مازالت تنظر لعينيه، رسم بسمة يستمتع وهو ينظر لدهشة عينيها التى ربما أنستها المفاجأة يده التي تحتوي كتفيها لصدره، كأن الصدمة جعلت عقلها يغفوا للحظات قبل أن تنتفض بدرية بغضب ساحق تنظر لـ دُرة تود منها تكذيب ذلك قائلة: مستحيل، إيه التخاريف اللي إنت بتقولها دي؟ رُدي عليه يا دُرة وكذبي كلامه، مش جديد عليه الكدب. قبل أن تنطق دُرة، باليد الأخرى لـ طوفان أخرج من جيبه ورقة مطوية قام بفردها وجها نحو بدرية قائلًا بثقة:
قسيمة كتب الكتاب أهي. ذُهلت بدرية، كذالك حاتم الذي إلتقط الورقة قام بقراءة البيانات قائلًا: كمان والقسيمة طلعت واضح إن من... توقف حاتم ثم نظر نحو دُرة قائلًا: القسيمة مفيهاش توقيع دُرة. توقف مرة أخرى ثم تمعن بقراءة القسيمة، لكن قبل أن يستطرد حديثه نهض طوفان خاطفًا القسيمة من يده بإستهجان قائلًا: أعتقد ده شأن خاص وإنت مالكش تدخل فيه، وكمان مش من حقك تفتح أوراق متخصكش. ثم أكمل بحدة: دلوقتي لو ليك كلام، قوله ليا أنا...
مش لـ دُرة. لوقت قليل ظلت دُرة جالسة تشعر بالتوهان كأنها بعالم فاضي تمامًا، لم تستوعب الا حين إستهجنت بدرية ونهضت نحوها بغضب، جذبتها لعدم انتباهها، طاوعها جسدها ونهضت تسمع حديثها الجاف كذالك تلومها بعُنف: اللي بيقوله طوفان ده صح، إمتي حصل؟ نسيتي حسام بسرعة كده؟ هقول بلاش دم حسام، نسيتي دم أبوكِ اللي والس علي القاتل هو طوفان لو مش إستخدامه سُلطته كان أقل حاجة المتهم خد حكم بالسجن المؤبد مش حكم زي مكافأة له.
نهضت دُرة بعصبية، جذبت القسيمة من يد طوفان، قرأتها بذهول وهي تنظر إلى ذلك التوقيع، رفعت رأسها تنظر بذهول حتى كادت تفقد النُطق، خرج صوتها مُتحشرجًا: ده توقيع خالي. رفعت بصرها نحو ذلك الذي يقف جوار والدتها يبتلع ريقه، بينما عاودت دُرة الحديث: إزاي ده حصل؟ فعلًا عملت لـ "شاهر" توكيل، بس التوكيل كان عشان يبيع شقة القاهرة، كده القسيمة مزورة. تنهدت بدرية لوهلة بنظرة إنتصار ودعم.، لكن سُرعان ما زال
ذلك حين تحدث طوفان بتأكيد: لأ، التوكيل كان تفويض منك بموافقتك على إنه ينوب عنك بعقد القران. ذُهلت دُرة ونظرت نحو شاهر الذي لم يستطيع الصمت كثيرًا قائلًا: أنا عملت اللي حاسس بل متأكد إنه صح، ولو مش متأكد من مشاعر طوفان مكنتش وافقته وبدلت أوراق التوكيل ببيع الشقة، بأوراق التوكيل بعقد القران، ومتأكد إن...
بغضب من دُرة، إقتربت من شاهر، رفعت يدها كادت تلكمه في صدره، لكن تلقى طوفان يدها بل وجذبها للدخول إلى داخل تلك الغرفة، غصبًا إمتثلت لذلك، حين دخلا سحبت يديها من قبضته بقوة قائلة بغضب ساحق: دايمًا بتلجأ للأساليب الملتوية والملاوعة، زي ما حصل في قضية بابا وحسام، إختفى سلاح الجريمة في غمضة عين. غص قلب طوفان قائلًا: دُرة كفاية اتهامات ليا ملهاش أساس، إيه مصلحتي إني أخفي سلاح الجريمة؟ نظرت له بعصبية:
مصلحتك إن القضية تنتهي لصالح ابن خالك، تقدر تقولى إيه مصلحتك في إصرارك إنك تتجوز مني، وإنت عارف كويس إني بكرهك ومركبتش في حياتي حد قدك. رغم شعوره بوخزات قوية في قلبه، لكن إقترب منها بخطوات رتيبة قائلًا ببرود عكسي: كذابة يا دُرة، عمرك ما كرهيتني، ومُتأكد لما نتجوز هتحبيني. نظرت دُرة بغضب وهي تشعر بعصبية من برودة رده عليها قائلة: أحبك ده مستحيل. -في الحب مفيش مستحيل يا دُرة، خلاص بقيتي قدام الأمر الواقع.
هكذا رد عليها ببساطة، عكس نظرة الغضب بعينيها وهي تقول: كتب الكتاب يعتبر باطل، أساس الجواز "إشهار وقبول" وأنا مش قابلة الجواز منك يبقى بلاش تتعب نفسك، مفيش جواز بالغصب. جذبها من عضد يديها، إصطدمت بصدره، شعرت برجفة قوية في قلبها، شهقت من المفاجأة، لكن عاندت ذلك ورفعت يديها بقصد منها ضغطت على ذلك الجرح الذي بصدره، زم شفتيه من الألم، قبض على معصمها قائلًا بإستهوان من ذلك الألم:
إنتِ فاكرة إنك بتضعفيني.. ده وجع اتعودت عليه… بس وجعي الحقيقي إنتِ شايفاه من زمان وعجبك، كفاية عناد يا دُرة، بموافقتك او بدون موافقتك، جوازنا قائم شرعًا وقانونًا.. خلاص أنا رتبت كل حاجة ... الزفاف والدخلة حددت ميعادهم وحجزت القاعة عشان الفرح. نظرت له بغضب قائلة برفض: كمان... مستحيل، يتم الفرح ده، وأنا من بكرة هقدم قضية خُلع في المحكمة. ضحك رغمًا عنه وخفف من قبضة يداه على معصميها قائلًا:
تعرفي يا دُرة مهما كبرتي وحاولتي تتغيري بس روح الطفلة العنادية اللي على نياتها هتفضل عايشة جواكِ، خُلع إيه اللي هتقدميها، هو إحنا اتجوزنا عشان تقدري تثبتي أسباب للـ خُلع، هتقولي إيه في الدعوة. أنهى حديثه بغمزة عين بوقاحة.. توترت دُرة من ذلك وتعلثمت بالرد: قصدي قضية طلاق والسبب واضح إني مش موافقة عالجواز منك، و... قاطعها طوفان قائلًا بثقة: أولًا...
المحكمة هتاخد وقت على ما تحدد جلسة، يعني هيكون جوازنا تم فعلًا. ثانيًا... المحكمة لها مستندات وقسيمة الجواز مُثبتة بالأوراق الرسمية، يبقى اقعدي كده وبلاش عناد خلينا نشوف إيه الناقص ونكمله خلاص ميعاد الفرح يا دوب أيام. دبت على الأرض بقدميها بغيظ، أضحك طوفان لكن هي اغتاظت من ضحكه وكادت تنطق بغباء... لكن فكرت بمكر كما ظن عقلها، وقالت بمساومة: تمام أنا عندي شرط لو اتنفذ وقتها ممكن أقبل الجواز منك. تنهد ينظر لها بإنتظار،
بينما هي استقوت قائلة: خالك يقدم كفنه قدام أهل البلد. لم تكن صدمة له بل توقع ذلك، تنهد بارتياح قائلًا: تمام لو ده شرط قبولك، فأنا موافق يا دُرة. نظرت له بدهشة ممزوجة بضحكة ساخرة وقالت باستهزاء: وجايب منين الثقة دي... من الجبان ابن خالك اللي ما يعرفش يتنفس من غير سلاح... ولا من خالك اللي كل همه يوصل لحبة سلطة ويتمنظر بكلمته، وهو في الأصل ما يملكش منها غير الصيت. ابتلع ريقه قائلًا بثقة:
قولتيها يا دُرة، خالي بيتمنظر لكن أنا كلمتي تمشي عليه بدون نقاش. نظرت له كادت الدهشة تطير سخريتها، لكنها تماسكت وقالت بنبرة مشككة: إنت كلمتك تمشي على خالك ده لو صح، تبقى أكتر واحد مخيف في العيلة... مش عشان قوتك، عشان اتعودت تفرض قرارك على غيرك من حساب لمشاعره وإنه بينفذ رغبتك وهو مجبور، مش مهم عندك غير إنك تظهر الأمر فقط. اقترب منها خطوة، يبتسم رغم هدوء صوته لكن يشوبه نبرة مزيج بين التحدي والإعجاب:
أنا فعلاً ما بقنعش حد... أنا بفرض اللي أنا عايزه، حتى لو مش قادر يستوعب ده، مجبور ينفذ أمري. ضحكت بسخرية واستهزاء قائلة باعتراض: ليه كنت إله؟ ضحك قائلًا بنفي: لأ مش إله، بس دي هيبة الكبير. تبسمت بسخرية واستهزاءت قائلة: رغم معرفتنا ببعض السنين دي كلها، بس مع الوقت بقيت بكتشف حقائق عنك... واضح إنك بتحب تتحكم... بس خلي بالك مش كل الناس بتخاف منك، ومش كل القلوب بتهتز لما تهدد. رفع حاجبه، ينظر لها بتركيز كأنه يقرأ
ملامحها يستمتع بجدالها: قلبك من النوع اللي ما بيهتزش. ابتعدت عنه تُعطيه ظهرها قائلة: قلبي... ده بقى الحتة الوحيدة اللي مش هتعرف توصلها، لا بكلمة، ولا بأمر. اقترب منها بصمت ترتكز عيناه على وجهها التي تعمدت عدم النظر له، رفع يده قبض على عضد يدها يجذبها له... بجرأة رفع يده وضعها على وجنتها يُمسد عليها...
وقبل أن يرد صدح صوت هاتفه، بعصبية منها نفضت يده عن وجنتها بعصبية وكادت تستهجن عليه لكنه أزاح يده كي يُخرج هاتفه من جيبه نظر إلى الشاشة ثم إليها، قام بالضغط على زر الرد ينظر لـ دُرة نظرة جعلتها تصمت، بينما هو اختصر الحديث: تمام جاي القاهرة بكرة. أغلق الهاتف وعاد ينظر لها، يعلم فضولها فتبسم قائلًا: عندي شغل مهم في القاهرة، هسافر الفجر وهرجع آخر النهار، وزي ما قولت من شوية جوازنا خلال الأسبوع الجاي.
حادت بنظرها بعيدًا عنه بلا اهتمام، تجرأ وضع قبلة على إحدى وجنتيها قائلًا: عندي سفر بدري لازم أمشي دلوقتي، كلها أيام و... قطعت بقية حديثه بجفاء وهي تدفعه بيديها قائلة: ممنوع تقرب مني مرة تانية وبلاش طريقتك دي معايا، أنا عارفة حقيقتك يا طوفان، وتأكد جوازنا مش هيتم.
أومأ لها مُبتسمًا بتحدي، بينما هي شعرت بشبه بداية اختناق، تركته وغادرت الغرفة، ابتسم طوفان وذهب نحو باب الغرفة خرج منها تنهد بارتياح حين لم يجد حاتم ولا والدته، كذالك كريمان، فقط شاهر وباسل يقفان بالحديقة... اقترب منهم تبسم باسل الذي تسأل بإستفسار: بصراحة اتفاجئت بحكاية جوازك من دُرة. نظر طوفان نحو شاهر الذي ابتسم قائلًا: متوقع رد فعل دُرة طبعًا بعد ما تمشي، مش بعيد تقرا عليا الفاتحة الفجر. ضحك طوفان قائلًا بمزح:
مش بعيد... بس أعتقد ممكن تصبر عليك كام يوم، بس كل ما كنت بعيد كان أفضل لك. ضحك شاهر قائلًا: خدني أبات عندك أضمن. ضحك باسل قائلًا بمزح: أنا كمان بقول كده. نظر طوفان لـ باسل، الذي تبدلت نظرته له بعدما تحدثا بقسم الشرطة ليلة أمس.. في وسط حديثهم سأله باسل: ليه بتعمل كده يا طوفان، إنك تقول إن الدولارات والفلوس التانية اللي كانت في الشنطة بتاعتك ممكن تسبب لك مشكلة. جلس طوفان على أحد المقاعد يتنهد بألم من وجع صدره قائلًا:
لأ اطمن متنساش إني راجل أعمال وعادي اتعامل بالدولارات، وسهل أثبت ده فمفيش ضرر عليا. تفهم باسل ذلك وبمفاجأة سأله: وليه بتعمل كده، أنا مش قريبك بالعكس يمكن بينا عداوة كمان. تنهد طوفان بألم في صدره قائلًا: بالعكس إنتم عمركم ما كنتم أعدائي بالعكس، صحيح أنت مكنتش قريب منك وقت ما كنت بتروح تحفظ القرآن عند الشيخ عرفة، لاني كنت بكمل دراستي في القاهرة، دراسة القانون اللي جمعت بيني وبين شاهر وبقينا أصحاب. ضحك شاهر قائلًا بغمز:
مش بس دراسة القانون اللي جمعت بينا من البداية اللي جمعت بينا بنت أختي اللي بسببك هضيع عمري بدري. ضحك باسل كذالك طوفان الذي نظر له بامتنان وهو يتذكر قبل وقت قليل.. بالعودة قبل وقت قليل.. تمدد طوفان على الفراش يشعر بإرهاق كذالك بعض الوجع من تلك الجروح التي لم تلتئم، كاد يغمض عيناه بإستسلام لغفوة علها تهدئ من ذاك الألم، لكن صدح رنين هاتفه الجوال، جذبه ونظر إلى الشاشة، تنهد بنزق وقام بالرد قائلًا:
خير يا شاهر مش باسل خلاص طلع من القضية. أجابه شاهر ببسمة: أه الحمد لله كمان وصلنا البيت، بس في حاجة جديدة لازم تعرفها. بنزق تحدث طوفان: أشجيني إيه الجديد. اجابه بضحك: مراتك... قصدي دُرة هيقدم لها عريس الليلة. اعتدل طوفان في الفراش مما سبب له ألم مضاعف قائلًا: ومين ده كمان، واضح إن خلاص لازم الأمر يظهر للعلن. أجابه:
الأول يظهر قدام دُرة، كريمان بتقول إن بدرية لمحت لها بجواز حاتم من دُرة، يعني وارد جدًا استغلال براءة باسل، وتقول نخلي الفرحة فرحتين. زفر طوفان نفسه بغضب قائلًا: الفرحة فرحتين، ده عند مين، نص ساعة واكون عندك، واضح دُرة مش هينفع معاها غير الأمر الواقع. عودة على ضحكات باسل وشاهر...
رفع رأسه نظر للأعلى تلاقت عيناه مع عيني دُرة التي كانت تقف بشرفة غرفتها، رفع يده لها بمرح، أغاظها لكنها تجاهلت ذلك ودخلت إلى الغرفة وأغلقت الشرفة مما جعله يبتسم وهو يغادر متوجهًا نحو سيارته التي كان ينتظره السائق بداخلها.
بينما دُرة حين تركت طوفان بالغرفة كان هربًا حين شعرت ببوادر اختناق، قبل ان يثقل تنفسها أمامه، صعدت إلى غرفتها، فتحت أحد الأدراج جذبت علبة الدواء، سريعًا فتحت فمها تستقبل ذلك الرذاذ الذي هدأ من الاختناق، جلست لحظات على طرف الفراش قبل أن تستلقي بنصف جسدها عليه، لحظات حتى شعرت بهدوء، لكن عقلها مازال غير مستوعب، تشعر كأنها بمتاهة فجأة انقلبت حياتها من استعداد لزواج بعد أيام لفاجعة موت والدها وحسام معًا مرورًا بأشهر ترقب
لمعرفة عقاب القاتل، مرورًا بعودتها إلى هنا والبقاء بشكل دائم، مرورًا ومرورًا بأحداث لم تكن تتوقعها آخرها تلك القسيمة وأنها أصبحت بمثابة زوجة لـ طوفان ذلك الكاذب الخائن، دمعة سالت من عينيها، سريعًا اعصرت عينيها، ربما يكون كل ما مرت به ليس أكثر من كابوس مر، لكن حين فتحت عينيها لوهلة شعرت بدوار الغرفة بها، والحقيقة أكثر مرارة، بصعوبة ارتكزت على كفيها على الفراش ونهضت جالسة مرة أخرى، شعرت كأن الغرفة تضيق بها، تحملت ذلك
الوهن النفسي ونهضت تتجه نحو شرفة الغرفة علها تستنشق بعض الهواء يُنعش ذلك الاختناق، بالفعل للحظات كان هنالك نسمة صيفية رطبة، تغلغلت إلى فؤادها أغمضت عينيها لحظات تستنشق الهواء، حتى شعرت بامتلاء رئتيها، فتحت عينيها وليتها ما فتحتها، صدفة أو قدر عينيها تلتقيان بعيني طوفان، شعرت بغضب من إشارة يده بلا تفكير أو انتظار دخلت إلى الغرفة وأغلقت باب الشرفة، تشعر بضجر، لكن لوهلة كأن عقلها كان
بغفوة لامت نفسها قائلة: إزاي عقلي كان فين، كان لازم أشوف القسيمة أمتى تم كتب الكتاب. جاوبها عقلها: بسيطة انزلي لـ شاهر واسأليه. عاد عقلها يعترض بقسوة: أنا لو نزلت مش هسأل شاهر أنا ممكن أقتله... بس كمان لازم أعرف، ومستحيل أحقق لـ طوفان هدفه. بمنزل طوفان.. تقابل مع والدته التي كانت تنتظره اقتربت منه بلهفة قلب قائلة: طوفان إنت بترهق نفسك بزيادة كفاية بقى لازم تاخد فترة راحة، ناسي إصابتك. ابتسم لها بمودة قائلًا:
أنا بخير يا ماما اطمني ومتقلقيش من ناحية فترة الراحة فأنا هاخد الفترة الجاية إجازة إجباري، عشان هتجوز. لوهلة خفق قلبها بتوقع قائلة: هتتجوز مين. ابتسم وأجابها: هو في غيرها... دُرة، وقبل ما تسألي أو تعترضي، أمر جوازي من دُرة خلاص أمر واقع، وكمان في حاجة تانية محتاج دعمك معايا فيها، لأني عارف إن ليكِ كلمة مهمة عند عيلة مهران كلها. بخفقان قلب سألته: خير يا ولدي. أجابها:
خير يا أمي خلينا نطلع نتكلم في أوضتك عشان تفهميني كويس. أومات له، صعدوا إلى غرفتها وتحدث معها بذلك الشأن شرط دُرة.. تفوهت بدهشة قائلة: دم.. مستحيل يا ولدي إنت فاهم معنى الحديث اللي بتقوله ده، ده واعر أووي، كمان خالك عزمي مش هيوافق عليه، إنت عارف إن عنده تعالِ، وكمان... قاطعها طوفان بتحفيز:
عارف تعالِ خالي، بس للأسف مفيش حل غير كده، وليد فعلًا قاتل، ولو مش ضياع سلاح الجريمة، كمان شهادة الشهود اللي اتبدلت كان أقل واجب وليد خد سجن مؤبد، يبقى عالأقل ده نوع من التغفير، ورد حق العدالة. ابتلعت ريقها: برضك ده أمر صعب، والناس بتتعايد بيه لسنين وفيه ذل. نظر لها بأسف قائلًا:
معاكِ بس ده برضو حق يا أمي، أرجوكِ أنا محتاج دعمك قدام العيلة، أنا مسافر بكرة الصبح وراجع آخر النهار إن شاء، وأنا جاي في السكة اتصلت على كبرات العيلة وطلبت منه اجتماع بكرة المسا، دعمك ليا قدامهم هيقوي كلمتي. نظرت لـ طوفان شعرت بغصة... طوفان كان له هدف آخر بحياته، رغم ذلك استسلم للقدر وأخذ مكانة والده "نوح" كـ كبير للعائلة، لكنه ليس بقسوة قلب نوح، هنالك قطعة لينة في قلبه...
ربما الآن علمت سببها هي تلك الفتاة هو عاشق ويفعل كل ذلك من أجلها، عكس قلب والده كان عاشقًا قاسيًا لا يهتم بمشاعر القلب، بل كان يسعى للسيطرة، كان يحب امتلاك من يحب، لا يهمه إن بكى أو تألم، المهم أن يبقى بجانبه، ملكًا له وحده... أما طوفان... ففي عينيه وجع الحب الصامت، في أفعاله رجاء غير منطوق، هو لا يطلب شيئًا، فقط يعطي، فقط يتحمل... فقط يحب... فقط يحب بصمت يشبه بكاء البحر تحت ضوء القمر...
لم يكن بحاجة لأن يفصح، فكل تصرف منه كان يصرخ باسمها، كل نظرة، كل تنهيدة، حتى حين يغضب، يغضب لأجلها، لا منها.... هو لا يشبه نوح، لا يشبه أحدًا في هذه العائلة المجبولة على الكبرياء، طوفان خُلق من طين مختلف... طين رُوِي بحب دفين، لا يعرف القسوة، فقط يعرف العشق، حتى وإن كلفه ذلك كتم أنفاسه... لكن غص قلبها عليه.. ربما دُرة لا تدري، وربما تدري وتتجاهل، لكنها إن نظرت جيدًا في عينيه، سترى الحقيقة كاملة...
سترى الرجل الذي حمل قلبه على راحتيه ووضعه أمامها دون أن يطلب مقابلاً... تنهدت بتفهم كادت تسأله هل تستحق تلك الـ دُرة كل ما تفعله من أجلها، لكن أرجأت ذلك وطاوعته قائلة: تمام متجلجش أنا في ضهرك. ابتسم لها بحنان وقبل رأسها قائلًا باستقواء: ربنا يخليكِ دايمًا يا أمي وكلمتك تفضل... بركة وسند ليا، طول ما انتي راضية عني، الدنيا مهما لفت بيا مش هتقدر تكسرني.
شدت على يده بحنو، وفي عينيها دمعة مختبئة، لم تكن تعلم كم هذا الابن يشبهها، رغم كل ما مر به... قلبه لازال يختار الحب. هي وحدها من ترى في صمته كلام، وفي انحناءة كتفه وجع لا يبوح به، لكنه حين يبتسم... تشعر وكأن الدنيا ما زالت بخير. باليوم التالي صباحًا.. منزل عزمي.. زفر نفسه بغضب بعدما علم بخروج باسل من تلك القضية بلا أي اتهام، بل ضاع عليه أمواله هباءًا لا يستطيع البوح أن تلك كانت أمواله، ازداد غضبه حين رأى سامية أمامه
تنظر له بازدراء قائلة: لسه راجع الدار دلوق، كنت بايت فين عشية امبارح. نظر لها بغضب قائلًا: كنت في داهية، بعيد عنك انتِ وولادك. بداخل نفسها تمتمت: ياريت الداهية كانت خدتك ومرجعش غير خبرك... بينما تفوهت له بامتعاض قائلة: سلامتك إحنا لينا غيرك، هروح المطبخ أشوف الخدامة حضرت الفطور ولا لسه، إن مكنتش على يدهم ميشتغلوا ولا يحللوا لقمة عيشهم في الدار.
بعد دقائق على طاولة الطعام.. نهض ريان بعدما صدح رنين هاتفه.. نظر له عزمي سائلًا: مين اللي بيرن عليك خلاك قمت من عـ الأكل. نظر ريان نحو سامية قائلًا: دول أصحابي سبق وقولت إني اتفقت معاهم هنروح كام يوم نتفسح في الغردقة وشرم الشيخ. اعترض عزمي قائلًا: طبعًا دول الصيع اللي يا دوب نجحوا بالعافية زيك، نفسي أعرف إيه ناقصك عن سُجى بت خالك، هتدخل طب. أجابته سامية بغطرسة:
مش ناقص فقر زي جوز أختك، وسيب الواد ينبسط في الإجازة مع أصحابه، كفاية كبت طول السنة. توقفت ثم نظرت لـ ريان قائلة بتفويض: روح يا حبيبي انبسط ويا أصحابك. نهض عزمي بغضب وكاد يتحدث لكن صدح هاتفه، نظر للشاشة، سرعان ما حاول الهدوء وقام بالرد ليُنهي الحديث سائلًا: وإيه سبب الاجتماع ده. أجابه الآخر: معرفش. طوفان هو اللي طلب اجتماع العيلة المسا، المسا هنعرف منه.. أغلق الهاتف قائلًا: تمام. اغلق الهاتف وقف للحظات حائرًا،
بينما فضول سامية سألته: اجتماع إيه. نظر لها بازدراء قائلًا: من متى والحريم بيدخلوا في شؤون الرجال، خليكِ مع عيالك دلعي فيهم لحد ما يخيب أملهم أكتر واكتر. قال ذلك وغادر بعصبية... استهزأت منها سامية ببرود ولم تهتم، لكن بداخلها فضول معرفة سبب ذلك الاجتماع العائلي. بمنزل حاتم.. منذ ليلة الأمس وهي تغلي غضبًا... العصبية تنهش أعصابها، والحقد يشتعل خلف عينيها، يتراقص الكره في نظراتها كجمرة تتلظى...
لم يغمض لها جفن، باتت تتقلب في فراشها، ينهشها الغيظ حتى مطلع الفجر... مع أول خيط للضوء، نهضت كأنما تُساق إلى معركة. انعكاس وجهها في المرآة أزعجها، عيونها تفيض بالخذلان... بللت وجهها بماء بارد، كأنها تطفئ ما استعصى على النوم تهدئته... جلست بالمطبخ نار قلبها أقوى من نيران الموقد...
بينما بغرفة حاتم، ارتدى زي الشرطة الخاص ثم خرج من غرفته توجه نحو المطبخ، تفاجئ بوجود والدته تجلس على أحد المقاعد، نظر لها شعر بوخزات قوية في حلقه ابتلعها قائلًا: صباح الخير يا ماما إيه اللي مصحيكِ بدري أوي كده. رفعت عينيها نظرت له بأعين باكية:
أنا منمتش أصلًا، قلبي موجوع، حاسة كأن حسام لسه ميت النهاردة، بيقولوا الوجع بيخف مع الوقت، لكن أنا وجعي بيزيد، وآخرتها كمان اللي اسمه طوفان طمع في مرات أخوك، قلبي كان حاسس هو ليه اتلاعب بالقضية، هو كان طمعان في دُرة من البداية. لوهلة لم يفهم حاتم معنى قولها فسألها بتوضيح: قصدك إيه بأنه كان طمعان في دُرة من البداية. ارتبكت قائلة بتبرير:
قصدي واضح، شافها وعجبته، وهو معندوش أخلاق، عادي يطمع في أي شيء ويعمل المستحيل عشان يوصله بسهولة زي ما عمل وكتب كتابها عليها، بعد ما ضحك على عقل شاهر وتلاقيه كمان عطاه رشوة وقبل يكتب كتابها بتوكيل منها له، طول عمري مش برتاح لـ شاهر ده خالص، خبيث زي كريمان مصراوية جريئة، ضحكت على عقل مختار زمان وعاند واتحدى الكل واتجوزها، حتى دُرة زيها عاشت في مصر وخدت طباع من أم أمها أكيد، بس يمكن حبها لـ حسام هو اللي خلاها توافق على الجواز منه رغم اعتراض مختار في الأول بس هي موافقتها خلت مختار يوافق، أكيد كريمان هي اللي كانت بتحرض مختار على رفض حسام.
توقفت تبكي تضع يدها على صدرها قائلة بوجع روح حقيقي: حسام اتقتل ومختار اتقتل والاتنين دمهم راح هدر وفي النهاية طوفان وصل للي كان عاوزه، ودُرة مع الوقت هتلين وتقبل بالأمر الواقع... يا حرقة قلبي. شعر حاتم بالاختناق، وكأن الكلمات خرجت من قلبها لتحاصر صدره هو... مد يده ليمسك بكفها المرتعش، واكتفى بالهمس: إنتِ شايلة كل الوجع ده في قلبك لوحدك يا ماما. نظرت له بعينين تغمرهما الدموع وقالت بصوت مخنوق:
من يوم الحكم بتاع القضية وأنا قلبي كان حاسس وشايفه اللي جاي، دلوقتي طوفان هو اللي فاز. شعر حاتم بالغيظ والغضب يتملكان منه لكن تماسك أمامها بصعوبة قائلًا بتوعد: مستحيل استسلم يا ماما ودمار طوفان هيكون على إيديا. بمنزل والد دُرة.. هي الأخرى استيقظت تشعر بالإرهاق، كأن النوم بات خيطًا رفيعًا يتقطع كلما حاولت الإمساك به. كانت لياليها مؤخرًا شبيهة بساعات معلقة بين الصحو والكوابيس، لا راحة فيها ولا طمأنينة...
رفعت رأسها عن الوسادة بتثاقل، تنظر إلى السقف وكأنها تبحث فيه عن سبب ذلك الضيق العالق في صدرها... كل ما حولها صامت، لكن عقلها يضج، لا يكف عن سرد الصور والذكريات والأفكار... وكأن السكون حولها يفضح الصخب بداخلها. بصعوبة نهضت من فوق الفراش، بعد قليل ذهبت إلى غرفة السفرة، نظرت بغضب وعصبية نحو شاهر الذي كان يتحدث مع باسل، تفوهت بغيظ وتريقة دون مقدمات: عاوزة قسيمة كتب الكتاب أكيد معاك منها نسخة بصفتك وكيل العروسة.
ابتلع شاهر اللقمة التي كانت بفمه وارتشف خلفها المياه قائلًا بهدوء ظاهري: طبعًا معايا نسخة، بعد الفطار هجيبهالك. نظرت له دُرة قائلة بأمر: عوزاها دلوقتي. بدون جدال نهض شاهر غاب دقيقتين وعاد بتلك القسيمة... حاول التحدث قائلًا بتبرير: والله أنا لو مش عارف إن طوفان بيحبك عمري ما كنت.... قاطعته وهي تأخذ القسيمة من يده قائلة بغضب: بلاش تبريرات ملهاش لازمة... إنت تعتبر خونت الأمانة يا خالي العزيز. أخذت دُرة القسيمة،
وقفت تقرأها قالت بإندهاش: ما شاء الله مكتوب في القسيمة تاريخ كتب الكتاب هو نفسه نفس اليوم اللي عملتلك فيه التوكيل.. توقفت تشعر بإندهاش ثم تحدثت بذهول: كمان مش معقول أول شاهد على كتب الكتاب يبقى "الشيخ عرفة"! أكملت قراءة القسيمة توقفت مرة أخرى ثم جحظت عينيها قائلة: مكتوب المهر اتنين مليون دولار، ومفيش مؤخر! ازدردت شاهر ريقه، بينما نظرت له دُرة باستهزاء قائلة:
طب فين الاتنين مليون دولار مهري، دلوقتي لو حبيت اخلعه هجيبهم منين، مش كنت تتأكد إنه دفع المهر الأول. برر شاهر قائلًا: أنا عندي ثقة في طوفان ومتأكد إنه عمره ما هيغصبك تعيشي معاه والمبلغ ده مجرد رقم ملوش أي قيمة. استهزأت دُرة، وتركت شاهر بلا جدال، خرجت إلى حديقة المنزل تستنشق الهواء لم تفكر وفتحت هاتفها قامت باتصال.. سرعان ما رد عليها بصوت هادئ: صباح الخير يا دُرة. لم ترد عليه الصباح وتفوهت مباشرة:
مكتوب في قسيمة الجواز، إن المفروض المهر بتاعي اتنين مليون دولار، مش شايف إن المبلغ كبير أوي، كمان المفروض المبلغ كان يبقى زي القسيمة مثبت في رصيدي في البنك. ابتسم طوفان يعلم أن دُرة لا يفرق معها المال، لكن راوغ قائلًا: المبلغ فعلاً هيتحول لرصيدك في البنك يوم فرحنا. تهكمت دُرة قائلة: واضح إنك واثق من نفسك أوي، عالعموم أنا ميهمنيش فلوسك قصدي دولاراتك، أنا عاوزة أرض بابا اللي اشتريتها. ابتسم طوفان قائلًا:
لكل مقام مقال يا دُرتي، نبقى نتفاهم عالأرض بعدين، ودلوقتي مضطر أقفل عندي ميعاد مع عميل مهم، عاوز اخلصه بدري عشان راجع المنيا المسا لأمر هام، يلا خدي بالك من نفسك، إنتِ مبقتيش ملك نفسك دلوقتي. فهمت تلميحه، فاغلقت الهاتف بغضب، تقبض بيدها على الهاتف بعصبية، طوفان يقوم بسد الطرق أمامها ويستغل الأقرباء وأصحاب الثقة لديها... إن كان بداية من الشيخ عرفة.. نهاية بخالها شاهر..
مساءً.. رغم سفره وعودته بنفس اليوم، وشعوره بالألم والإرهاق، لكن يود إنهاء ذلك الموضوع الليلة. بغرفة الضيوف الكبيرة بقصر طوفان.. دخل على الموجودين بالغرفة بهيبة خاصة تصحبه، وهم يقفون حتى أشارلهم بالجلوس، ملقيًا السلام أولًا ثم جلس خلفهم، تنحنح بثبات قائلًا: بدون لف ودوران انتم معظمكم عارفينى مش بحب الرغي الكتير، أنا طلبت إننا نجتمع الليلة لأمر مهم، هيحدد مين في الفترة الجاية هيبقى سند معايا ومين اللي هتظهر حقيقته.
قال ذلك ونظر نحو عزمي الذي تسرع بالنفاق قائلًا: إنت عارف إن عيلة مهران كلياتها في ضهرك ومحدش يقدر يعترض على كلمة منك. نظر له طوفان بنظرة باردة، خالية من الابتسامة، وقال بنبرة ثقيلة: ماليش في الحديث المجامل ده مكانه مش هنا، يا خالي.. اللي في ضهري بجد، مش محتاج يفضل يقولها كل شوية. سادت لحظة من الصمت المشحون، تبادل فيها الحضور النظرات المتوترة، قبل أن يتابع طوفان وهو يوزع نظره بين الوجوه:
–الليلة دي، أنا مش طالب تأييد بالكلام... أنا طالب فعل. واللي هينفذ، هو اللي هيكمل معايا الطريق. والباقي... ربنا يسهل له. ارتفعت بعض الحواجب، وتبدلت بعض الوجوه، بينما طوفان نظر لهم بهدوء قائلًا: أنا سبق وقدمت وليد بنفسي للـ شرطة وجولت القانون هو اللي يحكم، بس كان في راسي غرض تاني، إن الموضوع يهدى عشان وقتها كان سهل الأمر يتطور وندخل في مشكلة تار سواء مع عيلة غُنيم، أو عيلة بدران...
وبعد حكم المحكمة اللي كنت متوقعه، بسبب ضياع سلاح الجريمة والطب الشرعي اللي أثبت إن الرصاص كان من سلاح مش مترخص، وشهادة الشهود اللي في منها اتغيرت، الحكم زي ما انتم عارفين، يعتبر في عرفنا حكم مُخزي.. واللي حصل في المحكمة من حاتم، وبعده من الدكتورة دُرة يأكد إننا بنواجه غضب ممكن يستفحل لو متصرفتش بسرعة وكان في حكم عُرفي هو اللي ممكن يهدي بل ممكن ينهي أي عداوة لينا مع عيلة بدران وعيلة غُنيم، وده سبب اجتماعنا النهارده، ومش مستعد اسمع أي اعتراض من أي شخص موجود.
كانت عيني طوفان تنظران إلى عزمي الذي تحدث بغطرسة قائلًا: وإيه هو الحكم ده، طالبين فدية مالية... بسيطة ندفعها لهم ونخلص... سبق وكان بين العيلتين دول خلاف على حتة أرض كام فدان وانت إشتريتها، يعني "الديّة" ندفعها وننهي الخصومة. نظر له طوفان بازدراء لكن تحدث بثبات: هو فعلًا المطلوب "الديّة" بس مش دية مالية، المطلوب هو إنت ووليد تقدموا كفنكم لعيلة غنيم... وكمان لعيلة بدران.
صاعقة ضربت عقول الجالسين، وبإعصار أقوي ضربت عقل عزمي الذي نهض واقفًا يقول بغضب عارم: ده مستحيل يحصل. ببرود نظر له طوفان قائلًا: اقعد يا خالي وبلاش تسرع، اللي بقول عليه ده لمصلحة العيلة كلها، وأولها انت ووليد.. وافتكر إن حاتم بدران ظابط شرطة وسهل يلفق لـ وليد أي قضية ويضمن حكم مش أقل من مؤبد، غير إن ممكن يقتله بالغلط ويقول كنت بأدي مهمتي الرسمية... التسرع مش هيفيدك وقتها... وانت واحد عارف إن رمي التهم بالساهل.
جلس عزمي بعدما فهم إيحاء طوفان، أنه قد يكون عرف أنه هو من افتعل قضية اتجار باسل بالعملة الأجنبية، تحدث بتوتر: بسيطة أسفر وليد خارج مصر يعيش في أي مكان تاني ملك. تهكم طوفان ضاحكًا بخباثة قائلًا: وقتها يبقى سهلت المهمة تفتكر صعب يعرفوا وليد سافر فين، حتى لو سافر بطريقة غير شرعية. ازدرد عزمي ريقه الذي شبه جف، قائلًا بمراوغة كي يحصل على تعاطف وتأييد بقية الموجودين: وإنت موافق عالحديث الفاضي ده...
ولا يكون براسك غرض تاني عاوز توصله، أنا سمعتك يوم ما وليد خرج من الأحداث وبنت مختار غنيم بتتوعد بقتل وليد، إنت... قاطعه طوفان بثقة قائلًا: أنا فعلًا بحب الدكتورة دُرة... وده مش شئ يعيبني... أخذه عزمي عليه وقاطعه قائلًا بنبرة تحريض: أها يعني إنت عاوز توطي راس العيلة كلها عشان خاطر تنال عشق الدكتورة دُرة. بنبرة فخر تحدث طوفان:
العشق مش عيب، وأنا مش بوطي راس العيلة بالعكس أنا هدفي مصلحة الجميع، إن الدم يتوقف، وتقديم الكفن هو الحل الوحيد... لان لو انت رفضت أنا أول واحد هسلت يدي عن حمايتك انت ووليد، والقرار دلوقتي لبقية كبرات العيلة وهو اللي هناخد بيه. نظر عزمي بتوهان لوشوش الموجودين وهم يتهامسون فيما بينهم، كذالك طوفان الذي يجلس فارداً صدره يتوقع الحصول على دعمهم، وقد كان وصل إلى ما يريد.. توافق الجميع مع طوفان... نهض عزمي غاضبًا يقول بغيظ:
كلياتكم هتوافقوا على حديته، إنه يرمي رجالة وهيبة العيلة تحت أقدام مرة عاوزها. والصمت كان الرد بمؤازرة طوفان، وعزمي وجب عليه الانصياع لقرار طوفان. باليوم التالي.. صباحًا.. علم طوفان من وجدان بموافقة جود مبدئيًا، استغرب هو الآخر ذلك، لكن هو لن يضغط عليها، بعد نهاية الإفطار... دخل الثلاث إلى إحدى الغرف نظرت وجدان إلى جود قائلة بتحذير: قولي قرارك النهائي يا جود الجواز رابطة العمر كله. ابتسمت جود بحياء قائلة:
قلتلك قراري من امبارح يا ماما، ليه حاسة إنك خايفة بزيادة. تنهدت وجدان قائلة: مش حكاية خوف، بس ده جواز، وجواز العمر كله. نظرت جود نحو طوفان وتبسمت قائلة: بس أنا مش خايفة من حاجة يا ماما، عشان عارفة إن في ضهري طوفان دايمًا، مستحيل يسمح بأي حاجة تأذيني. نظر لها طوفان واقترب مبتسمًا ضمها من كتفها قائلًا: مين اللي ييجي فيه قلب يقدر يأذي ملاك زيك يا جود، مستحيل طبعًا، الا لو كان مُختل عقليًا وقتها أنا هضمن جنانه رسميًا.
ابتسمت جود بامتنان تشعر بقوة في قلبها منبعها قوة تماثل طوفان.... بعد قليل عبر الهاتف.. كان حاتم يجلس بقسم الشرطة الذي يعمل به، يمسك تلك البطاقة الائتمانية الخاصة بـ جود لا شيء برأسه سوا أنه يود معرفة قرار طوفان، ربما يشعر براحة قلبية، أو زيادة غليان في صدره، لن يترك طوفان يهنئ على بؤس قلب والدته... في أثناء ذلك صدح رنين هاتفه، نظر لشاشته.. زفر نفسه وجذب الهاتف بترقب بعدما قرأ اسم طوفان...
التقط نفسًا طويلًا قبل أن يقوم بالرد، بلا تردد.. بعد السلام والمراوغة المتعمدة من طوفان، فقد حاتم الصبر تصلب فكيه، قبض على البطاقة بقوة حتى ابيضت أنامله، ثم قال بنبرة خافتة لكن حاسمة: أكيد مش متصل عليا عشان نتساير في حكاية تقديم الكفن، ممكن تقولي قرارك بشأن طلب إيد أختك، قرارها إيه.
بمراوغة من طوفان أصبح يكون فكرة عن أخلاق حاتم، يبدو أنه شخص لا يعرف التحكم في أعصابه، خفق قلبه بقلق على جود وحياتها معه كيف ستكون، كاد يرفض الإجابة لكن تذكر موافقتها، لم يغصبها على ذلك، فأجابه ببرود: تقدر تبعت والدتك تقعد مع الحاجة وجدان، والمسا تجيب والدك وتشرفنا في القصر. ارتخت قبضة يده يشعر بظفر حتى لو لم يتفوه طوفان بالقبول مباشرةً لكن ما قاله كافٍ ودليل على الموافقة...
أغلق الهاتف مع طوفان ونهض سريعًا خارجًا من القسم يعلم إلى أين يذهب الآن.. بعد قليل بالمقابر وقف أمام ذلك القبر الذي يحمل شهادة وفاة حسام، رفع يديه يقرأ الفاتحة حتى انتهى قام بالدعاء لأخيه، ثم مسد بيديه على تلك الشهادة، ينفض ذلك الغبار العالق عليها... بدمعة تحجرت في عيناه وتفوه بثقة:
حقك هيرجع يا حسام، عارف إنك أكيد زعلان إن دُرة هتبقى من نصيب غيرك، بس أنا مش هسمح لهم بالسعادة، وهتبدأ رحلة انتقام وطوفان هيندم على اليوم اللي فكر فيه يقرب من دُرة. ..... ***مساءً بمنزل طوفان.. كان استقبال طوفان لـ حاتم ووالده بترحيب، ثم اخذهم إلى تلك الغرفة، تعجب حاتم من وجود الشيخ عرفة، كذالك عزمي الذي تنطق عيناه بغضب وكره واضح، لكن عليه الصمت...
جلسوا معًا لبعض الوقت بحديث بسيط، كان كل من طوفان و حاتم كلامهما يكتشف الآخر لكن واضح بينهم بعض الحزازية ببعض الشؤون، بالأخص حين تحدث حاتم: أنا بقول ملهاش لازمة فترة الخطوبة، أنا شغلي في الشرطة بياخد وقتي معظم الوقت فمش هبقى فاضي للحركات واللقاءات بتاع المخطوبين، أنا بقول نكتب الكتاب ونتجوز مع... توقفت الجملة بحلقه، صعب عليه نطقها، لكن تحمل تلك الغصة في قلبه وأكمل: مع طوفان ودُرة. ذُهل طوفان قائلًا:
بالسرعة دي مش معقول، إنت ووجود متعرفوش بعض، كمان تجهيزات العروسة. تهكم حاتم بين نفسه قائلًا بحقد دفين: مش محتاج اتعرف على أختك العين قدامي... بينما تفوه للعلن بثبات: هنتعرف على بعض أفضل واحنا متجوزين، كمان التجهيزات مش معضلة، أكيد تقدر تجهز أختك في يوم، وأنا كمان الشقة عندنا جاهزة حتى بالعفش. نظر والد حاتم له نظرة عينيه بسؤال، فأكمل حاتم حديثه: شقة حسام جاهزة بالعفش.
نظر طوفان لـ حاتم بنظرة غضب وكاد يقف رافضًا، ذلك لكن سبقه الشيخ عرفة قائلًا بتهدئة: خير البر عاجله، بس في التأني السلامة. أومأ حاتم قائلًا بتبرير خادع: إنتم عارفين إن شغلي في الشرطة معرض دائمًا للتنقلات في الأقسام وبين المحافظات، ممكن في حركة التنقلات الجاية أروح أخدم في مكان بعيد. أومأ الشيخ عرفة باقتناع. بالنهاية وصل إلى هدفه وتم تحديد عقد القران مساء يوم تقديم الكفن... كذالك الزفاف باليوم التالي مع طوفان ودُرة.
بعد وقت.. بمنزل دُرة.. استغربت دُرة من قول باسل عن طلب حاتم للزواج من أخت طوفان، تحدثت بدهشة ورفض: أكيد طوفان هيرفض بدون جدال. خيب باسل توقعها قائلًا: لأ من شوية حاتم كلمني وقالي إنه وافق وكمان قروا الفاتحة وحددوا كتب الكتاب والزفاف في نفس يوم زفافك انتِ وطوفان. ذُهلت قائلة: طوفان امتى عقله طار منه إزاي يوافق على حاجة زي دي، حاتم يعرف جود منين؟ جود شخصيتها رومانسية ممكن وافقت بضغط من طوفان. تحدثت كريمان بسؤال:
وهيضغط عليها ليه، دي أخته وأكيد مش هيضغط عليها بحاجة زي دي فيها مستقبلها. احتار عقل دُرة.. تركتهم وصعدت إلى غرفتها فتحت هاتفها قامت باتصال.. سرعان ما رد عليها طوفان قائلًا: بصراحة مكنتش مصدق إنك تتصلي عليا لما قريت اسمك عالشاشة قولت أكيد بحلم. تفوهت بنبرة اعتراضها: إزاي وافقت على جواز حاتم من جود. أجابها بهدوء: أنا وافقت بعد ما سألتها وهو وافقت بدون... قاطعته بغضب، لكن حديثها مثل الرصاص:
بس هي مش قطعة شطرنج في صفقة، ولا ورقة في ملف... أختك إنسانة... ومينفعش تبقى كأنها بند في اتفاق. عاود طوفان حديثه بحزم: أنا مستحيل أدخل أختي في أي اتفاق يا دُرة، أنا قولت لماما وماما اتكلمت معها وهي وافقت بدون أي ضغط من أي حد عليها، وأنا طول اليوم مرهق، ومحتاج آخد شاور بعدها أنام، تصبحي على خير. أغلق طوفان الهاتف دون انتظار، سبب ذلك غيظ بعقل دُرة قائلًا:
قفل في وشي، الحقير مفكر إنه الحاكم بأمره والجميع لازم يوافقوا على أوامره، حقير أناني ميهموش غير راحة نفسه حتى لو على حساب غيره.
بينما بمنزل طوفان.. كان مشتاقًا لها، وفكر في الاتصال عليها قبل أن تتصل عليه ود أن يشاغبها قليلًا يستمتع بالحديث معها، لكن اتصالها وطريقة حديثها تلك لو أطال معها في الحديث، ستتحامل عليه، وهو مرهق، لو أحد غيره بعدما مر عليه بالفترة الأخيرة وتحمله وهو مصاب برصاصتين في جسده ما زال جرح جسده لم يلتئم مكانهم، لكان برك بالفراش، لكن هو يقاوم ويقاوح كي يحصل على راحة قلبه منها، قبل راحة جسده. هي دواؤه وسقمه، شغفه وبلواه، وفتنته الذي مهما حاول يهرب منها، يعود لها...
خلع ثيابه وبقي بسروال داخلي فقط، التقط برشامة وابتلعها بقليل من الماء، ثم تمدد على الفراش لحظات قبل أن يغفو يفصل لوقت يستعد للإعصار القادم. مرت عدة أيام.. بظهيرة يوم الجمعة.. والطقس شبه حار بل حار جدًا.. بالساحة المقابلة لأحد مساجد البلدة.. نشاط أمني واسع ومكثف حول المكان، حضور كبار الشخصيات بالمحافظة وأعضاء المجالس النيابية، كذالك شيوخ من الأزهر، وبعض القساوسة...
لفيف واسع من الحضور، وترقب وخوف.. وعلى الجهة الأخرى غضب عارم من وليد وعزمي المغصوب على فعل ذلك وقام بالغصب أيضًا على وليد الذي قالها صريحة: لو سبتني كنت فرغت السلاح في دماغ طوفان نفسه والشيخ عرفة معاه، ده ذل لينا. نظر له عزمي بغضب: السلاح اللي قتلت بيه اتنين قبل كده لو مش التحايل ودفع الرشاوي للشهود كان زمانك لساك بالسجن، عدي اليوم مش عاوز مشاكل، المرة دي لو حصل حاجة هتبقى جريمة علني. غصبًا امتثل وليد متوعدًا:
مش هنساه لطوفان وهدفعه تمنها غالي، بس كل شيء بآوانه. بعد وقت.. تحت تلك الشمس الحارقة.. خطاب ديني عن القصاص والتسامح.. أعقبه وقوف بعض الأهالي على الصفين، ومن الوسط مرور كل من وليد وعزمي اللذان يحملان كفنيهم فوق أيديهم...
يسيران من بين الصفين بغاضبين حتى وصلا إلى مكان وقوف كل من والد حسام وباسل.. انحنى عزمي أولًا أصبح جاثيًا على ركبتيه أمام والد حسام، ورفع يديه بالكفن.. بينما هناك ترقب ونظرات مريبة لـ وليد الذي لوهلة تحكم به الكبر وفكر بالهرب، صمت خيم للحظات توقفت بعض القلوب عن النبض خوفًا من نقض الاتفاق المسبق... لكن كلمة نطقها طوفان، أدخلت الرعب في قلب وليد الجبان، حين نطق باسمه وبإشارة من رأسه أمره.. -وليد..
لا داعي للنظر نحو طوفان، فلو فكر وليد بنقض الاتفاق أصبح مهدور دمه، تحكم الجبن بقلبه غصبًا فعل مثلما فعل عزمي ووجثي على ركبتيه أمام باسل رفع يديه بالكفن.. لم يفكر والد حسام، ولا باسل وتقبلا ذلك وأخذا الكفنين من إيديهم، بلحظة كانت تُذبح الذبائح فدوًا وعفوًا مقبول... وسط همزات الأهالي.
مساءً.. بمنزل طوفان.. بتلك الغرفة الكبيرة، يوجد نفس كبار الشخصيات التي حضرت ظهرًا، ها هم يحضرون عقد القران أيضًا.. جلس كل من طوفان وحاتم بالمواجهة لبعضهم، بالمنتصف كان يجلس المأذون، الذي طلب منهما وضع ايديهم ببعض، بالفعل حصل ذلك، نظر حاتم و طوفان لبعضهما كل منهما بداخله تحفظ من الآخر لكن يمتثلا للقدر الذي لا يعلم أحدهما إلى أين سيصل بهم مستقبلًا... ربما يصبحان صديقين، أو يظلا غريمين...
بالنهاية تم عقد القران، وبالغد سيكون العُرس.. بنهاية اليوم التالي.. بأحد القاعات الفخمة كان العُرس الذي انتظره الجميع، تتلألأ الثريات في السقف كنجم معلقة، وتعزف الأوتار أنغامًا تُغازل الروح... العروستان كن كأميرات من زمن الحكايات، تخطوان بخجلٍ وبهاء نحو مصيرٍ كُتب لهن... بين العيون والهمسات... أما العريسين، فكان الوقار والهيبة بثياب أنيقة.. كان الحضور مزيجًا من أهل وأصدقاء، ومعارف وشخصيات لها مكانتها....
تتعالى الضحكات تارة، وتتوارى الدموع خلف ابتسامات مجاملة تارة أخرى.... ليلة أسطورية انتهت... أخذ كل عريس عروسه إلى حيث تبدأ الحكايات على مهل، حيث تُخلع الأقنعة، وتُكشف النوايا، وتُولد التفاصيل الصغيرة التي تصنع عمرًا. بمنزل طوفان.. استقبال حافل من والدة طوفان ومعها سامية وكوثر اللذان يشعران باحتقان وحقد، بينما رحبت وجدان بها بدبلوماسية...
لحظات وانتهى ذلك الترحيب التي شعرت دُرة به بكثرة الرياء.. صعدت بصحبة طوفان إلى الأعلى توقف طوفان فتح باب الجناح وتنحى جانبًا يبتسم، رفعت دُرة ذيل فستان الزفاف ودلفت إلى الغرفة تشعر بضجر، ازداد حين دلف طوفان وأغلق الباب، استدارت تنظر له بغضب قائلة باستنهاق: إنتَ بتعمل إيه. رمقها طوفان بنظرة متفحصة، قبل أن يميل برأسه قليلاً، والابتسامة لا تزال معلقة على شفتيه... قائلًا بهدوء مستفز: داخل أوضتنا.
زفرت بضيق، قبضت على ذيل فستانها بقوة وكأنها تحاول أن تستمد منه بعض الثبات، ثم قالت بحدة: أوضتنا، القصر فيه أوض كتير شوفلك أوضة تانية نام فيها، ده جواز صفقة، إنت مفكره جواز بجد. اقترب خطوة، مما جعلها تتراجع لا إراديًا... تأمل توترها للحظات قبل أن يجيب بصوت منخفض لكن يحمل من التهديد ما يكفي لإشعال الرهبة في قلبها: حتى لو جواز صفقة فأنا ليا حقوق.
اتسعت عيناها للحظة، قبل أن تستعيد رباطة جأشها، متظاهرة بالتماسك، ثم رفعت ذقنها بتحدٍ وتحدثت بصوت ثابت: حقوق... ها، واضح إنك...... ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، كصياد يحكم قبضته على فريسته...
لم يمنحها فرصة الحديث، قاطعها مباغتًا يجذبها من خصرها، بعدما قطع المسافة بينهما في غمضة عين، بلحظة ضم شفتيها بين شفتيه يُسكت احتجاجها بقبلة متملكة، سلبت أنفاسها، ثبتها بين ذراعيه عاجزة عن المقاومة. لوهلة تصلبت في البداية، عقلها يصرخ بالأوامر للابتعاد، للرفض، لكن جسدها خذلها للحظة، كأنها علقت في دوامة أحاسيس لم تواجهها من قبل... نبضها تسارع بعنف، ويداها كانهما درع هش، ترددت بين الدفع والتشبث....
حتى عادت تدرك ما يحدث، انتفضت بقوة، تحاول الإفلات، لكن ذراعيه شدد قبضته حولها، كمن يفرض سطوته بلا نية للتراجع... همست باسمه بانفعال، نبرة صوتها متأرجحة بين الغضب والاضطراب، فشعر برجفتها الطفيفة، لكنه لم يبتعد... وعاد يُقبلها... متملكًا من شفتيها.... محاولًا فرض سيطرته على تمرُد يديها اللتان تدفعه بهن، كاد أن يفرض هيمنته لكن رنين الهاتف قطع الأجواء كضربة قاسية أعادتها للواقع بعنف...
تجمد كلاهما، أنفاسها المتقطعة تتلاحق، وصدره يرتفع ويهبط ببطء، كمن يحاول كبح شراسة رغبته غير المكتملة. استغلت اللحظة، دفعته بيديها بقوة على صدره، فاختل توازنه لثانية، بما يكفي لتبعد عن ذراعيه، تلهث وكأنها خرجت من معركة خاسرة. ابتسم ومد يده أخرج الهاتف من جيبه، نظر لشاشته ثم لها، لاحظ ارتجاف يديها تُحايد النظر إليه، وهي تُعطيه ظهرها ما زالت تشعر بحرارة لمساته تطبع أنفاسها، بصره المشتعل يلتهمها بصمت. ضغط على زر الرد محاولة جلي صوته، يستمع لمن يحدثه، سريعًا أنهى الاتصال قائلًا:
تمام أنا نازل حالًا. أغلق الهاتف ونظر نحو دُرة التي أعطته ظهرها، لكن هو تخابث وذهب نحو الفراش جذب ذلك الرداء النسائي، ثم عاد يسير توقف خلفها مباشرةً، كظلٍ قائلًا بمكر: ما تفكريش إنكِ هربتي... راجعلك تاني. أنهى حديثه وجنب طرحة الزفاف عن عنقها وضع قبلة رقيقة على جانب عنقها هامسًا: مش هاغيب كتير.. هسيبك تغيري الفستان وتلبسي قميص النوم ده.
ترك الرداء بين يديها ثم غادر مبتسمًا يعلم أنها على وشك لحظة وقد تشتعل نارًا أو غضبًا، أو ربما بين الاثنين معًا... وقفت متسمرة، تنظر إلى ذلك الرداء الحريري بين يديها، أصابعها تنقبض عليه دون وعي، وكأنها تمسك بفتيل قنبلة على وشك الانفجار... زفرت نفسًا مرتجفًا، تشعر بالدماء تتدفق إلى وجنتيها بحرارة، بينما كلماته تواصل التردد بعقلها.. كيف تركته يفرض سطوته بهذه السهولة، رفعت عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاسها...
وجسدها ما زال يعلوه فستان الزفاف الأبيض، أغمضت عينيها لوهلة، تحاول تهدئة أنفاسها، قبل أن تستدير ببطء، تنوي تغيير الفستان، لو ظلت لحظة واحدة فقط... كفيلة بأن تشعل المزيد من الضيق في أنفاسها... بلحظة نزعت عن رأسها ذلك الوشاح الأبيض وألقته بقوة فوق الفراش بغضب شديد، استدارت بعصبية، تحاول خلع الفستان بحركات مضطربة، وكأنها تنزع عنها أثر كلماته التي ما زالت تتردد في أذنيها...
خلعت الفستان وألقته بجانب الوشاح على الفراش، ثم نظرت إلى الرداء الحريري الذي تركه لها، تأملته باشمئزاز، وكأنه رمز لهيمنته التي يحاول فرضها عليها... زفرت أنفاسها بحدة قائلة: مفكر نفسه شخصية مهمة... ولا ملك متوج. رفعت ذلك الرداء النسائي بين أصابعها، مترددة بين تمزيقه أو تجاهله تمامًا.... فكرت تعرف جيدًا لو مزقته سيظن أنه انتصر...
القته هو الآخر على الفراش.. زفرت مجددًا، ثم ذهبت نحو خزانة الثياب ارتدت رداءً آخر، أكثر تحفظًا، كنوع من التحدي الصامت... ذهبت إلى الحمام، توقفت لحظات قبل أن تفتح الصنبور، غسلت وجهها وشفتيها بقوة، تُزيل أثر قبلاته، لكن ما زال الغضب مرسوم ملامحها، خرجت من المرحاض بخطوات ثابتة، مرفوعة الرأس، لتواجهه كما يليق بها... بلا استسلام.
بينما قبل لحظات، عاد طوفان إلى الجناح نظر نحو الفراش، ضحك حين رأى فستان الزفاف، كذالك ذلك الرداء النسائي الشبه عاري، بمكر خلع ثيابه وبقي بسروال داخلي فقط ينتظرها، مسندًا ظهره على إحدى حوائط الغرفة، وابتسامة تتراقص على شفتيه، وكأنه كان يتوقع كل ذلك... فاجئها قائلًا: إيه غيبك في الحمام كنتِ بتفكري في إيه. قالها بنبرة صوت مستفزة.. جعلها ترتجف من الخضة، ابتسم من شهقتها ينظر لها بوقاحة قائلًا:
في عروسة تلبس بيجامة سودة ليلة الدخلة، بس تصدقي اللون الأسود ملك الألوان، وأنا كمان أهو لابس شورت أسود بخطين حمر مطقم مع لون البيجامة بتاعتك، دي هتبقى ليلة.... -ليلة سودة، وكل لياليك معايا هتبقى سودة.
هكذا قاطعته دُرة بتحدي، بينما بعين عاشقة اقترب طوفان بخطوات بطيئة يتلاعب بعصبية دُرة الممتعة له، قبل أن يفاجئها ويجذبها من خصرها يضمها لصدره العاري بتملك، ينظر نحو شفتيها اللتان تطبقهما بقوة بطريقة مغرية بالنسبة له، لم يهتم وهو يقيد حركة يديها يُقبلها بنهم عاشق متيم، ترك شفتيها ليتنفسا، تحدث من بين أنفاسه المتلاحقة: إحنا هنلعب الليلة عالخطين الحمر... الليلة فيضان هيغرقنا مع بعض يا "دُرة طوفان".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!