بمنزل مرعي. زينة إلى المنزل تشعر بسعادة بالغة في قلبها وهي تبحث بعينيها عن والدتها. ذهبت نحو المطبخ وجدتها خلف الموقد تقوم بتحضير الطعام. اقتربت منها بسعادة. نظرت لها والدتها، لمحت تلك السعادة على وجهها فسألتها بلوم: "كنتِ فين يا زينة؟ خرجتي من بدري من غير ما تستأذني مني." اقتربت منها بفرحة عارمة تقول: "خرجت من غير ما أقولك عشان كنت خايفة أعشمك ويطلع على الفاضي." شعرت والدتها بفضول المعرفة فسألته: "أتعشم بإيه."
ابتسمت زينة قائلة: "فاكرة يا المدرسة اللي كانت بتساعدني لما كنت بغيب أو أروح متأخرة بسبب عصبية أبويا وأنا في الدبلوم؟
المدرسة دي عرفت بالصدفة إنها ساوَت معاشها في المدرسة وفتحت مشغل تريكو وتطريز. أنا روحت لها المشغل واتبسطت لما شافتني وقالت لي إنها كانت بتدور على حد يوصلني ليها. وعرضت عليا أشتغل عندها في المشغل وهي عارفة إني بعرف أشتغل على مكن التريكو. وقالت لي بتفكر كمان في المستقبل تدخل شغل السجاد، بس على المشغل ما ياخد وضعه ويبدأ يتشهر في المنطقة، ويبقى مصنع وله زباين… يعني وقتها يا أمي ممكن إنتِ كمان تشتغلي في المصنع وتترحمّي من شغلك في الحضانة اللي مكفينا بالعافية وترتاحي من تعبك مع العيال الصغيرة وعنجهية أهاليهم اللي بيعاملوكِ إنك دادة لهم هما كمان، وتستغني عن قبول إهانة الأشكال المتكبرة دي."
انشرح قلب والدتها بسعادة ثم غص قلبها قائلة: "أكل العيش مُر يا بنتي وده نصيبي. ربنا يجعل نصيبك أحسن مني ويرزقك بإبن الحلال إبن الناس الطيبين ويصونك ويكفيكِ ويغنيكي عن البهدلة." آمنت زينة على حديث والدتها قائلة بحماس:
"آمين يا أمي ويعوض صبرك وتحملك مسؤوليتي أنا وأختي السنين اللي فاتت. عارفة يا أمي، أنا إن شاء الله هشتغل ورديتين عشان آخد مرتب الضعف. وكمان صاحبة المشغل بتحبني وقالت لي إنها عارفة إنك بتبقي تشتغلي مفارش تريكو وتطريزات." اتسعت عينا والدتها بدهشة ممزوجة بأمل وسعادة، فسارعت زينة تكمل:
"قالت لي لو عندك مشغولات جاهزة، آخدها لها، وهي تعرضهم في القسم اللي بيبيع حاجات يدوية، ولما تتباع تديني تمنها… أنا مش هسيبك تشتغلي لوحدك تاني يا أمي… أنا كبرت، وجه الوقت اللي أكون سندك." لمعت عين والدتها بدموع سالت من عينيها وهي تضم زينة بحنان قائلة بصوت مبحوح بالدموع: "أنا مش مستنية ولا طالبة من ربنا غير الستر ليكِ إنتِ وأختك… كلامك وفرحتك ريحوا قلبي، ربنا ينولك على قد نواياكِ."
ابتسمت زينة بأمل بأنها على أول خطوة في مشوار تحقيق ذات خاصة بها… ربما بذلك يومًا ما تستطيع إنشاء كيان خاص بها، بعيدًا عن سطوة وتغطرس والدها المتواكل. *** بالحلال. الطمع يلمع بعيني مرعي في البداية، لكن سرعان ما عبس وجهه حين أكمل وليد بقية حديثه عن الزواج عرفي. انتفض بغضب قائلاً: "إنت بتقول إيه؟ واعي للي قلته؟ عاوز تتجوز من بنتي عُرفي ليه؟ هي كانت خاطية ولا بايرة؟
تجهم وجه وليد، لكنه يعلم طبيعة عزمي الطامع. فبسبب شاهدته الكاذبة تبدلت القضية من قتل عمد إلى قتل بالخطأ. المال… المال هو غاية مرعي… ذلك هو طريق الوصول إلى غايته. ابتلع غضب مرعي سريعًا يقول: "إنت اتسرعت وفهمتني غلط. أنا كنت هكمل كلامي وأقول إن ده هيحصل لفترة صغيرة بس، وطبعًا كل حقوق زينة الشرعية هتبقى محفوظة زي الجواز الرسمي بالتمام." صمت لحظة ثم تابع يزيد في تطميع مرعي:
"هحط لها في البنك رصيد باسمها، كمان هكتب لها شقة في البندر، والشبكة اللي تختارها…" توقف مرة أخرى ينظر إلى مرعي الذي يزن حديث وليد برأسه… لمع المكر بعين وليد وهو يرى الجشع يتسلل من نظرات مرعي، فابتسم في سره، يعلم أن الطُعم بدأ يؤتي ثماره… حاول مرعي أن يبدو صارمًا، حكّ ذقنه بتردد وهو يسأل بنبرة أخف قليلاً يستعلم: "يعني الجواز العُرفي ده مؤقت وبعدها تعملوا كتب كتاب رسمي قدام الناس؟ أومأ وليد مؤكدًا:
"أيوه، بس أخلص شوية أمور كده الأول، وانت عارف الظروف الأخيرة اللي مرينا بها، بس هو الوقت وأوعدك هعمل لـ زينة كتب كتاب وفرح تتحاكى عليه المنيا كلها." أطرق مرعي برأسه لحظة، ثم رفع نظره لوليد، ونبرته تميل إلى الصفقة أكثر من الأبوة: "وبالنسبة للمهر." أجابه وليد بتطميع:
"اللي تقول عليه، وكمان زينة هتفضل في شقتها زي ما هي، وكمان أنا عارف إن زينة كانت في دبلوم صنايع، وبتفهم في التريكو هتفتح لها مشروع أو مشغل، مش هقصر معاها في مليم." ابتسم مرعي ابتسامة نصفها رضا ونصفها طمع، ثم قال: "طيب، بس لو حصل أي لعب منك بعد كده وخالفت وعدك." نفي وليد ذلك بقطع قائلاً بخداع: "أكيد مش هيحصل، أنا قولتلك هي مسألة وقت، وهتشوف." ابتسم مرعي ليد وليد الممدودة مصافحًا، يقول: "نقرا الفاتحة."
وضع مرعي يده بيد وليد قائلاً: "نقرا الفاتحة بس لو حصل خيانة منك وجتها أنا…" قاطعه وليد وعلى وجهه ابتسامة ذات مغزى قائلاً بوعود كاذبة: "فاهم كويس… وقولت لك وبأكد لك مش هنختلف… وفي الوقت المناسب هتشوف، أنا شاري زينة." هز مرعي رأسه بقبول أسعد قلب ذلك المُخادع. كأنها صفقة تحمل نوايا غير مبينة. *** في شقة ابتهاج.
زيارة مفاجئة من عزمي أربكت ابتهاج، لكنها أظهرت عكس ذلك ورحبت به بدلال ترسم سعادة كاذبة تظنها خادعة لـ عزمي. لكن عزمي يتقبل ذلك الدلال والإغواء بمحض إرادته. عقله كان به أفكار يحاول تجميعها، لكن دلال ابتهاج السافر وهي تعبث بأزرار قميصه تفتحها وتقتحم جسده بلمسات يديها وقبلاتها لصدره، توهم أنه يستجيب لإغرائها. لكن بلحظة كانت ملقاة على الأرض قبل أن تلتقط نفسها كان يجثو عليها بجسده، ينظر إلى عينيها التي تحولت نظرتها من
ماكرة قبل قليل إلى ارتياب زاد خوفًا حين وضع كف يده فوق عنقها للحظة ينظر لعينيها بظفر وغرور من تلك النظرة. ضغط بقوة حول عنقها يضيق قبضته، كاد يخنقها. للمفاجأة من البداية كان دفاعها عن نفسها ضعيف، فقط حاولت التلوي ثم رفعت يدها كي تزيح يده عن عنقها، لكن نظرة عيناه كأن بهن تصميم وقبضة يداه كادت أن تخونه وتخنقها، لكن بآخر لحظة رفع قبضته عن عنقها ونهض من فوقها. جلس على الأريكة يلهث، ينظر لها وهي تسعل بشدة تلتقط أنفاسها
بصعوبة… بلا مبالاة، بل يشعر بمقت نحوها، بل مقت من كل شيء حوله. بداخله إعصار من الحقد،
وسؤال بعقله: "لما هو لم يعثر على من أغرم بها؟ والجواب: ليست الظروف، بل غباؤه حين استسلم لرغبة والده وتزوج بابنة صديقه من أجل ترابط المصالح. وسؤال آخر: "لما أنت الآن ساخط بعد كل تلك السنوات؟ والجواب كان: "إشمعنا طوفان حارب عشان يفوز باللي قلبه اختارها." وذكري من أكثر من سنتين وهو يسمع رفض نوح للزواج من ابنة "مختار غنيم" والسبب عمتها والكذبة أنها ستكون مثلها "عاقر" وتسلب عقله ولن تتركه يتزوج بأخرى وينتهي نسل عائلته.
"نسل عائلته"
كم كان نوح كاذبًا، هو رفض بسبب "جليلة". رغم وفاتها، لكن كان ما زال يكن لها الكراهية لسبب أنها يومًا تحدته علانية أمام بعض الفلاحين وتكاتفت مع مختار ورفضن بيع أرض والدهما له، تلك الأرض التي كانت قريبة من النيل… المجاورة لأرضه. بعد أن اتفق مع أحد المستثمرين أن يضم الأرضين وينشأ فندق سياحي فاخر يرتاده الصفوة للاستجمام… الطمع جعله يرى جليلة عدوة وهي تؤازر مختار بالاحتفاظ بأرضهم. ورفضت علانية رغم محاولات الضغط من نوح واصطناع المشاكل لهم، لكن ترابط الأخوة كان أقوى من جبروت نوح. ذلك القاسي الذي بسببه هو الآخر عانى حرمانه من من خفق لها قلبه، والزواج من سليطة العقل… سامية.
ليست زوجة، بل كانت صفقة خاسرة دفع ثمنها من عمره وراحة باله… من أول يوم كانت واضحة بصوتها العالي، ولسانها حاد كالسيف. تعتقد نفسها أذكى من الجميع، وكل نقاش بينهم يتحول لحرب… حرب لن يكون فيها غالب، فقط يجني خسائر.
غرورها دائمًا ترا نفسها بنت الأصل والمقام، دائمًا تذكره كأنها تمن عليه إنه اكتسب شأن من زواجه منها رغم العكس. الحياة معها حكم المسجون بقرار حكم نهائي صدر بحقه بلا استئناف. اختار أن يدفن حبه، ويعيش دور ابن العيلة ذو الشأن الظاهري فقط. بالحقيقة هو تابع لطموحات غيره. مقارنة يعقدها عقله بين سامية وجليلة.
سامية كانت تتفاخر بالثراء سواء في الملابس ومقتنيات الذهب كذلك معارف عائلتها أصحاب المقام العالي. لم تفتخر يومًا بزواجها منه… وهو في كل مرة يسمع عن جليلة، أن زوجها يعلو من شأنه… حتى بإدارته لأرضها. كانت حلمًا يراوده دائمًا حتى بعد وفاة زوجها، وعودتها لتعيش مع أخيها بمنزله لم تتحمل كثيرًا بعد وفاة زوجها عدة سنوات وكان المرض يلاحقها… وانتهت وسكنت جوار زوجها وهو يشعر أنه مثل العبيد ينفذ ما يؤمر به فقط دون نقاش، أو إبداء اعتراض.
في البداية كان نوح ومن خلفه ظن أنه سيكون هو صاحب الكلمة، لكن كان ذلك ظاهريًا فقط بمقام كبير العائلة. لا كلمة ولا أمر له، فقط ما زال تابعًا لغيره. ليته انتفض عليهم من البداية حتى لو جنح عنهم مثلما فعل طوفان في البداية. حقًا عاد، لكن عاد بزهوة خاصة له. "وكيل النيابة السابق" الذي تخلى عن طموحه الخاص من أجل رياسة مصالح العائلة. ذو العقل الراجح، والآمر.
سحب نفس قويًا وهو يتذكر حديث طوفان معه قبل وقت قليل بحِدة كأنه تناسى أنه خاله والأكبر منه. حين تحدث معه بجفاء: "خالي أنا سبق وحذرت وليد يدخل داري، والكلام كان قدامك وقولت لك إنت المسؤول عنه يبعد عن أي مكان فيه درة مراتي." حاول عزمي التبرير قائلاً: "أنا ما كنتش أعرف إنه راح من ورايا غير منك دلوقتي وحذرته ومعرفش سبب إنه يخالف أمري." نفث طوفان دخان سيجارته قائلاً بأمر:
"آخر تحذير ولو فكر بس يخالف أمري وقتها أنا مش هكتفي بالكلام، ولا حتى بإبعاده عن هنا بالغصب… ساعتها هعرفه يعني إيه يتحدى أوامري." ارتبك عزمي ورد بسرعة: "خلاص يا طوفان، أنا هتكلم معاه تاني، وهو هيعتذر لك ومش هيتكرر تاني." رمقه طوفان بنظرة باردة قائلاً: "اعتذاره مش هيغير حاجة، وده آخر تحذير يا خالي."
حديث طوفان معه كان آمرًا بنبرة خالية من الاحترام والتقدير له، لكن هو من فعل بنفسه ذلك وآن الأوان أن يضع ويصنع له مكان ومكانة لا جدال فيها. *** بالمقهى. رغم استغراب جود، كذلك فضولها نهضت من مكانها تبتسم وهي تقترب من ذلك الذي رآها فظل واقفًا حتى أصبحت أمامه. وضع يده على كتفها بحنان أخوي مبتسمًا يقول بسؤال: "خلصتي محاضراتك." أومأت له بابتسامة قائلة: "أيوة." قاطع حديثهم ذلك الآخر قائلاً بمرح:
"حلو لقاء الأخوة في الكافيه صدفة… إزيك يا جود." ابتسمت جود قائلة: "الحمد لله، إنتوا هنا بتعملوا إيه في الكافيه." ابتسم جلال قائلاً: "خلود بنت عمي، السبب إننا نتقابل النهاردة في الكافيه." نظرت جود نحو خلود وابتسمت قائلة: "إزيك يا خلود أخبارك إيه." ابتسمت خلود بمودة قائلة: "الحمد لله بخير وأخيرًا هشتغل في الحسابات عند طوفان في المصنع." ابتسمت جود قائلة:
"الف مبروك… يعني سبب جمعنا النهاردة كان إنتِ. من زمان متقابلناش، خلينا نقعد ننم سوا مع بعض شوية." ابتسمت خلود مرحبة بذلك قائلة: "كويس إنك هنا بالصدفة كان الاثنين دول هيقعدوا مع بعض يتكلموا وأنا هبقى مستمعة." جلس الأربعة بينهم حديث تلقائي، حتى نظرت جود إلى شاشة هاتفها تفاجئت قائلة: "الوقت سحبنا والساعة بقت أربعة ونص."
قالت ذلك ونهضت واقفة. بنفس الوقت صدح هاتفها برسالة، نظرت للشاشة سُرعان ما ارتبكت. لاحظ ذاك كل من طوفان وجلال الذي شعر باندهاش، بينما طوفان تضايق قائلاً: "تمام خليني أوصلك، كده كده أنا راجع البيت." وافقت جود، وصافحت خلود على وعد بلقاء قريب، كذلك أومأت برأسها لـ جلال ثم غادرت وخلفها طوفان. بينما تفوه جلال لـ خلود: "إحنا كمان خلينا نرجع. زمان مرات عمي فكرت إني خطفتك." ضحكت خلود قائلة:
"لاء ماما منفضة ليا، اللي مركزة معايا هي مامتك… ده نهاية اللي تبقى مرات عمها أخت أمها." ضحك جلال كذلك خلود التي قالت: "تصدق أنا اتفاجئت لما عرفت إن جود اتجوزت، مكنش واضح في أهدافها الجواز دلوقتي… كانت بتقولي إنها هتخلص دراستها وتقدم على دراسات عُليا وتعمل معرض فني بلوحاتها، فجأة كده اتغيرت أهدافها." أومأ جلال برأسه موافقًا، ثم تنهد قائلاً: "واضح إن القدر هو اللي بيحدد أهدافه حتى لو ضد أهدافنا." ***
بعد وقت قليل أمام منزل والد حاتم. ترجلت جود من السيارة بعدما ودعت طوفان الذي ظل واقفًا إلى أن دخلت إلى المنزل. لا تعلم سبب لخفقان قلبها القوي. تقابلت مع بدرية التي نظرت لها بضجر قائلة: "ما صدقتي روحتي الجامعة وجاية آخر النهار وطوفان اللي وصلك صح، طبعًا لازم تروحي تدي لامك تقرير." ابتلعت جود ريقها قائلة: "أنا مشوفتش ماما، اتقابلت أنا وطوفان صدفة." تهطمت بدرية قائلة:
"صدفة… صدفة سعيدة… عالعموم حاتم وصل من شوية وطلع فوق يغير هدومه." ابتلعت جود ريقها قائلة: "عن إذنك يا طنط هطلع أغير هدومي." نظرت لها بدرية بنزق، بينما صعدت جود تشعر بارتباك. هل سوء القدر هو ما جعل حاتم يعود باكرًا اليوم؟ فتحت باب الشقة ودلفت إلى الداخل. سُرعان ما توقفت حين رأت حاتم يقف بالردهة ينظر إلى ساعته ثم تحدث بنبرة تجهم: "الساعة خمسة ولسه راجعة للبيت، مش قولتي إن المحاضرات هتخلص قبل الساعة اتنين."
ابتلعت جود ريقها وقبل أن تتحدث استطرد حاتم حديثه قائلاً: "ولا لازم تمضي عن الست والدتك قبل ما ترجعي لهنا." من نبرة صوته شعرت جود بالضيق، لكن حاولت أن تمتلك زمام الغضب قائلة: "لاء يا حاتم مروحتش عند ماما، أنا اتقابلت مع طوفان صدفة في كافيه قريب من الجامعة وعزمني عالغدا مش أكتر، وبلاش نبرة كلامك دي مش لطيفة، أنا لو روحت عند ماما كنت هخاف من إيه، وهكدب ليه."
نظر لها حاتم، شعور بالغضب دائمًا يشعر به كلما رأى اقتراب طوفان من جود. كأن ذلك دائمًا يذكره بأخيه المغدور وضعفه في أخذ حقه الذي أهدره طوفان. لم يستطع تمالك غضبه وجذب جود من عضدها بقوة قائلاً: "طوفان… طوفان… دايمًا بحس إن مفيش في دماغك غيره. جود ممنوع بعد كده تتأخري بره البيت بمجرد ما تنتهي محاضراتك ترجعي فورًا، أنا مش عاوز أمنعك من مرواح الجامعة." كأن ذلك بنبرة تهديد شعرت بها جود. لاول مرة لا تتقبل فظاظة حاتم،
نفضت يده عن عضدها قائلة: "متقدرش تمنعني عن الجامعة يا حاتم، ناسي إن في اتفاق ومكنش مع طوفان لوحده كان قدام كبار المحافظة." تبلدت نظراته شعر كأنها تتحداها. اقترب منها غاضبًا، شفتاه كادتا تنطقا بشيء، لكن رنين هاتفه اخترق الأجواء المتوترة. أخرجه بعصبية، رمق الشاشة بنظرة نارية، ثم نظر إليها… وبلا كلمة، استدار وغادر دون وضع نهاية للجدال بينهم.
زفرت جود نفسها بعمق وجلست على أحد المقاعد وضعت يدها فوق بطنها تشعر بغصة. مع الوقت تحتار أكثر بشخصية حاتم. في البداية ظنه أنه تابع لوالدته، لكن هو ليس كذلك، هو تابع لأشياء خاطئة برأسه. حقده من طوفان واضح وغير مبرر لها. شعور بالبرودة يزحف إلى قلبها، وفتور يغزو حياتها، يبدو أنها مثلما قيل لها "لما تعجلتي بالزواج". أصبح ذلك هاجس بقلبها.
ظلت جالسة مكانها، تنظر للاشيء، يدها لا تزال فوق بطنها، وكأنها تحاول تطمئن الجنين أو تطمئن نفسها… لكن ذلك الاطمئنان مفقود. *** بمنزل طوفان. دلف طوفان إلى المنزل ابتسمت له شكرية الذي سألها: "ماما فين." أجابته: "راحت عند الست كوثر." أومأ لها مبتسمًا ثم سأل: "ودرة فين؟ أجابته: "من شوية خبطت على الأوضة بتاعتكم وقولت لها إن الغدا جاهز، ردت عليا إنها مش جعانة هي عاوزة تنام، سيبتها على راحتها." ابتسم طوفان قائلاً:
"تمام حضري لها غدا وهاتيه الأوضة." أومأت شكرية مبتسمة، بينما صعد طوفان إلى غرفته يتوقع ثورة درة. توقف للحظات قبل أن يفتح باب الغرفة بهدوء ثم دلف إلى الداخل. نظر نحو الفراش، تبسم بتلقائية على تلك الغافية بثياب خروج. اقترب من الفراش، توجه نحو الفراش، تمدد بجوارها يقبل وجنتها بقبلات ناعمة ورقيقة يهمس: "درة حبيبتي… اصحي عشان تتغدي، ناسية إنك حامل ولازم تتغذي عشان الجنين، مش لازم تطاوعي نفسك عالنوم وبس."
شعرت درة بقبلات طوفان مازال الخمول مسيطر عليها تود النوم فقط، لكن ضحك طوفان على ذلك الخمول وبدأ في مشاغبتها كي تصحوا… سواء بالقبلات والهمس. لكن درة لا تبالي بذلك، حتى شعرت بيد طوفان فوق جسدها مباشرة بلمسات حميمية. فتحت عينيها نظرت لـ طوفان وهي تتثاءب بين الغفوة واليقظة. ابتسم طوفان بمكر قائلاً: "انتِ مش عاوزة تفتحي عيونك وعاوزة تروحي المستشفى عشان تنامي وإنتِ بتكشفي على المرضى."
بدأت تستوعب فتحت عينيها تنظر له، ابتسم وهو يحني رأسه يقبل شفتيها، تجاوبت معه في القبلة حتى توغلت يديه بلمسات، لكن سرعان ما وعَت ودفعته بيديها. ابتعد عنها ينظر له، ابتسمت بكيد: "الدكتورة قايلة ممنوع ولو سمحت ابعد عني كفاية إنك حابسني هنا في البيت متفكرش إنك بكده اتحكمت وفرضت سطوتك عليا أنا بس عديتها بمزاجي عشان حاسة بعدم رغبة في الشغل." ضحك طوفان قائلاً:
"وكمان مالكيش رغبة في الأكل، بس المفروض تغصبي على نفسك مش بس تقضيها نوم، كده البيبي هيبقى ضعيف، أنا عاوز ابني يبقي متغذي." نظرت له قائلة: "وإنت حددت نوع الجنين إزاي إذا كان الدكتورة نفسها قالت مش واضح." ضحك طوفان قائلاً: "الحجة وجدان قالت لي إنها عندها شبه يقين إنك حامل في ولد." تذمرت درة قائلة: "أنا عاوزة أول خلفتي تبقى بنت وتكون شبهي." نظر لها ضاحكًا يقول:
"أنا موافق يكون عندي بنت شبهك إنت جميلة، لكن تاخد عقل جداتها سواء طنط كاريمان أو ماما لكن عقليتك كده هعاني معاها وكفاية عليا معاناة واحدة." نظرت له بغيظ قائلة: "قصدك إيه إني…" قاطع عصبيتها بقبلة تذمرت منها في البداية لكن سرعان ما تجاوبت معه، لكن بتحذير آخر. نهض من على الفراش متذمرًا يقول: "زمان شكرية طالعة بالغدا، هروح آخد دش ساقع."
لم تستطع إخفاء بسمتها وهو كذلك تبسم وهو يغلق باب الحمام. للحظات شردت درة وهي تضع يدها فوق بطنها، كذبت على طوفان هي لا تريد فتاة بل تريد ذكرًا بقلب حنون مثل والدها. *** بعد مرور عدة أيام. صباحًا بمنزل عزمي. فتح عزمي عينيه على صوت رنين. تضايقت سامية من رنين هاتف عزمي تحدثت باستهجان: "إيه الإزعاج ده عالصبح مين اللي بيتصل عليك بدري كده."
نهض عزمي وجذب الهاتف نظر إلى شاشته سُرعان ما نهض جالسًا. لاحظت سامية ذلك بينما قام عزمي بالرد يستمع إلى الآخر: "زي ما طلبت مني، وإن شاء الله الموضوع هيتم خلال أيام." ابتسم عزمي قائلاً بشكر: "شكرًا جدًا لك." أغلق الهاتف، رمق سامية التي ما زالت نائمة على الفراش. نظرت له بضجر سائلة: "مين اللي كان بيكلمك بدري كده، وشك نور." لا يريد إفساد سكونه. نظر لها ثم نهض من على الفراش قائلاً:
"خلي الخدمات يحضروا الأكل عندي مواعيد هامة." اُغتاظت من ذلك وهي تتهكم ولم تبالي وعادت للنوم. *** بعد الظهيرة.
بمنزل ريفي كبير كان استقبال حافل لـ طوفان كذلك درة. بل النساء بمدحن بذوق طوفان فقد اختار جميلة تليق به كذلك تبدو رقيقة. لكن هناك من لفتت نظرها وجعلتها تشعر شعور بالفتور معها من طريقة حديثها البسيطة والقبول بينهما. حتى أنها أخذت موقع المتفرجة على حديثها مع طوفان وجلال الذي استأذن للرد على هاتفه. لاحظت خلود نظرات درة وصمتها شعرت بارتباك وتحججت وتركتهم. لحظات تنهدت درة براحة سائلة: "مين دي يا طوفان." أجابها ببساطة:
"خلود." زفرت نفسها باستفهام سائلة: "ما أنا عرفت إن اسمها خلود، بس مين دي، بتتعامل معاك بالطريقة دي ليه." أخفى طوفان بسمته سائلًا بخباثة: "طريقة إيه." تنهدت ببداية زهق ونبرة واضح منها الغيرة قائلة: "طريقة إن بينكم عشم زايد." ابتسم طوفان واقترب من أذن درة قائلاً بمكر: "أنا شايف إن طريقة كلامها معايا عادية… توقف ثم غمز بمزح وهمس قائلاً: ولا تكوني غيرانة منها." نظرت له بنزق قائلة:
"غيرانة منها، هغير منها ليه.. عادي بس أنا مستغربة عشمها معاك في الكلام كأنكم قريبين لبعض." ضحك طوفان بخفة وازداد في وتيرة إثارة غيرة درة قائلاً: "خلود كانت مترشحة تبقى خطيبتي." نظرت له بحنق قائلة: "إنت كان أهالي كل بنات عائلات المنيا المرموقة حاطين عينهم عليك، طبعًا مش ابن نوح مهران." ضحك طوفان قائلاً: "حصل بس للأسف قلبي كان مشغول بواحدة عقلها…" صمت يضحك حين نظرت له بغيظ. بنفس الوقت عاد جلال مرحبًا بهم… قائلاً:
"الدار نورت، ياريتك كنت جبت معاك الحجة وجدان وكمان جود." ابتسم طوفان قائلاً: "للأسف جود مبقتش زي قبل كده، بقي لها زوج، والحجة وجدان خالتي اتصلت عليها في آخر الوقت وقالت إنها عيانة فراحت لها." ابتسم جلال قائلاً: "تتعوض مرة تانية و…" قبل أن يكمل حديثه أشارت خلود قائلة: "الغدا جاهز إتفضلوا يا جماعة على أوضة السفرة." نهض طوفان ومد يده لـ درة التي سرعان ما وضعت يدها بيده تسير جواره تنظر إلى تلك الفتاة تشعر ببرودة نحوها.
***
منذ آخر شجار بينهما وهو لا يعود إلى المنزل فقط يتصل هاتفيًا ويتحجج بأي شيء كي لا يعود للمنزل، وهي تشعر بتأنيب ضميرها، ربما تحدثت معه بحدّة. قلبها الرقيق يشتاق له، رغم جفائه، اتخذت قرارها. بعد نهاية المحاضرات ستذهب إلى ذلك القسم الذي يعمل به، ربما ذهابها إليه ووجودها المفاجئ أمامه يذيب بعضًا من جليد الخلاف. حاولت إعداد بعض الكلمات جيدًا في عقلها، لا تريد أن تبدو ضعيفة، لكنها أيضًا لا تود أن تكبر الأمور أكثر مما ينبغي.
ربما ستكتفي بالقول: "جيت أطمن عليك…" كانت ترتجف من الداخل، لا تدري إن كان سيفرح لرؤيتها أم يتجاهلها كعادته الأخيرة. لكنها ذاهبة، لأن قلبها اشتاق، ولأنها لا تريد للكبرياء أن يكون حاجزًا دائمًا بينهما.
بالفعل ها هي تترجل من سيارة الأجرة أمام القسم لكن تصنمت للحظات حين رأت حاتم يخرج من القسم ومعه فتاة توجهت إلى مكان سيارته. وقف يفتح لها باب السيارة، صعدت ثم هو توجه نحو باب المقود. لحسن الحظ ما زال سائق سيارة الأجرة واقفًا. سريعًا عادت للسيارة قائلة: "لو سمحت خليك ورا العربية اللي هناك دي."
بالفعل سار السائق خلف سيارة حاتم حتى توقف أمام أحد المطاعم، ترجل هو ومن معه من السيارة، كذلك هي ترجلت من سيارة الأجرة. وقفت أمام باب المطعم للحظات قلبها يرتجف بداخلها، وقررت العودة ولا تهتم بمعرفة من تلك. آمال فضول يدفعها. ليس الفضول، بل حقها، لا داعي للتردد، قد يكون ذلك شيئًا غير ما يتلاعب الشيطان برأسها. حسمت قرارها دون مبالاة لرد فعل حاتم لاحقًا. لن تهتم لا للوم أو عتاب فقط تود معرفة من تلك.
بالفعل دخلت إلى المطعم عينيها تبحث عن مكان حاتم، حتى رأت جلوسه مع تلك الفتاة وبسمة تزين وجهه عكس معها دائمًا عابس. خفق قلبها بأسى، لكن تحملت وذهبت نحوهما. بجرأة منها رغم ارتعاش يديها وهي تسحب أحد المقاعد وانضمت إلى طاولتهم ولم تستطع الوقوف كثيرًا، جسدها بالكامل يرتجف. جلست تنظر إلى الفتاة قائلة: "تسمحولي أقعد معاكم أشـارككم اللمة دي، ولا وجودي هيضايقكم."
رفعت حاجبيها بنبرة مصطنعة من العفوية تخفي وراءها غليانًا داخليًا، بينما نظراتها مثبتة على وجه الفتاة التي تجلس بجواره. أما حاتم ارتبك قليلًا، لم يكن يتوقع حضورها على الإطلاق، خاصةً بتلك الجرأة. ازدرد ريقه محاولًا التحكم بتعابيره التي كادت تفضح توتره. بينما تحدثت الفتاة عن قصد: "لاء طبعًا مُرحب بيكِ." نظرت جود نحو حاتم تحاول تثبيت يديها المرتجفتين فوق ساقيها، ونظرت لحاتم قائلة بنبرة محايدة:
"مش تعرفنا على بعض يمكن نبقى أصحاب." قبل أن يرد حاتم ردت الفتاة: "معتقدش إننا ممكن نبقى أصحاب، أنا عارفة إنتِ مين، شوفت صورك قبل كده." رغم رجفة قلب جود لكن امتثلت بالهدوء سائلة: "كويس إنك تعرفي أنا مين، بس أنا معرفش إنتِ تبقي مين." كانت نظرة عينيها نحو حاتم، ماكرة خبيثة وهي تضع يديها على كتفه بدلال مفرط قائلة بثقة:
"أنا عارفة إنك تبقي مرات حاتم… اللي اتجوزها عشان غرض في دماغه. أنا بقى أبقي "ماهيتاب" خطيبته الأولى. هي طنط بدرية مقالتش قدامك قبل كده إن… حاتم خاطب…. وإن جوازه منك مجرد خطة… خطة هدفها يوصل لحاجة هو بس اللي عارفها." ثم انحنت قليلاً ناحيتها، وهمست بنبرة ممزوجة بسمٍّ ناعم: "بس متقلقيش… لو لف الدنيا بحالها هيرجع لي عشان بيحبني."
رفعت حاجبًا، وابتسمت ابتسامة صغيرة مائلة للانتصار، بينما عينا جود كانت تمتلئ تدريجيًا بمزيج من الصدمة والوجع، لكنها تماسكت، رفعت رأسها، بكبرياء وبرود ظاهر يُخفي زلزلة مشاعرها، بل انهيار قلبها. رغم رجفة قلبها لكن تحدثت بصوت ثابت:
"حلو إنك فاهمة مكانة نفسك…، بس تعرفي في فرق كبير بين إنك تكوني "خطيبة سابقة"… وإنك تكوني "مراته". الفرق ده مش بس ورقة… ده اختيار… ومتأكدة إن اختيارات حاتم دايمًا كلها بتبقى غلط… محتاج تصحيح اختيارات وأولها…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!