في المطعم تجلس ملك برفقة سناء وسوسن وزين. تحدثت سناء: _التجميعة دي بقالها كتير مبتحصلش. أجابت سناء: _مشغوليات يا ماما. تحدث زين: _أيوه مشغوليات. أول حرف منها إيهاب توفيق. نظرت إليه بتعجب وتحدثت مريم: _ما تبطل رخامة بقى. عمومًا هانت خلاص، كلها شهر وأمتحن وأخلص من الكلية والمحاضرات والسكاشن. قال زين بصوت هامس: _ونخلص من إيهاب مختار. _بتقول حاجة؟ _لا بدعي نخلص ع خير. تحدثت سوسن:
_يعني أفهم من كدا إنكم مش هتيجوا تجهزوا معانا عيد الميلاد اللي هيتعمل بعد بكرة. قالت مريم: _أنا بجد مش هينفع خالص أغيب يوم ولا أتأخر. اتفق معها زين: _ولا أنا كمان. نظرت سناء إلى سوسن: _خلاص أمرنا لله، إحنا اللي هنوضب ونجهز يا سوسن. قالت مريم: _طيب ما تقولوا لملك. ملك عندها خلفية وما شاء الله عليها، تقوم بالعيد ميلاد لوحدها. تحدثت سناء: _ملك مبقتش تيجي زي الأول. بتيجي بعد زن مننا، قولنا نسيبها براحتها. _بجد. تحدث زين:
_ماهو إنتي هتعرفي منين ومشغولة بـ إيهاب توفيق. خبطته في كتفه وقالت مريم: _خلاص سيبوا الموضوع عليا، أنا هتكلم معاها. تحدثت مريم مع ملك وطلبت منها مساعدة سناء وسوسن في تنظيم عيد ميلاد بالمطعم لانشغالها هي وزين، ووافقت بصدر رحب.
في اليوم المحدد ذهبت ملك إلى المطعم. الجو داخل المطعم كان مشحونًا بالحركة لتحضيرات عيد الميلاد. بدأت ملك العمل فورًا دون تردد. بدأت ترتب الطاولات وتضع الزينة بحرص. عيناها كانت تتابعان التفاصيل بدقة، تلتقط شيئًا من هنا وتعيد ترتيب شيئًا هناك.
وقفت سناء وسوسن في زاوية قريبة تتابعانها بصمت. كانت حركاتها متقنة رغم بساطتها، ملامح وجهها مركزة جادة لكنها هادئة. لم تكن تتحدث كثيرًا، بل كانت تكتفي بعملها، وهذا ما لفت انتباههما. مع مرور الوقت بدأ المطعم يكتظ بالأصوات والضحكات وازدادت حركة الضيوف مع بدء حفلة عيد الميلاد. مع ذلك بقيت ملك تتحرك بهدوئها المعتاد، تقدم الأطباق وتتابع الطلبات وتتأكد من كل تفصيلة صغيرة، وكأنها تعمل في المكان منذ زمن طويل.
بينما كانت أجواء الحفلة تزداد بهجة، ركض أحد الأطفال الصغار باكيًا بعد أن سقطت منه قطعة الحلوى. علاه الحزن والارتباك. وقف في زاوية منزو يبكي بصوت خافت وسط الضوضاء. لاحظت ملك المشهد من بعيد فاقتربت منه بهدوء وجثّت على ركبتيها ومدت يدها إليه بقطعة حلوى أخرى، ولكنها لم تكتف بذلك. بعينين دافئتين وابتسامة صغيرة، فتحت منديلًا ولفّت له القطعة بعناية ثم ناولته إياها، وكأنها تقدم له كنزًا صغيرًا. توقف الطفل عن البكاء وابتسم ونظر إلى ملك التي بادلته الابتسامة الصغيرة.
من بعيد كانت سناء وسوسن تتابعان المشهد وعلا على وجهيهما ابتسامة عميقة. لم يكن الأمر مجرد مساعدة في يوم مزدحم، بل كانت روح ملك هي التي تركت أثرها الحقيقي في الحفلة. ليلًا عادت مريم إلى المنزل من الكلية وجلست تستمع من سناء ما حدث في عيد الميلاد. ارتسمت على وجه مريم الاندهاش وزاد الأمر حينما شاهدت مقاطع على تليفون سناء لملك وعيد الميلاد. قالت سناء:
_زي ما قولتلك كدا. أيوه إنتي في تنظيمك فظيع، لكن ملك تحسيها محترفة وكانت مع الأطفال صبر وهدوء ولعب ورقص، بجد اليوم كان تحفة. تنظر مريم إلى الصور والمقاطع وعلى وجهها ابتسامة: _ملك كانت مبسوطة أوي يا ماما. _أوي. كلنا كنا مبسوطين. عارفة بعد عيد الميلاد صممت متمشيش غير لما تظبط المكان مع العمال ومتتعبنيش أنا ولا سوسن. تركت مريم الهاتف للحظات، وكأن هناك فكرة أنارت رأسها ونظرت إلى والدتها:
_إزاي الحل دا كان موجود قدامنا وإحنا مفكرناش فيه. _اللي هو إيه؟ _إن ملك تشتغل في المطعم بمرتب شهري كدا. ملك كل يوم هتكون موجودة ومش هتقعد لوحدها ووقتها هينشغل وهتبقى وسطنا. يعني عشّة عصافير بحجر واحد. أعجبت سناء بالفكرة: _بجد يا ريت. بس هي هتوافق؟ دا أنا عرضت عليها مبلغ عشان ساعدتنا يعني مرضتش خالص. _سيبي إقناعها دا عليا. مش هسيبها غير لما تقتنع وتوافق.
استيقظت مريم باكرًا وقبل ذهابها إلى الجامعة ذهبت إلى ملك في منزلها. رنت الجرس وفتحت ملك الباب. _صباح الجمال يا ملوكة. ابتسمت ملك: _صباح الفل يا ميما. تعالي، حماتك بتحبك. لسه بحط الفطار، يلا نفطر مع بعض. دخلت مريم وقالت بمزاح: _رغم إني نقنقت لما صحيت، بس ميضرش آكل تاني معاكي. يلا. جلسا حول مائدة الطعام وقالت مريم: _أوعي تقولي لزين إني فطرت. _ليه؟ _هيتريق ويقولي "زلومتك" ومعرفش إيه وهو ما هيصدق. ضحكت ملك: _إنتوا فظاع.
_هو فظيع، لكن أنا ميما. ضحكت ملك. تحدثت مريم: _صور وفيديوهات عيد الميلاد جميلة أوي يا ملوكة، ما شاء الله عليكي بروفيشنال. _مش أوي كدا، أنا بس حاولت أجتهد. _لا دا إنتي كدا خليتيني لما أتزنق إنتي موجودة تسدي وأكتر كمان. _أي وقت أنا موجودة. _لا إحنا عاوزينك طول الوقت معانا. إيه رأيك؟ نظرت إليها بدهشة: _يعني إيه مش فاهمة.
_يعني يا ملوكة، إحنا بنعرض عليكي تنضمي لتيم العمل في المطعم بـ ساعات عمل ثابتة ومرتب للي عاوزاه، متقلقيش. إيه رأيك؟ تفاجأت ملك: _اشتغل في المطعم؟ _أيوه، فيها إيه. أولًا هتخرجي من البيت بدل الحبسة دي. ثانيًا شكلك وإنتي في الحفلة امبارح زي الغرقان اللي قفش طوق نجاة. الشغل هيلهيكي يا ملك وإنتي عارفة هيلهيكي عن إيه؟
عن حالة الحزن اللي إنتي فيها. ثالثًا بقى والأهم هتكوني معانا ووسطنا، وكلها شهر وأخلص وهبقى معاكي. ها قولتي إيه؟ موافقة صح؟ موافقة؟ لم ترد ملك فورًا، لكنها نظرت إلى مريم بدهشة خفيفة، وكأنها لم تتوقع هذا التقدير منهم لها. وبين التردد والتفكير بدت على وجهها لمحة من الامتنان وشعور خفي بالموافقة. كانت لحظة ولكنها كانت كطوق نجاة انتشلها من فراغ الحزن المحيط بها. ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بالموافقة.
خرجت مريم سعيدة من منزل ملك وكان زين ينتظرها أمام البناية: _مش محتاجة أسألك، عملتي إيه؟ وافقت صح؟ بنبرة ثقة: _طبعًا يا حبيبي، أنا ميما. لما بحط حاجة في دماغي إنها تتعمل هتتعمل. _إنتي هتقوليلي ع دماغك دي سم. _تحب تجرب؟ _لا لا، داخلين ع امتحانات. خلينا نختم السنة وإحنا سلام. _ليا في ذمتك آيس كريم وإحنا راجعين هتجيبلي. _كدا كدا كنت هجيب. يلا يلا.
في اليوم التالي ذهبت ملك للمطعم كموظفة تعمل في المطعم رسميًا. دخلت بخطوات مترددة بعض الشئ، لكن استقبال سناء وسوسن ومحمود وكرم الحار خفف عنها التوتر. جلسا معها وعرفوها على المهام والمطلوب منها، وكان واضحًا أنهما يقدران وجودها معهم. مع اقتراب امتحانات آخر العام. مريم في الجامعة تجلس في مقعدها بجانب زملائها والهدوء يخيم على المكان مع بداية محاضرة إيهاب مختار. وقف في المنتصف وقال:
_امتحانات آخر السنة النهائية بعد أسبوع، وعشان ميبقاش الضغط عليكم، اتكلمت مع المعيد وحددت الخميس اللي جاي يكون امتحان المادة بتاعتي. وبعد الامتحانات هحدد يوم هستلم اللوحات وتاني يوم هعلن عن نتيجة المسابقة عشان تبدأوا اجازتكم من غير توتر. في مشكلة؟ اتفق الجميع وتهمسوا، ولكن زميلة مريم همست لها: _الحقي يا مريم، بيقولك الخميس. مش الخميس دا رايحين دار الأيتام؟
_أيوه صح. دا أنا مظبطة كل حاجة والكل مظبط دنيا على الخميس ومش هعرف أجل. _روحي اتكلمي معاه إنتي هتقدري تخليه يخليه يوم السبت. _بيقولك اتفق مع معيد الكلية خلاص. _اسمعي الكلام يا ميما، واهي محاولة. _طيب طيب. أنهوا المحاضرة وذهب إيهاب إلى مكتبه ولحقت به مريم. طرقت على الباب بخفة وأخبرها بالدخول. حين رآها ابتسم إيهاب: _تعالي يا مريم، اتفضلي. _أنا آسف لو أزعجتك، بس كنت محتاجة أستأذنك في حاجة.
_مفيش إزعاج، إنتي تيجي في أي وقت. _شكرًا. _كنت محتاجاني في إيه؟ مفيش وسطات في المسابقة، بعرفك أهو. ضحكت مريم: _لا مش كدا، أنا عارفة إنها مسابقة نزيهة والشاطر والمجتهد هو اللي هيكسب. _تمام. إيه الخدمة؟ _كنت عايزة حضرتك لو أمكن تغير يوم الامتحان. ممكن الأربع أو السبت، لكن بلاش الخميس. قالتها وملامحها ونبرة صوتها خليط من التوتر والقلق والاحراج. قال لها: _ليه؟ يعني إيه السبب؟
_يوم الخميس أنا و6 من زمايلي مش هنكون موجودين في الكلية أصلًا. ابتسم: _طالعين رحلة ولا إيه؟ ابتسمت: _يعني حاجة كدا. هنروح مكان كنا بنجهزله بقالنا كتير والكل رتب مواعيده على الخميس حتى المكان. _ممكن أعرف مكان إيه؟ يمكن أحب أجي معاكم ويتأجل الامتحان؟ للحظة فكرت مريم في كلماته، وجدت بالفعل عدم تواجده سبب قوي لتأجيل الامتحان. قالت بحماس: _رايحين دار أيتام، هنقضي اليوم كله هناك مع الأطفال. تفاجأ إيهاب وابتسم: _دار أيتام؟
_أيوه. كل كام شهر كدا بنجمع مع بعض فلوس ونجيب هدايا ولبس وحلويات للأطفال ونروح ليهم. المكان المساعدات اللي بتجيله قليلة أوي، فبنحاول ع قد ما نقدر نساعد. وبما إن السنة خلصت، فتجميعتنا دي هتكون آخر تجميعه، يعني بعد كدا كل واحد هيروح لوحده ع حسب ظروفه. _فكرة جميلة. ينفع أكون معاكم. ابتسمت مريم: _بجد عايز تكون معانا. _أيوه. اديني رقم حساب وأحولك مبلغ يقدر يسد معاكم. _كمان هتتبرع معانا.
_أكيد، هما محتاجين، ودا رزقهم ولا إيه؟ ابتسمت مريم: _صح. ممكن ورقة وقلم، هكتبلك حساب بابا لأن أنا معنديش. _تمام. بالفعل دونت مريم حساب كرم وقالت: _أفهم من كدا إن امتحان الخميس اتأجل ولا بقى الأربع؟ _لا اتأجل السبت أو الأحد، هعرفكم إن شاء الله. بس مقولتيش المكان فين؟ _آه صح، من توتري نسيت. هكتبه في ورقة، عمومًا إحنا هنتجمع قدام الدار. _تمام، وأنا هحاول أكون معاكم. وقفت مريم وبابتسامتها التي تشع سعادة:
_شكرًا جدًا لكل حاجة، لتأجيلك الامتحان ولإنك هتكون معانا. _أنا اللي بشكرك إنك بتخليني أجرب حاجات مكانتش في بالي. _أوعدك هتنسط معانا وترجع إيطاليا بذكرى جميلة معانا. نظر إليها مبتسمًا: _أنا متأكد لكدا. استأذنت مريم وظلت عيناه عليها حتى مغادرتها وعاد النظر إلى الورقة أمامه وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه إيهاب.
في إحدى الشوارع الممتلئة بالمحلات كان زين ومريم يتنقلان بين المحال يحملان أكياسًا ماونة ممتلئة بالهدايا والألعاب والحلويات للأطفال. كلما كانت مريم تشتري شيئًا كانت تتخيل وجوه الصغيرة وهي تفرح بها. بعد أن أنهكهما التجول دخلا إلى مطعم صغير، جلسا إلى طاولة قريبة من النافذة ووضعا الأكياس بجانبهما وتنفسًا بعمق كأنهما يلتقطان أنفاسهما أخيرًا بعد يوم طويل وشاق. جلسا وتبادلا النظرات وضحكا. تحدث زين:
_أتمنى الورث يكون خلص فلوسه ومنعديش ع محلات تاني. ضحكت مريم: _لا دي كانت آخر فلوس معايا خلاص شطبت. _أنا راكنه مبلغ هديه لمديرة الدار كتبرع يعني. _كمان. إنتي مجمعة المبلغ دا تحت التهديد. قولتي لهم لو مدفعتوش فلوس كتير هخبطكم بزلومتي. ضحك زين ودفع على وجهه مناديل أمامهم: _إيه يا واد العسل دا. _دا أقل حاجة عندي. بس بجد المرادي ما شاء الله جمعتي مبلغ كبير بجد. _بصراحة كدا عايزة أقولك حاجة بس من غير انفعال، ماشي.
_إنتي سرقتيهم ولا إيه. من ورايا طيب بالنص. _يا عم رزق المكان، إحنا سبب. _صح يا شق، إحنا سبب. كنت عايز أقولك حاجة كدا. _إنتي مستنية الإذن. قول ع طول. _إيهاب مختار. _ماله؟ _غير مريح. مش مرتاح له كدا، حاسة مش سالك. _ليه بتقول كدا. شوفت إيه منه. إنتي أصلاً متعاملتش معاه. تذكر زين رؤيتهم في المعرض وقال: _يعني الكلية وقولنا المعرض كان جوه الكلية فطبيعي يكون موجود لأنه ساعدكم، لكن الدار إيه علاقته عشان يبرشط؟
ولا مرة دكتور ولا حتى معيد فكر يجي معاكم. 4 سنين وإنتوا اللي قايمين بالحوار لوحدكم، إيه لازمتها برشطته بقى. _ما هو أنا حكيتلك وقولتلك كانت فرصة عشان نأجل الامتحان. طول ما هو مش موجود الامتحان يتأجل عادي لأن نص اللي معانا رافضين التأجيل، فلو هو نفسه مش موجود خلاص. وبعدين هو اللي قال عاوز يجي، أنا مقولتش تعالى. _عشان تأجلي امتحان تخنقيني أنا صح. حدقت به بتعجب:
_بجد أنا مش فاهمة إنت ليه مش بتحبه ولا طايقه. هل هو عملك حاجة ولا حاجة؟ بالعكس لما قابلك قابلك باحترام وذوق رغم دبشك معاه. (عادت تستكمل طعامها) إنت غريب أوي يا زين. نظر إليها بغضب وقال: _اهو أنا كدا خلقة ربنا، في أشخاص أقبلهم وأشخاص لا. _دا إنت من قبل ما تشوفه ومش طايقه. اتعامل معاه هتلاقيه كويس والله. نظر إليها بتعجب: _ما شاء الله. ودا عن تجربة بقى.
_أيوه عن تجربة. تعامل مع شخص محترم كنت أتمنى أقابله وقابلته. وفعلاً زي ما تخيلت عنه، معاملته خفيفة وذوق ومتفاهم ولطيف مع الكل، سواء اتعامل حلو أو وحش. _قصدك أنا الوحش ده صح؟ _أنا بفهمك اللي شوفته منه. _لكن أنا مش مرتاح له. بقولك. تركت الطعام ونظرت إليه وتحدثت بهدوء: _بص إنت حر يا زين. إنت بتعرف بنات وتخرج معاهم، في منهم مبترتاحش ليهم. هل غصبتك تعاملهم وحش؟ هل فردت عليك رأي؟ هل قولتلك ابعد عنهم؟
مبقتش أدخل احترام لاختيارك. شوية مساحة، شوية خصوصية، المساحة اللي بنكون أحرار فيها. إنت ناسي ولا إيه؟ تحدث بنبرة حادة: _لا مش ناسي يا مريم. ومش ناسي إني أخاف عليكي ولو حسيت بخطر يقرب منك أحذرك وأمنعه يقرب. _خطر؟ خطر إيه اللي بيقرب؟ وهل أنا عامية يعني هرمي نفسي في خطر؟ وبعدين إنت مكبر الحكاية ليه؟ 10 أيام وعلاقته بينا تنتهي وعلاقتي بالجامعة تنتهي وهو هيرجع إيطاليا تاني. ع فكرة إنت بتقول أي كلام.
_أي كلام. ماشي ماشي. بس ع العموم أنا مش مرتاح له وهحاول أضغط ع نفسي الـ 10 أيام دول لغاية ما يعدوا. _إنت هتيجي بكرة وهتشوفه والله هتحبه. قال بنبرة حادة: _مش هحبه أنا، هو غضب. _خلاص خلاص. يلا عشان نرجع البيت. _مكملتيش أكلك ليه؟ _شبعت. مش قادرة. أنا عايزة أرمي نفسي ع السرير. اليوم بكرة طويل.
في الصباح تحرك زين مع مريم وأصدقائها إلى دار الأيتام. كانوا يحملون حقائب الهدايا الملونة الممتلئة بالألعاب والحلويات. كان الأطفال يقفون خلف الأبواب وخلف النوافذ ينتظرونهم وأصواتهم تتعالى بضحكات متحمسة حين لمحوهم قادمين. تحركت المجموعة في الداخل بحماس ورحبوا بالأطفال ووزعوا الهدايا والألعاب. كانت مريم منغرقة مع الأطفال وكان زين يلتف حوله ينظر في الوجوه ويجوب بعينيه الزوايا بحثًا عن إيهاب. لم يظهر له أثر وارتسمت ابتسامة مريحة على وجهه. اقترب إلى مريم وقال هامسًا:
_إيهاب توفيق اداكم بمبة محترمة. ملوش في الحاجات دي، مكنش له لازمة بقى نهدر بنزين معاه إنه يجي. قالت بضيق: _إنت مصمم إني قولت، هو اللي قال وبعدين قال لو هيقدر يجي هيجي، هو حر. _مالك مضايقة ليه كدا؟ عشان مجاش ولا إيه؟ نظرت إليه بضيق: _زين، ركز كدا وشوف إحنا فين وجايين ليه وبطل هبل ممكن. _حاضر، هبطل هبل.
بدأ الجميع يلتفون حول الأطفال في ساحة دار الأيتام وتدفق الضحك والفرح في الأجواء. زين ومريم مع أصدقائها يشاركون الأطفال الألعاب بمرح وحيوية. يركضون خلفهم أو يساعدونهم في رسم أشكال ملونة على الورق، وأصوات الضحك تملأ المكان وتدور وتتنقل بين الزوايا. كانت مريم تساعد أحد الأطفال في ترتيب القطع الصغيرة للعبته تركيب، فقام زين بهدمها وركض، فركضت مريم خلفه وسط هتاف الأطفال لإمساكه به ومعاقبته بوضع الفوم على وجهه على فعلته.
لحظات من البهجة المشتركة كان الجميع يعيشون فيها بلا تفرقة، وكأنهم في عالم خاص بعيد عن مشاغل الحياة والروتين القاتل. زين ومريم رغم انشغالهما مع الأطفال كانت نظراتهما تتلاقى بين الحين والآخر تحمل معاني من الفرح والراحة، وكأن هذه اللحظات تضاف إلى لحظاتهما سويًا التي جمعت بينهما في عالم صغير مليء بالألوان والضحكات.
رن هاتف زين وكان والده أغلق معه واقترب إلى مريم: _بقولك إيه يلا إحنا وسيبي أصحابك براحتهم. _ليه؟ لسه بدري، إحنا اتفقنا هقضي اليوم كله هنا معاهم وإنت كمان. _محمود عاوزني أوديه لمكان وإنتي عارفة العربية معايا. _خلاص روح وصله لو خلصت بدري تعالي تاني ونروح مع بعض. _ولو معرفتش أرجع؟ _هبات هنا. في إيه يا زين. هتصرف وأرجع البيت، هطلب عربية، هركب مواصلات، هتصرف يعني. _طيب أنا هحاول أرجع تاني. _أوكيه.
بعد مغادرة زين بنصف ساعة دخل إيهاب إلى دار الأيتام. كان دخوله هادئ لكن سرعان ما جذب انتباه الجميع. اقترب إلى الباب حيث تجمع الطلاب حوله يحيونه بفرح، وفي تلك اللحظة لمحت مريم بتواجده. وقفت تنظر إليه من بعيد وابتسمت ابتسامة خفيفة ونظر إيهاب إليها وبادلها الابتسامة. كانت مريم تشعر بالراحة لرؤية إيهاب ومشاركته معهم وسط الأجواء المليئة بالضحك والحيوية. بعد مرور ساعة من تواجد إيهاب جلس بالخارج في الحديقة واقتربت
إليه مريم وتحمل قهوة: _اتفضل القهوة. _تعبتك معايا. _لا أبدًا، إحنا اللي تعبناك معانا الأطفال واللعب معاهم مجهود. _بس إحساس حلو، حقيقي استمتعت. _أنا قولت إنك مش هتيجي لما جينا وملقناكش. _في ضيف جالي والكلام طول بينا، وأول ما نزل جيت وكنت قلقان تكونوا مشيتوا، بس اللي طمني إنك قولتي هتقعدوا اليوم كامل لبليل. _كويس إنك لحقتنا، وأهو ذكريات حلوة عملتها معانا ومع الأطفال.
_بصراحة ذكريات مش هتتمسح أبدًا. يمكن لأني حاسس بيهم، فمتأكد إن اللحظات دي هتفرق معاهم أوي. _هو حضرتك مامتك وبابا؟ ابتسم نصف ابتسامة: _متوفين. _أنا آسف، مكنتش أعرف. _لا ولا يهمك. أنا طفل اتربى في بيت جده اللي ربتني عمتي، وبعد كدا اتنقلت إسكندرية عند عمي. كنت بدرس وبشتغل لغاية ما خلصت الجامعة وسافرت الأول فرنسا وألمانيا واستقريت في إيطاليا. _دا إنت كنت رحال طول عمرك بقى.
_فعلًا. مفتقد الاستقرار زي ما بيقولوا. عشان كدا قررت أصنع استقراري بنفسي. _عن طريق لوحاتك. ابتسم: _صح. عن طريق لوحاتي. الرسم أداة تعبر عن الشعور والمشاعر. اللوحة البيضا مجال لفضفضة داخلية. فرغت كل حاجة جوايا عشان أقدر أكمل صح، والحمد لله ربنا وفقني في خطواتي ودرستلك في الكلية. _حقيقي أحسن الحاجات اللي حصلت السنادي لينا. _بس قوليلي هو إنتوا محددين أيام معينة إنكم تيجوا هنا؟
_لا خالص. مرة كل شهر ولو قدرنا قبل كدا بنعمل. _بجد فكرة جميلة. عارفة أنا غير متفق مع تحديد أيام بمسميات معينة. _تقصد عيد اليتيم يعني؟ _أيوه منهم عيد اليتيم. يعني إيه يوم يتيم؟ يوم بنفكر إنه يتيم وباقي السنة بنكبر دماغنا. لا، هو مسئول مننا طول السنة باللي نقدر عليه. مش شرط نجيب حاجات كتير ليهم، المهم إنهم يحسوا إنهم مش لوحدهم زي إنهاردة كدا. هو محتاج رفقة تحسسه إنه موجود. ابتسمت مريم وهو تستمع لإيهاب وقالت:
_ع كدا إنت ضد المناسبات؟ ضحك إيهاب: _بصراحة أيوه. يعني عيد الحب وعيد الأم وعيد الطفولة. مسميات فيها الألم أكتر من فرحة. _ليه بتقول كدا؟ بالعكس بيبقى مليان بهجة إن في اليوم دا سواء أم أو حبيبة أو طفل بيكون مميز اليوم دا.
_معنديش مشاكل إنه نحسس شخص معين بالتميز. لكن نحسسه بالتميز السنة كلها. طول الوقت مش يوم محدد. هو محتاج الاهتمام والحب طول الوقت لما يكون غير متوقع، لكن المناسبات المحددة زي عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الميلاد هي دي اللي ليها تاريخها ويومها بس. كدا أي مناسبات وأعياد تانية مبهمتش بيهم. ضحكت مريم ونظر إليها إيهاب متعجب: _أكيد بتقولي شخص غير طبيعي صح؟ _لا خالص. أصل أنا كمان بفكر كدا واللي حواليا بيستغربوا.
ابتسم إيهاب وقال: _التعبير عن الحب اتجاه شخص في حياتنا مهما كانت صفته ملوش لا تاريخ ولا توقيت محدد. يعني مثلًا شخص وحشك أقوله إنك وحشتني. بحبه أروح أقوله بحبك. نخلق إحنا المناسبة، مستناش المناسبة تيجي لعندنا. ابتسمت مريم: _صح. خرجت زميلتها واقترب إليهم: _يلا يا ميما. _يلا. وقف إيهاب: _هتمشوا دلوقتي؟ _أيوه الليل دخل. _هترجعوا إزاي؟ _عادي هنتصرف. عن إذنك. أوقفهم إيهاب:
_المكان فيه هدوء موحش أوي. ولغاية ما تطلعوا ع الشارع بعيد، وأنا كدا كدا ماشي أنا كمان. تسمحولي أوصلكم؟ أنا عربيتي برا. تبادلت مريم وزميلتها النظرات وأرادت مريم أن تعتذر، ولكن زميلتها قالت بحماس: _بجد؟ شكرًا لك أوي. أنا هدخل أقول للبنات يجهزوا. وقفت مريم وابتسمت واتجهت للداخل لإحضار حقيبتها. تحركا بسيارة إيهاب وبدأ إنزال كل فتاة عند منزلها وظلت مريم كانت الشخص الأخير. كانت تغادر مع زميلتها وقال إيهاب: _إنتي ساكنة هنا؟
_لا بس بيتي قريب يعني هتمشاها. _إزاي أسيبك تمشي لوحدك. هوصلك زي ما وصلتهم. أحرجت مريم وصعدت السيارة بجوار إيهاب. رغم توتر مريم، لكن الأجواء كانت هادئة ومريحة. كان إيهاب يغمره شعور غريب من الراحة والاطمئنان لوجود مريم معه. كانت ملامحه تحمل ابتسامة خفيفة، فأنجذب إلى شخصيتها المميزة التي أظهرت بساطة وحضورًا في الوقت نفسه. ساد الصمت للحظات وشغل إيهاب المسجل ليكسر الصمت المحيط وملأ الأجواء بأغاني فيروز. ابتسمت مريم وقالت:
_إنت بتسمع لفيروز. _أيوه. وإنتي؟ _في المرسم دايما بشغلها وأنا برسم، بتفصلني عن الواقع. _عندك مرسم؟ دا إنتي فنانة كبيرة وأنا معرفش. ضحكت مريم: _مش مرسم أوي. دي أوضة ع السطح عملتها مكان أرسم فيه براحتي ببهدلتي وألواني كدا يعني. _جميل جدًا. أنا أول ما بدأت أرسم مكنش ينفع في البيت، كنت بطلع السطح أنا كمان برسم. _في أوضة ع السطح. ضحك إيهاب: _لا السطح نفسه مكنش في أوض، بس كان واسع ومريح، فكنت بقعد فيه أغلب الوقت.
_بصراحة لولا زين وتشجيعه من البداية خالص مكنش هيبقى في مرسم ولا سطح. _واضح إن زين دوره كبير في خطوات كتير في حياتك. ابتسمت مريم وقالت: _زين معايا في كل خطوة. عارف زمان وإحنا أطفال رفض يروح المدرسة عشان أنا مكنتش بروح. وفعلاً قعد سنة والسنة اللي بعدها دخلنا سوا ومن وقتها إحنا مع بعض بندعم بعض ونساند بعض في قرارتنا واختياراتنا. _جميل تحسي إنك مش لوحدك وفيه شخص بيساندك.
_جدًا. زين وماما وبابا وزين ومامته وكريم عمه، كلهم كانوا بيساندوني. إنت كمان عندك ناس كانت بتساندك؟ _يعني. _إخواتك؟ _معنديش إخوات. والدي ووالدتي اتوفوا وأنا كان عمري سنتين. _بكرر أسفي. _لا ولا يهمك. _اللي كانوا بيساندوك أصحابك ولا حبيبتك؟ _حبيبتي مين؟ _في مرة أعلنت خطوبتك ع الفتاة اللي حبيتها في إيطاليا. _كانت خطوبة سريعة ومطولتش. _رغم إنكم كان باين إنكم بتحبوا بعض.
_إحنا كمان كنا فاكرين إننا بنحب بعض الحب اللي بين أي اتنين، لكن متفقناش كأحباب واتفقنا نستمر كأصدقاء. _هو سهل يحصل كدا بعد الأحباب تكونوا أصدقاء؟ _لو مكنش حب في الأول بيبقى الموضوع سهل، لكن لو في حب بيبقى صعب. وعمومًا بيرجع لشخص نفسه وقراره هو اللي بيختار حياته هتبقى إزاي باختياره. بس منكرش إن تجربتي دي وضحت لي حاجات مكانتش هعرفها وساعدتني أخرج مشاعر في لوحاتي وأصبحت مميزة.
اقتربت مريم من المنزل وطلبت إيهاب أن يوقف السيارة. _شكرًا ع التوصيلة. _يو ويلكم. صدعت برغي صح؟ _لا أبدًا، أنا اللي صدعتك بأسئلتي ورغي. _لا بالعكس. إحنا أصحاب فطبيعي نتكلم ونسمع بعض، صح؟ ابتسمت مريم: _صح. _شدي حيلك في الامتحانات والمسابقة. _أكيد. عن إذنك. غادرت السيارة وشكرت إيهاب وغادر المكان ودخلت مريم إلى المنزل.
في تلك الأثناء كان زين يقترب من المنزل ولمح مغادرتها السيارة ورأى إيهاب مختار. تبدلت ملامحه لغضب وسريعًا دخل البناية وتوجه إلى السطح وأرسل لها رسالة بأن تلحق به إلى السطح. وصلت مريم إلى السطح وكان زين ينتظرها ويحاول أن يتمالك غضبه. اقترب إليه: _مالك في حاجة ولا إيه؟ تحرك زين اتجاهها رغم محاولته أن يهدأ، لكن ملامح الغضب لم تختف تمامًا: _مين اللي نزلتِ من عربيته؟ تبدلت ملامح مريم وتوترت وحاولت أن تتمالك: _دا.. دا..
_إيهاب مختار.. صح؟ ممكن تقولي لي بيوصلك ليه إيهاب مختار؟ _مكنش بيوصلني لوحدي. وصلني أنا والبنات. هو أصر والبنات وافقت. وإن مشيت لوحدي هتفهم غلط وكنت هحرج بصراحة. قال بنبرة غضب: _تتفهمي غلط لو مشيتي. لكن كدا اللي هيشوفك نازلة من عربيته هيفهمك صح. لاحظت نبرته الغاضبة وطريقته اللاذعة: _إيه اللي بتقوله دا يا زين. ركز في كلامك. _إنتي ركزي في أفعالك. يقرب لك إيه إيهاب مختار عشان تركبي معاه عربية لوحدك. بانفعال:
_قولتلك مكنتش لوحدي. تاخد تسأل البنات. _أنا مش هسأل حد. أنا ليا اللي شوفته بعنيا من شوية. _زين. _مريم. آخر مرة أشوفك معاه في العربية لوحدك. صدقيني المرة الجاية هو والعربية هيبقوا حتة واحدة. قال كلماته بغضب وتركها مكانها وغادر.
نزل زين إلى منزله بخطوات سريعة غاضبة، دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بعصبية ثم ألقى هاتفه على السرير وجلس هو على طرف السرير، يمرر يده في شعره بعنف وملامحه مشدودة بالغضب والضيق. كان يحدق في الأرض بعينين مضطربتين كأن الكلمات ما زالت عالقة في ذهنه. تتكرر وتزيد اشتعاله الداخلي.
في المنزل المقابل كانت مريم جالسة أمام المرأة عيناها شاردة شعور الضيق والحزن يسيطر عليها عما حدث منذ قليل. حملت هاتفها وترددت قليلًا ثم بدأت تكتب رسالة بعد لحظات من التردد ضغطت على زر الإرسال. نظرت إلى الشاشة تنتظر الرد. وما زالت هناك تلك العلامة التي تدل أن الرسالة لم تفتح. ظلت تحدق في الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن تخفض الهاتف ببطء وتتنهد بينما شعور الثقل يتراكم في صدرها.
في الصباح استيقظت مريم وأول شيء تفعله مدت يدها مباشرة نحو الهاتف الموضوع بجانبها فتحته بسرعة. نظرت لحظات وتبدلت ملامح وجهها بخيبة أمل. ما زالت الرسالة كما هي لم تفتح. نهضت ببطء وبدأت تستعد للخروج تردي ملابسها بصمت وحركة بطيئة كأن شيئًا يثقل يومها من بدايته. خرجت من غرفتها بخطى هادئة. في اللحظة نفسها التي فتحت الباب فتح باب الشقة المقابلة وخرج زين وملامح وجهه صلبة. تلاقت عيونهما لثوانٍ ولكنه تحدث إليها بنبرة رسمية:
_صباح الخير. أجابته: _صباح الخير. _يلا ننزل. كانت طريقته رسمية وقصيرة خالية من الدفء والمزاح المعتاد: _يلا ننزل. سارًا معًا في طريقهما نحو الجامعة، لكن الصمت كان سيد الموقف لا كلمات ولا مزاح كالعادة. كان زين ينظر إلى هاتفه في صمت ومريم تنظر إلى النافذة. كانت العيون تتجنب اللقاء الوجوه تحمل شيئًا من البرود الغريب. وصلوا إلى الجامعة وقبل أن يتفرقا تحدثت مريم: _استناك نروح مع بعض. التفت إليها وقال:
_لا ارجعي إنتي لوحدك لأني عندي ميعاد بعد الكلية. _طيب أنا هكون في المرسم بالليل لو حابب تيجي تشوف اللوحة بتاعة المسابقة وصلت لإيه. _لو رجعت بدري هطلع. التفت وغادر زين دون كلمة وداع، فقط صمت ثقيل يرافق كل منهما.
منذ استلام ملك عملها في المطعم مع مرور الوقت بدأت تندمج أكثر، حفظت أماكن الأشياء ونقنت تفاصيل الطلبات وتتعامل مع الزبائن بلطف هادئ ميزها عن غيرها. كانت سريعة الملاحظة تتصرف دون أن تطلب منها الأمور، وكأن المكان أصبح مألوفًا لها.
رغم أن التوقيت باكرًا، ولكن منذ تواجد ملك أصبح المكان مزدحم صباحًا. كانت ملك تقف خلف طاولة التقديم في المطعم منشغلة بتنظيم الطلبات ومتابعة الزبائن بابتسامة خفيفة على وجهها. المكان يعج بالحركة وأصوات الضحك والأحاديث تتداخل مع رنين الأطباق. في لحظة هادئة دخل كريم من باب المطعم بخطى واثقة. لمح ملك من بعيد جالسة أمام اللابتوب واتجه نحوها مباشرة وعيناه مركزتان عليها وسط الزحام. _صباح الخير. التفتت ملك لمصدر الصوت:
_صباح الخير. _ممكن أقعد. _اتفضل طبعًا. جلس كريم وألقى بنظرة على المطعم: _ما شاء الله. المكان مليان ناس. من وقت ما جيتي والخير جيه معاكي. _شكرًا ع المجاملة. _لا مش كلامي لوحدي. كلامنا كلنا. كلنا ملاحظين الفرق اللي عملتيه لما جيتي، غيرتي أصناف الأكل وضفتي حاجات جديدة مشروبات وحلويات واهتميتي بوجبة الإفطار زي ما أنا شايف بقى المكان مشهور بأفضل وجبة فطار بسعر مناسب للجميع.
_كان مجرد اقتراح واتوافق عليه والحمد لله النتيجة كويسة. _الحمد لله. صمتت وعادت تنظر إلى اللابتوب. قال كريم: _تحبي أساعدك في حاجة؟ أنا عرفت إنك لوحدك وقولت أجاي أساعدك يعني. _لا شكرًا. زي ما أنت شايف الدنيا تمام. _تمام. تحبي أمشي؟ نظرت إليه: _اعمل اللي يريحك يا كريم. أنا لا هقولك امشي ولا هطلب منك تقعد. المكان مكانك، أنا بشتغل فيه يعني اللي أقدر أتحكم فيه هو شغلي وبس. تعجب كريم من ملامحها ونبرتها الحادة: _ممكن نتكلم؟
ممكن تسمعيني يا ملك؟ _في المكان لك تعليق ع حاجة اتفضل هسمعك أكيد. _لا عاوز أتكلم عني. عنا. _مفيش حاجة نتكلم فيها عنا يا كريم. إحنا جيران وبينا كل خير. _ملك إحنا كنا أكتر من جيران. رجعت بظهرها للخلف وأغلقت اللابتوب ونظرت إليه لثوانٍ: _كنا. كنا يا كريم. _أنا محتاج بس فرصة تسمعيني ممكن. رغم رفضها لاستماع إليه، ولكنها لاحظت محاولاته المستمرة فقالت: _اتفضل.
_أنا عاوز أقولك أنا آسف. آسف ع اللي عملته بجهلي زمان، أسف إني مكنتش قد وعدي وسيبتك، أسف إني خضت تجربة مكنش لازم أخوضها من الأساس. ملك، أنا كنت مندفع وحب التجربة لكل حاجة هو اللي حفزني أعمل حاجات كتير مكنش ينفع أعملها. أنا عارف إن كلها مبررات متستحقش، بس أنا مكنتش فاهم بجد مكنتش فاهم وحسيت بالخسارة الكبيرة لما خسرتك وقتها. ظلت ملك تستمع إليه في صمت واستكمل حديثه:
_أنا ندمان وبطلب بس فرصة فرصة تانية وأنا هعمل كل حاجة تعوضك ع كل لحظة اتوجعتي فيها بسببي. ظلت تنظر إليه لثوانٍ وجهها خالٍ من التوتر ونظراتها ساكنة، لا تأثر ولا غضب، فقط سكون يشبه النضج الذي يأتي بعد خيبة. كانت تتركه يتكلم دون مقاطعة بينما أصابعها تلامس حافة الكوب أمامها بهدوء وعيناها لا تبتعدان عن وجهه. كأنها شخص خارج القصة التي يرويها تتفرج عليها من الخارج دون أن تشعر بثقلها كما كانت تفعل سابقًا.
بعد لحظات من الصمت تنهدت ملك تنهيدة خفيفة وعيناها تحركتا للحظة بعيدًا ثم عادت تنظر إلى كريم بثبات. تغيرت ملامحها قليلًا، لم تكن حادة أو منكسرة، بل هادئة لم يشاهدها كريم من قبل. وقالت: _يعني إنت عاوزنا نرجع زي زمان؟ تحمس كريم وقال: _أيوه. فرصة واحدة وصدقيني هتشوفي كريم تاني. _اممم. موافقة لكن بشرط؟ _اللي هتطلبيه هيحصل مهما كان. حدقت به لثوانٍ وقالت: _رجعلي أمي. تقدر. صدم كريم من كلماتها واستكملت ملك:
_رجعلي سنين عمري اللي عدت اللي عشتها في وحدة والألم ووجع لوحدي. رجعلي قلبي اللي إنت اتعاملت معاه باستهتار وهو كان بيعتبرك كل حاجة في حياته. رجعلي ليالي اللي كنت بنام دموعي سابقة نومي وخليني أنام من غيرها. رجعلي ملك القديمة اللي الحياة مرحمتهاش ولا صعبت عليها لأنها لوحدها والشخص الوحيد بعد أبوها اللي اتأملت فيه ينقذها خذلها وراح يتجوز عشان كان عاوز ياخد الجنسية وفجأة بدون علم ولا خبر. هتقدر؟
صمت كريم من صدمة كلماتها. وكانت نبرة صوتها ثابتة، كانت الكلمات تخرج بهدوء كأنها تختار كل حرف بعناية. لا هدفها العتاب، ولكن لغلق صفحة قديمة. وبين كل جملة وأخرى كانت نظرتها تقول ما لم يقل وتعبر أكثر من أي كلام. بينما هي كانت تتحدث كان كريم يحدق فيها بذهول وكأن كلماته توقفت عند منتصف صدره لم يتوقع رد فعلها هكذا. أنهت ملك كلماتها بهدوء ثم وقفت بثبات مكانها. التقطت اللابتوب بخفة وقالت:
_أعتقد إنك مش هتقدر. فبالتالي رجوع زي زمان مش هيحصل. إنت كريم تاني وأنا ملك تانية غير كريم وملك بتوع زمان. ف الطلب والفرصة مش موجودين وكدا الموضوع اتقفل نهائي واتمنى ميتفتحش تاني لأن الرد هيكون نفسه، مش هيتغير. تحركت خطوتين وعادت إليه وقالت:
_آه. لو تفكر أو فكرة مرت ع بالك إن ظروفي الحالية أفضل ظروف أوافق نرجع وكدا لأني لوحدي هقولك إنت غلطان. الإنسان اللي عايش عمره كله لوحده مش هيفرق معاه دلواقتي لوحده ولا لا. عن إذنك عندي شغل والمكان مكانك طبعًا.
استدارت تغادر المكان بخطوات هادئة متجهة إلى داخل المكتب. لم تلتف خلفها وكأنها كانت تعرف تمامًا أن ما قيل كان كافيًا. ظل كريم جالسًا في مكانه للحظات يحدق في الكرسي الفارغ أمامه وعيناه تائهتان. بعد ثوانٍ تنهد بعمق ثم وقف مكانه نظر من حوله ثم اتجه نحو الباب وغادر المطعم بصمت يرافقه شعور ثقيل لا يغادر صدره.
قضت مريم يومها في الجامعة تتفقد هاتفها بين الحين والآخر تنظر إلى الرسالة نفسها مرارًا والقلق يتسلل في كل مرة ترى أنها لم تفتح بعد. كلما أضاءت الشاشة انعكست خيبة خفيفة على ملامح وجهها. عادت إلى البيت دخلت غرفتها ومبدلت ملابسها ثم صعدت إلى السطح ودخلت إلى المرسم جلست على مقعدها المعتاد وبدأت تنهي اللمسات الأخيرة للوحة المسابقة تحاول التركيز لكن عيناها كانت تتحرك باستمرار نحو الباب. كل صوت في السطح المجاور كل يشد انتباهها وكل لحظة هدوء كانت تمضيها في ترقب صامت دخول زين. نظراتها بين الفرشاة والباب. ولكن في النهاية لم يأتِ.
في الصباح اليوم التالي تفقدت الهاتف مرة أخرى والرسالة التي لم تفتح بعد. أرادت أن ترسل رسالة أخرى ولكنها ترددت. أغلقت الهاتف تجهزت وذهبت إلى الجامعة بمفردها. في نصف اليوم غادرت الجامعة وتوجهت إلى المطعم. وصلت إلى المطعم دخلته بهدوء تلمح ملك من بعيد تبتسم لها ابتسامة خافتة وتقترب منها جلسا معًا وبدأت مريم تروي ما حدث. كانت تتحدث بنبرة هادئة وملامحها تعبر عن ثقل بداخلها وكانت ملك تستمع باهتمام لتفاصيل الموقف وقالت:
_عنده حق على فكرة وإنتي الغلطانة. _أيوه ما أنا عارفة إن أنا غلطانة وبعتله رسالة وهو مفتحهاش واستنيته امبارح ومجاش وانهارده نزل راح الجامعة ولوحدي. _تصرفه طبيعي جدًا. إنتي غلطانة إنك ركبتي عربية مع حد غريب حتى لو بيدرسلك في الكلية. حدود علاقتكم داخل الكلية وبس برا هو غريب. _خلاص بقى يا ملك أنا جايه أحكيلك تساعديني تقطميني. صمتت لحظة: _عندي حل. _إيه؟
اتصلت ملك بزين وطلبت منه أن ياتي إلى المطعم. ذهب زين إلى المطعم وجلس برفقة ملك يتحدث معها وبعد وصوله بوقت قليل وضعت امامه طبق سندوتشات كبدة وسجق. تفاجأ للحظة ثم التقت جانبه ببطء. كانت مريم. سحبت الكرسي بجانبه وجلست تنظر إليه بنظرة حزينة دافئة وملامحها يكسوها زعل. لم تتكلم لكنها كانت تقول الكثير بنظراتها كأنها تقدم ما عجزت الكلمات عن حمله. ظل زين ينظر إليها في صمت. تحدثت ملك:
_صافي يا لبن بقى يا زيزو. بنتنا بتصالحك أهو ومش هتكرر غلطها تاني. تحدثت مريم: _غلطة ومش هتتكرر تاني خلاص، وعد وعد. بص هقضيها مشي. استمر زين في صمته وقالت مريم: _خلاص بقى يا رخم. نظر إلى السندوتشات للثوانٍ والتقط سندوتش: _وصل لي على كوباية شاي بنعناع لأني جعان. ابتسمت مريم ونظرت إلى ملك وغمزت لها وقالت: _أحلى كوبايتين شاي ليكم.
تحركت ملك من مكانها مغادرة ومدت مريم يدها وشاركت زين في الطعام. غادرًا سويًا إلى المنزل وسط مزحاتهم كما السابق. طلبت مريم من زين أن يلقي نظرة على لوحة المسابقة. بدلا ملابسهم وصعدا إلى السطح سويًا. صعدت مريم بفرح وسعادة فتحت باب السطح بخفة وجدت زين ينتظرها كما اعتاد وملامحه أكثر دفئًا. تبادلا النظرات والابتسامات الهادئة. _مواعيدك نظبط عليها الساعة. _طبعًا زيزو مواعيده مظبوطة. _طيب تعالي يلا شوف اللوحة.
دخلا إلى داخل المرسم وازالت الستار عن اللوحة وكانت رائعة نالت إعجاب زين، وهو ينظر إلى اللوحة لمح صورة إيهاب مختار وشعر بالانزعاج وخرج من المرسم ولحقت به مريم: _بجد عجبتك بجد. _يعني هكذب عليكي. _طيب إيه مش هنحتفل؟ _وهو أنا هستناكي بيتزا في الطريق. _أيوه كدا. ويلكم باك يا زيزو يا شق. _إياكي تعمليها تاني فاهمة. ضحكت: _لا خلاص مش هعمل كدا خلاص. وبعدين أنا اعتذرتلك وإنت مفتحتش الرسالة ليه ها؟ _عشان مسحتها. _نعم. مسحتها؟
_أيوه مسحتها. بعتالي تقوليلي هتروح بكرة الكلية إمتى؟ إيه الرسالة العبثية دي؟ هو إنتي مدرستيش أنا آسفة مش هعمل كدا تاني؟ _ما هو أنا كنت بجر كلام معاك يا رخم. تروح تمسحها؟ قال بصوت خافت: _ما هو لو فتحتها مكنتش هرد وكان هيضايقك أكتر فكدا أحسن. (رفع صوته وبنبرة حادة) لو عملتيها تاني هفتح الرسالة وهرد عليكي رد هيزعلك.
_لا خلاص خلاص. كدا كدا الامتحانات هتبدأ من بعد بكرة فمفيش مجال لأي طالعات خارجية. من البيت للكلية ومن الكلية للبيت. _أيوه كدا اتظبطي. _بس هقولك حاجة؟ _افتقدتك يا زيزو اليومين دول. إياك تطول الزعل كدا. _وإنتي كمان. مش عاوزاه يطول. يرجعلك هتتظبطي تمام. هتتعوجي أهو، العقاب جربتيه. _لا خلاص حرمت.
ضحك زين ع طريقتها الطفولية. وصل عامل التوصيل واستلم زين البيتزا ووضعها على الطاولة وكانت تتصاعد منها رائحة شهية تعبق المكان. كان زين يلوح بيده وهو يحكي شيئًا بطريقته المازحة المعتادة وملامحه مليئة بالحيوية بينما مريم كانت تضحك من قلبها تمسك بقطعة بيتزا في يد وتغطي فمها بالأخرى من شدة الضحك. ظلا يتحادثان ويضحكان للصباح كأن الزمن توقف ليمنحهما لحظة تعويض عن أيام الخصام الفائتة.
بدأت أيام الامتحانات كان زين ومريم منهمكان في المذاكرة. مريم تجلس تحيط بها أوراق الملاحظات والمراجعات والكتب المفتوحة واللابتوب أمامها عيونها متعبة من السهر لكن كان الحافز قوي وهو النجاح بتقدير امتياز يشعل عزيمتها. إلى جانبها زين يتصفح ملاحظاته بهدوء وتتنقل عيناه بين الكتب واللاب توب والهاتف بين الفترة والأخرى. كانا يطمئنا على بعض بعد كل امتحان ويدعمون بعض بكلمات تشجيعية للمادة القادمة.
في الكلية إيهاب كان يحرص على المرور على القاعات بين الحين والآخر يتوقف ليطمئن على مريم وزملائها ويشجعهم ويدعمهم بتوزيع كلمات تشجيع وإيجابية. تجمعوا حول إيهاب مختار آخر يوم الامتحان: _شدوا حيلكم يلا واجهزوا للمسابقة ولتحفيز أكتر أنا مجهز لكم مفاجأة كبيرة. _إيه يا ترى؟
_مكنتش عاوز أقول دلوقتي لكن هقولكم عشان تتحفزوا. الجائزة هتكون لوحة من لوحاتي ولوحة الفائزين الـ 3 هتتعرض في معرضي القادم في نابولي مع لوحاتي بجانب دعوة عشاء في أفخم مطعم في الإسكندرية احتفالًا بالفوز. تحمس الجميع وبالفعل زادوا حماس حينما علموا بالجوائز.
انتهت الامتحانات وقلبهما ملئ بالتفاؤل والتعب بعد أيام طويلة من المذاكرة المتواصلة. تحدد موعد تسليم لوحة المسابقة وكانت مريم انتهت منها بالفعل. حينما استلمت رسالة نصية ع موعد تسليم اللوحات صعدت إلى السطح برفقة زين لينقلا اللوحة سويًا إلى الكلية وفي اليوم التالي ستعلن اسم الفائز. دخلت مريم بحماس إلى المرسم وحين فتحت الباب تفاجأت بوجود اللوحة على الأرض مبللة بالشاي وكوب الشاي بجانبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!