هَلَعَ قلبُ سامية حين رأت وليد يدخل بذلك المنظر الرث. توجهت نحوه بلهفة وريبة قائلة بسؤال: "إيه اللى حصل هدومك كلياتها تراب." تهكّم بسخط من لهفتها وكذب عليها قائلاً: "كنت راكب الحُصان ووقعت من عليه فى الرمل." هلع قلبها وهي تمسد على صدره بريبة سائلة: "وقعت، أوعي تكون اتعورت، قول لي متداريش عليا." تضايق ونفض يدها عن صدره وسار من أمامها قائلاً بحِدة: "لأ أنا بخير اطمني متعورتش، بس التراب ردم هدومي هطلع أستحمى."
إستدارت تنظر نحوه، بنفس وقت صعوده تقابل مع ريان الذي نظر إلى ثيابه الملوثة وتهكّم بإستهزاء: "مالك إيه اللي حصلك، لساك مفكر نفسك عيل صغير وبتلعب في الطينة." نظر له بعينين ضيّقهما بجمود، وقال بنبرة غاضبة كأنها تُطفي نار بداخل صدره: "ريحني واسكت يا ريان، النهارده مش ناقصك." ضحك ريان بسخرية، وظل واقفًا على الدرج مُتهكّمًا قائلاً: "أومال ناقص مين؟ ده شكل واحد كان بيصارع تيران في الحلبة."
نظر له وليد بغضب ولم يهتم وتفادى مكانه وأكمل صعود السلم دون رد. عيناه بهما جحيم أسود من ذلك الرمل. بينما سامية مازالت واقفة في مكانها، قلبها مقبوض وعقلها غير مُصدق أن وليد وقع، أو حتى لو وقع ربما مُصاب ويُخفي عليها بعصبيته.
دخل وليد لغرفته وأغلق خلفه الباب بقوة يكاد يتحطم من ذلك. ذهب مباشرة إلى الحمام المُرفق بالغرفة تعرى من ثيابه الرثة دلف أسفل المياه. رغم هطول المياه كثيرًا على جسده لكن مازال يشعر كأن ذلك الغُبار الأسود مازال مُلتصق بجسده. أغلق المياه جذب منشفة لفها حول خصره جلس على حرف حوض الاستحمام، ينظر نحو ثيابه الرثة. يلمع الشرر بعينيه يعود بذاكرته إلى قبل وقت قليل، وقوف دُرة أمامه. لو كان معه السلاح كان تعامل معها بطريقة أخرى. كان جعلها تخشى الاقتراب منه مرة أخرى. لعق بلسانه تلك القطرات التي تنساب من شعره على وجهه تصل إلى شفتيه. رغم رُعبه منها وقتها لكن الآن يمسد على صدره برغبة قائلاً:
"حلوة وحلوة أوي كمان مستقوية ومستبيعة." لِوهلة جمح خياله بها برغبة مُقززة. إزدادت حين تذكر طوفان، وضغطه على والده بقوة من أجل التنازل عن الإتهام. تهكّم ضاحكًا، هو يكره طوفان منذ الصغر، لكن يبدو أن إعصار العشق يضرب قلبه بحب تلك الجميلة الشرانية. فكّر وفكّر عقله لابد من ردع لها، لكن لقلبه الجبان شأن آخر يخشي مواجهتها مُباشرةً. دون سلاح معه.
ذهب نحو خزانة ثيابه فتحها ثم فتح أحد الأدراج لم يتفاجئ حين لم يجد أي سلاح. شعر بغضب لكن الحصول على سلاح ليس أمر صعب عليه. ذلك السلاح هو هيبته. *** بمنزل والد دُرة. بالفناء ترجلت من السيارة، وتوجهت نحو باب المنزل، لكن قبل أن تمد يدها لتفتحه، تفاجأت بـ كريمان تفتح الباب بملامح واجمة، عينان مُنطفئتان، ووجهها شاحب. توقفت في مكانها، التقت نظراتهما، قبل أن تنطق كريمان بصوت عالٍ تشعر أن قلبها بداخلها يكاد ينفجر:
"كنتِ فين... مش مهم دلوقتي. دلوقتي خلينا نروح القسم نشوف المصيبة الجديدة اللي حصلت." إرتجف قلب دُرة سائلة: "مصيبة إيه يا ماما، ونروح القسم ليه، فين باسل." نظرت له بغضب: "مصيبة جديدة من يوم ما رجعتي لهنا وأنا كل يوم مصيبة شكل، آخرها البوليس جه الدار وقبض على باسل."
إرتجف قلب دُرة رغم شعورها بالأسى. لوهلة ظنت أن تُكمل كريمان بقية إستهجانها وتقول لها، ليتك لم تعودي، لكن شعرت دُرة بشيء من الخوف يسحب أنفاسها للخلف، كأن الأرض تميد تحت قدميها. همست بالكاد، وصوتها مُتقطع: "قبضوا عليه ليه عمل إيه." أشاحت كريمان بوجهها، وكأنها تخشى النظر في عينيها، ثم قالت بحدة مكبوتة: "معرفش، طلعوا شنطة والظابط قاله تهمة تبديل عُملة أجنبية." شهقت دُرة، وتراجعت خطوة:
"عُملة أجنبية إيه والشنطة كان فيها أساسًا." تنهدت كريمان بأسى وبنظرة أم تشعر بالقلق أكثر من الحزن: "مش كفاية عليا اللي فات؟ كل حاجة بقت فوضى مبقتش ملاحقة عالمصايب… خلينا نروح القسم نشوف مصير أخوكِ هو كمان إيه." بعد وقت. بخطوات مُتوترة ومرتجفة، ذهب الإثنين إلى ذلك القسم، لكن لم يُعطيهن أحد أي معلومات. كادت دُرة أن تتهجم عليهم، لكن منعتها كريمان إتقاءً لزيادة المُشكلة، قائلة:
"خلينا نتصل بـ حاتم هو ظابط وزميلهم وممكن يفهم لينا إيه القصة." بالفعل بعد وقت قليل خرج باسل من إحدى الغُرف بالقسم قائلاً: "القضية قضية تبديل دولارات، أو بالاصح إتجار في الممنوع بالعملة الأجنبية، كمان فيه إثبات الشنطة اللي لقوها في البيت." ذُهلت كريمان، كذالك دُرة التي قالت بتعجب: "دولارات إيه، والشنطة دي وصلت عندنا البيت ازاي أكيد في حااااجه." صمتت دُرة بينما عقلها يستوعب بل ويُعطيها إستنتاجات. نظرت لـ
حاتم سائلة بإستفسار: "طيب دلوقتي مش ممكن نطلع باسل بكفالة." هز حاتم رأسه بنفي قائلاً: "لأ للأسف، الوقت اتأخر والنيابة وقتها انتهى، هيفضل هنا في القسم لحد بكره الصبح." إعترضت دُرة بغضب قائلة بأمر: "مستحيل باسل يبات هنا. اتصرف... انت مش ظابط ودول زُمايلك." نظر لها باسل بأسف قائلاً: "ده قانون يا دُرة، و."
لم تنتظر سماع بقية حديثه وفكرت بشيء آخر، وهي تتجه للخارج. قبل أن تصعد إلى السيارة فتحت هاتفها وقامت بإتصال حتى أتاها الرد سريعًا تحدثت بإندفاع: "انت فين يا طوفان." أجابها وهو نائم فوق الفراش قائلاً: "في البيت خير يا دُرة." أجابته بغضب: "مش خير، أنا قدامي خمس دقايق وأوصل قدام المصنع بتاعك اللي هنا، ياريت توصل بسرعة."
شعر بقلق وقبل أن يسأل سمع صوت إنهاء المُكالمة. ضغط بقوة على الهاتف يزفر نفسه بقلق مصحوب بترقب لسبب إتصالها الآن. نهض من فوق الفراش خطواته بسرعة، قلبه يدق بعنف، وكل الاحتمالات السيئة تنهش أفكاره. جذب مفاتيح السيارة على عجل، وارتدى سترته دون أن يغلق أزرارها، واندفع خارج الغرفة بخطوات سريعة، وكل ما يشغله الآن… أن يصل قبل أن تصل هي... كي يعلم سبب إتصالها. همس بقلة حيلة: "يارب... مبقتش فاهم دماغها بتفكر إزاي ولا في إيه."
*** أثناء نزول طوفان درجات السلم تقابل مع وجدان التي لاحظت إستعجاله وهو يُغلق أزرار سترته. نظرت له بإستفسار سائلة: "انت خارج ولا إيه." أجابها وهو يكاد يمر من جوارها: "أيوه، مشوار مهم مش هغيب." بلهفة مسكت كتفه قائلة: "خارج فين دلوق، انت ناسي إنك مُصاب وجرحك لساه مطابش، ده جرح رصاص، وانت مش مريح نفسك، راجع من شوية، الدكتور قال إنك لازم ترتاح في السرير، وانت مجضيها خروجات، كده." قاطعها وهو يُقبل رأسها قائلاً:
"أنا بخير يا أمي، وده مشوار قريب مش هغيب، بلاش تعطليني بقى." تنهدت بقلة حيلة سائلة: "وفين المشوار ده، يتأجل أو اتصل على خالك عزمي يسد مكانك." تنهد بهدوء وبرأسه تحدث بإحساس: "خالي عزمي هو سبب اللي أنا فيه." سحب كتفه من يدها قائلاً: "خالي مينفعش، مش هغيب." بغصب منها تقبلت قائلة: "طب خد السواق معاك، بلاش تسوق انت." أومأ لها قائلاً: "حاضر."
غادر سريعًا. وقفت وجدان تتنهد بأسى على حال طوفان. لديها شك أن سبب خروجه الآن هو تلك "الدُرة" التي تستفزها ببرودها وجحودها الواضح. بعد دقائق معدودة.
توقفت دُرة بالسيارة على ذلك الطريق الترابي الموجود خلف مصنع طوفان. ظلت جالسة بالسيارة، تنتظر طوفان. لوهلة شردت بذلك الطريق، قبل أيام كان هنالك مطب كبير، رغم سيرها بالسيارة على هذا الطريق مرات كثيرة لكن لم تُلاحظ اختفاء ذلك المطب، وتسوية الأرض. نظرت نحو تلك الشجرة القريبة من الطريق. بسبب إنارة أعمدة المصنع شعرت بدوخة غريبة، ويعود لذاكرتها ذلك اليوم بعد اصطدامها. أغمضت عينيها، وعقلها يستعيد بعض من المُقتطفات التي لم
تستوعبها وقتها، وخيال أحدًا يسحبها من السيارة. فتحها لعينيها للحظات، إنفزع عقلها وخيال طوفان هو ذلك الذي يُحاول إفاقتها. بعقلها رفضت ذلك تمامًا، لكن عاود عقلها رؤيتها لـ طوفان بأحد ممرات المشفي أثناء خروجها من المشفي بعد تماثلها للشفاء، كذالك إخفاء هوية من الذي دفع تكاليف المشفي. أشياء تؤكد ذلك الخيال الكاذب، بالتأكيد غير صحيح، لو طوفان هو من فعل ذلك لا يوجد سبب لإخفاء ذلك كان تباهى. بالتأكيد طيف كاذب لم يحدث.
أخرجها من ذلك طرق على زجاج باب السيارة، فتحت عينيها نظرت للطارق، كم شعرت بالمقت من تلك البسمة السمجة، كذالك من فتحه لباب السيارة ينظر لها وهو يستقيم بجسده يشعر ببعض الألم في صدره. تأملها شعر ببعض الهدوء، لكن لحظات ظلت صامتة تنظر له بعقلها سؤال كادت تسأله عن ذلك الخيال الكاذب، لكن تراجعت بغضب تملك منها، ترجلت من السيارة دفعتها بيديها بقسوة قائلة بإستهجان:
"إمتى هتخلص ألاعيبك، للدرجة دي انحدرت أخلاقك ونسيت القانون اللي درسته بقيت تطوعه لأغراضك والوصول لأهدافك، حتى لو استغليت الأبرياء واستغليت المواقف لصالحك." شعر بألم في صدره، وأَنّ منه لكن بصعوبة أمسك يدها قائلاً بعصبية: "أنا مش فاهم انتِ تقصدي إيه، انتِ اللي اتصلتِ عليا." نظرت له بغضب وإستهجان وهي تحاول سلت يدها من قبضته بغضب قائلة: "بتستعبط، بقي مش عارف عملت إيه." ضغط بقوة على يدها قائلاً بعصبية:
"دُرة كفاية اتهامات، ولا اقولك يا ترى إيه التُهمة الجديدة اللي جاية تتهميني بيها... قولي اللي عندك بدون عصبية." نظرت له بغضب قائلة: "سيب إيدي، وكفاية استعباط انت عارف أنا بتكلم عن إيه، باسل أخويا مش انت اللي لفقّت له قضية دولارات، طبعًا ده عشان تضغط عليا أوافق اتجوزك." ضيّق بين حاجبيه بإندهاش قائلاً: "اهدأ وفهميني دولارات إيه." سلتت يدها بعُنف من يده قائلة بغضب مُستعر وعدم تصديق:
"بقي مش عارف، بس بحذرك يا طوفان، باسل أخويا خط أحمر ومش هسمحلك تستغله، سبق وقلت لك مستحيل أوافق اتجوزك خلاص حياتي انتهت بموت حسام... حتى لو فكرت في الجواز مستحيل تكون انت، لأنك خاين وكمان مستغل."
شعر بألم وقبضة قوية في قلبه مازالت تتهمه بدون إعطاؤه فرصة للدفاع. نظرتها الباردة نصلٌ مغروس في عمق روحه. لكن حاول التريث، أيُخبرها أنه كان أسير لحظة ضعف أو غرور أو غباء… لكنه لم يقصد إيذاءها. ومع ذلك، كان الألم في صدره يخبره بأنها لن تصدّق، ولن تغفر. مهما قال. لكن لابد من رد على هذا الاتهام الأخير. حاول الهدوء قائلاً: "أولًا أنا مش محتاج أستغل باسل عشان أضغط عليكِ في إننا نتجوز."
"ثانيًا… أنا لو كنت عايز أضغط، كنت عملت كده من زمان، وبألف طريقة، بس أنا احترمت اختيارك… واحترمت ظرفك… واحترمت حتى المسافة اللي حطيتيها بينا. أنا ما استخدمتش باسل، ولا فكرت استغله." تنهد وهو يحاول السيطرة على نبرة صوته التي بدأت ترتجف: "أنا تعبت من كل مرة أتحط في خانة المتهم، من غير ما تسمعيني. أنا مش ملاك… بس عمري ما كذبت عليكِ."
نظر إلى عينيها شعر بوجع وكبرياء مكسور، ثقتها معدومة فيه، شعر بآنين، لكن لن يستسلم. جذبها من ذراعها بقوة قائلاً: "فين باسل دلوقتي." كأنها نسيت قبضة يده على عضدها وتهكّمت بضحكة سخرية قائلة: "في النادي بيلعب جولف." أقسى الأوقات قد تشُق وجهك ضحكة عابرة. ترك عضد يدها وأشار لسائق سيارته أن يتبعه، ثم توجه للناحية الأخرى لسيارتها وصعد إلى داخلها. ظلت هي واقفة للحظات قبل أن يضغط على زمور السيارة منبهًا ثم نظر نحوها قائلاً:
"هتسوقي ولا أسوق أنا، خلينا نروح القسم عشان تتأكدي مين اللي المستغل." *** بعد وقت قصير. بداخل قسم الشرطة. مجرد ذكر اسم "طوفان مهران" جعل ضابط الشرطة يُوافق على لقاء بينه وبين باسل. جلسا سويًا لبعض الوقت قبل أن يسمح لـ كريمان ودُرة بالدخول له. بعد وقت خرجوا جميعًا، وظل باسل بعيدًا عن الحجز باستثناء جلس بغرفة خاصة بالقسم. أمام القسم.
نظر طوفان نحو دُرة التي قابلت نظرته بنظرة كبرياء. بل وبدون قصد منها حديث حاتم معها أثار غيرة طوفان، لكن تحمل ذلك وصعد إلى سيارته مُغادرًا. كذالك دُرة ووالدتها. بينما شعر باسل بالغضب من سلطة طوفان. يعلم أنه كان بإمكانه الوساطة لباسل وإعطاء استثناء له بألا يبقى في الحجز، لكن عمدًا لم يفعل حتى يزيد من إلقاء اللوم على طوفان. لكن طوفان أفسد عليه ذلك. شعر بالبغض أكثر له. *** لكن مازالت لم تنتهي الليلة. بشقة ابتهاج.
كان عزمي يشعر بسعادة بالغة، بينما تتدلل عليه ابتهاج قائلة بمكر: "شوفت مش قولتلك الأخضر هو اللي هيجيب مفعول سريع وأها يدوب حطينا الشنطة في الدار وبلغنا البوليس مفيش وكان طالع بالشنطة والكلبشات في إيد أخوها."
ضحك بإستمتاع وهو يجذب ابتهاج إليه يُقبلها بسفور، وهي مُرحبة بذلك. بعد قليل كانت تجذب المئزر على جسدها بعدما تأكدت من نومه بتعمُد منه جعلته يغفو بشقتها ولا يعود الليلة لزوجته الأولى، وبتعمُد منها أيضًا فتحت هاتفه بعدما راقبته وعلمت النمط الخاص به، جالت عينيها بين أرقام الهواتف لديه، حتى وصلت إلى رقم طوفان الخاص، سجلته بهاتف آخر لديها، ثم أرسلت له صورة خاصة وأعادت غلق ذلك الهاتف. وغفت جوار عزمي تنظر له قائلة بهمس:
"مسيرك في يوم من الأيام هتبقى ليا لوحدي." *** اليوم التالي. النيابة العامة. بغرفة النائب العام، تم استدعاء باسل لأخذ إفادته. سأل النائب العام باسل: "تقول إيه في اتهام النيابة لك بالاتجار بطريقة غير مشروعة في العملة الأجنبية." نظر باسل نحو المحامي الخاص به وأومأ له بالرد فاجاب: "أنا بنفي التهمة دي عني." بمحاورة من النائب تحدث: "والشنطة اللي وجدتها الشرطة في بيتك وفيها نص مليون دولار غير زيهم مصري." أجابه ببساطة:
"الشنطة دي فعلًا كانت عندي في البيت بس لها سبب مختلف تمامًا." بإستفسار من المُحقق: "وإيه هو السبب ده." أجابه باسل: "كانت على سبيل الأمانة أو بالأصح صاحبها نسيها معايا في العربية واحتفظت بها بعد ما اتصلت عليه وقالي المفروض كنا هنتقابل النهاردة وارجعها له بس للأسف اللي حصل عطل المقابلة." سأله المُحقق: "ونين بقى صاحب الشنطة او الامانة زي ما بتقول." نظر باسل نحو المحامي وتبسم قائلاً بثبات: "صاحبها هو 'طوفان مهران'."
إندهش المُحقق قائلاً: "تمام هبعت بلاغ خاص للسيد طوفان، ولحد ما يجي لهنا مضطر." قاطعه المحامي قائلاً: "السيد طوفان عنده علم باللي حصل، وقال طبعًا ميرضوش يتظلم حد بسببه وهو بالفعل موجود هنا في النيابة تقدر تؤمر العسكري ينادي عليه من بره... أو ممكن أنا أتصل عليه."
أومأ المُحقق بقبول وأشار لذلك العسكري فهم إشارته، بعد لحظات دخل طوفان إلى غرفة التحقيق. بالفعل طبق على أقوال باسل. كما أنه قدم مستندات رسمية بسحب تلك المبالغ من حساب شركاته بأحد البنوك. ثم تحدث بثقة للمُحقق: "يعني المبالغ دي طالعة من البنك بشكل قانوني وبصفة رسمية." أومأ المُحقق مُتفهمًا لكن فاجأهم بسؤال: "طب طالما الدولارات والفلوس اللي في الشنطة دي تخصك، ليه جالنا بلاغ ضد السيد باسل." بثقة رد طوفان:
"أنا نفسي مستغرب اللي حصل، واضح إنه شخص له هدف في دماغه مثلًا توريط باسل بقضية هو برئ منها، بس هتقولي مين الشخص ده انا لو أعرف مكنتش اترددت لحظة وعرفت منه السبب، بس اعتقد بإفادتي وتقديم كشف الحساب اللي سحبت بيه المبالغ الموجودة في الشنطة بكده براءة باسل من التهمة، فاعتقد كده القضية خلصت وباقي بس اطلاق سراح باسل." نظر له المُحقق قائلاً: "عرفت إنك كنت وكيل نيابة سابق." أومأ طوفان برأسه بموافقة قائلاً:
"فعلًا، بس قدمت استقالتي من النيابة لسبب شخصي، يعني الحمد لله سايب النيابة بسمعة نضيفة." ابتسم له المحقق قائلاً: "تمام، وبما إنك عارف في القانون فأكيد في إجراءات قبل خروج السيد باسل من النيابة بعد تقفيل القضية." أومأ له مُبتسمًا. بعد الظهيرة. أمام النيابة العامة. توجه باسل نحو سيارة طوفان مد يده يُصافحه قائلاً: "شكرًا واطمن سِرك في بير." ابتسم له طوفان وصافحه بمودة قائلاً: "أنا اللي متأسف لك، وبجد بشكرك على تفهمك."
بابتسامة بادله باسل، بينما من أسفل تلك النظارة السوداء كان نظر طوفان نحو دُرة التي تتحدث مع حاتم الذي يقف معها هي وكريمان. وذلك المحامي. شعرت دُرة بالضيق من وقوف باسل مع طوفان، كذالك تشعر بالغضب بالتأكيد باسل يشكر طوفان، وبداخلها أصبحت الحيرة تغزوها من ناحية طوفان. *** مساء. بمنزل والد دُرة. على طاولة العشاء.
جلس كل من دُرة وباسل بالمقابل لبعضهما، كذالك كريمان وبالمقابل لها أخوها يتحدثون أثناء تناول الطعام بينما دُرة كانت شاردة العقل. انتبهت حين سمعت صوت هاتف كريمان. نظرت نحوه، تركت الطعام وأخذت الهاتف وخرجت إلى تلك الشرفة الملحقة بغرفة السفرة. لحظات وعادت نظرت نحو دُرة قائلة: "دي بدرية كانت بتهنيني ببراءة باسل، وبتقول جاية كمان شوية بنفسها ومعاها حاتم." نهضت دُرة قائلة:
"تشرف، أنا شبعت هقوم اتصل على دكتور زميلي بالمستشفى كنت قايله له يشوف لي مكان هنا لعيادة، ونسيت اتصل عليه." أومأت لها كريمان تشعر بغصة هي قست على دُرة بالحديث أنها منذ أن عادت والمصائب لا تنتهي. بينما تنهد باسل قائلاً: "بصراحة كنت متوقع من حاتم ابن خالي هو اللي كان يتوسط لي في القسم، بس طوفان طلع شخصية قوية حتى واحنا في النيابة مع المُحقق كان شخصية قوية."
نظرت له دُرة التي سمعته قبل أن تغادر الغرفة، كادت أن تقول له لا داعي لهذا الإعجاب ولا التفخيم بشخص مثل طوفان، هو الوحيدة التي تعلم حقيقته. غادرت ليس لديها مزاج للحديث بأي شيء تود الابتعاد عن الجميع والانزواء بنفسها. بينما نظرت كريمان لـ باسل وأخيها قائلة: "عندي إحساس كبير إن فيه هدف من زيارة بدرية ومعاها حاتم، كانت لمحت لي قبل كده وأنا طنشت." تسأل أخاها: "لمحت لكِ بإيه." أجابته:
"كان كلام وجر بعضه وقالت دُرة صغيرة وجميلة وأكيد مش هتدمر حياتها بعد وفاة حسام ممكن تقابل شاب وتتجوز، لمحت كمان إن حاتم عنده مكانة خاصة لـ دُرة. فهمت إنها ممكن بتلمح إنهم يتجوزوا، بس مقالتش بشكل مباشر طبعًا بس أنا فهمت من تلميحاتها. وأعتقد ممكن يكون مجيها بعد شوية لنفس السبب ده بالذات إن حاتم كان مرافق معانا طول الوقت وبدرية كانت بتتصل تعرف منه الأخبار." ذُهل باسل كذالك أخاها الذي تحدث بسؤال:
"بالسرعة دي معتقدش أكيد قلبها لسه موجوع على ابنها حسام، يمكن انتِ فهمتي تلميحاتها غلط." هزت كريمان رأسها بإشارة قائلة: "ممكن، الله أعلم بالنوايا." *** بعد وقت قليل. بتلك الشرفة الواسعة المطلة على حديقة المنزل. بعد الترحيب بـ حاتم وبدرية.
جلس الجميع يتحدثون بمواضيع بلا هدف، إلى أن جرت بدرية الحديث عن عمد على كل من أخيها كذالك حسام، وبدأت تسرد بالعلاقة القوية الأخوية التي كانت تجمع بين الأشقاء بين حسام وحاتم، بدمعة عين، ثم تفوّهت بلا مقدمات. "عشان كده أنا بطلب إيد دُرة لـ حاتم. حسام ومختار هيرتاحوا في قبورهم لما حاتم ودُرة يتجوزوا."
ذهول غزا عقل دُرة، تجولت عيناها تنظر إلى ملامح الموجودين حتى وصلت إلى حاتم ملامحه عابسة رغم تلك البسمة الطفيفة، لم تستشف أي رد فعل لا من والدتها ولا خالها كذالك باسل، بينما عادت بنظرها لـ بدرية ملامحها شبه بائسة متوسلة.
إزدَرَدت ريقها الجاف وكادت تنطق بالرفض القاطع. لكن سمعت صوت خطوات تصعد على ذلك السلم الجانبي للشرفة. نظرت نحو صاحب تلك الخطوات، ذُهلت حينما ظهر طوفان وأصبح يقترب من مكان جلوسهم. صمت ساد للحظات، قبل أن ترفع دُرة رأسها بكبرياء، لم تتفاجأ من حضور طوفان في هذا الوقت، كانت على يقين أن هناك من أخبره بزيارة عمتها، وربما خمن سبب الزيارة. تلاقت نظراتهما، كان ينتظر ردها.
حادت بنظرها عنه، رغم الرفض القاطع بداخل عقلها. لكن لتؤجل ذلك لاحقًا. وبعناد تمكّن منها، خرج صوتها واضحًا: "موافقة اتجوز حاتم." "بجد." كلمة واحدة نطقها ببرود، لكنها كانت على النقيض تمامًا من الصهد الذي ينصهر بداخله. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة رغمً عنه، واقترب بخطوات واثقة حتى جلس على مسند المقعد الذي تجلس عليه دُرة.
وبجرأة، رفع يده ليُطوّق كتفيها بتملُك، وعيناه مُعلقتان بعينيها بِحِدة. وقبل أن تحاول نفض يده عنها، كان تجمد كل من عقلها عن التفكير، ويديها عن الحركة حين سمعت صوته الواثق بعدما تخلى عن النظر لعينيها ونظر نحو حاتم بنظرة انتصار: "مع الأسف، أكيد دُرة اتفاجئت من عرضك، وارتبكت وقالت رد غلط… لأن ببساطة... أنا ودُرة كتابنا الكتاب.. يعني متجوزين شرعًا وقانونًا."
صمت لحظات وعن عمد قام بتقبيل رأسها وعاد ينظر لعينيها المُتسعة المذهولة مؤكدًا: "وحددنا ميعاد زفافنا خلال الأسبوع الجاي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!