الفصل 13 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
16
كلمة
6,319
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

بمنزل طوفان بغرفة الضيوف جلست سامية وكوثر. انتهزن فرصة عدم وجود وجدان بينهن، استغلتا الفرصة وبدأتا يغتبان معًا. قالت كوثر بنبرة استنكار: شفتي بنت المصراوية والفجر بتاعها، حتى مستني يفوت سنة على موت أبوها وخطيبها اللي كان في عز جوزها، بس هقول إيه، هو طوفان اللي فرضها علينا كأن مافيش غيرها. وافقتها سامية بحقد دفين قائلة: بكرة تتكبر وتتغطرس علينا، شفتي ده حتى مش طايقة توقف تسلم علينا زي الخلق.

توقفت سامية عن إكمال حديثها الجارح حين دخلت عليهن شكرية. غمزن لبعضهن، فصمتن وبدلن الحديث، يعلمن أن شكرية هي عين وأذن وجدان. وجدان التي دخلت عليهن هي الأخرى سائلة: قاعدين كده ليه. نظرن لبعضهن ثم تحدثت سامية بتوضيح: قاعدين لحد ما نطمنوا على العرسان. نظرت لهن بإهانة قائلة: العرسان أحرار، أنا طول الأيام اللي فاتت كنت مشغولة وما صدقت الفرح خلص هطلع أرتاح، تصبحوا على خير. فهمن فحوى حديثها فنهضن بنزع. قالت سامية:

ومين سمعك، هقوم أنا كمان، بكرة صباحية جود ولازم نبقى فايقين. غادرتا كوثر وسامية وهن يتغامزن بينهن، بينما نظرت شكرية لـ وجدان التي ترتسم ملامحها بالقلق. تعلم سببه بالتأكيد، جود تلك الرقيقة التي كانت مرافقتها الأولى، لا تعلم الخبث.

بمنزل والد حاتم، بعد ذلك الترحيب الفاتر من والدته لـ جود ونساء عائلة مهران اللاتي انصرفن، اصطحبه إلى الدور الثاني للمنزل. بمجرد أن فتح الشقة شعر بوخزات قوية تعصف بقلبه بقوة. تلك الشقة تجهزت من أجل زواج أخيه، وها هو القدر القاسي، هو من يتزوج بها. ابتلع تلك الغصة وتجنب، ودعاها للدخول بإيماءة.

رفعت جود ذيل فستانها ودخلت. شهقت بخضة حين سمعت صوت غلق الباب بقوة. وقفت هي وسط الردهة، بثوبها الأبيض الذي بدأ يثقل على قلبها أكثر من كتفيها. بسبب نظرة عيني حاتم التي تشعر أنها باردة. بينما هو استهزأ من شهقتها قائلاً بحنق: معلش الباب اتقفل جامد. تحدثت بهدوء: مش مهم. نظرت له بتوتر من صمته، حتى نظراته الحادة حاد بها عنها. تنحنحت ثم صمتت. انتبه لذلك قائلاً: طبعًا دي أول مرة تدخلي الشقة، عندك أوضة النوم هناك أهي.

أومأت بخجل، تشعر بالحرج يغمرها حتى أطراف أصابعها. مشت بخطوات مترددة نحو الغرفة التي أشار إليها، بينما ظل حاتم واقفًا مكانه، يتابعها بنظرة مبهمة لا تستطيع أن تفك شفرتها، مزيجًا من الحيرة وعدم الفهم.

وضعت يدها على مقبض باب الغرفة، ثم توقفت. استدارت نحوه، رمقته وهو يجلس على أحد مقاعد الردهة. أومأت ثانية واختفت داخل الغرفة. أغلقت الباب خلفها برفق، وأسندت ظهرها إليه. أغمضت عينيها تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة. شعور غريب يعتصر قلبها، كأنها ضيفة غير مرغوب بها في بيت يفترض أنه سيكون بيتها.

أما حاتم، فجلس على الأريكة الكبيرة في الردهة، وأسند رأسه إلى ظهرها. زفر بقوة كأنه يطرد كل ما يختلج في صدره من مشاعر متضاربة. تمتم بصمت قبل أن يغلق عينيه، محاولاً استجماع شتاته قبل أن ينهض ويتعامل مع هذا الواقع الجديد: قسوة القدر، لازم أتحملها.

طرق على باب الغرفة ثم دخل. وجدها تقف بمنتصف الغرفة مازالت بفستان زفافها، تخفض وجهها حتى لا تنظر له. تهكم من ذلك الحياء المبالغ فيه. توجه نحو الفراش وجذب تلك المنامة الخاصة به ونظر نحو حيائها قائلاً: أنا هروح أغير هدومي في الأوضة التانية، خدي راحتك.

قال ذلك وتقدم نحوها ببطء، خطواته ثقيلة كأنها تسحق شيئًا بداخله مع كل خطوة. حتى توقف أمامها للحظات. لوهلة رفع يده، يشعر باستهزاء من ذاك الحياء وصمته. رفع وجهها بيده، ينظر لها متجهمًا. حين لمس وجهها، انتفض جسدها خجلًا. رفعت طرف عينيها له بسرعة ثم اخفضتهما مجددًا، وكأنها تحتمي بصمتها من حدته الظاهرة. غصبًا تحدث بنبرة أقل حدة:

شوفي أنا عارف إن جوازنا تم بسرعة ومحدش فينا يعرف التاني كويس، أنا مش هجبرك على حاجة، كل واحد فينا يعمل حساب للي جواه، لحد ما نشوف ربنا كاتب لنا إيه. عضت جود على شفتها السفلى تمنع دموعها من الانهمار، ثم أومأت دون أن تنطق. أدار حاتم ظهره لها، واتجه ناحية باب الغرفة دون أن ينظر لها وهو يتحرك نحو الباب. ثم غادر الغرفة دون أن ينتظر ردها، مغلقًا الباب خلفه بهدوء هذه المرة.

وقفت جود تحدق في الباب المغلق، تشعر أن هذه الليلة ليست الليلة التي حلمت بها يومًا ما. تحولت إلى امتحان مرير لصبرها وكبريائها. ظلت لوقت قليل واقفة تستوعب، تشعر بثقل رهيب على صدرها، كأن الغرفة تضيق بها رغم اتساعها. لمست ذقنها بأطراف أصابعها، كأنها مازالت تستشعر حرارة لمسة يده، لمسة متناقضة، فيها شيء من التهكم، وفيها شيء من الألم. بخطوات بطيئة سارت نحو الفراش. جلست على طرفه، ضمت نفسها بذراعيها، تحاول تحتضن وحدتها

وغربتها بين أربع جدران غريبة عنها. رفعت رأسها تنظر حولها. كل شيء بالغرفة مرتب لعروسين، لكن تشعر ببرودة. مرت لحظات ثقيلة قبل أن تحسم الأمر. خلعت طرحة الفستان ثم الفستان. ارتدت منامة حريرية ناعمة بلون السماء وقت الغروب، غير تلك المنامة التي كانت موضوعة على الفراش. فردت خصلات شعرها المتوسط الطول، وقفت أمام المرآة تنظر لانعكاس كل شيء بالغرفة، كأنها ظلال.

بنفس الوقت، كان حاتم يجلس على أريكة الردهة، يتكئ بيديه على ركبته، ورأسه مدفون بين كفيه. يشعر كأنه يدور في معركة مع نفسه. وعقله يتصارع مع باطن عقله: مش ذنبها إنها أخت طوفان. وباطن عقله يرد معارضة: بس برضو مش قادر أتقبلها. والصراع في رأسه محتدم. شعر بصداع، زفر بقوة، ثم رفع رأسه، ومرر يده بين خصلات شعره المرتبة بعثرها. همس لنفسه وكأنه يحكم على قلبه بالقسوة: الليلة دي تعدي، واللي بعدها ربنا يسهل.

بالفعل بدل ثيابه بالمنامة وعاود دخول الغرفة. كانت جود جالسة على الفراش. نظر نحوها. صراع بين القبول والرفض، بين القوة والضعف، بين القسوة واللين. لحظات حسمها سواد عقله، وهو يجذب جود بقوة من عنقها، جعلها تشهق، لكن كتم تلك الشهقة بقسوة. قبلته التي تألمت منها. حاول وحاول أن يكون قاسياً، لكن فشل بذلك. لكن لم يفشل في نيل جسدها وهو يعطي لها شعوراً بالنفور من ذلك، كأنه يفعل ذلك كواجب ثقيل عليه، لا كحب يربطه بها.

كانت جود مستسلمة، لا عن رضا، بل عن صدمة، عن وجع داخلي أكبر من أن تترجمه الكلمات. كل لمسة منه كانت كطعنة صامتة تشق كرامتها، كل قبلة مسروقة كانت تبني جداراً من الجفاء في قلبها الهش. انتهى حاتم أخيراً، انسحب من فوقها دون كلمة، دون حتى نظرة، كأنه يهرب من خطيئة ارتكبها. استدار على جانبه الآخر من السرير، وأدار ظهره لها، يلتقط أنفاسه الثقيلة بينما جسده متيبس وقلبه متخبط.

ظلت جود ممددة، عيناها تسبحان في السقف، دموعها تجمعت عند أطراف جفنيها لكنها رفضت أن تسقط، لأنها أدركت أن سقوط دموعها يعني سقوط آخر لمعاقل كبريائها. ضمت الغطاء عليها بقوة، وكأنها تحتمي به من عالم تحطم فوق رأسها فجأة. وتمنت من أعماقها أن يغيب وعيها، أن تتوقف روحها عن الإحساس، ولو لهذه الليلة فقط.

وفي صمتٍ خانق، استسلم كلاهما لليل ثقيل، لم يكن يشبه ليالي العشاق التي كانت تحلم بها جود، ولا يشبه البداية التي تمناها حاتم. أراد كسرها، لكن في نظره كان هيناً معها. لم يستوعب أن ما حدث كان لقاء جسدين، ولكن فراق روحين، منذ اللحظة الأولى.

تسللت ساعات الليل ببطء. مع بداية شعاع نهار جديد، فتح عيناه نظر نحو تلك الغافية على معصم يده. سحبه بهدوء. اتكأ براسه على إحدى يديه يتأمل ملامح درة الغارقة في النوم. ابتسم وهو يتذكر ليلة أمس بعدما جذبها ظل يقبلها بشغف عاشق، كأن أنفاسها الهواء الذي لا يستطيع العيش بدونه. مد يده برفق يبعد خصلة شعر انسدلت على وجنتها، تنهد وهو يهمس في سره: هي التي استطاعت أن تحولني لهذا الرجل، رجل يتلهف لصباحٍ يشرق على ملامحها.

ظل يتأملها وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة، لحظة قناعة أنها أثمن ما امتلكه بحياته. انحنى برأسه، طبع قبلة هادئة على جبينها، وهمس باسمها: درة. تحركت بخفة وهي نائمة، كأنها ردت على همسه بتلك التنهيدة الخارجة من قلبها، فابتسم وأكمل تأملها، يعلم إن وجودها جواره مثل حنين الوطن في قلب المغترب. مد يده وضمها لحضنه بحذر، كأنها كنز يخاف أن يوقظها فتعود لعنادها. قرب وجهه من أذنها وهمس:

يا ريت الزمن يقف كده، على دفء قلبك، على نبضك اللي ساكن صدري.

كأنه شعر بنبض قلبها يجيبه بما رغب. تأمل شفاها المضمومة وعينيها المغموضة. عاد إلى عقله ذكرى بعيدة كانت بغيضة. أول إحساس له يشعر بالخوف في قلبه. زفر نفسه بضيق كأن تلك الذكرى لا تزال تؤلمه رغم مرور السنين. لم يكن صغيراً حينها، كان ببداية الشباب لكنه كان أضعف من أن يعبر عن مدى ألمه وقتها. ما زالت تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم عالقة، بل ذكريات تلك الفترة العصيبة، كأن الزمن يعود يطن برأسه صرخاتها المكتومة ذلك اليوم قبل سنوات

وهو بعمر التاسعة عشر، بإجازة الصيف الذي يقضيها بالبلدة، كان هنالك وعداً باللقاء بينه وبين درة ذلك اليوم بعدما تقابلا صباحاً بفناء منزل "الشيخ عرفة" سيتقابلان عند ذلك النبع الذي يتوسط تلك الأراضي. هو وصل أولاً وكان الطقس حاراً ذهب نحو ذلك النبع يغسل وجهه ورأسه بالمياه. ظل منتظراً، لكن صدفة أو قدر قبل أن تصل درة وصل حسام الذي رأى طوفان يسكب المياه فوق رأسه. اقترب منه متهكماً بإستهزاء قائلاً:

واقف هنا ليه، كمان مش طايق الحر، قعدتك في مصر في الطراوة والتكييف خلتك مبقتش تتحمل حر المنيا. نظر له طوفان بلا اهتمام قائلاً: حر، فين الحر ده، إحنا في العصارى وبين الغيطان، كل الحكاية كنت بشرب من النبع، ولاقيت مايته دافية من الحر عجبتني قولت أغسل راسي، بس إنت إيه اللي جابك هنا دلوقت. شعر بالغيرة قائلاً: أرض خالي وكمان عمتي، هنرش الأرض عشان الشجر فيه حشرات ضارة، ناسي إني بدرس في كلية الزراعة.

لم يهتم طوفان، لكن دار بينهما جدال غير متآلف به بعض النفور. كل منهم يتبادل عدم الاهتمام للآخر، واكتفوا بتبادل النظرات المتحفزة والردود المقتضبة. حتى رأى طوفان وصول أحد الفلاحين بماكينة رش مبيد زراعية. ذهب حسام نحوه دون مبالاة لـ طوفان. تحدثا قليلاً ثم دخلا إلى داخل الأرض بينما ظل طوفان يراقب الطريق من الجهتين في انتظار درة التي تأخرت حتى ظهرت على الطريق. توقف ينظر نحوها مبتسماً. وقف حتى وصلت. توقفت أمامه تلهث قائلة:

معرفش مش متعودة على نوم القيظ، بس نعست إزاي معرفش. ضحك يخفق قلبه قائلاً: نوم العوافي، كنت هستناك حتى لو الدنيا ضلمت. كانت طفلة بعمر الثالثة عشر لكن تشعر بالألفة مع طوفان، ربما السبب ثقتها بالشيخ عرفة الذي دائماً ما يمدح بأخلاق طوفان وأنه تلميذه الذي يفتخر به. ظلت بينهم بعض النظرات للحظات قبل أن يقطع ذلك الهدهد الذي نزل يشرب من مياه النبع الراكدة. نظرت درة نحوه ثم ابتسمت قائلة:

فاكر حكاية الهدهد اللي الشيخ عرفة فسرها لينا. أومأ قائلاً: هدهد "سيدنا سليمان". ابتسمت قائلة: الشيخ عرفة حكاياته كتير من القرآن كمان قصص تانية. وكلمة تسحب كلمة تكتمل الجملات بينهم بحديث بلا ترتيب، فقط يجلسان على ذلك الطرف الخرساني ونسمة العصارى، حتى وصل والد درة. نظر نحوهما وابتسم ودُرة تنهض نحوه مبتسمة. ضمها أسفل يده حتى توقف أمام طوفان الذي ابتسم له بقبول، كذلك طوفان بينما درة تحدثت ببراءة:

أنا وطوفان كنا بنتكلم عن حكايات الشيخ عرفه اللي بيحكيها لينا في الدرس. ابتسم مختار، لكن نظر نحو الأرض قائلاً: حسام اتأخر، واتصلت عليه مش بيرد، كويس إنه اتأخر، أنا عرفت إن المبيد اللي قال عليه فيه نسبة سموم. تحدث طوفان بتلقائية: حسام وصل من زمان وكمان عامل كان شايل ماكينة رش والاتنين دخلوا الأرض. نظر مختار نحو الأرض بفزع قائلاً: نزل من زمان. أجابه طوفان: من حوالي نص ساعة كده. زفر مختار نفسه قائلاً:

أكيد لسه مبدأش رش في المبيد، أكيد لسه بيحل المبيد بالمياه على الطرف التاني للأرض، أنا هروح من الناحية دي وإنت يا طوفان روح من الناحية التانية ولو وصلت له قبلي قول له خالك بيقولك أوعي ترش الأرض، وإنتِ يا درة خليكِ هنا لحد ما نرجع.

أومأت درة، وامتثل طوفان وذهب للناحية الأخرى. ظلت درة تنتظر لكن رأت أحد يسير بين الأشجار يحمل ماكينة رش يرفع خرطوم يرش الأشجار. نظرت للطريق، ثم حاولت النداء على والدها، لكن لم يأتي لها رد. حسمت القرار ونهضت توجهت ناحية ذلك العامل. دخلت إلى الأرض بين الأشجار. سُعلت بقوة حين دخل إلى أنفها تلك الرائحة الكيماوية، لكنها وضعت يدها فوق فمها، وحاولت نهي العامل، لكن العامل لم يمتثل وإدعى عدم سماعها وأكمل رش المبيد بل ازداد في

دفعه. حين اقتربت منه، حين تحدثت اندفع بخرطوم الماكينة نحوها بالخطأ، صرخت بقوة عدة صرخات وهي تشعر بالاختناق حتى أن سعالها تحول إلى دفعات دماء تخرج من فمها. لاحظ العامل ذلك، كاد يقترب منها لكن هلع حين سمع صوت طوفان الذي سمع صرخات درة وتوجه نحو الصوت حتى اقترب منها. هرب العامل خوفاً، بينما جسد درة لم يتحمل وتمددت أرضاً تفقد الوعي ببطء، حتى وصل طوفان لمكانها. للحظة حين استنشق رائحة المبيد كاد يختنق لكن وضع يده فوق أنفه

وفمه، وهو مازال يقترب. توقف للحظة يشعر بذهول حين رأى درة ممددة أرضاً وبقايا دماء تندفع من صدرها، تلهث بانقطاع نفسها. نفض الذهول وذهب نحوها سريعاً، لوهلة كاد يختنق. خلع قميصه وقام بشقه إلى نصفين، وضع النصف حول فم وأنف درة، والنصف الآخر حول فمه وأنفه. ولم يتردد للحظة قام بحملها، وهرول بين الأشجار حتى خرج من الأرض.

بنفس الوقت، وقف مختار يعنف حسام بأنه أخطأ برش ذلك المبيد، لكن تركه حين سمع صرخات درة. توجه إلى خارج الأرض وخلفه حسام. بينما وضع طوفان درة جوار ذلك النبع وخلع عنه قطعة القميص وذهب نحو النبع بللها ثم قام بعصرها وعاد ينزع نصف القميص عن وجه درة وحاول مسح تلك الدماء، لكن كان وجه درة وحركة صدرها مثل التي تحتضر. بنفس الوقت وصل مختار وخلفه حسام. تلهف مختار بفزع وهو يقترب من درة، بينما لم يستطع حسام الصمت وذهب نحو طوفان قام

بلطمه على كتفه واتهامه بإيذاء درة. لم يبال طوفان، بل نظر نحو مختار الذي يشعر بقلق عارم وهو يحاول إفاقة درة التي تنقطع أنفاسها ببطء. نظر نحوهما ولم يهتم لهما وحمل درة يهرول سريعاً نحو سيارته المصفوفة على أول الطريق. ذهب خلفه حسام متعدداً لـ

طوفان: لو جرالها حاجة مش هيكفيني عمرك يا إبن نوح مهران. نظر له طوفان بلا مبالاة، كل تفكيره بـ درة. لحق بهما، حتى وصل إلى سيارة مختار. وضع مختار درة بالمقعد الخلفي، بينما صعد حسام في المقعد الأمامي. نظر له مختار سائلاً: إنت بتعرف تسوق يا حسام. هز رأسه بنفي. نظر مختار نحو طوفان الذي وصل، تحدث سريعاً: أنا بعرف أسوق ومعايا رخصة موثقة. تحدث له مختار وهو يصعد جوار درة قائلاً: انزل يا حسام خلي طوفان يسوق العربية.

اُغيظ حسام من ذلك ولم يترجل من السيارة بل اعتدل جالساً على المقعد الآخر وصعد طوفان وجلس خلف المقود، يقود بسرعة عالية حتى توقف أمام أحد المشافي. ترجل مختار سريعاً يحمل درة إلى داخل المشفى. لحظات وخرج أحد الأطباء قائلاً: دي حالة تسمم عن طريق التنفس، اتنفست مبيد بدرجة مباشرة وبكمية كبيرة دخلت صدرها، دلوقتي هندخلها العناية على جهاز التنفس وهنعمل أشعة نحدد الضرر واصل لفين.

أومأ له مختار، بينما اقترب حسام من طوفان بغضب وكاد ينهره حتى يغادر لكن سبقه مختار بنظرة لوم قائلاً: روح يا حسام أنا هفضل هنا. بخزي اعترض حسام قائلاً: أنا هفضل معاك يا خالي، طوفان هو اللي هيمشي، هو الغريب اللي هنا. نظر مختار نحو طوفان، استشف من ملامحه حقيقة قلقه على درة. لكن تحدث له: شكرًا كتر خيرك يا طوفان، مالوش لازمة وجودك هنا، مرة تانية شكراً لك.

بداخله ود البقاء، لكن نظرات حسام له ببغض جعلته يستسلم غصباً. مرت أيام ودرة مازالت غافية. لو نزعوا عنها تلك الأنابيب الموصولة بفمها وأنفها لإنتهت حياتها. يعلم أخبارها من بعيد حتى حسم قراره وذهب إلى المشفى. دفع لأحد العاملين بالمشفى مبلغاً من المال، كي يسهل له رؤيتها. بالفعل دخل إلى غرفة الرعاية. عص قلبه بل كاد ينفجر بداخله وهو يرى درة التي كان جمالها واضحاً، شبه اختفى رونق وجهها حتى انطفأت بعض ملامحها. تنهد بألم مماثل

لها. هنا لاول مرة فهم حقيقة مشاعره نحو درة، هو يعشقها، تملكت من قلبه الفتي. أيام مرت وعلم أن درة بدأت تمثل للعلاج وأنها خُلق لها عمر آخر. يراقبها من بعيد حتى لا يترك فرصة لـ حسام بإفتعال الشجار معه. حتى علم أنها شبه تعافت لكن ذلك التسمم ترك أثراً لن يزول لكن هناك علاج له عبر استنشاق أدوية موسعة للشعب الهوائية برئتيها.

عاد على حركة يدها التي تحركت لا إرادياً منها وضعتها على صدره. ابتسم وهو يتذكر قبل ساعات. ظل يقبلها بشغف وهي لوقت فقدت الإدراك وامتثلت لقبلاته. لكن فاقت حين شعرت بيديه على جسدها تخترق منامتها. شعرت بخزي من نفسها لكن عاندت ودفعته بيديها تدعي السعال. تبسم طوفان وتركها وذهب ببطء نحو طاولة جوار الفراش. فتح أحد الأدراج وجذب تلك العلبة الدوائية. وجهها نحوها. أخذتها من يده وبالفعل رغم أنها لا تحتاج لها لكن بإدعاء منها أخذت الدواء وقامت بإستنشاق. ابتسم طوفان وهو يجذب قميصه وارتداه هو فقط، وأشار لها بيده قائلاً

بخباثة: خلينا ناكل صنية الاتفاق. نظرت نحو الطعام، رغم أنها جائعة لكن عاندت قائلة: مش جعانة، أنا… بلا انتظار جذبها من يدها قائلاً بمرح: حتى لو مش جعانة دي صنية الاتفاق ولازم ناكلها سوا عشان نتفق. نظرت له بحنق وهي تحاول جذب يدها قائلة: ده شيء مستحيل، سيب إيدي.

لم يمتثل وجذبها جلس أولاً، وأرغمها على الجلوس. ترك يدها وبدأ بتناول الطعام. عاندت في البداية لكن هو يتعامل معها كأنها طفلة، يُرغمها أحياناً وأحياناً بالترغيب. حين تلذذ من مذاق الطعام، امتثلت وتناولت الطعام. كان الحديث شبه صامت حتى انتهت أولاً من الطعام. نهضت قائلة: هروح أغسل إيديا وأنام.

ابتسم حين عادت بعد قليل. تعمد عدم المجادلة معها. لكن نظر نحوها وهي تزيل دثار الفراش وتتمدد عليه. ذهب نحو الحمام عاد بعد قليل بمشاغبة منه أطفأ الضوء وترك نور خافت ثم استلقى على الناحية الفراش. التقطت نفسها واعتدلت جالسة تقول بغضب: إنت هتنام هنا عالسرير. قاطعها مبتسماً بغمز قائلاً: تصدقي نسيت إننا لازم نصلي الأول. قبضت على يديها الاثنتين بقوة ورمقته بغيظ ثم جذبت الدثار قائلة:

هروح أنا أنام عالكنبة وبرطع إنت عالسرير لوحدك. قبل أن تنهض من فوق الفراش، جذبها طوفان بقوة غصباً، فتمددت على الفراش، وهو يطل عليها بعينين يشتعلان بغرام متحدثاً بصوت خافت مهدد: تفتكري نومك عالكنبة ممكن يبعدك عني، أو يمنعني عنك. مد كفه وخط بأنامله فوق ملامح وجهها المرتجف، ثم تمتم بأشواق محبوسة: إنتِ ملكي يا درة.

أنهى قوله ولم ينتظر، بل انحنى فوقها، محاصراً إياها بين ذراعيه، حتى خفق أنفاسه الساخنة فوق شفتيها المرتجفتين. ارتجفت في مكانها، تشهق بغضب مكتوم، فمال أكثر وهمس بخشونة كادت تلهب جلدها: ومش هسيبك، ولا ليلة. عقدت حاجبيها بغضب ودفعت صدره براحة يديها المرتجفتين، لكنه لم يتحرك. بل أمسك بمعصميها برفق، وتحدث بنبرة رجاء وعيناه تنظران لعينيها: كفاية عناد بقى، إنتِ ليا.

ارتجفت عيناها بغصة مكبوتة، لم تعرف أكانت الرهبة من اقترابه أم من جنون شيء بداخلها يخذلها، لكنها تماسكت بكل ما تبقى بها من كبرياء. همست بعناد بصوت مبحوح وهي تحاول سحب يديها من قبضته: مش من حقك، سبني وإبعد عني. أخفض رأسه أكثر حتى التصق جبينه بجبهتها، وعيناه تغوصان في عينيها المتوهجتان، قائلاً بنبرة صلبة لا تحتمل الجدل: لا، من حقي، ومن حقك كمان يا درة.

شهقت بحنق، فشدها إليه فجأة، يستلقي على الفراش حتى سقطت فوق صدره. مرر يده في شعرها ببطء، كأنما يروض بها عاصفة المقاومة التي تشب بينهما، ثم همس بحنو: كفاية عناد.

شهقت أنفاسها بعنف، وعيناها تتسعان، قبل أن يسحبها بقوة إليه، يحتضنها بين ذراعيه كمن عثر على كنز ضائع ولن يفرط فيه مجدداً. قاومت للحظات، تحاول التملص من بين ذراعيه، لكن قبضته كانت أدفأ من أن تقاوم، ونظرة عينيه أصدق من أن تكذب. خارت قواها شيئاً فشيئاً، وكأنها تغرق في حضنه، تستسلم رغمًا عنها لدفء لم تعرفه يومًا. أغمضت عينيها، وارتخت أطرافها فوقه، كأنما أسلمت أمرها لعاصفة لا تقوى على مواجهتها.

شعر بامتثالها بين يديه، فابتسم بخفوت، وهمس قرب أذنها بنبرة تحمل بين طياتها انتصاراً وعشقاً: بحبك يا درة. شعرت بحرارة كلماته تسري تحت جلدها، فأطلقت تنهيدة طويلة متعبة، كمن حارب طويلاً ثم أخيراً استراح. لم تتكلم، لم ترد، فقط دفنت وجهها في صدره، تشم رائحته التي لطالما أنكرت تأثيرها عليها. ضمه بقوة أكبر، كأنه يخشى أن تذوب منه، وهمس مجدداً بوعود لم تنطقها الكلمات، لكن حملت تنهيدته بكل وضوح.

في تلك اللحظة، أيقن أنها خُلقت لتكون له، مهما ادعت العكس. داخل صدرها، كانت الأعاصير مستعرة. صوت العقل يصيح بغضب: لكن صوت قلبها كان أهدأ، أقوى. شعرت بكل جدار شيدته حول قلبها يتهاوى، كل قيد فرضته على مشاعرها ينكسر. بين ذراعيه، لم تعد البطلة العنيدة، ولا المرأة الخائفة من الانكسار. كانت فقط... أنثى.

ارتجفت شفتاها، فرفعت عينيها المرتبكتين نحوه، تقابلت نظراتهما. عيناه تفيضان عشقاً واحتواءً، حتى غرقت في بريقهما، ودون أن تدرك، امتدت يدها المرتجفة ولمست وجنته بأنامل خجلى، كأنها تتحقق من وجوده، كأنه حلم قد يتبخر. ابتسم بخفة، وأطبق كفه فوق يدها، يدفئها براحة كفه، ثم طبع قبلة رقيقة فوق أطراف أصابعها. همس فوقها بشغف محتدم: أنتِ ليا، وإحنا مع بعض، للأبد.

تورّدت وجنتاها بحمرة الخجل، وأغلقت عينيها في خضوع ناعم، بينما ذراعيه تضمها أكثر. في تلك اللحظة، أيقنت أنه مهما حاولت الهرب من قدرها، فمصيرها كان دومًا أن تكون له. بعد فيضان من الغرام استلقى على الفراش جذبها على صدره. يعلم أنها مازالت بغفوة هادئة من الإرهاق. أغمضت عينيها دون وعي منها، غفي هو الآخر. وها هي تتململ بين ذراعيه، تفتح عينيها ببطء. رفعت رأسها قليلاً تشعر بأنفاسه، كذلك ملامح وجهه قريبة للغاية، يضمها لصدره. صدح

صوته في أذنيها وهو يبتسم: صباح الخير، صباحية مباركة يا عروسة. لحظات تنظر له، يستوعب عقلها كأنها كانت بغفوة وعادت للوعي. سحبت نفسها من حضنه بخفة، تسحب الغطاء على جسمها، وقالت بنبرة عدم تصديق سائلة: هو إيه اللي حصل، مستحيل أنا مكنتش في وعي. نظر لها نظرة ساكنة للحظات يشعر بغصة في قلبه ثم تحدث بهدوء ظاهري: درة كفاية أنا مغصبتش عليكِ ولو كنت حسيت للحظة واحدة برفض من ناحيتك مكنش كملت.

جذبت الغطاء وقع بصرها على تلك البقعة الظاهرة على الفراش. شعرت ببرودة تزحف لجسدها، ويديها لا إرادياً شدت الغطاء أكتر حولها. عيناها اتسعت بالغضب، وضربات قلبها أصبحت طبول مدوية في صدرها. ظل للحظات مكانه على الفراش ملامحه تشتد، من رد فعلها المبالغ فيه. لحظات ونهض هو الآخر. اقترب منها وكاد يضع يديه عليها لكن منعته بقسوة: متلمسنيش كفاية. حاول التمسك بالهدوء، وضع يديه حول عضديها يقبض عليهما بقوة قائلاً بهدوء عكسي:

صباحية مباركة، هتدخلي تاخدي شاور الأول ولا أدخل أنا، ولا ندخل إحنا الاتنين سوا.

نظرت له بغضب من بروده. لو ظلت أمامه قد تختنق. توجهت نحو الحمام بصمت لكن بغضب صفعت الباب قوياً فارتج ولم ينغلق. عادت تغلقه وهي تتحدث بضجر. لوهلة تبدل ما كان يشعر به من غضب مكتوم إلى ضحكة من عنادها الطفولي، الذي ربما كسر حدة ما كان يشعر به من غضب. انحنى يجذب قميصه من على الأرض وارتداه واغلق بعض الأزرار بعشوائية. توجه نحو طاولة جوار الفراش جذب علبة السجائر والقداحة وتوجه نحو شرفة الغرفة. فتح بابها، وخرج من الغرفة. كانت

الشمس مازالت تستطع. أشعل إحدى السجائر نفث دخانها كأنه يطرد ذلك الغضب من داخله. يقارن عقله بين استسلامها له ليلاً، وجفاف حديثها قبل لحظات. زفر نفسه، فكما توقع، درة كما هي حين تود الهروب من والتنصل من أفعالها تهاجم ويتحكم برأسها العناد. لكن رد فعلها هذا مس رجولته. لو لم يتحكم بغضبه معها، لكان أجبرها وأخذها الآن في الفراش غصباً كعقاب، لكن...

لكنه ليس ذاك الوحش الذي تنفر منه، ولا يريد أن يكسرها فينطفئ بريقها الذي يأسره. شد قبضته على السيجارة حتى سقط رمادها، وأغمض عينيه يحاول كبح جماح رغبة تشتعل بداخله، رغبة في أن يخضعها له مرة أخرى، لا بالقوة، بل بالاشتياق. فتح عينيه ببطء، نظراته تحمل مزيجاً من الغضب والتحدي، وأقسم على نفسه أنه سيجعلها تعود إليه برضاها، بلهفة قلبها قبل جسدها. درة، تلك العنيدة، لا تعرف أنها حين تهرب تزيده تعلقاً، تزيده شراسة في امتلاكها

بطريقته الخاصة. طوح السيجارة بعيداً، وعاد إلى الغرفة بخطوات بطيئة، كل شبر فيها يشهد على لحظاتهم، على ضحكتها، على استسلامها الذي كان يفجر رجولته نشوة، فكيف لها الآن أن تجحد كل ذلك بجفافها وكلماتها الباردة. قبض على أطراف الستائر بعنف، ثم تركها لتتراقص مع تيار الهواء، وكأنها تهزأ بضعفه أمامها. زمّ شفتيه بعناد مرير، وصورتها في ذهنه، شعرها المتناثر فوق الوسادة، عيناها نصف المغمضتين تحت وطأة الغرام، شفتيها حين كانت تهمس

باسمه بنعومة وكأنها تغرسه في أعماقها. ارتج جسده كله لرغبة لا تحتمل، لرغبة في كسر عنادها تحت وطأة حب يوجعه. لكنه أخفض رأسه، ابتلع ألمه، وعاهد نفسه أن يعاقبها بطريقته.

لاحظ غيابها بالحمام، فكر، ثم ذهب نحو باب الحمام قام بالطرق عليه قائلاً بإغاظة وإيحاء: درة غيبتي كده ليه، تحبي أدخل أساعدك في حاجة. لم يأتيه ردها، فعاود الحديث بمرح. لكنها بالداخل قد انتهت من أخذ حمام. ذهبت نحو تلك المرآة نظرت إلى انعكاس جسدها، رأت تلك العلامات فوق صدرها ويديها، تحدثت بغضب: الحقير قاصد إنه يسيب العلامات دي عشان يذكرني أنه امتلكني بمزاجي، موهوم.

أثناء ذلك سمعت طرق على باب الحمام. شعرت بغضب. نظرت حولها لم تجد سوى مئزرين قطنيين، أحدهما نسائي والآخر رجالي. جذبت النسائي وارتدته وأغلقت بإحكام وفتحت بعصبية. لعدم انتباهها اصطدمت بـ طوفان. عادت للخلف بتلقائية كادت تتعثر وتسقط أرضاً لكن جذبها طوفان من خصرها إليه. شهقت وهي تتنفس بقوة ثم قامت بدفعه بعصبية. تركها بلا مشاغبة وتوجه نحو الحمام وأغلق الباب بوجهها. شعرت بغضب.

مر وقت طويل، منذ أن تركها بالغرفة دون سبب. ظلت وحدها تشعر بالضيق والضجر. حاولت إشغال وقتها بالهاتف الخلوي، كذلك التلفاز، لكن لم يجد ذلك نفعاً. ألقت الهاتف وجهاز التحكم على الفراش تعتصر الوسادة بيديها، لكن بذلك الوقت سمعت صوت فتح مقبض الباب. سريعاً قبضت على هاتفها وادعت الانشغال به ولم تعطي اهتمام لدخول طوفان، الذي رمقها وهو يبتسم. ثم توجه نحو خزانة الثياب أخرج له ثياب خروج وضعها على أحد المقاعد وبلا اهتمام، نزع ثيابه المنزلية، وقام بارتداء تلك. لوهلة نظرت نحوه، كان شبه عاري، شعرت بالخجل حادت بنظرها عنه. ضحك حين لاحظ ذلك. لكن حين وصل إلى أنفها ذلك العطر نظرت نحوه مرة أخرى، كان انتهى من ارتداء ثيابه.

لم تستطع الصمت وسألته: إنت خارج. أومأ لها برأسه قائلاً: أيوه. نهضت من فوق الفراش سائلة: وممكن أعرف خارج رايح فين بقي دلوقتي. ابتسم وهو يتوجه نحو باب الغرفة قائلاً: رايح لـ جود أختي أصبح عليها، واجبي كأخوها. لم يقل أكثر من ذلك وغادر. شعرت بضيق وهي تضغط على أسنانها بقوة تقول بتكرار: واجبي كأخوها، ياااارب. صمتت حين فتح الباب مرة أخرى ودخل. توجه نحو ذلك المقعد قائلاً باختصار: نسيت موبايلي.

أخذه وهو يرمقها ببسمة ثم غادر مرة أخرى يغلق خلفه الباب، بينما هي تشتعل عصبيتها. بعد وقت قليل، بمنزل والد حاتم. رغم فتره في التعامل معها، إلا أنه رحب بوالدتها كذلك. طوفان تبادل الاثنان النظرات معاً، كل منهما يحمل خليطاً من التحفظ والترقب للآخر. في تلك اللحظة، عن عمد منها صعدت بدرية إلى الشقة، فأستقبلها حاتم بحفاوة، كذلك جود. لكن فجأة تصنمت جود لوهلة حين رفعت بدرية يدها عن عمد، دعوة صريحة لها كي تقبل يدها.

في تلك اللحظة، وقف طوفان بتركيز، متهياً لرؤية رد فعل جود. نظرت جود نحوه نظرة كانت قاسية، عينيه تحمل رسالة لا تحتاج للكلمات، كأنه يطلب منها: لا تنحني لأحد مهما كان. فهمت مغزى نظرته فوراً، وعينيه لم تفارقها، ينتظر اللحظة الحاسمة. وبالفعل، لم تنحني جود، بل مدت يدها بكل هدوء وصافحت بدرية مصافحة عادية، كأنها تجسيد لرفضها الخضوع لأي غطرسة قد تقلل من شأنها. ابتسم طوفان بنظرة دعم ومساندة،

كأنه يقول لها بصمت: لن أسمح لأحد بأن يجرح كرامتك، ولن تسمحي لنفسك أن تنحني أمام أحد مهما كانت مكانته. انقلب الموقف أصبح مشحونًا بالتوتر، لكن جود استطاعت أن تثبت نفسها وتخرج من المأزق بكبرياء لا يشوبه أي تردد أو تخاذل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...