الفصل 14 | من 25 فصل

رواية توأم روح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم يارا سمير

المشاهدات
18
كلمة
8,395
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

مرت عشرة أيام على وفاة والدة ملك. مرت كأنها شهور. كانت مريم بجوار ملك يوميًا لا تتركها. طلبت ملك من مريم أن تعود إلى دراستها. اعترضت مريم، لكن أصرت ملك على أن تعود لحياتها الطبيعية. لم تكن العودة سهلة، لكن مريم لبت رغبة ملك وعادت إلى الجامعة.

ذهبت مريم إلى الجامعة بعد انقطاع دام عشرة أيام. توجهت إلى مكتب إيهاب مختار قبل بداية السيكشن. طرقت الباب بخفة، وعندما فتح تفاجأ بوجودها. ابتسم بلطف وطلب منها الجلوس. وبعد لحظات من الترحيب الهادئ، قالت مريم: "أنا بعتذر عن غيابي الفترة اللي فاتت. حالة الوفاة كانت لشخص غالي عندي." "الله يرحمها. المهم إنك رجعتي تاني، وأي حاجة محتاجاها أنا موجود." "شكرًا يا دكتور." "إيه دكتور دي؟ "شكرًا يا إيهاب. عن إذنك، هروح السيكشن."

"زمايلك قالوا لي هيقولوا لك اللي فاتك. لو في حاجة واقفة قدامك كلميني، متتردديش." "حاضر. عن إذنك."

غادرت مريم المكتب. وبعد دقائق، غادر إيهاب واتجه إلى مكان السيكشن. الطلاب في أماكنهم المعتادة، ومريم كانت تجلس في هدوء وشرود. لا تشارك ولا تبتسم، فقط تنظر إلى الأمام بعينين تحملان أثقالاً من الأيام الماضية. كان إيهاب يتابع شرحه وعيناه تعودان إلى مريم بين جملة وأخرى. لاحظ صمتها وشرودها وغياب بريقها المعتاد. كان وجهها هادئًا. انتهى السيكشن وتفرق الطلاب. طلب من مريم أن يتحدث معها قليلًا:

"إنتي مكنتيش معانا في السيكشن يا مريم؟ "أنا... حاسة إني مكنش لازم أجي." "ليه؟ "ملك محتاجاني أكتر الفترة دي." "لكن إنتي معاها مش سيباها. مش معنى نزولك جامعتك ومتابعة دراستك إنك اتخليتي عنها. إنتي لما هترجعي هتعدي عليها وتقعدي معاها. وعاوز أقول لك معلومة، قعادك معاها طول الوقت بنسبة كبيرة غير مفيد ليها. سيبي لها مساحة تقدر تفكر وتقرر خطواتها الجاية بدون ضغط." "أنا مبضغطش عليها."

"أنا مقولتش إنك بتضغطي. مريم، الإنسان وقت فراق غالي عليه، أيوه بيحتاج اللي بيحبهم معاه، لكن في نفس الوقت محتاج مساحة لوحده يفكر ويستوعب الموقف ويشوف هيتعامل إزاي مع اللي جاي. هو بقى لوحده وفي فراغ كبير عايش فيه هو...

هو وبس. عشان كده بقول لك يفضل شوية معاها وشوية لوحدها. كده هتبقى أحسن وأسرع، وده أنا بقوله عن تجربة. فراق الموت بيخل توازن الإنسان. ممكن وجود حد معاه والمجهود المبذول منه يبقى مش شايفه ولا سامعه ولا حاسه. فالأفضل نكون موجودين، لكن في نفس الوقت عاملين مساحة له لأنه محتاج يستوعب عشان يتأقلم على الوضع الجديد." صمتت مريم. واستكمل إيهاب حديثه وقال بنبرة هادئة:

"اللي إنتي عملتيه ليها ولولدتها حاجة كبيرة يا مريم، وأنا متأكد إن والدتها كانت سعيدة لأن أمنيتها اتحققت وإنتي ساعدتيها تتحقق. فإنتي عملتي كتير وبتعملي وهتعملي. زي ما بتفكري إزاي تساندي غيري، فكري هو محتاج إيه، لأن احتياج شخص للثاني مختلف، لأن الحزن ودرجاته وتقبل الفراق مختلف. لازم نفكر في الشخص ده وندور على راحته، وفي نفس الوقت إحنا مش هنسيبه. إحنا معاه." صمت لحظة وقال: "تمام." تحدث إيهاب بنبرة هادئة:

"هتبقى كويسة لأنك معاها يا مريم. هتساعديها تكون أحسن، أنا متأكد." "شكرًا لاهتمام حضرتك جدًا." "إحنا أصدقاء وده حقك عليا، وأي حاجة محتاجاها عرفيني، أنا موجود." "شكرًا بجد على كلامك وعلى وقتك." "أهلاً بيكي في أي وقت. وعلى فكرة الجروب كان كئيب من غيرك. إنتي روح الجروب يا مريم. لما جيتي البهجة رجعت المكان." ابتسمت نصف ابتسامة. واستكمل حديثه:

"هستناكي السيكشن اللي جاي بروح مريم اللي متعودين عليها، اللي كلها طاقة إيجابية وحياة وروح." "حاضر. عن إذنك." غادرت مريم. وظل إيهاب ينظر عليها وهي تغادر حتى اختفت. وهو غادر أيضًا. في يوم، مريم عائدة إلى المنزل ومرت على منزل ملك. جلست معها قليلًا. ثم رن جرس الباب وفتحت مريم الباب. وكان أشرف شقيق ملك: "إزيك يا أشرف." "أهلاً يا مريم. عاملة إيه؟ "الحمد لله." "ملك جوه صح؟ "أيوه. اتفضل اتفضل." كانت ملك جالسة. وحين رأته،

تبدلت ملامحها: "إزيك يا ملك." "الحمد لله." شعرت مريم بضرورة انصرافها: "طيب أنا همشي وشوية وهنزلك تاني." اعترضتها ملك واستوقفتها: "رايحة فين؟ لا خليكي. إنتي مش غريبة." "طيب أنا هدخل المطبخ أعمل لكم حاجة تشربوها." دخلت مريم المطبخ. وجلست ملك مع شقيقها. ظلت ملك تنظر إليه في صمت. وتحدث: "أنا جيت أشوفك عاملة إيه وأخبارك؟ "الحمد لله بخير." "كنت عاوز أعرف كمان فكرتي هتعملي إيه؟ نظرت إليه بتعجب: "أعمل إيه في إيه؟

"في الوضع الجديد. والشقة دي هنعمل فيها إيه؟ "لحظة. مش فاهمة. هو إحنا المفروض نعمل إيه في الشقة اللي عايشة فيها؟ "ملك بهدوء كده. إنتي كنتي عايشة مع ماما. دلوقتي لوحدك، فمش هينفع. شوفي عاوزة تيجي معايا ولا تروحي لخالتك ولا عمك و... قاطعت حديثه بنبرة حادة: "أنا مش هتحرك من بيتي يا أشرف." "أنا عارف إنك متعلقة بالبيت. بس هتقعدي لوحدك في كل ده. خلاص. عندي اقتراح تاني نبيعها وأشوف لك شقة جنبي." نظرت إليه بتعجب:

"ده أنت ما اقترحتش الاقتراح ده وماما عايشة. ده إحنا كنا جنبك يعتبر. إيه اللي حصل ولا حاجة؟ كنت بتيجي مرتين في الشهر. ولما جينا إسكندرية بقت مرة. عاوزني أكون جنبك ليه؟ أجابها بانفعال: "عشان الناس هتاكل وشي إني سيبك لوحدك يا ملك. إزاي؟ "زي ما إنت دايماً سايبنا يا أشرف. اللي حصل إن الحمل خف عليك وبس."

"يابنتي بقولك الناس هتتكلم. إنتي إزاي قاعدة لوحدك. افهمي بقى. اللي وقفوا معاكي مهما حصل دول أغراب، مش هيكونوا معاكي دايماً." سمعت مريم كلماته عن قرب وشعرت بغضب. وتحدثت ملك:

"أهو الأغراب دول أقرب لي منّك يا أشرف. الأغراب دول من وقت ما جينا هنا ومسبوناش لوحدنا، دايماً معانا. الأغراب دول من بعد اللي حصل يومياً مش سايبني ومعايا، مش إنت يا أخويا اللي بس قعدت يوم واحد وسافرت. قال إيه عشان تاخد العزا في القاهرة. رغم اللي اتوفت هنا في إسكندرية وأختك هنا. سبت أختك في أكتر لحظة محتاجاك. محتاجة تحس إنك موجود. وسيبتها زي ما إنت دايماً سايبنا. أشرف، خلاصة الكلام، أنا مش همشي من بيتي."

تحدث أشرف بانفعال: "بس ده مش بيتك لوحدك يا ملك. أنا ليا فيه أكتر منك. عاوزاه؟ أشتريه مني بنصيبك." "نعم؟ "زي ما سمعتي كده. وده آخر كلام عندي. شوفي عاوزة إيه تاخديه ولا آخده أنا وفلوسي حاضرة. كده كده هنعمل إجراءات إعلان الوراثة. شوفي عاوزة إيه وبلغيني." تركها وغادر وهي في حالة صدمة من أفعاله. خرجت مريم من المطبخ وجلست بجانبها وقالت: "متخافيش يا ملك. محدش هيقدر يخرجك من هنا مهما كان مين." "مش فاهمة؟

"إنتي اتكلمتي صح لما قولتي محدش هيخرجك من بيتك، لأنه ده بيتك فعلًا وبأوراق رسمية." "إنتي بتقولي إيه؟ "بقول لك اللي حصل. كان باين إن طنط عارفة ده هيحصل. فبعت الشقة ليكي." صدمت ملك وحاولت أن تستوعب كلمات مريم: "إنتي بتقولي إيه؟ مش فاهمة؟ "بصي، الحوار كله مش معايا. اللي يقدر يفهمك ويعرفك كل حاجة... كريم." صدمت أكثر من قبل: "كريم؟ "أيوه. هو جاي بكرة. هعرفه اللي حصل ويقعد يفهمك، ماشي." ذهبت مريم إلى

السطح وتفاجأ زين بوجودها: "مريم. في حاجة ولا إيه؟ "هو ممنوع أطلع ولا إيه؟ إنت بقيت تجيب بنات هنا من ورايا." ابتسم زين: "هو أنا مجنون أعمل كده عشان ترميهم وترميني من هنا. لكن إنتي قلتي لي هنام." "حاولت أنام معرفتش. قولت أطلع أشم هوا شوية." "ليه يا فنانتنا؟ إيه قلق نومك؟ أو أوعي تكوني بتحبي من ورايا. أو أوعي." "هو الحب بيعمل كده؟ أنا مجربتش ومعرفش؟ "بيقولوا بيطير النوم." "يا واد يا خبرة." "كان معاكي زيزو الحريف."

ابتسمت: "مالك بجد؟ "ملك صعبانة عليا أوي. أخوها صعب أوي يا زين. تخيل مش هامه أي حاجة إلا الشقة. عاوزها. لا فكر في أخته ولا حالتها ولا نفسيتها ولا احتياجها ولا وحدتها. خاف من كلام الناس وبس." "على ما أذكر إنه أشرف طول عمره أناني. يعني ده نتيجة طبيعية لشخص كبر بيحب نفسه وبس." "بس دي أخته؟ "الشخص الأناني ما بيفكرش في أي حد غير نفسه وبس." "بجد صعبانة عليا ملك. مش عارفة أعملها إيه أكتر من اللي بعمله." قال زين مازحًا:

"تنقلي هدومك وكتبك وحالك ومحتالك لعندها تحت." "يا عسل." "قولي لنفسك. إنتي يومياً معاها. يعني الوضع الأول كان المسابقة والجامعة. دلوقتي بقى المسابقة والجامعة وملك. زين فين؟ في الباي باي لما تفتكري." "يعني إنت شايف بنفسك الوقت ضيق خالص إزاي. استنى عليا أخلص كل الحاجات دي وأفضى لك." "لما أشوف." "بس تصدق وحشني المكان. هو إنت مكنتش بتطلع ولا إيه؟ الزرع مات؟

"كنت بطلع. بعدين بحس بخنقة لأنك مش موجودة. فبقيت أكسل أطلع بدل ما أتخنق أكتر." غمزت له: "عشان تعرف قيمتي." "ليه الملكة فوزية قاعدة جنبي؟ "إنت عيل رخيم وأنا غلطانة إني طلعت. أنا هنزل أنام." أمسكها من يدها وأجلسها بجانبه: "ده إنت بقى خلقك ضيق أوي. في إيه يا شقي؟ بهزر بهزر معاك." "هزارك رخيم." "أكيد رخيم. مش أنا رخيم." ضحكت مريم: "الاعتراف بالحق فضيلة." "فضيلة وبناتها."

ضحكت مريم. واستغل زين الموقف لاستمرار مريم في ضحكها وحكى شيئًا كوميديًا حدث له بخفة ظله المعتادة، جعلت مريم تنفجر في الضحك. تميل برأسها للخلف ويديها على وجهها. وهو كان يتابع ضحكها وكأن ضحكتها كانت إنجازًا شخصيًا له. لقد تحول الجو العام من حزن إلى ضحكات متتالية دون فاصل. في خضم هذه اللحظة، رن هاتفه. نظر زين إلى اسم المتصل. كانت إحدى الفتيات التي يعرفهم. نظر إلى مريم وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها. لم يتردد. أغلق المكالمة فورًا، ثم أغلق الهاتف ووضعه جانبًا. واستكمل حديثه وقال موقفًا آخر ضحكت مريم عليه، وكأن شيئًا لم يقطع اللحظة بينهم. فكانت تلك اللحظة التي تجمعهما لا تقدر بثمن له.

عاد كريم من السفر يحمل في قلبه ثقل الأخبار التي نقلتها له مريم عبر الهاتف. أول شيء فعله منذ وصوله، جمع كرم ومحمود وسوسن وسناء. وذهبوا جميعًا إلى منزل ملك. حيث كانت تنتظرهم في صمت. جلس الجميع في الصالة والوجوه تحمل مزيجًا من الحزن والتعاطف. جلس كريم أمام ملك. وضع أمامها عقد بيع الشقة. تابعت ملك حركته بعينيها، تحاول أن تهيئ نفسها لما هو قادم. بدأ كريم يشرح ويوضح، يقلب الصفحات أمامها بهدوء. وكانت عيناه مليئة بجدية:

"ليه مقلتليش؟ ليه معرفتنيش؟ أجاب كريم: "عشان كانت عارفة إنك هترفض إنها تعمل كده. خافت تهاودك وتضيع حقك."

مع مرور اللحظات، بدأت ملامح ملك تتغير. سكونها ينكسر ببطء. وعيناها تمتلئان بدموع ثقيلة. مدت يدها ببطء نحو الأوراق. التقطتها ثم نظرت إلى التوقيع في أسفلها. توقيع تعرفه جيدًا. توقيع والدتها. لم تتكلم. فقط ظلت تمسك الورقة تقرأها بعينين دامعتين وصدرها تشعر بثقل اللحظة. حولها جلس الجميع في صمت، يحترمون حزنها ويشاركونها الوداع الخفي الأخير الذي حملته تلك العقود بين سطورها. كانت ملك نظراتها ثابتة على التوقيع، لكن ذهنها كان

بعيدًا تمامًا، يتجول بين ذكريات قديمة وضحكات ولمسات ووصايا لم تُقال بصوت، بل عاشتها في أفعال الآن. كرم وضع يده على كتف كريم في صمت، دعم واضح على مساعدته لوالدة ملك. محمود وسناء وسوسن تبادلوا نظرات فيها الكثير من التعاطف. أغمضت ملك عينيها للحظات ومسحت دموعها بكفها. ثم وضعت الأوراق على الطاولة.

وبدأ عليها بعض الهدوء: "شكرًا يا كريم. شكرًا إنك حققت لها حاجة كانت عاوزاها." (نظرت إلى محمود وكرم وسناء وسوسن وقالت) "شكرًا لكم على وجودكم ومساندتكم لينا طول الوقت وهي موجودة وحتى بعد ما مشيت." تحدث محمود: "إيه اللي بتقوليه ده يا ملك؟ إحنا عيلتك وإنتي منا زي مريم بالظبط." تحدث كرم: "زي ما محمود قال. إنتي بنتنا يا ملك ويهمّنا إنك تكوني مرتاحة." تحدثت سوسن:

"البيت ده بتاعك. لكن إنتي ليكي بيتين تانيين فوق. وقت ما تحبي تدخلي زوقي الباب وادخلي." أكدت سناء على كلمات سوسن وقالت: "إحنا معاكي يا ملك ومش هنسيبك." "بجد مش عارفة أقول إيه. إحنا اتحرمت من إحساس العيلة، لكن حسيته بوجودكم." تحدث كريم: "إنتي مش لوحدك. كلنا موجودين ومعاكي يا ملك." تحدث محمود: "أي حاجة محتاجاها متتردديش." قال كريم:

"واشرف هيوصله نسخة من العقود دي. أنا بس محتاجك تعملي توكيل لمحامي صاحبي. هو اللي هيتصدر في أي حاجة مع أشرف. إنتي مش لازم تواجهيه." "حاضر. إن شاء الله." تحدثت سوسن: "كنت عاوزة أقترح عليكي اقتراح يا ملك. لكن مترفضيش." نظرت إليها ملك. واستكملت سوسن: "بدل قعدتك طول اليوم هنا لوحدك. ومريم مشغولة لأن خلاص فاضل أقل من شهر على امتحاناتها هي وزين. أنا وسناء بنروح نقعد في المطعم. تعالي اقعدي معانا نغير جو. إيه رأيك؟ قالت سناء:

"جربي ولو مرتحتيش براحتك. بس أنا متأكدة هتحبيها. وخصوصًا لما زين ومريم ياخدوا الإجازة بيقلبوا المكان." "حاضر. هشوف." ظلت سوسن وسناء إضافة إلى مريم بالضغط لإقناع ملك للذهاب برفقتهم للمطعم حتى تغادر المنزل ولا تبقى بمفردها. كانت تتهرب دائماً بتقديم أعذار باستمرار، ولكنها رضخت لإصرارهم. ذهبت إلى المطعم مع سوسن وسناء. تحدثت سوسن: "بصي يا ملوكة. المطعم مطعمك. المكان اللي تحبي تقعدي فيه. شدي كرسي واقعدي ومحدش هيزعجك."

تحدثت سناء: "المهم تكوني مرتاحة."

تركا ملك وتوجهت إلى طاولة تطل على البحر مباشرة. في زاوية هادئة من المطعم. الهواء يحمل نسمات خفيفة تعبق برائحة الملح. والصوت الرتيب للأمواج يملأ الفراغ من حولها. رغم جمال المكان وكوب العصير أمامها، لم تكن ملك حاضرة تمامًا. كانت نظراتها ممتدة نحو الأفق، تتأمل البحر بعينين ساكنتين تحملان ظلال شرود ثقيل. جلست في صمت. يحيطها عالم داخلي لا يشاركه أحد. رغم وجود سوسن وسناء، ولكنهم فضلا أن يتركا لها مساحتها.

لم تكن زياراتها للمطعم متكررة بشكل يومي. في إحدى تلك اللحظات الساكنة، اقترب إليها كريم: "ملك." انتبهت على الصوت والتفتت وقال لها: "ممكن أقعد؟ "اتفضل." جلس كريم وقال: "أحمد صاحبي المحامي راح لأشرف وشاف العقود وكل حاجة تمام. رصيد البنك بس اللي هيتقسم بينكم، لأن مفيش حاجة تاني باسم والدتك." "تمام. شكرًا يا كريم تعبتك معايا." "متقوليش كده. إحنا اتكلمنا وقلنا إننا عيلة، ولا إيه؟ "ممكن تعرفي أتعاب المحامي إيه؟ "أتعاب إيه؟

ده صاحبي فمفيش بينا كده." بنبرة إصرار: "بعد إذنك يا كريم. هو صاحبك إنت، لكن بالنسبة لي محامي عمل لي خدمة ليها مقابل. ممكن تعرفني أتعابه." تفاجأ كريم من نبرتها الحادة وقال: "أوكيه. نخلص موضوع البنك ويقول لنا على أتعابه كاملة." "تمام." تحركت من مكانها. وقال كريم: "رايحة فين؟ "هرجع البيت. أنا هنا من بدري وحاسة إني عاوزة أنام." "تحبي أوصلك أنا؟ كده كده راجع البيت."

"مش هينفع للأسف. مش هينفع توصلني ونمشي في الشارع مع بعض وفي العمارة يشوفونا داخلين مع بعض. وضعي ميسمحش ومش هسمح لحد يقول كلمة عليا. وبعدين أنا بعرف أرجع البيت لوحدي. غير إني عاوزة أكون لوحدي. عن إذنك." تركته مغادرة للخارج. وظل ينظر إليها بتعجب.

في الجامعة، كانت مريم مع مجموعتها في إحدى الورش في الكلية. كان جزء من الواجب مطلوب منهم رسم لوحة. تجمعوا في مكان وبدأوا يرسمون كل شخص على حدة. لمحت مريم إحدى صديقاتها وضع إحدى رسومات إيهاب مختار أمامه وينقلها بدون تغيير في تفاصيل بسيطة. اقتربت إليه وقالت: "إيه ده يا أحمد؟ كوبي باست؟ ليه؟ "لا يا ميما. في تغيير. بصي كويس." "إنت مغير حاجات عشان اللي يشوفها ميقولش دي رسمة إيهاب مختار." "فوتي يا ميما بقى. أهو كله رسم."

"إنك تنقل رسمة حد تاني ده بعيد كل البعد عن الإبداع والابتكار والخيال. إنت فين في رسمتك؟ إنت بتنقل شخصية وروح شخص تاني في رسمتك إنت. ليه تنقل رسمة حد تاني؟ "ده مش أي حد. ده إيهاب مختار." تحدثت بحدة: "يعني إيه إيهاب مختار؟ مين أصلًا إيهاب مختار؟ تفاجأ أصدقاؤها: "إيهاب مختار اللي إنتي من أكبر معجبينه ودوشتينا به 4 سنين."

"آه. منكرش إني من معجبين فن إيهاب مختار. وده لأني معرفش إيهاب مختار شخصياً غير من لوحاته. ثانيًا، أنا بحترم فنه ورسوماته وهو شخصيًا جدًا. لكن ده مش سبب يخليني أكون كوبي باست منه." تفاجأ أصدقاؤها: "بتتكلمي بجد؟ مش حلمك تكوني إيهاب مختار؟ إنتي واعية لكلامك؟ "وأكون إيهاب مختار ليه؟

لما أقدر أكون نفسي. ليه أقلد إيهاب مختار أو غيره وأنا بإيديا أكون نفسي بعيد عن التكرار والكوبي باست اللي بيموت روح الفن. إحنا مختلفين في الشكل ومختلفين في الهبة والقدرات. إحنا مختلفين واختلافنا هو اللي بيميزنا." صمت أصدقاؤها. واستكملت حديثها:

"إنت مميز في حاجة أنا مش مميزة فيها. كل واحد فينا مميز في حاجة مختلفة. إحنا نقلد إيهاب مختار في طريقه. حلمه. شخص حلم وسعى واجتهد في طريقه وحياته. صنع حاجة تميزه عن غيره. ده اللي نفكر فيه. لكن فنه وطريقته لا. ده مجهوده هو وبس. التقليد مبيعيش. نهايته مؤكدة. لكن النسخة الواحدة بتعيش وتستمر لمدة طويلة. وده اللي لازم نشتغل عليه. نكتشف النسخة الواحدة من كل واحد فينا. فهمتوا." قال أحد زملائها:

"وزي ما قال مكي. متحاولش تكون حد تاني غير نفسك." ابتسمت مريم: "بالظبط كده." اندَمَج الجميع في غناء الأغنية وتحول المكان لغناء جماعي مليء بالحماس والتشجيع. انتهى الغناء. وقالت مريم: "كده الرسالة وصلت. يلا نخلص. عندها سيكشن دكتور إيهاب مختار بعد نص ساعة. يلا."

في تلك اللحظة، كان إيهاب يمر بالصدفة من الممر القريب. ولمح تواجد مريم وزملائها. وقف من بعيد يشاهدهم. لفت انتباهه حوار مريم. بدأت كلماتها تُسمع بوضوح حينما كانت تتحدث عنه. للحظات، انعقد حاجباه. بدأ له أن مريم كانت تنتقده أو تقلل من شأنه. قبل أن يتسرع في الحكم، قرر أن يصغي لنهاية الحوار الدائر بينهم. واصل الاستماع ولاحظ كيف تحولت نبرة حديثها شيئًا فشيئًا. وكيف أن كلماتها رغم جرأتها كانت منصفة وعميقة. تحدثت عن احترامها

لطريقته وشخصيته المهنية وفنه وأسلوبه. هدأ وجه إيهاب تدريجيًا واختفت ملامح الصدمة وحل مكانها ابتسامة خفيفة صادقة. أدار رأسه قليلًا وهو ينظر إلى مريم من بعيد بعينين مليئتين بالإعجاب. ثم أكمل طريقه بصمت ويحمل في داخله تقديرًا خاصًا لشخصيتها التي تفوق سنها نضجًا وثقة.

كان من التقاليد السنوية في الجامعة عند مريم إقامة معرض خيري في نهاية العام. تعرض فيه لوحات فنية بأسعار متوسطة. يخصص ريعها كتبرع باسم طلاب كلية فنون جميلة. كانت مريم وأصدقاؤها متحمسين للمعرض. وبدأوا التحضير له منذ فترة. كان المطلوب منهم تجهيز 7 لوحات. لكن بسبب ضيق الوقت والظروف الصعبة التي مرت بها مريم مؤخرًا، تم تجهيز 4 لوحات فقط. تحدثت مريم بملامح ضيق:

"المعرض بعد بكرة ولازم نسلم اللوحات بكرة كاملة عشان تتحط في مكانها." صمت أصدقاؤها. ونظرت إلى شخص منهم بغضب وقالت له: "أنا آسف بجد يا ميما. بس حوارات حصلت عندي في البيت وكنت فاكر إني تواصلت مع دكاترة يشاركوا معانا. بعت لاثنين بس والباقي نسيت. آسف بجد." "وجود أعمال لدكاترة هيساعد إن اللوحات تتباع أسرع وأغلى. كده معانا لوحتين بس من دكتورين و2 مننا إحنا كطلاب." تحدثت إحدى صديقاتها: "طيب ما نطلب من إيهاب مختار يساعدنا."

نظر الجميع إليها: "أيوه نطلب منه مساعدة لينا. وده عمل خير يعني مش مساعدة شخصية. واعتقد إنه هيرحب." اتفق الجميع وتحمس للفكرة. وقال أحدهم: "يلا يا ميما روحي قوليله." تفاجأت مريم: "أنا؟ "أيوه." "ليه مش حد فيكم؟

"لأسباب كتير. أولاً إنتي الليدر فهتتكلمي نيابة عننا. ثانيًا بقى هتقنعيه. إنتي طريقتك مقنعة. ثالثًا والأهم مفيش حل تاني. وعاوز أقول لك وجوده معانا في المعرض يعتبر تميمة حظ. لوحاتنا لو هتتباع بسعر صغير، فلوحاته لو حطينا عليها أي سعر هتتاخد. وده مكسب لينا وخير للمكان اللي هيروح المبلغ له."

كانت كلمات صديقتها إقناعًا لها وتحمست. ذهبت مريم برفقة زميلها للتحدث مع إيهاب وطلب مساعدته. رغم شعور مريم بالقلق والتوتر، بدت ملامحها واثقة. خبطت على باب مكتبه ودخلوا المكتب. واستقبلهم إيهاب بترحاب وابتسامته المعتادة. تحدثت مريم بثقة واضحة، خبأت ترددها خلف صوت ثابت: "إحنا كل سنة بنعمل معرض خيري باسم كلية فنون جميلة. والفلوس اللي بتطلع بنتبرع بها باسم الكلية. كنت حابة أسألك لو حابب تنضم معانا، يعني."

تفاجأ إيهاب بالفكرة. لكنه رحب بها بحماس: "موافق جدًا. المطلوب إيه؟ "لوحتين من لوحاتك نعرضهم من اللوحات اللي معانا. وأنا واثقة إنهم هيتابعوا بسرعة." "موافق جدًا. محتاجينهم إمتى؟ تحدث زميل مريم: "بكرة الصبح إذا أمكن." "تمام. ممكن نختار مع بعض اللوحات اللي إنتوا شايفينها مناسبة. أنا. لكن مش دلوقتي لأن عندي سيكشن. ممكن بعده. اتفقنا." ابتسمت مريم: "اتفقنا."

كانت مريم تنتظر زميلها ليذهبا معًا إلى إيهاب لاختيار اللوحات. لكن فجأة، أرسل لها رسالة نصية يعتذر لحدوث ظرف طارئ استدعى ذهابها. بعد انتهاء السيكشن، خرج إيهاب من المحاضرة ليجد مريم واقفة بمفردها تنتظره. نظرت إليه وابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي اعتادها منها. فبادلها بنظرة قصيرة وابتسامة واقترب إليها: "أنا بعتذر لو كنتي منتظرة كتير." "لا لا أبدًا. أنا لسه جايه." "أومال فين مصطفى؟

"حصل ظرف ومشي. فـ أنا هختار. ولكن طبعًا إنت معايا والأساس." ابتسم إيهاب: "طيب أنا حاسس بصداع. ممكن نروح نجيب قهوة ونقعد في أي مكان ونختار الصور كلها على الموبايل. لأن طبعًا مش هينفع أقول لك تعالي البيت تشوفيها." ضحكت مريم: "مش لدرجة البيت. الموبايل هيقوم بالواجب وأكتر. يلا." "يلا."

في تلك اللحظة وهما ذاهبان اتجاه الكافتيريا، رن هاتف مريم بإشعار من زين يخبرها أنه ينتظرها بالخارج. وأخبرته أن ينتظر نصف ساعة. ذهبا وطلب قهوة له وعصير لمريم وجلسا. وفتح هاتفه وبدأت مريم تقلب في الصور وتتناقش مع إيهاب عن اللوحات وأيهم أفضل ومناسب للمعرض. تأخر الوقت وزين مازال ينتظر مريم بالخارج. ينظر في ساعته وباب الخروج بين الحين والآخر. قرر أن يدخل إلى الجامعة بحثًا عنها. صادف إحدى زميلاتها فسألها عنها:

"مشيت اتجاه الكافتيريا مع إيهاب مختار." "لوحدهم؟ "أيوه." اتجه نحو المكان بخطى ثابتة تتسارع كلما اقترب وعيناه تفتشان بين الوجوه. وحين اقترب، وقعت عيناه على مريم جالسة بجانب إيهاب تمسك بهاتفه وتضحك، وإيهاب يبادلها الضحك بنفس الروح الخفيفة.

المشهد كان بسيطًا ظاهريًا. لكن لدى زين أثار غصة مفاجئة وشعر بالضيق في صدره. فشد على أسنانه وتقدم بخطوات سريعة اتجاههم. اقترب منهم ووقف أمامهما. وانتبهت مريم ونظرت إليه وتبادلت ملامح وجهها بين الدهشة والمفاجأة. قال زين بنبرة حادة: "اتأخرتي. قولت أدخل تكون حصل لك حاجة وأنا معرفش." وقف إيهاب ونظر لمريم. وقالت: "أعرفكم. دكتور إيهاب مختار... زين." مد زين يده إلى إيهاب وقال بنبرة حادة:

"أهلاً دكتور إيهاب مختار. مش محتاجة تعرفيني يا ميما. أنا عارفه كويس." ابتسم إيهاب وتحدث بنبرة هادئة: "تعرفني؟ تحدث زين بتهكم: "أيوه. من زمان. ومريم دايماً تتكلم عنك ولوحاتك وفنك. بالنسبالها محدش بيرسم غيرك. تصدق كده." ابتسم إيهاب. وقالت مريم: "سوري يا زين. أخرتك. أنا خلصت عمومًا." "لو عاوزة تقعدي شوية اقعدي. أصل حضرتك متعرفيش هي كانت بتحلم تقابلك في الحقيقة." (نظر إلى مريم) "حلمك اتحقق يا ميما. بس في مصر."

ارتبكت مريم وأمسكت يد زين وضغطت عليها لإسكانه. ونظرت إلى إيهاب: "زين بيحب يهزر. عمومًا، إحنا اخترنا خلاص. تمام. عن إذنك." تحركت مريم وهي تسحب زين بيده. ووقف إيهاب ينظر إليهما وهما يغادران بنظرات تعجب ودهشة. وصلا للخارج. وسحب يده: "إنتي بتسحبي بقرة؟ وقفت ونظرت إليه بغضب: "إيه اللي عملته جوه ده؟ إيه الطريقة الرخمة دي؟ نظر إليها بتعجب: "إيه ده؟ ضايقتك لدرجاتي؟ في إيه يا مريم؟ هو إنتي أول مرة تتعاملي معايا؟

"بتتكلم بطريقة ولا عامل اعتبار لقيمة ولا احترام الشخص اللي أول مرة تقابله في حياتك. وداخل بطريقة رخمة." "مالها طريقتي إن شاء الله." "طريقتك مستفزة وأسلوبك مش أسلوب تعامل. أنا بقول إيه؟ بص أنا هروح لوحدي."

ساد التوتر المكان. وعلت الأجواء غيمة ثقيلة بعد المشادة الكلامية التي وقعت بين زين ومريم. كانت ملامح مريم مشدودة ونظرتها حادة. أدارت وجهها وغادرت المكان بخطوات سريعة تحمل في كل خطوة صدى من الغضب. زين بقى في مكانه. ملامحه مشوشة بين الدهشة والصدمة. لا يتحرك ولا يتكلم. فقط الصمت يحيط به وهو يراها تبتعد مغادرة.

ليلًا، مريم تجلس في الصالة في منزلها أمام طاولة الطعام. وأمامها صندوق طعام مغلف. تلف يدها حول صدرها. وعيناها معلقتان بالصندوق كأنها تدور حوارًا صامتًا بينها وبين صندوق الطعام لاتخاذ قرار نهائي. بملامح تردد، تحاول أن تقنع نفسها بشيء، أن تتخذ قرارًا. لكن التردد يعطل اللحظة. وفي خلف باب المنزل المقابل منزل زين. علبة بيتزا موضوعة على طاولة الطعام. لا يجلس، بل يقف أمامها. يحدق بها طويلًا وكأنها تحمل إجابة لا يستطيع قراءتها. يتنقل من المكان ذهابًا وإيابًا تملؤه الحيرة والتردد.

في منزل مريم، تحدق في صندوق الطعام وقالت: "مفيهاش حاجة. ما أنا يا أما جبت له سندوتشات كبدة وسجق بسبب ومن غير سبب. مجتش على المرة دي ومش معناه إني بعتذر عادي يعني صح؟ عادي على فكرة." قالت لنفسها تلك الكلمات. وبالفعل، وقفت وتنفست نفسًا عميقًا وأمسكت العلبة. وفي منزل زين، يعود إلى الطاولة. ينظر من جديد. يضع يده على رأسه. ثم فجأة، دون أن يعطي نفسه فرصة للتفكير أكثر، أمسك علبة البيتزا وبخطى حاسمة تحرك اتجاه الباب.

في اللحظة نفسها، فتح كل من مريم وزين باب شقتهما ليجد كل منهما الآخر أمامه وجهًا لوجه. تلاقت نظراتهما في صمت غريب ملئ بالدهشة والمفاجأة والصدمة. كان كل منهما توقع حدوث شيء آخر. فكان اللقاء هكذا غير متوقع. اقترب زين ببطء وعيناه لا تترك يد مريم التي تحمل صندوق طعام. لمح اسم محل الكبدة والسجق. علم فورًا أن داخل الصندوق سندوتشات كبدة وسجق من المحل الذي اعتاد أن يشتري منه. فكان سبب شراء مريم لسندوتشات الكبدة والسجق هو محاولة صادقة من مريم للصلح على ما بدر منها صباح اليوم. أما مريم، فبقيت واقفة في مكانها تنظر إلى علبة البيتزا. وابتسمت ابتسامة خفيفة. ثم عادت تنظر إلى زين في صمت. تنتظر أن يبدأ بالحديث. تقدم زين خطوتين اتجاهها وقال

وهو ينظر إلى علبة البيتزا: "كريم كان جعان وطلب أكل. وكانت البيتزا دي زيادة. وقلت بدل ما تبوظ خسارة أديهالك لو عاوزها. تمام. لو لأ ارميها وشيلي ذنب إنك رميتي نعمة ربنا." ضحكت مريم على طريقة زين. ومدت يدها بصندوق الطعام: "مشطين على فكرة." تبادلا الطعام. ووقف زين وقال: "إنتي اتعشيتي؟ "لا." "طيب هنفرش على السلم وناكل. تعالي نطلع السطح." وافقت مريم وتوجها إلى السطح. ووضعا الطعام وبدأ ياكلان وكأن شيئًا لم يحدث. وتحدث زين:

"على فكرة كان عادي إنك تقولي لي إنك جبت السندوتشات اعتذار. مفيهاش حاجة." نظرت إليه مريم. وبنبرة تعجب: "يا راجل! على الأقل مقلتش حاجة أحسن من إني ألف حوار من غير تفكير. كريم طلب أكل. كريم طلب أكل وهو في القاهرة جاه إسكندرية." "وإنتي إيه عرفك كريم فين؟ "بابا قالي إن كريم سافر المغرب. القاهرة يا ناصح. إنتي ليه فاهم إن في أسرار أو حاجات بتتخبى في البيتين دول؟

الشقتين دول مفتوحين على بعض. يعني متحاولش حياتنا أنا وإنت أوضة وصالة." شعر زين بالإحراج وحاول أن يتجاهله وقال بإصرار: "برضه كان عادي لو كنتي اعتذرتي." "ماهو إنت بتاكل الاعتذار أهو. لكن إنت المفروض تعتذر لي." أشار إليها: "ما شاء الله. خلصتي الاعتذار بزلومتك أهو." خبطته وضحكت:

"رخيم ودبش والله. على العموم، متزعلش مني على طريقتي اللي اتكلمت بيها. بس على فكرة بقى إنت السبب. تصرفاتك اللي بتخليني أقول كلام وأعمل حاجات تضايق." ترك الطعام واستدار لها. ونظر بتعجب: "يا سلام. مبتكمليش الاعتذار وقلبتي الترابيزة على طول وشيلتيني الغلط." "بذمتك إنت غلطان ولا لأ؟ "لا." "يا زين." "ماهو إنتي سبتيني ملطوع برا أكتر من نص ساعة. ولما دخلت لقيتك قاعدة بتضحكي ولا هامك إن في حد مستنيكي برا." "مين قال لك ها؟

وبعدين اتأخرت مش بمزاجي. إنت عارف المعرض اللي هيتعمل بعد بكرة واللوحات الناقصة. عرضنا على إيهاب مختار يشارك معانا ووافق. كتر خيره." تحدث وهو يكز على أسنانه: "وافق يشارك في المعرض. مش في الضحك معاكي." "إحنا مكناش قاعدين بنحكي له إتغدى إيه امبارح. كنا قاعدين بنختار اللوحات المناسبة للمعرض من الصور اللي على موبايله عشان يجيبهم بكرة معاه من بيته." بعصبية قال: "وليه إنتي تقعدي تختاري وكده؟ هو إنتي الوحيدة؟ إنتوا مجموعة."

"كنت أنا ومصطفى. وحصله ظرف مشي. وكان إيهاب مختار ادينا ميعاد. وأنا اعتمدت على مصطفى والكل مشي. ولما مشي هو كمان اضطريت أروح لوحدي. وبعدين إيه كلامك ده؟ محسسني إنك قفشتنا مع بعض. إحنا كنا في الكلية قدام كل الطلاب والدكاترة. ده إنت عجيب والله." (استدارت لتستكمل طعامها وأمسكت الكاتشب لتضعه على قطعة البيتزا وقالت) "أومال لو كنت روحت البيت عنده كنت عملت إيه؟ ده إنت عجيب بجد."

بحركة لا إرادية، قام زين بدفع رأسها. لمست قطعة البيتزا والكاتشب وتلطخ وجهها: "كنت عملت كده." صمتت مريم. وبدأت تحاول أن تنظم أنفاسها. ولاحظ زين تحولها. وبدأ يتحرك من جانبها: "أنا بقول كفاية أكل كده عشان هنام والحموضة."

قبل أن يتحرك، وضعت مريم كيس الكاتشب كاملًا. أفرغته في يدها وركضت خلف زين في السطح تحاول أن تلطخ وجهه بالكاتشب كما فعل. وزين يحاول الهروب منها وهو يعتذر ويطلب منها العفو. وهي أصرت على تلطيخ وجهه كما تلطخ وجهها. وامتلىء السطح بأصواتهم كأنهم بمفردهم في عالم خاص بهم. في اليوم التالي، في الجامعة، أحضر إيهاب مختار اللوحات. واستلمته منه مريم وزملائها. ذهب زملائها. وقفت مريم لتشكره:

"حقيقي بجد مش عارفين نشكرك إزاي. إنت بالنسبة لنا طوق نجاة اتحدف لنا السنادي." "أولًا مفيش شكر بينا. ثانيًا أنا لو كنت أعرف إن ده بيحصل كنت شاركت معاكم من غير ما تطلبوا." "شكرًا من قلبنا." "بس واضح إن المعرض مهم السنادي. في حاجة مميزة يعني؟ "سنة التخرج وآخر سنة لينا. فحابين ننهيها بشكل مميز للدفعات اللي بعدينا." "جميل. أنا متأكد إنه هيكون ممتاز لأنك إنتي وزملائك طبعًا اجتهدتوا فيه." ابتسمت مريم:

"واجبشاركة حضرتك أكيد مميزة هتفرق معانا." "كنت عاوز أعتذر لك على سوء الفهم اللي حصل امبارح." "مش فاهمة سوء فهم إيه؟ "لما كنا قاعدين بنختار اللوحات وزين صح؟ زين جه. مكنتش أعرف إنك مرتبطة." قالها وتفاجأت مريم بكلماته وضحكت: "مرتبطة؟ بمين؟ أنا وزين؟ لا لا مفيش حاجة زي كده. زين ده من العيلة متربيين مع بعض من صغرنا." "بس ده ميمنعش يعني يكون فيه ارتباط." ضحكت:

"لا مفيش. إحنا الاتنين إخوات بالرضاعة. أو بمعنى أصح أنا أخته بالرضاعة. فإحنا إخوات. فلو تقصد على تصرفه وطريقة كلامه. هو زين طبعه كده. بينفعل بعدين يفهم. وأنا بصراحة كنت سايباه يستناني كتير وهو خلقه ضيق زهق. فطلعوا وقتها. أنا اللي بعتذر حقيقي لو ضايقك." ضحك إيهاب: "لا أبدًا. بس حسيت إن وجوده ضايقه. وجودنا مع بعض لوحدنا. رغم إننا كنا في الكلية ومكان عام وكنا بنختار اللوحات."

"رد فعله بس من خوفه عليا. بقولك إحنا من صغرنا مع بعض في كل حاجة. بجد أتمنى متكونش زعلان منه. لو تعرفه كويس هتحبه جدًا بجد." ابتسم إيهاب: "لو ظروف جمعتنا نتعرف على بعض. إن شاء الله." "إن شاء الله. عن إذنك." يوم المعرض: كان المشهد في ساحة الجامعة ينبض بالحيوية والدفء. زينت الجدران الخارجية ببالونات ملونة ويافطات كتبت عليها عبارات ترحيبية بخط اليد تحمل عناوين (معرضنا الخيري.. لوحتك تترك أثرًا)

. على طول الممر نصبت طاولات خشبية بسيطة. عرضت عليها لوحات من مختلف الأنواع. بعضها بريشة طلاب موهوبين. وبعضها الآخر كان تبرع به دكاترة. ومنهم إيهاب مختار. كانت كل لوحة تحمل بطاقة صغيرة عليها اسم الفنان وسعر رمزي. الطلاب كانوا يتجولون بين اللوحات. بعضهم يتأمل بدهشة. وآخرون يلتقطون الصور ووجوههم مفعمة بالإعجاب. هناك ركن صغير يقدم فيه متطوعون شاي وكعك منزلي لمن يشتري لوحة. في محاولة بسيطة لخلق جو ودي دافئ. وأكثر ما لفت الانتباه، فكان الحماس الصادق في عيون مريم والمنظمين. وابتسامات الرضا التي ارتسمت على الوجوه. لم يكن لهم مجرد معرض فني. بل لحظة تعاون جميلة جمعت القلوب على حب الكلية وروح العطاء.

في قلب المعرض، وقفت مريم وسط الزوار. تنقل بين اللوحات بحيوية لافتة. كانت تتحدث بثقة واحتراف. تشير إلى تفاصيل كل لوحة. وكأنها تحكي قصة من عالم آخر. عيناها تلمعان بشغف. ويديها تتحركان بانسجام مع كلماتها. تضيفان إلى الحديث طابعًا فنيًا جذابًا. تجمع حولها عدد من الحضور. انجذبوا لطريقتها في العرض. واستجابوا لإحساسها الصادق بالفن. ومع مرور الوقت، بدأت اللوحات تباع واحدة تلو الأخرى. وفي كل مرة تباع فيها لوحة، كانت مريم ترفع يدها بإشارة النصر تجاه زملائها. ووجهها يضيء بفرح طفولي صادق. المشهد كله كان مليئًا بالحيوية والنجاح.

كان إيهاب مختار يقف مع مجموعة من المدرسين في إحدى الزوايا البعيدة. يتابعون المعرض في هدوء. وسط أحاديثهم البسيطة. كانت أعينهم تتابع الزوار وهم يتجولون بين اللوحات. لكن عين إيهاب كانت تسرح في مكان آخر. كان يراقب مريم عن كثب. وهو يراها تتنقل بين الزوار تتحدث بحماس وتشرح بكل حيوية تفاصيل اللوحات. ابتسامتها كانت مشرقة. وجهها يعكس شغفًا حقيقيًا بما تفعل. ابتسم بهدوء وهو يراقبها. وتلك الابتسامة كانت تحمل بين طياتها إعجابًا مخفيًا احتفظ به لنفسه. واستمر في مشاهدتها عن بعد.

بعد مرور وقت ومع انشغال الجميع بالمعرض. ذهبت مريم للحصول على كوب شاي دافئ. ووقفت تنظر إلى المعرض بعيون سعيدة. اقترب إليها إيهاب بهدوء. ثم ابتسم بلطف: "نقول مبروك على نجاح المعرض." بادلته مريم الابتسامة. وهو حصل أيضًا على كوب شاي: "الله يبارك فيك. المعرض جميل صح؟ قال إيهاب وهو مبتسم: "جدًا بصراحة. أنا كنت عارف إنه هيكون جميل. لكن بالشكل ده لا. ده أكتر من رائع." "الحمد لله إنه عجبك وعجب كل الحاضرين."

"ما شاء الله عليكي. بعتي اللوحات كلها. مفضلش غير لوحة." "أيوه. لوحة." "لو ممكن أشتريها أنا بأي مبلغ هتقوليه؟ "لا ماهي اتباعت يعتبر. زين هياخدها." "هو جاي؟ "لازم زين يحط البصمة بتاعته في المعرض. مفيش مناسبة ليا هو مش موجود فيها. هو في مشوار مع باباه وجاي." "جميل. فرصة نشوفه ونتعرف عن قرب غير المرة اللي فاتت." "أيوه فعلًا." "إنتوا عندكم مطعم؟ صمتوا للحظات. وقالت مريم بحماس:

"لوحاتك أول لوحات تتباع. بسعر تحفة. حقيقي أول ما شافوا اسمك قفشوا فيها. قولت يا ريت اللوحات كلها كانت بتوعك كنا قفلنا المعرض بدري." ضحك إيهاب ومريم أيضًا. وقال: "فكرة. هبقى أفكر في الحوار ده. أعمل معرض خيري بلوحاتي بدل ما هما مركونين في البيت. سواء هنا أو إيطاليا." "إزاي مركونين؟ أنا مش فاهمة. لوحات إيهاب مختار تتركن؟ "لأني مبديهاش لأي حد. لازم يكون شخص يقدر اللوحة والفن واللي جوه اللوحة."

"صح. أنا كمان لما أعمل معرض هعمل كده. لأن الأهم من إني أرسم. اللي هياخد الرسمة هيعمل بيها إيه. لأنها مش مجرد رسمة. ده وقت وطاقة ومشاعر موجودين بين إيديه." ابتسم إيهاب: "أنا متوقع إنك هتكوني فنانة كبيرة في يوم." "ياااه. لو ده حصل والحظ لعب معايا. هنفذ لك أي طلب." "أي طلب؟ "أكيد لو في مقدرتي هعمله." "خلاص اتفقنا. وأنا كده أخدت منك وعد." "وعد."

دخل زين المكان بحذر. وعيناه تبحثان عن مريم وسط الحضور. كانت الأجواء أكثر هدوءًا عن قبل. والزوار يتنقلون بين اللوحات. بينما ينساب صوت الحديث الخفيف في المكان. لكنه لم يكن مهتمًا بكل هذا. كانت عيناه تبحثان عن مريم فقط. حتى وجدها واقفة بجانب إيهاب يتبادلان الحديث والضحك مرة أخرى. ظل ينظر عليهما ويشاهدهما. شعر بغلظة في صدره. تضايق بشدة واختلطت مشاعره بين الغضب والغيرة. لم يكن قادرًا على تحديد شعوره تمامًا. لكن تلك النظرة

التي تبادلها إيهاب لمريم أثارت في قلبه شيئًا لم يستطع فهمه. أغمض عينيه قليلًا حتى يهدأ ويذهب إليهم. وتجنب حدوث أي تصادم. فتح عينيه ونظر إلى إيهاب بنظرة حادة مليئة بالاستياء. وكأن الغضب يشتعل بداخله. لكنه يحاول كتمه. كانت يده مشدودة داخل جيبه. وكأن ضيق صدره يزداد مع كل ثانية. للحظة ثبت عينيه على مريم. أخذ نفسًا عميقًا ليهدأ. كانت هناك رغبة قوية في الابتعاد عن التوتر. بخطوات ثابتة بدأ زين يتحرك نحوهم. كان يحاول أن يبدو

هادئًا رغم قلبه الذي ينبض بسرعة. كان يحاول أن يطرد مشاعر الغضب التي كانت تتصاعد بداخله. ويضع كل تركيزه على مريم ومشاركتها فرحتها بالمعرض كما العادة.

لمحته مريم: "زيزو." اقترب وألقى السلام. ومد يده إليها بابتسامة: "أهلاً يا زين." "أهلاً يا دكتور إيهاب." "لا مفيش دكتور. اعتبرني زي مريم وأصحابها." "أها. فرصة سعيدة." "أنا الأسعد. طيب أنا هسيبكم براحتكم. مبروك لنجاح المعرض يا مريم." "شكرًا." تركهم وابتعد خطوات. وخبطت مريم كتف زين: "كل ده تأخير. كنت فاكرة هتكون معايا من بدري."

"يعني بتضربي وبتزعقي وإنتي عارفة اللي فيها. كنت مع حودة بيعمل تحاليل المتابعة. وخلصت وصلته للمعرض وجيت جري." "جبت الفلوس طيب." "أيوه معايا." "طيب تعالي معايا تاخد اللوحة. هي اللي فاضلة." "تمام يلا." ابتعدت مريم. وقبل أن يلحق بها زين، استدار لينظر إلى إيهاب الذي كان واقفًا مع أحد الموجودين ويتحدث معه بهدوء. نظرات زين كانت حادة مليئة بالغضب والغيرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...