في المساء، غادر زين منزله وتوجه إلى منزل ملك وهو يحمل بيده طبقًا مغطى بورق فويل تفوح منه رائحة بسكويت طازج. كانت سناء وسوسن قد صنعتاه وطلبتا منه أن يوصله إلى والدة ملك كنوع من الود والمجاملة. طرق الباب بخفة، وما لبث أن فُتح حتى ظهرت أمامه ملك بابتسامتها المعتادة. "زيزو." "مساء الفل يا ملك." "مساء الخير." "طُنط صاحية ولا نايمة؟ "لا، صاحية جوه. تعالي."
دخل زين إلى الصالة حيث كانت والدة ملك تجلس تتابع التلفاز. وما أن رأته استقبلته بحفاوة. "أهلاً يا زين." "لا لا، مش هينفع كده. ملك؟ "أيوه؟ "بعد كده لو هتنزلوا، لازم تقوليلي عشان أقفل الشارع ومأسيبش حد واقف يعاكس الجميل بتاعنا." ضحكت والدة ملك وملك. "دمك عسل يا زين، طول عمرك كده."
"ده بس عشان أنتي يا طنط. اتفضلي، سناء وسوسن نفسهم راحت لبسكويت وعملوا، وقالوا لازم ندوقك. زي زمان يا طنط، الطبق اللي كان بيطلع وينزل لدرجة مكناش عارفين طبق مين لحد ما اتكسر." ضحكت والدة زين. "كانت أحلى أيام، يسلم إيديهم." تركتهم ملك ودخلت المطبخ. وقال زين: "إن شاء الله هيعجبك. أنا هستأذن بقى، محتاجين حاجة؟ أي حاجة؟ "لا يا حبيبي، تسلم. ربنا يخليكوا لينا دايماً، واخدين بحسنا."
"يا طنط، إحنا عيلة، متقوليش كده. أنا ماشي ومش هكرر، متتردديش لو محتاجة حاجة." التف زين وبدأ يتحرك باتجاه الباب. استوقفته والدة ملك. "زين." "أيوه." أشارت له ليقترب إليها. اقترب. "عاوزة منك خدمة بس بيني وبينك." كانت تتحدث بهمس. وقال زين: "ملك متعرفش يعني؟ "وبالأخص ملك مش لازم تعرف." "حاضر. إيه الطلب؟ اعتبريه اتنفذ خلاص." "عاوزاك تديني رقم كريم." تفاجأ زين. "رقم كريم؟ ليه؟ "عاوزة منه خدمة. ممكن الرقم؟ "أكيد طبعًا."
سريعًا نظر حوله، وأمسك هاتفها المحمول ودون رقم كريم باسم مستعار حتى لا تلاحظه ملك. تركها زين وغادر المنزل وهو متعجب ويتساءل عن سبب طلب والدة ملك الرقم. بعد يومين، وكريم في مكتبه يعمل في القاهرة، رن هاتفه وأجاب. تفاجأ أن المتصل والدة ملك. "إزيك يا طنط، الموبايل نور والله." "ده نورك يا حبيبي. معلش اتصلت بيك من غير استئذان، إن أخدت رقمك من زين." "أيوه، ما زين قالي. ولما لقيتك مكلمتنيش، قولت لما أرجع إسكندرية همر عليكي."
"جاي امتى؟ "بكرة بليل إن شاء الله." "خلاص هستناك، بس مهم تيجي يا كريم، ومتقولش لملك إني كلمتك." "حاضر." في اليوم التالي ليلاً، رن جرس الباب وفتحت ملك. "إزيك يا ملك." "الحمد لله." "طنط صاحية؟ من الداخل قالت والدتها: "تعالي يا كريم يا حبيبي، تعالي." دخل كريم إلى الصالة، وتركتهم ملك ودخلت المطبخ وخرجت بعصير ووضعته أمام كريم. تحدثا قليلًا. وقالت والدتها:
"قومي يا ملك، اعمليلنا حاجة حلوة. كنتي هتعملي بسبوسة، اعمليها وكريم ياكلها معانا." شعرت ملك بالاحراج. "حاضر، عن إذنكم." تحركت ملك ودخلت إلى المطبخ، وتأكدت والدتها ببعدها. أشارت إلى كريم ليقترب إليها وقالت بصوت خافت: "كريم، عاوزة منك خدمة." "اتفضلي يا طنط، أكيد." "عاوزة موظف من الشهر العقاري ييجيلي البيت هنا." تفاجأ من طلبها. "من الشهر العقاري؟ ليه؟
"عاوزة أبيع الشقة دي لملك. ولو قولتلها هترفض، وأنا عاوزة أعمل كده عشان أطمن قبل ما أموت عليها." "إيه يا طنط الكلام ده، طول العمر ليكي." "كلها أعمار يا حبيبي. ممكن تنفذلي طلبي من غير ما ملك تعرف." صمت للحظات ليفكر. "حاضر." غادر المنزل. وخرجت ملك من المطبخ بعد ما سمعت صوت الباب وهو يغلق. "هو مشي؟ "أيوه. حد كان عاوزه فمشي." "وخلتيني أعمل البسبوسة؟ "عادي يا حبيبتي، نطلعلهم طبق. ما هما مبينسوناش."
مريم وزين متجهين إلى السطح، وصوتهما العالي ما بين الضحكات والنقاش كعادتهم. زين يضحك على مريم، ومريم ترد عليه بنظرة انزعاج ولكنها تختمها بضحكة. فجأة صمت الاثنان حينما تفاجآ بوجود كريم في السطح يجلس. حين رآهما وقف وقال: "أخيرًا جيتوا." اقترب نحوه زين. "انت مستنينا ولا إيه؟ "أنا لفيت عليكم وموبيلاتكم مقفولة." تحدثت مريم: "الاستاذ زين أخد الموبيلات وقفلها، قالي ساعتين من غير تكنولوجيا." قال زين:
"كل شوية بتفتحي الواتساب وتتكلمي مع أصحابها وعن المسابقة، أنا زهقت وكنت عاوز آكل في هدوء." تحدثت مريم: "أهو اللي بيقولك هدوء ده مسبش حد في محل البيتزا غير لما اتريق عليه." "ضحكتك ولا لا؟ قولي الحق؟ "بصراحة أيوه، بس الناس كانت بتتفرج علينا." "من الضحك. أحسن من المسخرة اللي شفناها. شوفتي اللي لابس بنطلون كروهات هربان من شطرنج ده ولا إيه؟ ضحكت مريم ولاحظت صمت كريم وهو ينظر إليها في صمت. "مالك يا كريم؟
"مستنيكم تخلصوا. خلصتوا ولا لسه؟ نظر زين إلى مريم وقال: "ده باين في موضوع حيوي. تعالي نقعد نشوف فيه إيه." توجها إلى الأريكة الموجودة وجلسوا. "ها يا كيمو، فيه إيه؟ "من الآخر كده وبدون مقدمات، محتاج منكم مساعدة ضرورية." تحدث زين بثقة: "اعتبريها حصلت خلاص. ولا إيه يا ميما؟ أكدت مريم على كلمات زين: "أكيد طبعًا. قولنا عاوز إيه واحنا هنعمله." اعتدلت في جلسته وبدأ يتحدث بحماس:
"محتاج ملك تبعد عن البيت ساعتين بالكتير 3 ساعات." تحمست مريم وابتسمت وقالت: "هتعملها مفاجأة؟ صمت كريم. وقال زين: "استعجالك ده اللي بيجيب لك الكلام. ده ملامح شخص بيجهز مفاجأة، ده بيجهز خطة تهريب." "سوري يا كيمو، اتحمست شوية. فهمنا عاوز إيه؟ "بصوا، مامتها طلبت مني طلب. عاوزة موظف من الشهر العقاري. وقبل ما تسألوا ليه، هقولكم عشان هتبيع الشقة بتاعتهم لملك. ودا هيحصل من غير ملك ما تعرف، فاهمين؟
من غير ملك تعرف ولا أي حد غيرنا إحنا التلاتة." "تمام. كمل؟ "فأنا مليش كلام مع ملك زي ما أنتم عارفين، وملك ملهاش أصحاب. وأنا اللي هجيب الموظف. فأنتم اتصرفوا وخرجوها من البيت." تحدثت ملك: "سهلة. هخليها تيجي هنا تقعد معايا لحد ما تخلص. بسيطة." "لا، أنا عاوزها بره البيت. لأنها ممكن في لحظة تنزل ومش عاوزها تشك في حاجة. تتعاملوا طبيعي معاها. مامتها عاوزة الموضوع ده سر، فاهمين؟ صمتت مريم. وتحدث زين:
"المطعم. ناخدها المطعم. بعد بكرة فيه حفلة كتب كتاب هتتعمل على الساعة 12 الضهر كده. نقولها محتاجين مساعدة وتكون معانا، وأنت تكون أنجزت الموضوع. إيه رأيك؟ "حلو جدًا. وأنا هرتب إن الموضوع يخلص اليوم ده وهي برا." تحدثت مريم: "وأنا هنزل أتكلم معاها وهفضل وراها لحد ما توافق." "اتفقنا."
بالفعل، ذهبت مريم إلى منزل ملك لتتحدث معها عن الأمر. جلست معها وطلبت منها أن تساعدها في حفلة كتب الكتاب المقامة في المطعم. حاولت ملك أن تعتذر بلباقة متحججة بوالدتها، ولكن والدتها تدخلت في المحادثة بينهم وساعدت مريم لإقناعها. نظرت ملك إلى مريم ثم إلى والدتها وصمتت للحظات، ثم ابتسمت بخفة وأعلنت موافقتها. فرحت مريم وشكرتها وغادرت على اتفاق أن يذهبا سويًا إلى المطعم في الصباح.
مرت مريم على ملك في الصباح لمرافقتها إلى المطعم سويًا. كان زين ينتظرهم أمام البناية ليذهبوا جميعهم سويًا. حينما وصلوا إلى المطعم ورأوا ملك،
رحب بها الجميع: كرم ومحمود وسناء وسوسن. أخرج زين هاتفه بهدوء وأرسل رسالة نصية سريعة إلى كريم ليخبره بتواجد ملك معهم في المطعم وأن الأمور بدأت تأخذ مجراها كما اتفقوا. بدأت مريم توضح لملك بعض تفاصيل الزينة وأماكن الورود والإضاءة وترتيب الطاولات. استمعت ملك بتركيز ثم بدأت تتحرك بخفة بين الأركان وكأنها تحول المكان إلى لوحة.
في منزل ملك، وصل كريم برفقة موظف الشهر العقاري. طرق الباب بخفة وفتحت والدة ملك الباب وهي على الكرسي المتحرك. دخل كريم والموظف إلى الصالة. جلسوا جميعًا في الصالة وأخرج الموظف من حقيبته بعض الأوراق وبدأ مراجعتها. طلب البطاقات الشخصية وأخرجتها والدة ملك ووضعتها أمامه. بدأ الموظف بشرح البنود، وكانت والدة ملك تستمع في صمت وأكدت على رغبتها للبيع. استغرقت الإجراءات قرابة ساعة، وخلالها ساد الصمت أغلب الوقت. بعد الانتهاء، جمع الموظف أوراقه بهدوء وغادر المنزل، وقام كريم بإيصاله للخارج ثم عاد إلى والدة ملك. دخل الصالة، كانت تمسك العقود في يدها تنظر لها بابتسامة. جلس كريم بجوارها.
"كذا تمام يا طنط؟ محتاجة حاجة تاني؟ "بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا كريم. شكرًا يا حبيبي على مساعدتك." "يا طنط، مفيش شكر. أنا زي أشرف، ولا إيه؟ بملامح حزينة: "ماهو لو أشرف زيك، مكنتش هعمل كده من الأساس." "انتي بعتي الشقة لملك بسبب أشرف؟ "أنا لو حصلي حاجة، وملك بقت لوحدها، أشرف مش هيسيبها لوحدها هنا وهيبع الشقة ويرمي أخته." تفاجأ كريم. "لا، مش لدرجة يرميها يا طنط. دي أخته؟
"راميها على حياة عيني. هيحتويها لما أموت. أنا بعت الشقة ليها كضمان ليها، مكان ليها تقعد فيه بعد ما أمشي، وأشرف ميقدرش يخرجها." "طول العمر ليكي يا طنط، بس متقلقيش على ملك. بدل البيت ده، بيوتنا مفتوحة ليها في أي وقت." "أنا كده مطمنة عليها. أمنت حياتها في غيابي بعيد عن أشرف." "هتقوليلها إمتى؟ قدمت إليه الأوراق: "مش هقولها حاجة. العقود دي أمانة عندك يا كريم. لو حصلي حاجة، أدي العقود دي لأشرف عشان يعتق أخته." "طنط...
"دي أمانة يا كريم." أمسك كريم العقود. وتحدثت والدتها: "عاوزة أطلب منك طلب تاني يا كريم، ممكن؟ "اتفضلي يا طنط." "ملك. متسيبوهاش لوحدها بعدي. ملك معندهاش حد غيري، وأخوها، وأخوها مش موجود في حياتها. من بعدي هتكون لوحدها يا كريم." "يا طنط، إحنا معاها ومعاكي، أنتم مش لوحدكم، متخافيش." أمسكت يده وقالت:
"أنا عارفة اللي كان بينكم زمان وسفرك المفاجئ، وبعدها عرفنا إنك اتجوزت. بس أنا مش هقلب في اللي فات. أنا دلوقتي مش عاوزة ملك تكون لوحدها." "أنا... قاطعت حديثه: "مش بقولك كده عشان تتجوزها. ملك رافضة الجواز عمومًا، مش انت بس يا كريم. حاولت أقنعها تتجوز وتعيش حياتها، هي قفلت الباب نهائي. حكمت على نفسها تعيش لوحدها. لكن أنا مش عاوزاها تعيش لوحدها، حتى لو متجوزتش. ممكن يا كريم تفضلوا جنبها؟ وضع يده على يدها
وربت عليها بلطف وابتسم: "متقلقيش يا طنط. ملك زي مريم بالنسبة لنا. فرد في عيلتنا. إحنا مش هنسيبها لوحدها." "شكرًا يا حبيبي." تركها كريم وغادر المنزل. وقف أمام باب منزل ملك وتنفس بعمق وأخرج هاتفه وأرسل رسالة نصية إلى زين ليخبره باهتمام المهمة. استلم زين الرسالة وأخبر مريم وشعرا بالراحة. انتهى كتب الكتاب وعادت ملك إلى المنزل. كانت والدتها جالسة تشاهد التلفاز. "عاملة إيه يا ماما؟ "بخير يا حبيبتي. خلص كتب الكتاب."
"أيوه، كان صغير ولطيف. ربنا يوفقهم في حياتهم." "عقبال ما تطمني قلبي عليكي يا ملك." "قولي لقلبك يطمن، أنا بخير، متقلقيش عليا. قوللي عملتي إيه وأنا مش موجودة؟ "أم عمار جتلك؟ "أيوه جتلي. قعدت شوية وخرجت تشوف اللي وراها، وقعدت أتفرج على التليفزيون." "مأكلتيش؟ "لا، أكلت وأخدت العلاج. وبما إنك جيتي، أنا هدخل أنام." "تمام. وأنا هوصلك لسريرك. يلا."
في يوم، كان زين جالسًا مع أصدقائه في المقهى. ضحكاته تتعالى بين الحين والآخر. وسط اندماجه في الحديث مع أصدقائه، بدأ هاتفه يرن بإشعارات متتالية بدون توقف من مريم. أمسك الهاتف بتوتر وتغيرت ملامحه سريعًا حينما قرأ رسالتها: (تعالي بسرعة على السطح يا زيزو، بسرعة)
. نهض من مكانه دون أن يشرح. قلبه يدق بسرعة وخطواته مسرعة. قطع الشارع ودخل البناية وصعد الدرجات يلهث. كلما اقترب إلى السطح زادت تساؤلاته ونبضه يطرق صدره بعنف. فتح باب السطح بعجلة، ونظرة تجول بسرعة بحثًا عن مريم. وجدها جالسة بهدوء أمام اللابتوب. نظرت إليه وابتسمت. "زيزو، انت جيت." اقترب إليها وجلس على المقعد بجوارها ينظر إليها بتعجب في صمت. وقالت بصوت خافت وملامح اعتذار:
"أنا آسفة على الطريقة، بس كان ده الحل عشان تيجي بسرعة." أمسك وسادة صغيرة بجانبه ودفعها اتجاه مريم. خبطتها في رأسها. "قولتلها آسفة. إيه الغشم ده؟ "8 رسائل تعالي للسطح بسرعة من غير توضيح، ومبترديش على التليفون. افتكرت مصيبة حصلت." "لا، مفيش مصايب. بس أنا محتاجاك، فلو كنت طلبت بالحسنى كنت هتقول لي لما أخلص مع أصحابي، وده لبعد 12 وأنا هكون نايمة. فقولت أستعجلك." "خير يا آبلة ميما؟ الحرب العالمية هتقوم فمحتاجاني معاكي."
أشارت إلى المكان بجانبها وبابتسامة قالت: "ممكن تيجي هنا أوريك حاجة." تحرك من مكانه وجلس وهو يتأفف. قالت مريم: "لا، أنا عاوزاك رايق. فين الضحكة الحلوة؟ ابتسم: "أهو. اخلصي." أخرجت له صورتين وقالت: "اختار إيه أحلى من نظرة شاب." نظر إلى الصورتين، كانا عبارة عن لوحتين مرسومتين مختلفتين. ظلت تحدق بها للحظات وقال: "من وجهة نظري الفنية المتواضعة، رقم 2 فيها حاجة كده تشد." نظرت إليه بسعادة:
"والله أنت الشق فعلًا. أنا قولتلهم دي أحلى وهتعجبه أكتر وهما بيقاوحوا." "قولتي لمين وهيعجبوا مين؟ فيه إيه؟ "يوم الخميس عيد ميلاد إيهاب مختار، وإحنا مجموعتنا يعني قررنا نختار من اللوحات المفضلة عنده ونطبعها على تورته ونحتفل بعيد ميلاده وتبقى هديتنا له وكده يعني." نظر إليها بتعجب: "يعني انتي مخلياني أسيب أصحابي وأجي جري عشان أختار تورته إيهاب توفيق بيكاسو."
"من غير تريقة بقى. الشباب معايا مبساعدونيش، وأنا مبقتنعش غير بذوقك ورأيك. ف أنا متمسكة برأيي واختياري، لكن هما مصممين على التانية، فقولت اللي هيختاروا زيزو، أنا هوافق عليه. وأنت اخترت اللي اخترتها يا شق." نظر إليها، كانت تبتسم وشعر بالارتباك وتحرك من جانبها. "رايح فين؟ "مش خلصنا فقرة اخترنا لك. راجع لأصحابي." "هو لازم يعني؟ "يعني عاوزة إيه؟
"الفيلم اللي كنا عاوزين ندخله سينما وملحقناش، كان اتشال. نزل على الموقع. شوية سندوتشات ومع طبق فيشار وشيبسيات ونفتح السينما بتاعتنا ونشوف. ها، إيه رأيك؟ "والنوم؟ مش كنتي هتنامي؟ "لا، ماهو أنا رايحة الساعة 1 السيكشن بكرة الساعة 3، فهصحى براحتي. ها، موافق." صمت للحظات وقال: "تمام. بس هتعملي لي بسطرمة ببيض. نفسي فيها." تركت اللابتوب على الطاولة وتحركت من مكانها واقتربت نحوه: "10 دقايق وهيكون قدامك أحلى بيض ببسطرمة."
"أيوه كده، أكون ارتحت شوية." أمسكته من يده وسحبته معها وقالت: "هنعمه سوا. سوا. يلا معايا."
في الجامعة، تجمعت مريم وأصدقاؤها في السيكشن. كانت الأجواء تعج بالهمسات والضحكات المكتومة. يتحركون بخفة بين المقاعد ويضعون الزينة الصغيرة ويثبتون البالونات. وعلى الطاولة في المنتصف وضعت تورتة عيد الميلاد المزينة برسمة اللوحة وبعض الهدايا المغلفة بعناية. الوقت يمر ببطء والكل يترقب لحظة دخول إيهاب مختار. العيون تتبادل النظرات والهواتف جاهزة لتوثيق اللحظة.
فجأة، فتح الباب ودخل إيهاب بخطوات عادية يحمل في يده حقيبته ولا يدري ما ينتظره. وفور أن وطأت قدمه المكان، تعالت أصوات التهاني والضحكات وانطلقت الزينة الورقية في الهواء. وقف مكانه مصدومًا من المفاجأة. نظره انتقل من جو طلابه المبتسمة إلى الطاولة التي في منتصفها التورتة، ثم الزينة التي غيرت ملامح المكان الدراسي. وقف في مكانه لحظات يبتسم فقط، وكأن لسانه عاجز عن التعبير. اقتربت مريم:
"كل سنة وحضرتك طيب. ده احتفال بسيط مننا لعيد ميلادك." نظر إليها مبتسمًا وقال: "حقيقي مش عارف أقول إيه. لساني عاجز عن الكلام." تحدثت إحدى الطالبات: "من المفاجأة أكيد. أتمنى تعجبك." "جدًا. عجبتني جدًا لدرجة مش قادر أتكلم. (ينظر حوله) أنتم جهزتوا كل ده لوحدكم." تحدثت مريم: "طبعًا تحت إشرافي. أنا الليدر." ضحكوا وتحدث أحد الطلاب: "إيه رأي حضرتك في التورتة؟
نظر إليها وعيناه ثبتتا عليها للحظات. تجمد مكانه وحاجباه ارتفعا بدهشة. وابتسامة كبيرة بدأت تتكون على وجهه ببطء، ثم انفجرت بفرح حقيقي. "إيه ده؟ تحدثت مريم بحذر: "عجبتك؟ "جدًا جدًا جدًا. انتوا عرفتوا منين إن دي من أقرب اللوحات اللي رسمتها ليا." تبادلا النظرات لبعض وتحدث أحدهم: "هو كان في حيرة بين اتنين، ومريم صممت على دي." أخرجا له صورة اللوحة الأخرى وقال: "فعلاً الاتنين من أقرب أعمالي ليا، لكن دي
(أشار إلى التي على التورتة) أقربهم ليا." ابتسمت مريم ابتسامة انتصار وقالت: "كلام الليدر عمره ما يكون غلط. أنا قولتلكم. الحمد لله إني مضعفتش وسمعت كلامكم."
ضحكوا وطلبوا منه إطفاء الشمع وتمني أمنية. وقف إيهاب أمام التورتة والشموع الصغيرة التي تشتعل. التف حوله طلابه في دائرة من البهجة والابتسامات تملأ الوجوه، والأنظار كلها موجهة إليه. أغمض عينيه للحظة، وانسحب العالم من حوله، وساد صمت قصير كأن الجميع احترم تلك اللحظة الخاصة التي حمل فيها قلبه أمنية خفية لا يعلمها سواه. ثم فتح عينيه وانحنى قليلًا ونفخ بهدوء على الشموع وانطفأت واحدة تلو الأخرى، وانفجر المكان بتصفيق حار وهتافات مليئة بالسعادة. ضحك إيهاب من قلبه وصفق معهم ونظر حوله وكأنه يحاول أن يحفظ هذا المشهد في ذاكراته للأبد.
اقتربت مريم إلى إيهاب ومعها طبق به قطعة من الكيك. "اتفضل." "شكرًا يا مريم." "أتمنى مفاجأتنا عجبتك." "جدًا. شكرًا على تعبكم ده." "حبينا نعمل ذكريات معاك تفتكرها." "فعلاً ده حصل. أنا نادرًا أحتفل بعيد ميلادي. أصحابي هما اللي أوقات يحتفلوا بيه. لكن الاحتفال المرادي مختلف ومميز، من طلابي." "ده حاجة بسيطة حضرتك تستحق أكتر." "وشكرًا على اختيارك اللوحة تكون المطبوعة على التورتة."
"بصراحة حسيتها إنها مش مجرد رسمة رسمتها. هي مشاعر أنت خرجتها بألوان على لوحة، لذكرى أو وقت أنت بتحبه." ابتسم وقال: "صح. تشخيصك صحيح." "تخيل الكل كان عاوز التانية، لكن أنا صممت." "وهما اقتنعوا بسهولة؟ "أومال أنا ليدر إزاي." ضحكت وضحك إيهاب وقال: "شكرًا يا مريم." "يو ولكم."
اقترحت مريم على ملك ووالدتها أن يخرجا من المنزل ويقضوا برفقتها هي وزين يومًا على البحر ككسر لروتين ومن حبس المنزل. وافقت ملك ووالدتها وتم تحديد اليوم. قام زين بأخذ سيارة والده كوسيلة مواصلات لهم. في صباح اليوم المحدد، انطلقت السيارة التي تقل زين ومريم وملك ووالدتها نحو إحدى الشواطئ. وصلوا إلى الشاطئ وكان شبه خالٍ، والموج يتقدم ويتراجع بهدوء يترك خطوطًا متموجة على الرمال الناعمة. وضع زين الكراسي والمظلة وساعدته مريم في ترتيب الجلسة. جلست ملك بجوار والدتها على الطرف ينظران إلى البحر ويستمتعان بالجو اللطيف.
نهضت ملك بهدوء واتجهت إلى الحمام تاركة والدتها جالسة تنظر إلى البحر، وطلبت من مريم الاهتمام بها حين عودتها. بالفعل، جلست مريم بجوارها. فجأة سمعوا صوت ضجيج وأصوات أشخاص. نظرا اتجاه الصوت، كانت جلسة تصوير لعروس وعريس. كان فستان العروسة الأبيض يتطاير في الهواء والعريس يمسك يدها بابتسامة ممتلئة بالحب. كانت مريم تنظر إليهم بسعادة، ولمحت والدة ملك عينيها بها لمعة مختلفة. كانت الدموع تتجمع في زوايا عينيها بصمت. فقط نظرة طويلة ثقيلة تحمل بين طياتها حزنًا عميقًا.
تحدثت مريم: "ما شاء الله عليهم حلوين يا طنط، صح؟ "أيوه، ما شاء الله عليهم. ربنا يتمم لهم على خير." "يارب." عادت تنظر إليهم بحزن وتحدثت مريم: "فيه حاجة مضايقاكي يا طنط؟ المكان مضايقك؟ تحبي نغيره؟ "لا يا حبيبتي، المكان جميل أوي. وكان اقتراح حلو إننا نخرج من البيت فعلًا، وبالأخص ملك بدل ما هي مربوطة جنبي." "أنا قولت نغير جو ليكم ولينا. أنا وزين مضغوطين بسبب الجامعة، وقولنا يوم نهرب فيه." "ربنا يوفقكم يا حبيبتي."
"طيب ممكن تقولي لي ليه في دموع في عينيكي؟ بدون مقدمات قالت: "أمنية حياتي قبل ما أموت أشوف ملك بالفستان الأبيض زي العروسة دي، بس مش هيحصل." "ليه بس يا طنط كده؟ بصي، رغم رفضها، بس متعرفيش النصيب لما بيجي، هي مش هتعرف تقول لأ." "طالت العمر ليها. أنا اللي هعيشه مش قد اللي راح يا مريم. كان نفسي أشوفها بالفستان أوي. بس أقول إيه، نصيب." عادت ملك وجلست. "إيه؟ كنتم بتتكلموا على إيه؟ قالت والدتها:
"كنت بقول لمريم فكرة خروجنا. كنت بفكر فكرة جميلة." اتفقت معها ملك: "أيوه فعلًا. أهو تغيير، والجو النهارده تحفة." عادت والدة ملك تنظر إلى البحر وتنهدت تنهيدة عميقة. لم تقل مريم شيئًا، كان صمتها مشاركة صادقة في لحظة شعورية لا تحتاج إلى كلمات. تحركت مريم واتجهت إلى زين الذي كان يلعب مع أطفال على الشاطئ ووقفت تنظر إلى والدة ملك ثم ملك في صمت. اقترب منها زين وحمل في يده حفنة من مياه البحر ووضعها على شعر مريم. "صرخت
مريم: زين بطل هبل! إيه ده؟ "مايه... ودلقتها على راسك عشان الرش بالمايه عداوة، لكن دلقها على الراس طراوة." "لا بجد. طيب."
أمسكت جردل في يد طفل وملأته بالمياه وركضت خلف زين ترشه عليه وهو يفلت منها. رفضت ملك الانضمام إليهم وجلست مكانها تشاهدهم وهما يمرحان بالقرب من الموج، يتركان آثار أقدامهما على الشاطئ ثم يضحكان وهما يهربان من المياه. كانت ملك تبتسم لهما ووالدتها تنظر إليها مطولًا بعينين يغمرهما رضا وحزن دافئ. كان البحر شاهدًا على يوم بسيط لكنه مليء بلحظات فرح وحزن سويًا.
بعد يومين، كانت مريم مع زين في المطعم وتحركا سويًا عائدين إلى المنزل. مريم وزين يسيران جنبًا إلى جنب يتبادلان الآيس كريم والضحكات الخفيفة بينهم. كان زين يتحدث بحماسة عن شيء ما، لكن مريم توقفت فجأة دون أن تقطع حديثه أو تصدر صوتًا. استمر في المشي خطوات قليلة قبل أن يلاحظ غيابها إلى جانبه. التفت بخفة يبحث عنها بعينيه، ثم وجدها واقفة ثابتة أمام واجهة زجاجية لمحل فساتين زفاف. كانت واقفة في صمت، عيناها معلقتان على فستان أبيض ناعم معروض تحت ضوء خافت يجعل قماشه يلمع كأنه من حلم. كانت تنظر إلى الفستان بشرود. عاد زين إليها دون أن يتكلم، وقف بجانبها في صمت يركز بصره على الفستان أيضًا
للحظات ثم قال: "ياترى هتعزميني ولا مش هتعرفيني؟ انتبهت لحديثه: "بتقول إيه؟ أعزم مين وأعرف مين؟ "أنتي... بما إنك دخلتي مرحلة الفستان خلاص." "عسل والله عسل." "أومال إيه السرحان ده؟ انتي محسساني إنك لقيتي فستان أحلامك، رغم إنه ستان فرح ونصوره سيشن عادي يعني." "أنا مش سرحانة في الفستان. سرحت في حاجة تانية." "خير يا عبقرينو." تحركا وبدأ يتمشيان بخطوات بطيئة وقامت بحكي ما دار بينها وبين والدة ملك. قال زين:
"مش فاهم. إيه علاقة وقفتك وتنحيتك في الفستان بكلام أم ملك؟ "جتلي فكرة هترضي جميع الأطراف ومفيش حد هيكون متضايق ولا حزين." "أشجيني وأنجزي." "مش أم ملك نفسها تشوف بنتها بالفستان الأبيض." "أيوه، اللي بعده."
"نلبس ملك الفستان الأبيض وتتصور سيشن بيه معاها مامتها. وأهو يبقى مامتها شافتها بالفستان الأبيض زي ما كانت بتتمنى، وملك لبسته لفترة صغيرة بدون ضغط ولا غصب على جواز، وهي زي ما هي. هنخلص تصوير هنرجع الفستان وخلاص. فركش." حدق بها زين للحظات وقال: " بتتكلمي بجد؟ "أيوه. فيها إيه؟ نعتبرها زي أي موديل بتعمل إعلان لفستان عادي يعني." "هي فكرة جميلة وفعلاً زي ما قلتي جميع الأطراف هتتراضي. بس هل ملك هتوافق؟
"لازم توافق. ده ساعة بس وعشان مامتها اللي نفسها تشوفها بالفستان." "اتكلمي معاها وشوفي لو كده، عرفيني مطلوب مني إيه وأنا معاكم." "الفوتوغرافر أخو صاحبك حامد، ده تصويره تحفة، وتظبط المكان على البحر زي العروسة اللي اتصورت من يومين اللي شفناها. وأنا أعرف ميكب أرتست كويسة، وتأجير الفستان خال صاحبتي عنده أتيليه، مش هيقول حاجة لو عرف الحكاية." "ما شاء الله عليكي فكرتي في كله." "أهم من الشغل، ظبط الشغل." وصلوا
أمام البناية وقالت مريم: "هي نايمة ولا صاحية؟ نظر زين إلى الساعة: "استني، الساعة 11 ونص. أكيد نامت. ملك بتصحى بدري. قبل ما تروحي جامعتك، انزلي اتكلمي معاها ونشوف الدنيا إيه." "تمام. يلا نطلع بقى." تحركت مريم بخطوات أكثر حماسًا إلى الداخل وتصعد الدرج وهي سعيدة، وينظر زين إليها بتعجب وهو يبتسم.
في اليوم التالي، قبل أن تذهب مريم إلى الجامعة، توجهت إلى منزل ملك. كانت ملك مستيقظة واستقبلتها وجلست معها. وجهها يحمل جدية غير معتادة. كانت تحاول إيصال فكرة صعبة، فكانت ملامحها متوترة بعض الشيء وكأنها تمشي على حافة مشاعر حساسة. قالت ملك: "مالك يا مريم؟ عاوزة تقولي حاجة؟ "بصراحة أيوه." "طيب قولي يا حبيبتي مالك؟ وشك جايب ألوان كده. انتي كويسة؟ "أنا الحمد لله كويسة. كلنا كويسين." "طيب الحمد لله. فيه إيه بقى؟
صمتت للحظة وقالت: "ملك، انتي عارفة إنك أختي، صح؟ ضحكت ملك: "أيوه. خير." "ولما بفكر في أي حاجة تخصك، بيبقى من باب حبي ليكي ولأنك تهميني إنتي وطنط." "فيه إيه يا مريم، اتكلمي مباشر." "بصراحة كده، عاوزاكي تصوري سيشن." تعجبت ملك: "سيشن إيه وليه؟ "هتلبسي فستان فرح." انكمشت ملك في جلستها: "إيه؟ "اسمعيني بس. الموضوع بسيط. هتلبسي الفستان وهتاخدي صورتين ياستي للذكرى حتى."
حاجباها مرفوعان بدهشة واستنكار. عيناها الواسعتان تعكسان رفضًا واضحًا. لوحت بيدها خفيفًا: "لا لا. إيه اللي بتقوليه ده؟ لا طبعًا." كانت ملامح ملك مزيجًا من الغضب والذهول. ورغم رفض ملك الصارم، لم تتراجع مريم وظلت تنظر إليها بثبات: "انتي عارفة أنا قولت كده ليه؟ عشان طنط يا ملك. مامتك."
تفاجأت ملك وانصت لحديث مريم. بدأت مريم تشرح بهدوء وثقة الفكرة والسبب الرئيسي الذي دفعها لتلك الفكرة. بدأت مريم كلماتها كخيوط تربط بين العقل والقلب، بينما ملك تنظر في عينيها بتردد واندهاش. كل كلمة قالتها مريم تترك أثرًا في ملك التي بدأت تتراخى شيئًا فشيئًا. مرت لحظات من الصمت، ثم تنهدت ملك ببطء وهدأت ملامحها ونظرت إلى مريم في صمت. تحدثت مريم: "اعتبري كده موافقة." ظلت ملك صامتة واستغلت صمتها مريم لانتزاع موافقتها:
"يبقى موافقة." كان القرار قد اتخذ. خرجت مريم من منزل ملك وكان زين ينتظر مريم أمام البناية وأخبرته بسعادة بموافقة ملك للفكرة: "ده انتي جبارة! وافقت ببساطة كده؟ "في الأول لأ طبعًا، بس أنا اضطريت أحكيلها كلام مامتها، وملك نقطة ضعفها مامتها، فوافقت عشان مامتها." "جميل جدًا. كده ناقص نجهز اليوم." "انت ظبط الفوتوغرافر والمكان، وأنا الميكب أرتست والأتيليه تمام." "تمام يا عبقرينو."
في صباح مشرق، وقف زين في المكان المتفق عليه، محاطًا بتجهيزات بسيطة لكنها أنيقة. المصور الفوتوغرافي يعد الكاميرا، والإضاءة تضبط بعناية على خلفية البحر الممتد بهدوء. كانت ملامح زين خليطًا بين الهدوء والتوتر. عينيه تمتلئان بالترقب والانتظار. يراجع الترتيبات بنظرات سريعة، بينما تمر الدقائق ببطء. وبعد نصف ساعة، لمح من بعيد طيفًا يقترب. ظهرت مريم بخطوات واثقة تدفع كرسيًا متحركًا تجلس عليه والدة ملك، وملك تسير إلى جانبها مرتدية فستان الزفاف الأبيض.
اقترب إليهم زين: "حمدًا لله على السلامة. إيه القمر ده يا ملوكة." ابتسمت بخجل. نظر إلى والدتها هامسًا: "اجهزي بقى يا جميل لأحلى سيشن. أنا وأنتي هندمر الدنيا."
ضحكت والدة ملك وسحب الكرسي وتحركا ووقفا مكان التصوير. كانت ملك ملامحها ممزوجة بخجل وادهشة، بينما والدتها تجلس في هدوء تنظر إليها بعينين تلمعان بمشاعر كثيرة لا تقال. زين تنفس بعمق وارتسمت على وجهه ابتسامة ممزوجة بالذهول والتأثر، ومريم تحاول أن تتمالك دموعها وكانت تبتسم.
بدأ المصور في توجيه الكاميرا بثبات وعدسته تلتقط أولى اللقطات لملك. إلى جانبها جلست والدتها على الكرسي المتحرك تنظر إليها بعينين لا ترمش، تتأملها كما لو تراها للمرة الأولى، أو ربما كما كانت تحلم أن تراها. عيناها خانتها وبدأت دموعها تنهمر منها بصمت. انهمرت الدموع بلا صوت ووجهها يرتجف برقة، مزيج من الفخر والحزن، من الفقد والاكتمال، من الذكرى والواقع. لم تحاول مسحها وكأنها تمنح تلك اللحظة كل ما بداخلها من مشاعر مدفونة.
استمر المصور في التقاط الصور لملك، وبعض الصور مع والدتها. كل لقطة تحمل قصة ومشاعر توثق مشهدًا مشحونًا بالمشاعر، لا يحتاج إلى ترتيب أو تزييف. مريم وزين يقفان بالقرب يراقبان بصمت وقلوبهما تنتفض من شدة ما يشاهدان. كانت لحظة صادقة خالصة، امتزج فيها الجمال بالألم، والحلم بالحقيقة، واحتفظت الكاميرا بها إلى الأبد.
انتهى المصور من التقاط الصور وبدأ يجمع عدته بهدوء. مريم اقتربت من والدة ملك ومسحت بخفة دمعة أخيرة على خدها وقالت لها: "شكرًا يا مريم ليكي إنتي وزين، حققتولي أمنية كانت مستحيلة." "أي حاجة يا طنط عاوزاها وتتمنيها، قولي لنا بس واعتبريها حصلت خلاص." اقترب زين إليهما وقال بمزاح: "صوري أنا وإنتي يا جميل ولا أروع." تحدثت مريم: "وصوري أنا؟ "لا، إنتي عادي مفيش جديد، الصورة زي الأصل، مختلفش كتير." خبطته مريم في
كتفه ونظر إلى والدة ملك: "بعد كل الجمال ده، ممنوع خروج غير لما تعرفيني ورجلي على رجلك. المصور كان عمال يعاكس فيكي وأنا سكت وقولت: عدّي يا ليلة، لكن مش هسكت تاني." ضحكت والدة ملك وقالت مريم: "لا ومقولكيش يا طنط، زيزو في الحمشنة مفيش أحمش منه." "يا سكر." ظلا يناقران بعض ووالدة ملك تضحك وهي تنظر إليهما نظرات تعبر عن الامتنان على ما فعلوه لها. اقتربت ملك مبتسمة: "يلا بينا."
عادوا جميعًا بخطوات بطيئة نحو السيارة وجلست ملك بجوار والدتها وهي تمسك يدها وتقبلها وتبتسم لها. وفي الأمام زين ومريم يراقبان الوضع عبر المرآة الأمامية ويتبادلان نظرات صامتة مليئة بالفخر. ساد الصمت وكان كل منهم غارقًا في مشاعره، في صورة داخلية في لحظة لن تنسى. عاد كل منهم إلى منزله وانتهى اليوم محمولًا بالدموع لكن دون حزن، مليئًا بالعاطفة دون كلمات وبالحب في أنقى صوره.
بعد مرور أسبوع، أرسل المصور الفوتوغرافي الصور إلى إيميل زين. وقام زين بطبع نسخة ووضعها في ألبوم أنيق وأعطاه إلى ملك. سعدت ملك بالألبوم وشكرت زين ودخلت إلى غرفة والدتها وجلست بجانبها على السرير تفتح الألبوم بهدوء وتقلب صفحاته ببطء. كل صورة تمر تترك خلفها ابتسامة خفيفة أو نظرة طويلة أو تنهيدة مكتومة. وجه والدتها كان يشع بضوء داخلي وعيناها تنعكسان فيهما مشاعر مختلطة من الحنين والامتنان. ملك تضحك بخجل حين ترى صورتها تبتسم ويدها تمسك بيد والدتها التي لم تفلتها منذ أن بدأت تتصفح الألبوم.
في منزل زين، تجتمع عائلة زين وعائلة مريم سويًا بحضور زين ومريم. يتبادلون النظرات، وبعضهم يضع يده على قمة رأسه في دهشة من الصور. كانت ملامحهم مشدودة تارة بتأثر وتارة بإعجاب. بعض العيون امتلأت بلمعة خفيفة من التأثر لم تخف رغم الابتسامات. قال محمود: "انتوا عملتوا كل ده لوحدكم ولا حد فينا يعرف." تحدث زين: "إحنا كبرنا يا حودة ونقدر نعمل حاجات كتير تبهركوا." تحدث كرم:
"بجد برافو عليكم، إنكم حققتوا أمنية لأم ملك بالشكل الجميل ده، رغم إن الموقف كان مجرد صورة بس شافت بنتها بالفستان واتصورت معاها." تحدثت سوسن بنبرة تأثرة: "حبيبتي أم أشرف، مفيش صورة مبتبكّيش فيها ولا عيونها مليانة دموع." تحدثت مريم: "بصراحة هي عيطت كتير يومها بس كانت فرحانة إنها شايفة ملك بالفستان." تحدثت سناء: "كانت هتبقى الفرحة حقيقية لو كانت حقيقية ومع عريسها، مش مجرد صورة." تحدثت مريم:
"يا ماما، ده أنا عملت حوار عشان ملك توافق على صورة، متخيلة كانت هتقتنع عشان أمها لما أقولها اتجوزي عشان مامتك." "مش كده بس. فايدة إيه الصورة وهي عارفة إن بنتها لوحدها." تحدث كرم: "إنها شافتها بالفستان يا سناء. الإفادة إنها شافتها أحسن من ما كانت ما تشوفهاش خالص." تحدث محمود بحدة: "اللي عملتوه ده حاجة جميلة، بس أتمنى متتصرفوش في موقف كده لوحدكم، على الأقل حطونا في الصورة." تحدث زين:
"ما أنتم كنتم في الصورة. إحنا اتكفلنا بنص التكاليف والنص منكم، يعني كنتم معانا. لكن أوعدك يا حودة بعد كده هتكونوا أول الحاضرين." نظرت سوسن إلى صورة ملك ومريم وبابتسامة قالت: "عقبال صورتك الحقيقية يا ميما بفستان بتاعك وعريسك جنبك كده، صورة العمر يا حبيبتي." ابتسمت مريم وتبدلت ملامح زين وقال: "إيه الكلام اللي ملوش لازمة ده." أغلق اللابتوب وحمله في يده وقال: "يلا يا ميما، ورانا مذاكرة والمسابقة بتاعتك إيه؟ نسيتيها؟
"آه فكرتني. محتاجة أراجع على حاجة." "طيب يلا قدامي عشان منسمعش كلام يكدر اللحظة." ضحكت مريم وتوجها إلى السطح وقالت مريم بمزاح: "انت ليه بتتعفرت لما حد بيدعي لي بالجواز؟ أنا هتجوز على فكرة، مش هقعد جنبك."
"هو أنا قولت متتجوزيش، لكن كل حاجة لوقتها. لما يظهر الشخص المناسب وقتها نتكلم. لكن غيبيات وكده مبحبش. اللي عاوز يدعي دلوقتي يدعي بنجاح صافي لينا، وإنك تكسبي المسابقة اللي خطفتك عن الحياة، والشركة تفتح على خير بدون أي عراقل وعطلة." "إن شاء الله هننجح صافي وتقدير كمان، وهكسب المسابقة والشركة هتفتح لأن كريم مش ساكت، وانت شاطر وهتنجحها وهتبقى أنجح شركات للخدمات المالية في الإسكندرية." ابتسم زين لمديح مريم له وقال:
"وعد يا ميما، أول ما أجمع فلوس من الشغل هاخدك ونسافر إيطاليا ونلف براحتنا." "وأنا قبلت الوعد ومستنية." ابتسم زين وقال: "يلا ادخلي الصومعة وأنا هراجع على اللابتوب شوية." "وبعدها نطلب أكل ونتفرج على فيلم." "موافق." كان الساعي تقترب من منتصف الليل. الهدوء يخيم على المكان. تجلس مريم على الأريكة بجوار زين يتابعان فيلمًا على شاشة اللابتوب وهما يأكلان. فجأة رن هاتف مريم وتبدلت ملامحها حينما رأت اسم المتصل: "ملك." تفاجأ زين:
"غريبة، ملك تتصل دلوقتي. ردي." التقطت الهاتف بقلق وما أن وضعت السماعة على أذنها حتى تجمد وجهها، ثم وقفت فجأة ونظرت إلى زين قائلة: "اهدأ، إحنا جايين." أغلقت الهاتف وقال زين: "فيه إيه؟ "ملك بتعيط. بتقول مامتها. يلا يا زين."
اندفعا نحو الباب ووصلا إلى باب منزل ملك ورن الجرس. فتحت ملك الباب وعيناها غارقتان في الدموع ووجهها شاحب. لا تنطق بكلمة واحدة. تحرك زين إلى الداخل وظلت مريم مع ملك. دخل زين إلى الغرفة التي تنبعث منها رائحة الهدوء الأبدي. كانت والدة ملك مستلقية على السرير في سكون تام. ملامح وجهها ساكنة بسلام ولكنها بلا حراك. اقترب منها، ناداها برفق، ثم كتفها بلين، ثم بانفعال، ولكن لا استجابة. ارتبك للحظة ثم اتصل بوالده وبالإسعاف. بعد
دقائق بدت كأنها ساعات، وصل الإسعاف. دخلوا بسرعة، فحصوا النبض، ثم تبادلوا نظرات صامتة. في لحظة واحدة، خيم الحزن الكثيف على المكان. ملك جلست على الأرض رأسها بين يديها، وزين وقف صامتًا يحاول التماسك، بينما مريم جلست بقرب ملك ودموعها منهمرة دون توقف. تمسك يد ملك بيدها المرتجفة، ولا شيء يُسمع سوى صوت البكاء المكتوم.
يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!