات كلها. المسابقة مدتها مدة التدريس 3 شهور. لأن خلال 3 شهور هيكون فيه تصفيات لغاية ما نوصل لنهائي لأفضل 5. والجائزة هتكون لوحة من لوحاتي المميزة وعليها توقيعي للفائز. تحمس الجميع للفكرة واستكمل حديثه وقال:

_هعرفكم التفاصيل وعاوزكم تشدوا عزيمتكم. وأنا متوقعة هتطلعوا أحلى شغل. بالتوفيق للجميع. حين علمت مريم بالجائزة اشتعل الحماس في عينيها كشرارة مفاجئة كأنها تلقت تحديًا تنتظره منذ زمن. لم يكن مجرد حافز عابر بل إحساس قوي بأنها قادرة وأن هذه فرصتها لتثبت نفسها. رددت هامسة: (أنا اللي هاخد اللوحة)

. كان بداخلها يقين لا يتزعزع وإصرار كمن رأت الهدف أمامها بوضوح. كانت متحمسة مليئة بالطاقة مستعدة لبذل أقصى ما تملك من مجهود للحصول على اللوحة.

في طريق عودة مريم وزين إلى المنزل بعد الجامعة، كانت مريم تسير بجانب زين بخطوات خفيفة تكاد من الحماس تلامس الأرض. كانت تتكلم بسرعة وتعبر بعينيها ويديها وكأن الكلمات لا تكفي لوصف ما تعيشه. تتكلم عن محادثة ودية مع إيهاب فهمي والمسابقة والجائزة. عن اللوحة التي سترسمها وتفاصيلها. وزين ينظر لها مبتسمًا ويهز رأسه بين الحين والآخر مؤكدًا لها بفوزها بالجائزة. كان يستمع بإنصات حقيقي بدون مقاطعة، يرد بلطف ويشجعها. كان واضح إنه فخور بها وسعيد بحماسها ويشعر بالاستمتاع بسماع صوتها وهي تتحدث عن شيء تحبه. كانت لحظات ولكنها مليئة دفء وسند من زين.

استمر كريم في زيارة منزل ملك والجلوس مع والدتها ويتبادل معها أطراف الحديث وملك ملتزمة الصمت والتجاهل اتجاهه. تركتهم ودخلت للمطبخ. وتحدث كريم: _مبتزهقوش يا طنط من قاعدة البيت كدا. _أنا عادي متعودة. خرجت زي لا، لكن ملك اللي ربطت نفسها جنبي. _هي مفكرتش تشتغل؟ اهو يعني تسلي نفسك وتشغل وقتها وتخرج من البيت.

_كانت شغالة في القاهرة لكن لما تعبت أوي وعملت العملية سابت الشغل عشاني. كذا مرة أقولها شوفي شغل وانزلي. أنا بخير لكن هي بترفض. صمت لحظة وقال: _طيب إيه رأيك يا طنط في شغل مواعيده كويسة ومكانه قريب من هنا. يعني أي وقت تحب ترجع البيت في أقل من 10 دقائق هتكون هنا. يعني مش هتحسي بغيابها. _بجد؟ فين دا؟ _معايا. _معاك فين؟ إنت مش شغلك في القاهرة؟

_أيوه شغلي في القاهرة لكن هنفتح مقر تاني هنا في إسكندرية. وأكيد مافيش أحسن من ملك تكون معانا. يعني. أثناء مغادرة ملك المطبخ سمعت كلمات كريم وتبدلت ملامحها. وضعت الأكواب على الطاولة بصمت وجلست تستمع دون تعليق. نظرت إليها والدتها قائلة: _كريم عاوزك تشتغلي معاه في شركته يا ملك هنا. إيه رأيك. _آه.. جميل. بس إحنا مش عاوزين نتعب كريم ونكون حمل عليه. تحدث كريم بحماس:

_لا خالص. بالعكس دا هيكون مكان جمعنا كلنا. ماهو زين قرب يتخرج وهيكون معايا. إيه رأيك؟ _هفكر وأرد عليك. _وأنا منتظر ردك وبالمرتب اللي عاوزاه. _إن شاء الله. استأذن كريم مغادرًا ورافقته ملك للخارج. وقبل أن يصعد السلم استوقفته ملك: _كريم. التفت إليها مسرعًا: _أيوه. _عرضك للشغل مرفوض. _ليه؟ _أنا ليا أسبابي الخاصة مش لازم أقولها لك. بعد إذنك متفتحش الموضوع تاني مع ماما ممكن؟ وقف كريم لحظة في صمت واستكملت ملك حديثها

بملامحها الحادة وقالت: _زياراتك الكتير لينا دي لو عشان ماما لأننا جيران وكدا تنور في أي وقت. لكن لو نيتك حاجة تانية فأتمنى تقطعها. _ملك.. أنا بحاول أتكلم معاكي. أنا بعترف إني غلطت في حقك زمان واللي عملته مش سهل يتنسي. لكن أنا عاوزك تعرفي.. قاطعته:

_أنا لا عاوزة أعرف ولا أسمع يا كريم. أنا قفلت ع الماضي بكل اللي فيه. معنديش استعداد أفتح الباب تاني. شغل.. أنا أروح أغسل أطباق وأمسح لكن متجمعش معاك في مكان واحد يا كريم. أعتقد الرسالة وصلت والباب اتقفل. صدم كريم من كلماتها. استأذنت وأغلقت الباب. كانت لحظة قصيرة ولكنها مشحونة بكل ما لم يقال من قبل. رفض للعودة وللذكريات وللمحاولات.

وقف كريم متجمدًا في مكانه كأن الصدمة شلت حركته وعيناه غارقتان في شرود غريب. لم ينطق كلمة. فقط استدار ببطء وصعد درجات السلم المؤدي إلى السطح كأنه يهرب من ضيق يعتصر قلبه. كان السطح هادئًا نوعًا ما ينساب منه نغمات موسيقى. اقترب إلى الداخل. كانت مريم في غرفة المرسم ترسم وهي تستمع إلى الموسيقى تركز في لوحتها. أصابعها ملطخة بالألوان وعيناها تتابعان الفرشاة بانسجام تام غافلة عما يدور خارج الغرفة. زين كان يجلس أمام الطاولة فتح اللابتوب وعيناه مثبتتان على الشاشة ويدندن مع الموسيقى.

تحرك كريم بخطوات هادئة دون إصدار صوت ووقف خلف السور ينظر إلى الشارع أسفله. أخرج سيجاره وأشعلها بصمت ثم وقف ينفث الدخان ببطء كأنه يحاول أن يخرج ما يؤلمه مع كل نفس. ما إن صعد كريم حتى شعر زين بشيء مختلف. ملامح كريم كانت متغيرة. أغلق اللابتوب بهدوء وأقترب دون أن يقول ووقف بجانبه: _إيه يا كيمو؟ داخل كدا لا سلام ولا مسا ولا كلمة كويسة. استمر كريم في صمته وتعجب زين: _في حاجة حصلت ولا إيه؟ في إيه؟ _مفيش حاجة عشان تحصل.

_باين الموضوع كبير. شكّلها ملك صح؟ صمت كريم وتأكد زين: _يبقى ملك. حصل إيه؟ أطلق كريم تنهيدة في الهواء وقال: _مكنتش متوقع بعد السنين دي ظهوري هيضايقها بالشكل دا؟ _واضح إنها قالت لك كلمتين مش لطاف. بس أرجع وأقول اللي عملته معاها مش سهل تنساه كريم. إنت سبتها واتجوزت. فاهم الموقف. _فاهم يا زين. فهمت بعد ما عملت كدا إني اتسرعت وكنت مغيب وطايش. ورجعت ندمان وبحاول أصلح بس مفيش فايدة باين.

_بص يا كريم. سيبها للوقت. رغم السنين دي وهي زي ماهي بس محدش عارف ممكن مع الوقت حاجات تتغير. أوقات كتير بيداوي. ضحك كريم بسخرية: _الوقت؟ الوقت بيموتنا مش بيشفينا يا زين. الانتظار مميت. إنت بتكون مش عارف هتشفى جروحك ولا مع مرور الأيام هتتوجع أكتر. الوقت خنجر بيحفر في حياتنا وعمرنا واحنا مستسلمين متوهمين بالعلاج وبنتوهم إننا نسينا. وصدفة واحدة صدفة واحدة الجرح بيفتح تاني وأعمق.

_أنا مقلتش هينسي. الوقت ممكن يساعدك تتأقلم. مبتنساش. لكن رغم كدا فيه جروح مع الوقت بتتداوى وبيتحول لذكرى مبتأثرش. _لما تكون مجروح مش جارح يا زين. _مش فاهم؟

_جرح إنت السبب فيه. وده الجرح الوحيد اللي الوقت مش علاجه. لأن مهما مرت السنين وتهيألك إن الشخص اللي أذيته عاش حياته وطبيعي كلمة واحدة تتقال قصاده تفتح الجرح في لحظة. الشخص اللي أذيته ده بيكون عايش روح مجروحة بتنزف طول الوقت. مبيحسش بيها حد غيره وملهاش علاج. عارف ليه؟ _ليه؟

_لأنه معالجش الجرح في الأول. هو تجاهله بدون علاج. عشان كده في لحظة بيرجع للحياة كأنه لسه حصل حالاً. الوقت. الوقت مهمته إن المجروح يستجمع فيه شجاعته ويواجهه جراحه ويعالجها. واللي جرحه يعالج. لكن لو المجروح رفض الجرح بيفضل عايش مبينتهيش. فبيكون فيه اتنين موجوعين. المجروح واللي جرحه. وده بيبقى العذاب الأبدي. _تقصد إيه؟

_أقصد إن ملك موجوعة مني لأنها هانت عليا في أكتر وقت كانت محتاجاني فيه معايا. وسيبتها بسهولة واتجوزت وعشت حياتي. وأنا مش فاهم إني سببت لها في جرح هيعيش معاها العمر كله. كنت متوقع هتنسي وهتكمل حياتها. لكن هي كملت حياتها مش ناسيه. محاولاتي لإصلاح الجرح ده بتفشل. وده مسبب لي وجع هنا (أشار إلى صدره) . بتعذب بجرح أنا سببه يا زين. _عشان كده مرتبطتش بواحدة بعدها.

_أنا محبتش حد زيها يا زين. أي واحدة عرفتها كانت محاولة لتشتيت لا أكثر عن شوقي ليها. كل واحدة بكون معاها في كل لحظة بتمنى تكون ملك اللي معايا. (شرد زين للحظات والتفت ونظر إلى مريم وهي ترسم ومندمجة وانتبه لحديث كريم)

إنت فاكر أنا محاولتش أتواصل معاها. حاولت كتير. لكن هي طلبت مني مظهرش قدامها تاني وأنا احترمت طلبها. ومكنتش أتوقع إنها في يوم هترجع هنا. حسيت إن القدر بعتلي فرصة وأنها مستعدة تسامح. وبحاول استغل كل الفرص أكون قريب منها. لدرجة إني طلبت منها تشتغل معايا في الشركة اللي هفتحها هنا. عارف ردت قالت إيه؟ _قالت إيه؟ _قالت إنها تغسل أطباق وتمسح. لكن متشتغلش معايا في مكان واحد. صدم زين: _يااااه. لدرجة دي؟

_إنك توجع الشخص الوحيد اللي قلبك قفل عليه. الوجع بيكون مناصفة بينك وبينه وضعف لأنك السبب. عشان كده بقولك إياك وإنك تكون سبب وجع حد بتحبه يا زين. إياك. في تلك اللحظات سمعا صوت خلفهم: _بتنموا من غيري ولا إيه؟ التفتوا إلى مريم وكانت ملامحهم متغيرة. وزين حدق بمريم للحظات وقالت: _إيه دا؟ هو الموضوع حيوي أوي كدا؟ في إيه؟ طفى كريم السيجارة وقال: _زيزو يحكيلك لأن أنا نازل أنام. بالفعل تحرك كريم لأسفل وجلس

زين وجلست مريم بجواره: _في إيه؟ كدا متقوليش إن فيه نم ورغي وتندهيلي أقف معاكم وأسمع؟ _ماهو إنتي عايشة في كوكب زمردة مع إيهاب توفيق ولوحاته. _يا غلس. إنت عارف أنا مركزة كدا ليه؟ عشان المسابقة. _يارب تخلص ونخلص ويرجع مكان ما جه ونخلص من الحكاية دي. _ماهو أنا هروحله كدا كدا. نظر إليها بغضب: _هتروحي لمين وفين؟ _في إيه مالك؟ مش إحنا قولنا هخلص وهنسافر إيطاليا ونحضر معرض له هناك. _خلصي الأول ويحلها ربنا. _قولي طيب إيه حصل؟

تنهد زين: _كريم حاول يتكلم مع ملك وصدته بطريقة صعبة أوي. _بتتكلم بجد؟ _يعني هحور عليكي. فاتحها في إنها تشتغل في مقر الشركة اللي هيفتحها هنا. وهي رفضت رفض نهائي. _وهيعمل إيه دا؟ كان متحمس للشركة دي أوي. كدا خلاص. _خلاص إيه. أنا شريك معاه. بعد ما أخلص هنزل معاه. ودا سبب إنه يفتح مقر هنا بدل ما أروح القاهرة. _إنت خايف تخرج من إسكندرية توه ولا إيه؟ أيوه القاهرة كبيرة بس مش لدرجة يعني.

_يا عسل. إيه السكر دا. أنا لو بعدت عن إسكندرية إنتي اللي هتوهي. _بصراحة أيوه. مش هنكر. _عشان كده عملت جميلة فيكي تفتكريها باقي عمرك. أنا ضحيت إني أروح القاهرة معاه. هناك وزنيت عليه يفتح مقر تاني هنا وأكون معاه عشان مبعدش عنك وتكوني تحت عيني رايحة جاية كدا يعني. _بتفكرني بشخصية الست أم نظارة اللي مراقباك وهرقبك دي. ضحكا وقال: _بالظبط كدا. القلق منك تغدري بيا. _أنا خالص. هروح فين. أنا هنا مش هتحرك. تنهدت مريم:

_بس كريم صعبان عليا أوي. أنا افتكرت إن رجوعها فرصة ذهبية وهيتقربوا لبعض وكدا. _هو كمان افتكر كدا. وبناء عليه تعامل. لكن النتيجة مش في صالحه خالص. _واضح إنها منستش خالص. نظر زين إلى مريم وقال: _أوعدك يا مريم إنك مش هتتوجعي. أنا مش هسمح إنك تتوجعي أصلًا. تفاجأت مريم من كلماته وصمتت. واستكمل حديثه: _خليكي معايا إنتي في الأمان لغاية ما أوصلك لابن الحلال اللي أكون متأكد إنه يستاهلك. ضحكت مريم: _حاضر. نظر

إليها لثوان وانتبه وقال: _ها؟ إيه الدنيا؟ هترجعي لصومعتك مع لوحات دافنشي إيهاب توفيق. خبطته في كتفه: _بجد مش عارفة من غير خفة دمك دي هنعيش إزاي. _يلا عيدوا جمايل. _يا عسل. بقولك إيه؟ أنا جعانة وإنت؟ _لو مش جعان هتجوعيني. يلا ننزل سوسن عاملة شوية محشي نسخن ونأكل. _لا. مش عاوزة محشي أنا. _أيوه أنا فهمت النظرة دي. _فهمت إيه؟ _إكسترا تشيز حجم كبير صح؟ وطبعاً الفرنش فرايز سخنة وحاجة ساقعة مشبرة.

_يا سلام عليك يا زيزو وأنت قاريني. يلا بقى اطلب. _وهناكل ع الناشف كدا؟ _لا إزاي. نشغل فيلم ونفصل عن العالم. _اشطا جدًا. طلب زين الطعام وجلسوا على الأريكة والبيتزا أمامهم تفوح منها رائحة شهية يشاهدان فيلم كوميدي. ضحكاتهما تتعالى بين الحين والآخر تملأ المكان دفئًا وحياة وكأنهما وحدهما في هذا العالم. لا شيء يهم سوى اللحظة التي تجمعهما. عيونهما تلتقي أحيانًا وسط الضحك تلمع بسعادة اللحظة.

في يوم ملك عائدة إلى البيت تحمل أكياسًا مليئة بالمشتريات. خطواتها سريعة بعض الشيء حتى لا تتأخر عن والدتها. ما إن فتحت باب البيت حتى تباطأت فجأة. رأت والدتها جالسة في الصالة تبتسم وتتكلم بود مع جارتهم. الجو كان هادئًا وأكواب الشاي لا تزال على الطاولة. اقتربت إليهم: _السلام عليكم. ابتسمت جارتها: _وعليكم السلام. إزيك يا ملك. _الحمد لله يا طنط. نظرت إلى والدتها:

_طيب أنا هستأذن يا أم أشرف وهبقى أجيلك تاني تقولي لي إيه الأخبار. انصرفت جارتهم مغادرة وعادت ملك وجلست إلى جوار والدتها. _هو في حاجة ولا إيه؟ _ارتاحي طيب الأول وبعدين نتكلم. _أنا مرتاحة. في إيه؟ صمتت للحظات وكانت ملامحها مترددة: _في عريس ليكي. تفاجأت ملك: _عريس؟ _أيوه. ابن أختها راجع من السفر وبيدور على عروسة وهي شافتك مناسبة له واتكلمت معايا. _وبعدين.

_ملك يا حبيبتي. أنا نفسي أطمن عليكي. اتجوزي يا حبيبتي وعيشي وكوني عيلة وأطفال. _هو أنا اشتكيت لك يا ماما. _أنا نفسي أطمن عليكي. وهو هياخدك لبرا مصر. هو عايش في الكويت شغال هناك. هياخدك وتبعدي عن كل حاجة وهترتاحي. _ومين قال إن أنا هرتاح؟ ماما أرجوكي دا قراري واختياري. ومتقلقيش عليا. _ملك.. قاطعت حديثها:

_خلاص يا ماما الموضوع خلص. وبلغي طنط إن العريس مرفوض. أنا هدخل المطبخ أعمل الغداء قبل ما أشرف يجي ويضايق إن الغداء مخلصش. توجهت إلى المطبخ لإعداد الطعام. بعد مرور ساعات وصل أشرف أخوها. جلس مع والدتها في الصالة وكالعادة جاء بمفرده. تجمع الجميع حول مائدة الطعام. كانت ملك صامتة أغلب الوقت وظل أخوها أشرف يتحدث مع والدتها. بعد الغداء قامت بإعداد الشاي. خرجت من المطبخ تقترب إلى الصالة. وقفت فجأة حينما سمعت حديث

أشرف ووالدتها حينما قال: _الحمد لله إنها رفضت. أجابت والدتها: _إيه اللي بتقوله دا؟ إنت مش عاوز تفرح بأختك يا أشرف؟ _عاوز طبعًا. بس إنتي بتقولي دا عايش في الكويت يعني هي هتسافر معاه. _ما دا الطبيعي يا حبيبي. هتكون مع جوزها. _وإنتي؟ تفاجأت: _أنا إيه؟ _هتقعدي لوحدك إزاي؟ _أنا.. أنا..

_لو عريس وهيعيش جنبك هنا مفيش مشاكل ومبروك من دلوقتي. ولو في محافظة مفيش مشاكل. سهل تروحي تعيشي معاها. لكن برا مصر. صعبة. كويس إنها رفضت والله. تقدمت ملك وبملامح حادة: _يعني دا سببك للرفض إنه عايش برا؟ غير كدا كنت هتوافق. _ماهو إنتي متفكريش في نفسك. فكري في أمك. قالت بإنفعال: _وأمك؟

هي كمان أمك ومسئولة منك زي ما هي مسئولة مني. هي مسئولة مننا إحنا الاتنين. لكن الحقيقة إنك شايل إيدك وأنا اللي شايلة كل حاجة تخصها. وانت تيجي مرة في الشهر وتكلمها دقيقة لما تفضى. تحدثت والدتها بنبرة حزن قاطعتها ملك:

_مفكرتش تقولنا تعالوا اقعدوا معايا نتونس ببعض بدل ما إحنا قاعدين لوحدنا والجيران هما اللي بيساعدوني لو حصل حاجة. إنت عارف أنا بخلي مرات البواب تقعد معاها لو خرجت جبت طلبات من برا عشان أبقى مطمئنة. إنت طبعًا مفكرتش ولا هتفكر في كدا. تحدث بنبرة عصبية: _إنتي بتتكلمي معايا كدا إزاي؟ أجابته بعصبية: _أنا أتكلم براحتي بالطريقة اللي تريحني. بعد وفاة بابا مليش كبير يا أشرف فاهم.

ملامحه الغاضبة اقترب نحوها ويستعد بضربها بالقلم. أمسكت والدته يده: _عشان خاطري لا يا أشرف لا يا حبيبي. نظر إلى والدته بغضب: _دلعك وتربيتك اللي خلاها تتكلم معايا كدا. بصوا أنا مليش علاقة بأي جواز. عاوزة تتجوزي متتجوزيش براحتها. ومتكلمنيش تاني عشانها في أي حاجة. وأنا مش هاجي تاني هنا غير لما تحس بغلطتها وقلة أدبها معايا.

دوي صوت الباب وهو يغلق بعنف. خرج أشرف غاضبًا. وقفت ملك مكانها في ذهول وصدمة تحاول أن تستوعب ما تعيشه. نظرت إلى والدتها التي كانت ملامحها مزيج من الحزن والعجز. نظرت إليها في عتاب: _ليه يا ماما قلتي له. أنا قفلت الموضوع. _كنت عاوزاه يتكلم معاكي ويقنعك. مكنتش أعرف إن دا رده. مكنتش أعرف. _من إمتى أشرف بيفكر فيا ولا فيكي يا ماما عشان يقول رد إحنا متوقعينه. ده أشرف يا ماما. نظرت والدتها نحوها بحزن وأمسكت يدها:

_لو بتحبيني يا ملك وافقي ع العريس وسافري معاه. _إيه اللي بتقوليه دا يا ماما. _بقول الصح المفروض يحصل. إنتي ملكيش ذنب تتضيعي عمرك وشبابك في القاعدة جنبي يا بنتي. عيشي حياتك. أمسكت ملك يدها وربتت على يد والدتها: _أي حاجة في الدنيا تهون عشانك. وأنا اللي رافضة لأني مش عاوزة يا ماما مش عشانك إنتي وبس. أنا اللي مش عاوزة وسبيني ع راحتي. _سامحيني يا ملك. سامحيني يا بنتي. قبلت يدها ورأسها قائلة:

_متقوليش كدا يا ماما. إنتي سامحيني لو قصرت معاكي في حاجة. _ولا مرة قصرتي. _ولا هقصر معاكي. إنتي متزعليش نفسك ويلا ادخلي خدي العلاج وارتاحي شوية. ليلًا بعد أن تأكدت ملك من تناول والدتها الدواء واستسلامها للنوم، صعدت إلى السطح وكانت مريم بمفردها وتفاجأت بها: _ملك.. أنا كنت فاكرة إنتي زين. _هو جاي دلوقتي. أنزل أنا. امسكت يدها وجلست: _لا لا هو ع القهوة مع أصحابك ومش هيرجع دلوقتي. بس إيه المفاجأة الحلوة دي؟

أيوه كدا أنا عاوزة رجلك تاخد ع السطح زينا كدا ونتونس ببعض. رأت اللوحات والألوان: _أنا معطلاكي؟ _لا خالص. كنت هاخد استراحة. أصل عندي مسابقة في الكلية وفي جايزة ف تلاقيني بفحت نفسي بجهز. ها عاملة إيه وإيه الأخبار؟ _الحمد لله. _كنت سمعت إن فيه عريس صحيح؟ _هو الأخبار لحقت توصلكم. _مرات البواب كانت عندك ف اعرفي إن العمارة كلها عرفت. بصراحة نفسنا في فرح وكله فرح. _للأسف مفيش فرح. _ليه؟ _رفضت العريس. نظرت إليها مريم:

_ليه رفضتي؟ طيب شوفيه الأول مش يمكن يعجبك وترتاحيله. _كان ممكن أشوفه لو عندي استعداد. لكن أنا غير مستعدة أقعد مع حد ونتكلم ونتعارف ونشوف هننفع ولا لا. لا لا مش هقدر. _ليه يا ملك. _لأني مش عاوزة يا مريم. _ليه مش عاوزة فهميني. هل بسبب حد ولا.. قاطعتها:

_لا مش بسبب حد. بسبب الأيام والظروف اللي عشتها اللي خلتني أشوف كل حاجة من منظور مختلف عنكم. إنتوا شايفين الجواز عريس مناسب ابن حلال وجاهز يلا جواز. لا أنا بنسبالي الجواز مش مجرد عريس جاهز ومناسب. _اومال إيه؟

_إنك تختاري شخص مش يشاركك الأكل والشرب والنوم ويصرف عليكي. الارتباط يعني شخص يشاركك في المحن والمشاكل والوجع. يكون الإيد الوحيدة اللي بتطبطب عليكي. الحضن الوحيد اللي لحظة ما يضمك بيدوب أي وجع حاسة. السند والضهر والحماية من الدنيا وغدرها. يفضل ماسك إيدك ميسبهاش. يحس بيكي أكتر من نفسك. الارتباط أو الزواج مش كلام الرومانسي وفلوس. بيكون ارتباط روحين مع بعض بيكونوا مع بعض روح واحدة لكن في جسدين.

_طيب ما إنتي لازم تعرفي شخص تتعرفي عليه عشان تحكمي هو كدا ولا لا. _لو في استعداد ممكن. غير كدا لا صعب. مستحيل الحكم هيكون صح. _ليه؟ نظرت إليها بعيون وملامح حزينة: _فيه إحساس بيتولد جوه الإنسان مع الوقت بيخلي الألوان كلها لون واحد في عيني. صعب ينبهر بأي لون لأنه مش شايفه. بالتالي وقت الاختيار والضغط عليه يختار الشخص ده مش هيحتار. هو هيمد إيده وزي ما تطلع معاه هياخده. عارف الإحساس ده اسمه إيه؟ _إيه؟

_موت الروح. روحك بتحتضر ومع الوقت بتموت وبتفقد الإحساس والتمييز. وقتها مبيفرقش معاكي أي حاجة حصلت زي ما حصلتش. مفيش انبهار. مفيش اختيار صحيح. _والروح دي مبيتردش فيها الحياة تاني؟ _ممكن. لكن مش سهلة. لأن الروح في الحالة دي بتكون تعبت وبقت فتافيت. فمين اللي هيكون عنده صبر وطاقة وإرادة إنه يجمعها تاني. بتكون صعبة جدًا. لأن بنسبة كبيرة محدش بيحس بيها. لأنها عايشة بتتنفس. هما شايفينها كدا. لكن الحقيقة هي بتحتضر.

_بجد مش عارفة أقولك إيه. _متقوليش حاجة. أنا مش عاوزة أسمع حاجة. لأن مفيش حاجة هتتغير. ده واقع وأنا تقبلته بصدر رحب. _بصي اللي أقدر أقوله لك (وضعت يدها على يد مريم) إن أنا موجودة في أي وقت تحتاجي أخت تحكي وتتكلمي وتفضفضي معاها. إحنا كلنا موجودين لكِ. إحنا عيلتك هنا لأننا معتبرينك من العيلة. _أكيد.

مر 3 أسابيع وزين لم يلتقي مع مريم كما المعتاد لانشغالها. كانوا الـ 3 أسابيع على زين كأنهم 3 أعوام. مريم غارقة تمامًا في المسابقة ومحاضرات الجامعة. كانت تجيب على رسائل زين متأخر وبردود قصيرة. حاول زين بكل الطرق أن يلفت نظرها من جديد. كان يأتي بالطعام كانت تتناوله وهي تنظر في اللاب توب. البيتزا الأكلة المفضلة لها كانت تتناولها وهي تتحدث مع أصدقائها عبر رسائل الواتساب. يطلب منها تشاركه في مشاهدة فيلم. كنت تجلس لوقت قصير

ثم تعود إلى المرسم لتذكرها تفصيلة في رسمة. عبر لها عن زعله ولكنها صالحته بلطف ولم يدوم الأمر واليوم التالي عادت إلى عالمها المزدحم. فكان يشعر بالضيق ولكنه لم يريد أن يضغط عليها. فكان يسندها ويشجعها لأنه يعلم مدى أهمية الفوز بالجائزة لها.

صعد زين إلى السطح ويحمل في يديه طعام وحلويات لمريم. دخل المرسم ولكن مريم غير موجودة بالداخل. كان متوقع أن يراها كعادتها مندمجة في الرسم ولكن الغرفة فارغة. دخل بخطوات بطيئة ووقف وسط المرسم ورأى الفوضى الجميلة التي تحبها مريم. ألوان مبعثرة وفرش ملطخة وأوراق على الأرض. ولوحة كبيرة التي تعمل عليها مريم. اقترب من اللوحة وعيون لمعت وارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتأمل تفاصيل اللوحة. لمس بأطراف أصابعه رسمة اللوحة وكأنها يتقمص شخصية مريم ويرسم. أثناء تجوله وقعت عيناه على صورة إيهاب مختار. اقترب إليها

ونظر إليها بغضب وقال: _اللي إحنا فيه ده إنت السبب. مش كان كفاية الكلام عنك عن بعد وكنت بستحمل وأقول دا كلام. تظهر فجأة كدا وتاخدها مني حقيقي وتشغلها لدرجة دي. آه لو أشوفك أديك بوكس بضحكتك المستفزة دي. مش عارف أنا هي معجبة إيه فيك عشان بترسم. أومال لو بتغني كانت عملت إيه. (أمسك إطار الصورة) هانت هانت. كلها شهرين وكل واحد هيرجع مطرحه ومش هنشوفك تاني. هستحمل بس عشان أوصل لليوم ده اللي تسيب فيه الكلية.

وهو يقف سمع صوت خلفه: _زيزو. تفاجأت وسقطت من يده الإطار وارتطم بالأرض. واستدار للخلف: _إيه دا؟ اعملي أي حاجة يا شيخة خضتيني. _يا نونو. اتخضيت. _اتنحنحي ولا حاجة. انحنت على الأرض وامسكت الإطار: _عارف لو كان حصله حاجة عارف كان إيه هيحصل؟ _كان إيه هيحصل يعني محسساني وقعت صورة العندليب. _كنت خليتك عملت برواز تاني ع حسابك وبرواز غالي كمان. _كمان. _أيوه. إنت مش المفروض رايح خطوبة أخو صاحبك.

_أيوه. كنت جاي أغريك بالحلويات دي إنك تيجي معايا وتفكي بقى شوية. _لا مش عاوزة. أنا ورايا حاجات هعملها. روح إنت انبسط وانبسط لي معاك. _متاكدة مش عايزة تيجي؟ _آه بجد. روح إنت. (امسكت الحلويات) وأنا هنقنق في دول. _ماشي. بس عشان تكون عارف إن اللي بيحصل دا مش حلو، ماشي. _المسابقة تخلص وصدقني هعوضك. _ماشي ماشي.

بعد مرور يومين كان عيد ميلاد زين. استيقظ زين ذلك الصباح بقلب ملئ بالترقب. اليوم هذا دائمًا يبدأ بطيف ابتسامة مريم وتهنئتها البسيطة التي تحمل له معاني كثيرة. ارتدى ملابسه وذهب إلى منزلها حاملًا بداخله أملًا صغيرًا بأنها تحضر له مفاجأة كالعادة. ليس لأنه يحب الاحتفالات والمفاجأت ولكنه اعتاد أن يبدأ يومه بمريم كلمة منها. وإن كانت قصيرة كانت تكفي لتجعل يومه مختلفًا. ذهب إليها ليذهبا سويًا إلى الجامعة. ولكنه فوجئ أنها

سبقته بذهابها إلى الجامعة. تفاجأ وصدم للحظات لغياب مريم عن ذلك اليوم لأول مرة في حياتهم. ذهب إلى الجامعة وجلس برفقة أصدقائه وسط ضحكاتهم وأحاديثهم. كان زين شاردًا عنهم ينظر إلى الموبايل بين الحين والآخر يتفقد الإشعارات الواتساب والإنستجرام والفيسبوك ولكن ولا شيء منها. كان قلبه يضيق شيئًا فشيئًا بين خيبة الأمل ووجع الانتظار. شعر أنه أصبح تفصيلة ثانوية في حياة مريم وهناك أشياء أخذت مكانه واهتمامه.

كان زين جالسًا مكانه صامتًا. اقترب إليه صديقه وطلب منه أن يرافقه إلى مكان ما: _بقول لك يا زيزو. قومي تعالي معايا كدا هنروح مكان هنا. _لا رايح ولا جاي. _عشان خاطري. مكان قريب عاوز أوريك حاجة مهمة. _مليش مزاج بجد أتحرك. _ماهو إنت قاعد مبتعملش حاجة يا جدع. تعالي يلا مش هنتأخر. يلا.

زين نظر إليه بتردد ولكن صديقه لحّ واصر على الذهاب معه. بعد لحظات من الإلحاح وافق أخيرًا زين ومشى معه بخطوات بطيئة وذهن مشوش. وقبل وصولهم للمكان طلب منه صديقه أن يغمض عينيه: _أغمض عيني ليه؟ _محضر لك مفاجأة. ارتحت. اسمع الكلام بقى فرهدتني. _عارف لو مقلب يومك مش هيعدي وأنا كدا كدا مش طايق نفسي هطلع كله فيك. _لا مش مقلب. هو أنا مستغني عن نفسي. يلا بقى يا جدع. أغمض عينيه واتبع تعليمات صديقه. وبعد خطوات وقف وقال له صديقه:

_فتح عينك يلا. فتح زين عينيه وصدم. كانت أمامه مريم تقف بابتسامتها المعتادة وبجانبها طاولة صغيرة عليها أكلته المميزة (سندوتشات كبدة وسجق) لكن بطريقة مبتكرة تم ترتيبهم على شكل تورتة وأعلى السندوتشات في القمة شمعة صغيرة مضاءة. نظر إليها زين وعيناه مليئة بالدهشة وكان قلبه ينبض بسرعة. قالت له: _هابي بيرث داي يا زيزو. _إيه دا بجد. _إيه رأيك. فاكر لما عملت فيا كدا يوم عيد ميلادي. كدا متعادلين. _أنا قولت انشغالك نساكي.

_أنا أنسى كل حاجة إلا عيد ميلاد زيزو الشق. بس بصراحة أحمد وعبد الرحمن ساعدوني في الترتيب ده. مكنتش هعرف أعمله لوحدي.

نظر إليهم وابتسموا له وعاد النظر إليها متعجبًا. لم يتوقع أبدًا أن تكون هي من نظمت كل هذا أو أن يكون هذا هو احتفالها الخاص به. مريم كانت مبتسمة بينما زين كان عاجزًا عن الكلام. مشاعر مختلطة بين الفرح المفاجئ والدهشة كأنها أزالت عنه التوتر والضيق الذي كان يعانيه منذ قليل وأعادته إلى اللحظة التي كان يتمنى فيها أن يشعر بأنها تذكره وتشاركه اللحظة الخاصة بمولده. انتبه على صوتها: _يلا يا زيزو. قول هوف للشمعة واتمنى أمنية.

اقترب ووقف بجانبها وقالت له: _كدا أنا وقفت حالك رسمي. البنات هياكلوني بنظراتهم. _متركزيش معاهم. كفاية إنتي موجودة. كان الصوت الوحيد الذي في المكان هو صوت الشمعة التي تنطفئ ببطء وزين يبتسم أخيرًا وهو يشعر أنه عاد ليجد شيئًا ما كان يظن أنه فقده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...