بعد مرور عامان، تم زواج كلا من محمود وسوسن، وكرم وسناء. حياتهم كانت مستقرة، وكانوا لبعضهم العائلة، بالاخص بعد وفاة والد سوسن، واستقرت مع محمود في الإسكندرية نهائيًا. في يوم، شعرت سناء بالاعياء الشديد، وبعد الكشف علمت بحملها. كان الخبر مفرحًا للجميع، ولكن بعد مدة قصيرة، لم يكتمل الحمل، وخضعت لعلاج لمدة طويلة.
على الجانب الآخر، سوسن لم يرزقها الله فرصة أن تكون أم، وبعد الكشف لم يوجد أسباب لديها أو لمحمود. فقررا أن لا يفكروا، ولم يشغلا بالهم، وتركا الأمر في التوقيت المناسب. بعد مرور عامان. رن جرس باب منزل كرم وسناء، وهمت سناء بفتح الباب. "أيوة؟ "منزل محمود عطا الله؟ ارتاعت سناء من رؤية شخص يرتدي زي الشرطة، وقالت: "لا، الشقة اللي قدامي دي." "أنا آسف."
تركتها، وظلت سناء واقفة لم تغلق الباب. وتحرك بخطواته إلى أمام منزل محمود، ورن الجرس. وفتحت سوسن الباب بعد لحظات. "منزل محمود عطا الله؟ "أيوة. في حاجة؟ "مطلوب استدعاء في قسم المنشية." قدم لها إعلان الاستدعاء، وقالت سوسن بنبرة صوت مضطربة: "استدعاء لإيه؟ هو عمل إيه؟ "لم يروح هيعرف. لازم يروح شخصيًا النهارده، يا ريت." "حاضر." تركها وغادر. وذهبت إليها سناء بملامح مضطربة لتطمئن عليها. "في إيه؟
"علمي علمك. هكلم محمود وأقول له." "ادخلي، أنا جايه معاكي." بالفعل، اتصلت بمقر عمل محمود وأخبرته بأمر الاستدعاء، واستأذن من عمله وذهب إلى قسم الشرطة كما طلب منه. قابل الضابط، وأثناء حديثه مع الضابط، طلب دخول أشخاص من الخارج. بعد لحظات، فتح الباب ودخل رجل مسن وطفل يبلغ من العمر 5 أعوام.
تحدث الضابط وقال: "أمينة عبد الفتاح، مرات عطا الله رجب، اتوفاها الله بعد معاناة مع المرض. وكانت موصية لو حصل لها حاجة، ابنها كريم، شقيقك، يروح لك. فالحاج محمد، قريب أمينة، جه هنا عشان نتواصل معك."
كان محمود ينظر إلى كريم، أخيه الصغير، الذي بدا عليه الخوف. عيناه كانت ممتلئتين بالقلق، ويداه ترتجفان بخفة. ابتسم محمود إليه واقترب منه بهدوء، دون أن يقول شيئًا. فقط مد يده نحوه بلطف، وأمسك بيد كريم الصغيرة، وابتسم في وجهه ابتسامة مطمئنة. ثم طبطب على يده بحنان. ثم اقترب أكثر واحتضنه بقوة ودفء، فارتاح كريم بين ذراعيه وسكنت ملامحه شيئًا فشيئًا. كان حضنًا صغيرًا، ولكنه حمل في لحظته كل الطمأنينة التي يحتاجها قلب خائف.
أثناء خروج محمود من قسم الشرطة، تقابل مع كرم، وتفاجأ كرم بـ كريم وهو ممسك يد محمود. في أثناء عودتهم إلى المنزل، سرد محمود ما حدث. في المنزل، كانت سوسن جالسة قلقة ومتوترة، وسناء تحاول تهدئتها. فتح باب المنزل، وبخطوات سريعة توجهت سوسن اتجاه باب المنزل، هي وسناء. وشاهدا محمود وبرفقته كريم، وفي الخلف كرم. "كانوا عاوزينك ليه؟ ومين دا يا محمود؟
نظر محمود إلى كريم مبتسمًا: "دا كيمو، كريم أخويا. روح سلم على أبلة سوسن يا كيمو." ذهبت نحوه سوسن وهي مبتسمة: "كريم! إيه النور والجمال دا؟ نورت بيتنا يا كيمو." تحدث محمود: "كريم هيعيش معانا من دلوقتي." نظرت إليه مرة أخرى وقالت: "نورت بيتك يا كيمو." دخلوا وجلسوا جميعهم، وظل كريم ينظر إليهم بملامح خوف وقلق. ومحاولة من سوسن لتودد إلى كريم، ذهبت نحوه وقالت مبتسمة: "إيه رأيك يا كيمو؟ أنا كنت عاملة جيلي، بتحب الجيلي؟
أومأ برأسه. فمدت يدها نحوه وهي مبتسمة: "نغير هدومنا وناخد شاور جميل الأول، ونقعد ناكل الجيلي. اتفقنا." ابتسم كريم وذهب برفقة سوسن. عاد كرم وسناء إلى منزلهم. وجلست سوسن مع محمود وكريم يشاهد الكارتون أمام التلفاز، وسرد محمود لها ما حدث. "طيب، ليه مجاش هنا على طول؟ كان ليه القسم؟ ابتسم محمود: "خاف. خاف مرداش أخده وأطارد، فحب يحطني قدام الأمر الواقع." "لدرجة دي؟
"اللي كان بيني وبين بابا الله يرحمه، عرف أهل البلد إني براوي، فكانوا فاكرين إن قلبي قاسي، وهقسى على طفل صغير وأخويا اللي ملوش غيري." نظرت نحوه سوسن مبتسمة: "جميل. ما شاء الله عليه. حبيته أول ما شوفته." "رزق ربنا بعتهولنا يا سوسن." "رزق جميل يا محمود." "يعني إنتي مش مضايقة فجأة كده ومن غير مقدمات، في طفل هيعيش معاكي؟ "لا خالص. يمكن ربنا بعته لينا في الوقت ده يملى الفراغ اللي في حياتنا، وننشغل معاه لحد ما ربنا يكرمنا."
أمسك محمود يد سوسن وطبع عليها قبلة خفيفة: "ربنا يخليكي ليا." "ويخليك ليا يا حبيبي. إحنا كده محتاجين نظبط الغرفة الفاضية، نجيب دولاب وسرير، وتبقى غرفة الأستاذ كريم." ابتسم محمود: "حاضر. بكرة بعد الشغل ننزل نختار ونشوف إيه نقدر نجيبه دلوقتي." بعد مرور 10 أيام من وجود كريم. ذات يوم، أعدت سناء حلويات وذهبت برفقة كرم إلى منزل محمود وسوسن. بعد الحديث الرباعي، انسحبت سوسن وسناء للمطبخ، وجلس محمود وكرم بمفردهم.
لاحظ كرم نظرات محمود تجاه كريم. "مالك يا حودا؟ "حاسس إني اتاخدت." "ليه كده؟ "مسؤولية اترمت عليا مرة واحدة، ومش عارف هكون قدها ولا لأ." "أكيد قدها. لأنك لو مكنتش قدها، مكنتش مرات أبوك طلبت منهم كده." "حاسس كنت محتاج وقت أتجهز." "تجهز لإيه بالظبط؟ إنت كنت عارف إن عندك أخ، يعني متفاجأتش. أيوه، مكنش فيه علاقة، وإنت مشوفتهوش غير مرتين لما اتولد، لكن كان عندك خلفية."
"ولا مرة خطر على بالي إن ممكن ده يحصل. الاحتمال الوحيد اللي حطيته إنه لما يكبر ويبقى شاب، هيظهر قدامي وأشوفه. لكن دلوقتي وهو صغير كده، متخيلتش." "طيب، فكر فيها إن ده الوقت اللي تختبر به نفسك يا محمود." "أختبر إيه؟ "تختبر هل إنت نسخة من أبوك ولا فعلًا قفلت على الماضي. هل هتكرر اللي عيشته مع أبوك، ولا هتخليه يعيش اللي إنت كنت عاوز تعيشه." صمت محمود.
واستكمل كرم حديثه: "لو عاوز نصيحتي يا محمود، قرب له وخليه في حضنك. طلع أحسن منك، واثبت لنفسك إنك صح، ولأبوك إنك صح بتربيتك لكريم. كريم ظهرلك في وقت إنت محتاجه فيها، ويمكن تأخير الحمل كان لأنك مش جاهز، وكريم هيخليك تجهز لأولادك بعدين. كريم ملوش ذنب، ولا إنت ليك ذنب على اللي عيشته. لكن لأنك مستسلمتش، شوف وصلت لإيه. في بيتك مع الإنسانة اللي بتحبها، وباب مقفول عليكم."
نظر كرم نحو كريم وقال: "هدية جميلة ربنا بعتها لينا كلنا في فترة الكل مش كويس." أدرك محمود تلميح كرم على موضوع الأطفال، علاج سناء وتأخر سوسن. نظر نحو كريم وهو يلعب، وابتسم. بعد مرور فترة، وسوسن ومحمود وكريم يجلسون حول مائدة الطعام. ينظر محمود تجاه سوسن وهي تطعم كريم، وقال مازحًا: "يابختك يا عم كريم. دلع واهتمام فاخر من الآخر." نظرت نحوه سوسن ضاحكة: "إيه ده؟ إنت غيران يا حودا ولا إيه؟ "أنا لأ خالص. لأ خالص. أيوه جدًا."
أمسكت قطعة لحمة واقتربت لفم محمود: "بالهنا يا حبيبي أنا." "أيوه كده. مرة هو ومرة أنا." ضحكوا على مزاحهم. وتحدثت سوسن: "نسيت أقولك صحيح. أنا وسناء النهارده لفينا على كذا حضانة عشان كريم يبدأ بقي يتمهد لدخول المدرسة." "ولقيتي مكان كويس؟ "مكانين. لسه هنشوف إيه فيهم أحسن. شخلل جيبك بقى، يونيفورم وشنطة مدرسة وحوار كبير أوي." ضحك محمود: "جمعيات بقى." "الله يعينك يا حودا. كنت عاوز أقترح عليك اقتراح، مجرد اقتراح."
"قولي. سامعك." نظرت إليه متخوفة وقالت بهدوء: "كنت بفكر أروح البنك وأسحب مبلغ." "ليه؟ "يعني إنت شايف بقى معانا طفل ومحتاج مصاريف وكده يعني و... قاطعها محمود: "هل أنا اشتكيتلك يا سوسن؟ هل أنا قلت اتصرفيلي؟ لما أقول كده، روحي البنك. لكن طول ما أنا مقلتش، فإنتي مش هتسحبي جنيه تصرفيه على البيت ده، ولا عليا، ولا على كريم. فلوس اللي في البنك دي فلوس ميراثك من أبوكي الله يرحمه. أنا قلت لك إنتي حرة فيهم لنفسك وبس. لنفسك وبس."
"لكن يا محمود، ما فيهاش حاجة لو ساعدتك. والله ما قصدي إنك مقصر، إنت مش مخلي نفسي في حاجة." "طول ما فيا نفس، مش هخلي في نفسك حاجة يا سوسن. وإنتي بتساعديني جدًا. مخلي بالك من البيت ومني، ودلوقتي بكريم، وإن شاء الله بولادنا. مش مطلوب منك أكتر من كده. اللي محتاجاه منك وجودك المعنوي معايا، ده اللي بيقويني أكمل سعي. لكن فلوسك لأ، مش هينفع يا سوسن، صدقيني." ظلت تنظر نحوه وبملامح حزينة. فامسك يدها
وطبع قبلة في كف يدها وقال: "أنا كفاية عندي وجودك معايا يا سوسن." "أنا معاك لآخر يوم في عمري." "ربنا يخليكي ليا." نظر نحو كريم مبتسمًا: "ولا الأستاذ كيمو." ابتسم كريم وأومأ برأسه بسعادة حينما علم بذهابه إلى الروضة. تحرك محمود من مكانه وعاد بشيكولاته وأعطاها لكريم، وفرح جدًا بها وضم محمود لشرائه لها. وباله محمود الحضن وهو مبتسم وسعيد. وجلسا سويًا يشاهدا فيلم الكارتون.
كان محمود الواصي القانوني على ميراث كريم من والده ووالدته، ووضعها محمود في البنك كوديعة له حينما يبلغ سن الرشد ويكون مسؤول عنها. وتكفل محمود بجميع مصاريفه من ماله الخاص. مر عام على تلك الحالة. وفي إحدى المرات، وسناء مع سوسن في المنزل، تجلسان تتحدثان. شعرت سوسن ببعض التوعك في معدتها وتوجهت إلى الحمام. أصرت سناء على ذهابها للطبيب ليطمئنوا عليها. وبالفعل، ذهبت برفقة سناء. وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل،
أخبرهم الطبيب: "مبروك. حامل." لم يستوعبا الخبر. تبادلا النظرات، وأعينهم امتلأت بالدموع، وضما بعضهما وهما سعداء. عادت سوسن إلى المنزل تنتظر محمود لتخبره بالخبر السعيد. خبر كانوا ينتظرانه منذ 4 أعوام. عاد من الخارج، وجد سوسن جالسة، واضعة رأسها بين يديها وتنظر إلى الأرض. ذهب نحوها مسرعًا: "سوسن. في إيه؟ رفعت رأسها للأعلى، وكانت عيناها تنهمر بالدموع، مما أشعر محمود بالقلق عليها: "في إيه يا سوسن؟ لسه تعبانة؟
تعالي نروح المستشفى." أمسكت يده وقالت بنبرة صوت مليئة بالبكاء: "محمود." "أيوة." نظرت نحوه للحظات، وأخرجت نتيجة تحليل الدماء، وقالت: "أنا حامل. أنا حامل يا محمود في شهر ونص." لم يستوعب محمود كلماتها. وجلس على المقعد خلفه وهو ينظر في نتيجة التحليل، إنها إيجابية. ونظر نحوها: "بجد؟ بتتكلمي بجد؟ أمسك أوراق الفحوصات والتحاليل مرة أخرى: "الورق ده بيقول كده، والدكتور قال كده."
ابتسم بسعادة ونظر نحوها. وتقفز من مكانه وضما بين ذراعيها، وظل يقبل وجهها مرددًا: "الحمد لله. الحمد لله." بعد لحظات، هدأ وجلسوا، ونظر نحوها وهو مبتسم وقال: "ودا يخليكي تعيطي كده وتعملي في نفسك كده؟ خضيتيني." "مش مصدقة يا محمود. مش مصدقة، بعد 4 سنين يحصل. هو أنا بحلم؟ أمسك يدها، ويبحاول يستجمع أعصابه ليتحدث إليها: "حبيبتي يا سوسن. ربنا كافئنا بعد صبرنا. ده هدية ربنا لينا. مبروك علينا يا حبيبتي."
ضمها لحضنه وطبع قبلة أعلى رأسها، وألقى بنظره لأعلى مرددًا: "الحمد لله. الحمد لله." في منزل كرم، يتناول العشاء مع سناء. لاحظ صمتها، وأمسك يدها: "تسلم إيدك. البامية تحفة." ابتسمت وقالت: "ألف هنا يا حبيبي. أنا هقوم أعمل شاي." تركته وتوجهت للمطبخ، أعدت الشاي ووضعت الكوب أمام كرم، ودخلت لغرفتها لتنام. لم يكمل كرم الشاي، وتحرك خلفها، واستلقى على السرير بجوارها.
كانت سناء مستيقظة. وحينما دخل كرم الغرفة، أغمضت عيناها. ولمحها كرم. التفت وضمها وقال هامسًا: "أنا عارف إنك صاحية يا سناء." فتحت عيناها واستدارت اتجاهه، وقال: "مش هتقولي مالك؟ "مش عارفة هتفهمني صح ولا لأ؟ "ومن إمتى مفهمتكيش صح؟ ولو حتى مفهمتش صح، حقك تتكلمي وأسمعك. لكن أنا هقولك، حمل سوسن صح؟ "والله... والله يا كرم أنا فرحانة لسوسن جدًا." ضمها في حضنه وقال بصوت حنون: "لكن حسيتي بحزن في قلبك شوية صغيرين."
"بصراحة أيوه. بس والله أنا فرحانة ليها، ربنا يعلم." طبع قبلة أعلى رأسها وهو ضاممها لحضنه، وقال بصوت هادئ: "أولًا، طبيعي تحسي كده لأنك إنسانة. إحنا مش ملايكة. وده مش معناه تكرهي سوسن أو تضايقي عشانها. إنتي حسيتي بحزن عشان حاجة نفسك تعيشيها، وإنتي حاسة إنها اتأخرت شوية. لكن هقولك حاجة... عارفة أنا حسيت بإيه أول ما سمعت الخبر من محمود؟ "إيه؟ "حسيتها إشارة. إشارة لينا؟ قالت بتعجب: "إشارة؟
"أيوه. إحنا وهما من وقت ما اتجوزنا، وإحنا بنسعى للأولاد صح؟ "أيوه." "وكل واحد وأسبابه. لكن إحنا عملنا إيه؟
حمدنا ربنا بعد ما عملنا اللي نقدر عليه. لا استسلمنا للتشاؤم، ولا سودنا الدنيا في وشوشنا، ولا اعترضنا على قدره. بالعكس، أيوه زعلنا، لكن على طول رضينا وسلمناه أمرنا وصبرنا، منتظرين بشايره. بدأت بأول بشرة، وهي بظهور كريم في حياتنا. وبعده بفترة، أهو حمل سوسن، وإن شاء الله ربنا هيرضينا إحنا كمان في الوقت اللي مكتوب لينا فيه. أنا متأكد وواثق في ربنا إنه هيفرحنا إحنا كمان، لأنه عادل ورحيم. ولغاية ما يحصل ده، زي كريم ما واحد مننا، ولاد محمود وسوسن هما ولادنا يا سناء، صح؟
"أيوه أكيد. بس والله ما مضايقة من سوسن." ابتسم كرم وضمها لحضنه أكثر: "أنا عارف ومتاكد كمان. مش محتاجة تحلفي. إحنا ندعيلها يكمل على خير، وإنتي معاها أختها، لأن سوسن معندهاش حد يقف معاها في الظروف دي." "مش محتاجة توصيني. سوسن أختي." ضمها لحضنه أكثر: "أنا متأكد من كده، لأن مفيش حد قلبه جميل زيك. بحبك." "أنا كمان بحبك أكتر. ربنا يخليك ليا يا كرم."
فترة حمل سوسن، كانت سناء ترافق سوسن في كل خطواتها خارج المنزل، وتقضي أغلب الوقت معها لرعايتها والاهتمام بها، و بكريم. كانت علاقتهم أخوات بالفعل. مر 9 شهور الحمل، وذهبت سوسن للمشفى للولادة. وكان الجميع متوتر في انتظار خروج سوسن والمولود بخير. خرجت سوسن لغرفتها، وبعد قليل جاءت الممرضة وهي تحمل بين ذراعيها الطفل الصغير، وحمله محمود بسعادة. اقترب إليه كرم وقال: "وبقيت أبو العيال يا حودا. مبروك يا حبيبي."
"الله يبارك فيك يا أبو الكرم يا غالي." تحدثت سناء: "مبروك يا محمود، يتربى في عزكم وتشوفوه أسعد الناس." "عقبالكم يا سناء." قالت سناء: "ها، قررتوا على الاسم؟ سوسن كانت بتقول لو ولد هيكون زين، ولو بنت هتكون مريم." ضحك كرم وهو ينظر إلى محمود: "إنت لسه فاكر يا محمود؟ نظر نحوه ضاحكًا: "وهو دا يتنسى؟ قالت سناء: "هو لازم الاسمين دول؟ وإنتي إيه رأيك يا سوسن؟ بصوت منهك: "مقدرش أتكلم، لأن الاسمين حلوين بصراحة."
تحدث محمود مازحًا: "أنا اللي هروح أكتب الاسم، فمفيش مجال خلاص." قال كرم: "العرق الصعيدي نطر وقفش. انسي يا سناء." استكمل محمود حديثه: "وعلى اتفاقنا يا أبو الكرم، هنسمي على حسب مين جه الأول. زين نور حياتنا. زين محمود عطا الله." تحدث كرم: "مبروك علينا زين يا أبو زين." تحدث محمود مازحًا: "انجزي بقى يا عم كرم، والحق مريم لحسن كمان 9 شهور هاخده." ضحك كرم: "وإنت ضمنك اللي جاي هيكون بنت مش ولد؟
"أنا قلبي حاسس إنه هيكون بنت. الحق إنت بقى، أنا مقلتلكش." مر كرم كم القميص وأمسك يد سناء: "يلا." "يلا إيه؟ "يلا نلحق مريم، لحسن عارفة أبو زين هياخد الأسماء كلها." ضحكوا جميعهم. وتحدثت سوسن بنبرة صوت منهكة: "إن شاء الله ربنا هيرزقكم بأحلى طفل في الدنيا." نظر محمود إلى زين وقال هامسًا: "أهلاً بك في حياتنا يا زين يا صاحبي وحبيبي." اقترب كريم وقال لمحمود: "عاوز أشوف النونو أنا كمان." انحنى محمود واقترب لكريم بزين،
وقال له: "كريم، إنت هتكون لزين الضهر والسند. إنت هتكون في مقام أخوه الكبير." "هنلعب مع بعض." "هتلعبوا وهتعملوا كل حاجة مع بعض." وضع كرم يده على كتف محمود وقال بنبرة مليئة بالسعادة: "عيلتنا بتكبر يا حودا." عادت سوسن إلى المنزل، وكانت ترافقها دائمًا سناء. والمنزل أصبح به حياة بوجود المولود الجديد بينهم. عاشوا فترة مليئة بالسعادة والبهجة، ولكن الحال لم يستمر كما هو.
بعد مرور 5 أشهر، تبدلت أحوالهم بدون ترتيب. أعلنت الشركة التي يعمل بها كرم ومحمود بقرار إغلاقها نهائيًا. وكانت مفاجأة للجميع، فالقرار كان مفاجئًا بدون سابق إنذار. ورغم صعوبة الموقف، اتفقا محمود وكرم ألا يخبرا كلا من سوسن وسناء حتى لا يفزعا، وتحملوا المسؤولية بمفردهم. وبدأوا يبحثون عن عمل آخر.
بالفعل، يوميًا كان يغادرون العمل في موعدهم الطبيعي، ويتوجه كل منهم في اتجاه لمقابلات عمل. واستمر البحث عن العمل لمدة شهرين، حتى وجدا عمل. محمود كاشير في سوبر ماركت، وكرم كاشير في إحدى المكتبات. ذات يوم، وهما يجلسان في مقهى بمفردهما: "إيه أخبار الشغل معاك يا أبو الكرم؟ "ماشي الحال. وإنت؟ يدخن محمود سيجارة: "الحمد لله. أحسن من مفيش." "فعلًا أحسن من مفيش. إنت عندك مسؤوليات كتير، الله يعينك."
"لولا فلوس الجمعية اللي قبضتها قبل ما نسيب الشغل على طول، مكنتش هعرف أغطي المصاريف. شفت لما قلت لك الجمعية دي مش لازم يعرفوا سوسن وسناء عنها حاجة." "كنا داخلينها بهدف نفاجئهم بيها. روحنا إحنا اتفاجئنا." ضحكوا. واستكمل كرم وقال: "لكن تصدق، الكدب مبيطولش. أهم عرفوا لما سناء جت المكتبة بالصدفة." "فتقوم إنت تقرر الحقيقة على طول إن أنا كمان سبت الشغل."
"ماهو إحنا في شركة واحدة. هيمشوني أنا وإنت لأ. أنا قولتلها الشركة قفلت." "يا عم، كنت تقول قفلت على محمود ونسيوني جوه." ضحكوا. واستكمل محمود: "بس والله بنات حلال، سوسن وسناء. اتقمصوا، لكن اتراضوا على طول." "الحمد لله. سناء قعدت يومين كاملين مبتتكلمش معايا، وبعدين رضيتها بالعافية." "صعبة أوي الحريم يا أبو الكرم." ضحك كرم ومحمود وقال: "أوي أوي. إن شاء الله ربنا هيفرجها علينا بشغل أحسن لهم." ينظر محمود
أمام إحدى المحلات وقال: "ياااه يا أبو الكرم، لو يبقى لينا شغل لينا إحنا أصحابه، منبقاش تحت رحمة حد يمشينا في أي لحظة." "الله كريم يا حودا." "الله كريم." استمر محمود ينظر نحو إحدى المحلات وهو يدخن سيجارته وشارد. في المنزل، عاد كرم، وأعدت سناء طعام العشاء، وجلسوا يتناولون الطعام. وتحدثت سناء: "كرم، أنا في حاجة عملتها، مش عاوزاك تزعل مني؟ "عملتي إيه؟ "الحج كلمني النهارده بيسأل عليك وعلينا، وأنا قولتلها."
تبدلت ملامح كرم: "قولتلها إيه بالظبط؟ "قولتلها إن الشركة قفلت، وإنت دلوقتي شغال في مكتبة كاشير." "ليه يا سناء؟ "معرفش الكلام جاب بعضه، بس هو كان لازم يعرف يا كرم." قال بغضب: "ليه لازم؟ ليه؟ "عشان يساعدك. إنت ابنه. المبلغ اللي كان بيبعته أول ما اتجوزنا اتقطع، وهو عنده خير. حقك عليه يساعدك يا كرم." "وأنا مش عايز مساعدته. وبعدين إنتي متعرفيش اللي فيها كمال." "ماهو أنا قولتلها عشان كده." "إيه؟
"يمكن لما يعرف كمال ويعرف وضعك، وإنك السنين دي كلها مطلبتش جنيه، قلبه يحن عليك. إنتوا أخوات." "قلبه يحن؟ "في أبسط الظروف والأحوال، الناس بتتبدل حالها. مفيش حاجة بعيدة عن ربنا يا كرم." "أنا عارف إن الوضع صعب عليكي والحال اتغير و... قاطعته: "بس بس. هو أنا بقولك كده عشان تقول الكلمتين دول. أنا أعيش معاك في أي حال يا كرم، كفاية أكون معاك. أنا بتكلم عشان حقك ده حقك." صمت كرم، وعادوا لتناول الطعام.
في يوم ليلاً، رن هاتف المنزل، وأجاب كرم، وكانت إلهام زوجة أخيه، وكانت نبرة صوتها متغيرة: "في إيه يا إلهام؟ "الحاج عاوز يشوفك يا كرم ضروري." "في إيه؟ "لما هتيجي تعرف. بس تعالي الصبح." بالفعل، ذهب كرم إلى البحيرة صباحًا، وكان مترددًا وقلقًا من مقابلة والده وكمال كالعادة. وصل المنزل، وكانت زوجة أخيه إلهام، ملامحها متبدلة عن العادة وحزينة: "في إيه يا إلهام؟ "الحاج تعبان أوي يا كرم، وكان مصمم يشوفك."
بخطوات سريعة، توجه إلى الغرفة، وكان والده مستلقى على ظهره في السرير، وليس كالعادة كان يكون في وضع الجلوس. ملامح وجهه شاحبة. أقبل نحوه كرم، وأمسك يده: "مالك يا حج؟ قلقتني عليك ليه كده؟ هو مفيش دكتور شافك؟ دخلت إلهام الغرفة ومعها صينية العصير، وقالت: "والله يا كرم، كذا دكتور يجي ولسه، وآخر واحد ماشي من ساعة، وكمال راح يوصله المركز." "قال إيه؟ "مقالش جديد، كتب علاج ومشي، وقال هيبقى كويس إن شاء الله."
"إن شاء الله. أنا عارف إن الحاج عاوز يقلقنا عليه عشان يعرف غلاوته." تحدثت إلهام: "غالي والله غالي." خرجت إلهام، وعاد كرم ليتحدث مع والده: "متقلقناش عليك يا حج بقى." تحدث والده بصوت هزيل: "أنا عارف يا كرم إني جيت عليك كتير وظلمتك، ومقدرتش أحميك وأحمي حقوقك قدام كمال أخوك." قاطعه كرم حينما لاحظ تدهور حالته وهو يتحدث، وقال: "متتكلمش يا حج، متقولش حاجة. بلاش الكلام، هتتعب أكتر، إنت محتاج ترتاح."
"اسمعني يا كرم يا ابني. يمكن ربنا طول في عمري للحظة دي عشان أقولك الكلمتين دول." "ربنا يطول في عمرك يا حج." "مد إيدك تحت المخدة." مد يده، وكان ظرف. واستكمل والده كلماته: "ده شيك فيه مبلغ كويس، أفتح لك مشروع، وإنت تكون صاحبه، وكفاية تشتغل عند الناس." "يا حج." قاطعه: "اسمع كلام أبوك يا كرم. دي فلوس، وده حقك. خد الفلوس دي، ومتعرفش كمال خالص." في تلك اللحظة، دخل كمال، ولمح الشيك في يد كرم. وسريعًا
أمسك الشيك: "هو إنت يا حج، لما قلت لي عاوز سيولة في حسابك عشان هتديهم ناس معارف عشان الشغل، هتاخدهم عشان كرم؟ لاحظ كرم نبرة كمال الحادة لوالده المريض. لم يستطع لجام غضبه مثل العادة، وتحدث: "متزعقش لأبوك يا كمال، واتكلم كويس معاه، ده أبوك ومريض." رد عليه كمال بانفعال: "إنت بتعلي صوتك عليا؟ صوت على في البيت، ما شاء الله." "كمال." "إنت متقولش اتكلم ولا متكلمش. بتضحك عليه بمسكنتك وتسحب فلوس."
"هو حر في فلوسه. دي فلوسه يا كمال، محدش له حق يحاسب الحاج." "لأ، وفلوسي أنا اللي اشتغلت وتعبت يا أستاذ كرم." "كمال، التزم حدودك، إنت في عز أبوك." ضحك كمال ضحكة سخرية: "ما شاء الله، هتضربني يا كرم؟ اضرب. اضرب." احتدم الجدال بين كمال وكرم. وبنبرة غضب، رغم مرضه، تحدث والدهم وأنهى حديثهم، وطلب من كرم أن يغادر المنزل. وبالفعل، غادر كرم غاضبًا من أخيه كمال. وأمام والده، قام كمال بقطع الشيك أمام
أعين والده وقال بحزم وغضب: "مفيش جنيه كرم هياخده." وغادر الغرفة. بعد مرور شهر، في المتابعة الشهرية لسناء، وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل. كانت النتيجة إيجابية، وتم تأكيد الحمل. كان خبر حمل سناء ملأ المنزل سعادة، ولم يشغل تفكير كرم سواء سناء وحملها. وكما كانت سناء مع سوسن في حملها، كانت سوسن ترافق سناء في حملها، والاهتمام بها أيضًا أكثر من عائلتها.
في يوم، في منزل محمود، اجتمعوا لتناول الطعام. وبعد ما انتهوا، جلسوا يتناولون الحلويات. دخلت سوسن لتنيم كلا من كريم وزين، ثم خرجت وجلست برفقتهم. وتحدث كرم: "تسلم الأيادي يا أم زين." "الله يسلمك. الأكل كان بتوصية أم مريم على فكرة." لمست سناء بطنها وقالت: "لسه منعرفش مريم ولا مين؟ تحدث كرم: "أنا بقول مريم. أنا حاسس إنها مريم. مش عاوزينهم ياخدوا الاسمين، يا سناء ركزي ركزي." ضحكوا جميعهم.
وقالت سناء: "أنا حاسة إنهم نص دسته. بطني كبيرة أوي، مش زي سوسن." تحدث محمود: "هما البنات كده غير الولاد. بيحبوا يرحرحوا غير الولاد." ضحكوا. وتحدثت سوسن: "زي ما الدكتور محمود قال. وهانت يا سناء، إنتي في السابع." "يارب يا سوسن، تيجي بالسلامة." "إن شاء الله تقومي إنتي وهي بالسلامة." سمعوا صوت بكاء زين، وتحركت سناء وسوسن وجلسوا يتحدثون.
بعد يومين، شعرت سناء بألم وذهبت إلى المشفى، وولدت في الشهر الـ 7. خرج الطبيب ويبشرهم بقدوم مريم. زاد الفرح والسعادة أضعاف لوجود فتاة في حياتهم. عادت سناء إلى المنزل، وكانت سوسن تقوم برعايتها والاهتمام بها. منذ عودة سناء ومريم إلى المنزل، وكانت تواجه صعوبة في رضاعة مريم. دخلت سوسن الغرفة إليها، ورأتها ملامحها منزعجة ومريم تبكي: "بجد مش عارفة أعملك إيه." اقتربت سوسن نحوها: "مالك؟ في إيه يا سناء؟
"عمالة تعيط ومش راضية ترضع خالص يا سوسن." حملت مريم بين يديها تحاول تهدئتها: "يمكن نوع اللبن ده مش حباه. غيريه." "ماهو ده اللي غيرته. ده 3 مرة الدكتور يغيره." ظلت مريم تبكي. نظرت إليها سناء وهي تبكي، وقالت: "آسفة يا مريم، كان نفسي أكون زي باقي الأمهات وأرضعك طبيعي." قالت لها سوسن: "إنتي بتعيطي ليه بس دلوقتي؟ يعني هو بمزاجك؟
وبعدين شوية شوية هتتعودي على اللبن. روحي اعملي شوية ينسون كده من غير سكر، وأنا هحاول معاها بالببرونة. يلا." غادرت سناء الغرفة، وكانت مريم تبكي بشدة، لا تهدأ ولا ترضي بالببرونة. رغم محاولات سوسن لإرضاعها قليلًا، ولكنها استمرت في الرفض والبكاء بحرقة. وجاءت فكرة سريعة لسوسن. جلست على السرير وحاولت أن ترضع الطفلة بنفسها.
في البداية، رفضت مريم وأبعدت وجهها وهي تبكي. ولكن سوسن حايلتها بحنية، حتى قبلت أخيرًا، وبدأت ترضع بسلاسة. استمرت مريم ترضع بهدوء حتى غفت بين ذراعيها ونامت نومًا عميقًا. عادت سناء إلى الغرفة تحمل في يديها المشروب الدافئ، ولاحظت الهدوء المفاجئ واختفاء بكاء مريم. دخلت الغرفة بهدوء، لتتفاجأ بـ سوسن تحمل مريم بين ذراعيها نحو صدرها ترضع ونائمة بسلام. "هي نايمة."
"أيوه. رفضت الببرونة. فقولت أجرب أرضعها مني، ولقيتها قبلت وسكتت ونامت." صمتت سناء. واستكملت حديثها سوسن: "بكرة تروحي لدكتور وتقوليله يكتب نوع لبن ترضعي بيه، لأن واضح الأستاذة مريم صعبة الإرضاء." "بجد يا سوسن، شكرًا. أنا كنت بعيط في المطبخ، مش عارفة أعملها إيه." "أنا معاكي يا سناء. مريم زي زين عندي، مفيش فرق بينهم." ابتسمت سناء. في نفس الوقت، محمود وكرم يجلسان في منزل محمود.
تحدث كرم: "عيلتنا بتكبر يا أبو زين. أحلامنا بتتحقق قدام عينينا. من اتنين معندهمش حد لعيلة كبيرة." ابتسم محمود وقال: "أيوه فعلًا. حلم من أهم أحلامنا العيلة، عيلة متماسكة ومترابطة ومع بعض في كل خطوة. عشان كده يا كرم، عيالنا لازم نربيهم إنهم إخوات، يكونوا سند وضهر بعض في الحياة، لما إحنا نختفي، يكونوا هما لبعض اللي ربط بينهم رباط مش سهل يتقطع." "إن شاء الله." "عارف، وأنا قاعد وشايف مريم وزين، شوفتهم وهما كبار قدامنا."
تحدث كرم: "عارف إن حلم من أحلامي إنهم لما يكبروا يتجوزوا؟ تيجي نوعدهم لبعض؟ "مين؟ مريم وزين؟ "أيوه. كده هنتأكد إنهم مش هينفصلوا أبدًا، وعيلتنا هتكبر أكتر." "أنا فكرت في كده، بس لأ يا كرم. ده ظلم ليهم." تفاجأ كرم: "ظلم؟
"أيوه. إننا نحدد لهم المستقبل ونختار حياتهم هتكون مع مين ظلم. هما ليهم حرية القرار والاختيار، زي أنا وإنت ما اخترنا سناء وسوسن بإرادتنا ورغبتنا. هما كمان ليهم الحرية. إحنا بعدنا عن أهلنا لأنهم كانوا بيجبرونا على وضع إحنا مش راضينه، وممكن كده يبعدوا عننا، وإحنا عاوزينهم معانا وقدامنا. عشان كده بقولك، علاقة الأخوة أقوى، هيكونوا مع بعض وفي حمى بعض، وهيكبروا العيلة مع بعض زي ما بدأنا. لكن جواز، هما لما يكبروا، هما اللي يختاروا، مش إحنا."
اقتنع كرم بحديث محمود وابتسم وقال: "رغم إنك صعيدي، والكلام مخالف لعادات وتقاليد الصعيد، لكن كلامك صح. هما لما يكبروا يختاروا، زي ما إحنا اخترنا." "الصح ملوش مكان ولا زمان يا أبو الكرم. الصح معروف، والغلط معروف. وإحنا عاهدنا نفسنا، اللي عيشناه من أهلنا مش هنكرره مع ولادنا، وهنساعدهم يعيشوا الحياة اللي هيختاروها، وإحنا هنكون وراهم ومعاهم." "صح يا حودا. اشرب الشاي." خرجت سناء من الغرفة وهي تحمل مريم، وعادوا إلى منزلهم.
في يوم، مرضت والدة سناء، وتركت مريض برفقة سوسن. وحينما عادت، علمت بتكرار الرضاعة لرفض مريم اللبن الصناعي. مع مرور الوقت، أصبحت مريم تسكت وهي برفقة سوسن. فكلما تبكي وترفض الرضاعة، كانت تذهب بها سناء إلى سوسن لتقوم بإرضاعها. وتكرر ذلك عدة مرات، حتى اعتادت مريم على اللبن الصناعي، وتوقفت سوسن عن رضاعتها.
في يوم، عادت سناء ومريم من منزل سوسن، وكانت مريم نائمة. وضعتها على السرير، استيقظت. جلس كرم يداعبها، حتى أعدت عبوة اللبن الصناعي لها، وتناولته بسلاسة. وتحدث كرم: "بقت ترضع على طول، مب تغلبكيش زي الأول." "الله يبارك لها. سوسن فضلت وراها لغاية ما قبلت الببرونة واللبن." "يعني كده خلاص مبقتش ترضع من سوسن؟
"لأ، كفاية شهر ونص. الأستاذة كانت رافضة أي حاجة. وأول ما تشيلها سوسن تسكت. بس بصراحة، كتر خيرها. كنت بسيبها لها لغاية ما أخلص البيت، سواء هنا أو عند سوسن. وبعدين، أستاذ زين بقى غيور لما سوسن ترضع مريم. لازم آخده وأخرج به بره ما يشوفها." "أكيد يعني. أمه، وفي حد تاني بياخد من أكله." "تعبت معايا سوسن كتير بجد." "عارفة أحلى حاجة في الموضوع ده إيه يا سناء؟ "إيه؟
"إن زين ومريم بقوا إخوات بجد. يعني أمنيتي أنا ومحمود اتحققت، إنهم يفضلوا مع بعض طول العمر، سند وضهر، ويحافظوا على الروابط اللي بينا بوجودهم." "في دي اطمن. إخوات بالرضاعة وبختم النسر." بعد فترة، توفى والد كرم، وسافر محمود برفقة. للدفنة والعزاء، وعاد إلى الإسكندرية. وبعد شهرين، تواصل معه كمال، وذهب لمقابلته في البحيرة. وجلس، ووضع كمال أمامه شيك بمبلغ يعتبر ربع ميراثه الشرعي: "إيه ده يا كمال؟
"حقك. كان الحاج له حتة أرض ومخزنين. اشتريت نصيبك فيهم بحق ربنا." نظر كرم إلى المبلغ المكتوب: "بس ده قليل أوي. وبعدين الوكالة والمخازن التانية و... قاطعه وقال: "بتوعي يا كرم. الحاج باعهم لي قبل ما يموت، لأني أحق." "أحق إزاي والحاج ميعملش كده؟ أنا متأكد." "لو شاكك، عندك المحكمة. ارفع قضية وشوف. لكن أنا ورقي كله صحيح." "إيه اللي بتقوله ده يا كمال؟
"بقول اللي إنت مش شايفه يا كرم. الوكالة والمخازن والأرض، كل دول بتعبي وبعمري اللي قضيته بجري هنا وهناك عشان اسمنا يعلى ويبقى مسمع. معملتش زيك وهربت وسيبتها تخرب. اللي موجود دلوقتي أنا اللي عملته. ومتقلقش، قبل ما أستلم الوكالة، تمنتها وأديتك نصيبك، لأن من بعد ما استسلمتها وكبرتها، بقت بتاعتي أنا وبس." أمسك كرم الشيك، وعلم جيدًا أن كمال قام ببيع الوكالة والأملاك بالتوكيل العام. أمسك الشيك ووقف،
ونظر إلى كمال وقال: "أبونا عند ربنا يا كمال. وأنا مش طالب أكتر من حقي الشرعي. لكن لو إنت شايف إن ده حقي، ف أنا هاخده وهسكت يا أخويا يا كبير، عشان خاطر أبوك اللي دفناه من شهرين. عن إذنك." غادر كرم، وعاد إلى الإسكندرية. وظل طوال الطريق ينظر إلى المبلغ المكتوب ويتنهد بحزن، ويترحم على والده. ذهب إلى البنك وفتح حساب بالمبلغ. في يوم، ذهب كرم إلى محمود في منزله، يجلسان يحتسيان الشاي، وسناء وسوسن مع الأطفال بالغرفة.
أخرج كرم شيك، ووضعه أمام محمود على الطاولة: "إيه ده؟ "افتح وتعرف." فتح محمود الظرف، وجد الشيك: "إيه ده؟ "فلوسك." "اللي هو إزاي معلش؟ "فلوس الشقة. شقتي. مش إنت قلت سلف؟ وقت ما يبقى معايا فلوس، أرجعهم لك. اهو أخدت ميراثي، وحسبت فلوس الشقة وربحهم الفترة اللي فاتت، وده نصيبك وحقك، ومتتكلمش ربع كلمة." "إنت واخدها بالصوت؟ نغلبك ولا إيه يا كرم؟ "لأني عارف إنك هتتعبني لغاية ما تاخدهم، فجبت لك من الآخر."
"بس أنا مش عاوزهم. كرم، رجعهم. رجعهم، اسمع مني." "لأ مش هرجعهم. زي وقتها لما خلتني أوافق على الشقة ومتكلمتش، هتوافق تاخد الفلوس. كده كده ده دين عليا يا عم، الله." "إحنا مفيش بينا ديون." "أيوه عارف ليه؟ لأن فلوسنا واحد. عشان كده، لما بقى معايا فلوس، قسمتها مع رفيق عمري وأخويا حودا، اللي لما كان معاه فلوس، قسمهم معايا. زي ما عرفنا بعض، بنقسم كل حاجة مع بعض." "بس...
"مفيش بس. خودهم يا عم واسكت، متفرهدنيش. ده رزق الواد زيزو ومريم. أول لما جم الدنيا، ضحكت لنا." غادر كرم المنزل. وخرجت سوسن، ووجدت محمود جالس ينظر إلى المال أمامه: "إيه ده يا حودا؟ إنت ورثت تاني ولا إيه من ورايا؟ "ده فلوس كرم." "سايبهم لك ليه؟ حكى لها ما حدث، وقالت: "والله كرم ده ابن أصول وابن حلال، مصفى إنه مفكرش في نفسه وبس." "بس دي فلوسه يا سوسن، وهو أحق بيها."
"هو بيقولك دين وبيسده، ف خليهم معاك، هينفعوا في يوم. صدقني، الفلوس بتكون عارفة طريقها، هتلاقيها طارت لمكان هي عاوزة تروحه." ابتسم محمود. وقالت سوسن: "يلا نتعشى قبل ما زيزو ميحنّش على لقمة." جلسوا حول مائدة الطعام، وليلاً غادروا الغرفة، وجلس بجوار النافذة يدخن سيجارته، فلحقت به سوسن، وكان محمود شارد: "واضح إن حوار الفلوس ده شاغلك ومش هتنام بسببه."
"عاوز أرجعهاله يا سوسن. هو محتاجهم أكتر. الشغل اللي فيه مرتبه واقع أوي، ودلوقتي معاه طفلة ومصاريف مضاعفة." "طيب، أقولك على فكرة ترضي جميع الأطراف." "قولي." "اعملوا مشروع سوا. بفلوسك دي والفلوس اللي معاه. مش إنت كل ما بنعدي على البحر بتقولي حلمك مطعم على البحر تكون صاحبه؟ اهو بالفلوس اللي معاكم افتحوا حاجة صغننة، ورقكم ورزقنا على الله." للحظة، حدق في سوسن وابتسم، وتحرك من مكانه وقبلها.
ضحكت سوسن وقالت: "بتسكتني ولا إيه؟ "لأ، ببوس المكان اللي طلع منه البوقين الماظ دول." ضحكت: "يا سلام." "بجد فكرة حلوة." تحدثت سوسن وقالت: "ودخلوني معاكم شريكة بالفلوس اللي في البنك ده." نظر إليها محمود، وقبل أن تتحدث: "بقولك إيه؟ إنتي قلتي فلوسك إنتي حرة فيها، وأنا هشغلها معاكم، وهيبقى ليا نصيب في الربح، هعمل به مراكب. أنا حرة. متقولش لأ يا حودا، عشان خاطري. عشان خاطر زين وكريم."
صمت للحظة وقال: "خلاص. هتكلم مع كرم وهشوف." تحركت من مكانها وارتمت في حضنه، وقالت: "حبيبي يا حودا." "من بكرة هتكلم مع كرم، وفعلًا هنترحم من بهدلة اللي إحنا فيها، ويبقى لينا المكان بتاعنا إحنا وبس." في اليوم التالي ليلاً، جلست سوسن وسناء والأطفال في الغرفة في الداخل، وجلس محمود وكرم بمفردهما. وتحدث محمود: "قولي يا أبو الكرم. ناوي تعمل إيه؟ "في إيه؟ "يعني في الحياة في المستقبل." "إن شاء الله خير."
"أقصد بالقرشين اللي معاك، مبتفكرش تشغلهم بدل ما هما مركونين وإنت تسحب منهم ويخلصوا." "واضح من كلامك إنك فكرت في مشروع." "يعني حاجة شبه كده. مطعم على البحر، وفي نفس الوقت كافيه." "جميل." "بالقرشين اللي معاك والقرشين اللي معايا، وميراث سوسن. نجيب مكان كويس كده، إيه رأيك؟
أعجب كرم بالفكرة، وبالفعل بدأ يوميًا بعد انتهاء من عملهم، يلتقيا بالخارج ويبحثا عن مكان للمطعم. وضعت سناء مبلغ ورثته من والدها لتشاركهم الحلم هي الأخرى، وأصبحت شريكة. استمروا فترة بالبحث عن مكان مناسب كمكان، والمبلغ المتاح لهم، ولكنهم صدموا من غلاء الأسعار. في إحدى المرات، بعد انتهاء جولتهم، جلسوا في مقهى: "إيه الأسعار دي يا محمود؟ "مكنتش أتخيل إنها بالشكل ده يا كرم."
"بحسهم أوقات بيعاملوا المصريين إنهم أجانب. محدش بيفكر ينزل خالص. المبلغ، واللي بنعجبه مبيرضاش يقسط الباقي." "فاكريننا هناخد المطعم ونهرب للخارج." تحدث كرم: "لو كنت أخدت نصيبي الشرعي كامل، كان فرق معانا." "ربنا هيعوضك أضعاف يا كرم. ربنا يهدي أخوك." "طيب، مش إنت الواصي على كريم؟ خد جزء من الفلوس. ويبقى كريم دخل بجزء، وياخد ربح."
"سوسن قالت لي الفكرة، بس لا لا. فلوسه هتفضل زي ما هي لغاية ما يكبر ويوصل للسن القانوني، ويبقى حر وقتها. فلوسه دي أمانة." "معاك حق. إن شاء الله ربنا يعترنا على مكان صاحبه ابن حلال." جاء الجرسون ووضع أمامهم القهوة، وتحدث إليه محمود: "بقولك يا صاحبي. متعرفش مكان متاح للإيجار قريب من هنا؟ أشار بيده اتجاه الآخر: "النهارده صاحب المطعم ده عرضه للبيع، لأنه مسافر." "متعرفش طالب كام؟
"لأ معرفش. ممكن تروح تتكلم معاه. هو هناك. وعلى فكرة، هو مستعجل على السفر." ذهب الجرسون. ونظر محمود نحو كرم: "يلا يا كرم نروح نشوف المكان." "متتعبش نفسك. إنت مش شايف المكان فين؟ أكيد عاوز أضعاف اللي معانا. وبيقولك مستعجل على السفر، وهيبقى عاوز فلوسه كاش." "مش هنخسر حاجة نروح نسأله يا عم كرم. قوم يلا."
جذب محمود يد كرم وتوجها إلى المطعم، وجلسوا وتحدثوا مع مالك المطعم، وتجولوا في المكان، وأعجبوا به جدًا. وبعد محادثة طويلة، وافق مالك المطعم على أخذ مبلغ، وتقسيط الباقي عن طريق إيصالات أمانة تدفع بعد عام من افتتاح المكان. وقف محمود ينظر إلى المكان وهو يرى حلمه يتحقق. كان المكان جاهزًا، ولا يحتاج توضيب كثير، غير رتوش بسيطة، وأهمها تحديد الاسم.
عادوا إلى المنزل، وأخبروا سوسن وسناء، وكانت فرحة عارمة لبداية تحقيق حلم يجمعهم سويًا إلى الأبد. واحتفلوا جميعهم بالبداية الجديدة. ذهبوا أربعتهم، وكريم وزين ومريم، ووقفوا أمام لافتة لتحديد الاسم. وبالاتفاق بينهم، أطلقوا عليه اسم "Soul Mate" توأم روح، تشبيهًا لعلاقة محمود وكرم، وعلاقة أبنائهم سويًا، وعائلاتهم. تركا محمود وكرم أعمالهم السابقة، وبدأ توضيب المطعم لبداية العمل به، وللبداية الجديدة في حياتهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!