بمنزل طوفان بالردهة، خفق قلب جود بارتباك حين سمعت صوت حاتم. نظرت نحوه بتلقائية، رسمت بسمة رغم استغرابها مجيئه الآن. هو في العادة يعود للمنزل متأخرًا. لا داعي لتخمين من أين علم بوجودها هنا، بالتأكيد والدته أخبرته. ازدردت ريقها وعادت تنظر نحو جلال ويده الممدودة. فكرت بعدم مصافحته، لكن هنالك تفكير آخر، ربما يفهم حاتم وقوفه مع جلال بمنظور خطأ. مدت يدها بتردد، صافحت جلال الذي تبسم وضغط على يدها بقوة قائلًا باحترام:
"انبسطت إني شوفتك النهاردة يا جود. عرفت من طوفان إنك اتجوزتي. ليه استعجلتي؟ مش كنتِ خلصتي دراستك الأول؟ عالعموم مبروك و... قاطع بقية حديث جلال حاتم، الذي شعر بغضب ونظر بحدة إلى جود التي شعرت بالتوتر وسحبت يدها من قبضة جلال. بينما ترك حاتم النظر لها ونظر نحو جلال. نظرات متداخلة سارت بين ثلاثتهم، والأوضح نظرة الغضب التي ارتسمت على ملامح حاتم. حتى ظهر ذلك في رده على جلال بغلاظة: "فيها إيه لما تتجوز وهي بتكمل دراستها؟
وأعتقد ده شأن خاص، إنت مالكش الحق فيه." تفوه بذلك ثم نظر إلى جود بنظرة لاذعة. شعر جلال بتوتر الأجواء فاستأذن قائلًا: "انبسطت إني شوفتك يا جود... عن إذنكم." غادر وهو يعتلي شفتاه بسمة، بينما زادت نظرات حاتم احتدادًا ولومًا. تفوه بنبرة عصبية واضحة: "أعتقد الزيارة انتهت، خلينا نرجع لبيتنا." توترت، يخفق قلبها بخوف قائلة: "مش هتطلع تطمن على دُرة؟ أجابها بنفي غاضب: "لأ... كفاية إنتِ مش اطمنتي عليها، أنا مخنوق، خلينا نمشي."
أومأت برأسها قائلة: "هروح أسلم على ماما وأقولها.... قاطعها بغضب وهو يجذبها من معصم يدها قائلًا: "كفاية سلامات، يلا بينا." غصبًا امتثلت جود حتى لا تثير مشكلة في غنى عنها. بالفعل غادرت معه، لكن بحديقة المنزل تقابلت مع طوفان الذي كان يقف مع جلال. نظر نحوهما، لاحظ وجوم وجه حاتم، بينما جود ابتسمت بتكلف حتى لا يظهر عليها الحزن.
لكن على طوفان يفهمها أكثر من نفسها، لكن لن يتغاضى عن ذلك الانطفاء بملامحها كثيرًا. رصيد حاتم أصبح على شفا الانتهاء، وفي لحظة لن ينتظر رأفة قلب جود. تنهد بجمود وهو يتحدث مع جود قائلًا: "لسه الوقت بدري، مقعدناش مع بعض." ابتسمت له بمحبة قائلة: "إنت مشغول، كان الله في عونك. ربنا يطمنك على دُرة وتقوم بالسلامة." ابتسم بأخوة، وضع يده على كتفها قائلًا:
"وإنتِ كمان ربنا يطمني عليكِ وتقومي بالسلامة ويرزقك بنوتة رقيقة القلب زيك." توقف للحظة ونظر نحو حاتم قائلًا باستفهام: "ولا يمكن حاتم نفسه في ولد قاسي القلب؟ توقف طوفان بسبب نظرة جود، بينما لاحظ حاتم نظراتهم. شعر بغصة قوية في قلبه وتفوه بجمود: "الاثنين بالنسبة لي واحد، الأهم تقوم بالسلامة هي والمولود."
أومأ طوفان رأسه ببرود، بعينيه نظرة حادة لـ حاتم الذي أشار لـ جود بالسير، فسارت أمامه. تابعهما طوفان بعينيه إلى أن خرجا من المنزل. اقترب منه جلال قائلًا: "واضح إن مفيش قبول بينك وبين جوز أختك. بستغرب إزاي وافقت عليه." هز طوفان رأسه بموافقة قائلًا: "القدر يا جلال. نفسي يخيب توقعي فيه لأنه معايا على تكة. اللي مسكتني هي جود والجنين اللي في بطنها، مش عاوز أتحمل يكون ضحية سوء اختيار القدر لـ جود." ابتسم جلال بتفهم قائلًا:
"كل شيء قدر ومكتوب. همشي أنا بقي، هستناك تحدد ميعاد عزومة الغدا، وربنا يقوم مراتك بالسلامة." ابتسم طوفان، يتابع جلال الذي غادر بسيارته يبتسم. بغرفة الضيوف جلسة نسائية يسودها النم والهمز واللمز. حين تحدثت سامية لـ كوثر بجفاء: "من وقت ما جينا ولا حد عبرنا، حتى وجدان اتحججت وقامت تصلي، ومن وقتها مرجعتش. واضح إن بنت المصراوية خلاص سحبت عقلها هي كمان زي ما سحبت عقل طوفان قبلها." زفرت كوثر نفسها بحقد قائلة:
"بنت المصراوية خلاص بعد ما بقت حبلى هتركب العيلة وتدلدل رجليها... وبدأتها بالسهوكة زي أمها ما عملت قبل منها. دي ضحكت على عقل أخت جوزها وخلتها كتبت أرضها لجوزها وحرمت مش بس بدرية من الميراث، كمان عيلة 'بدارن' جوز عمتها، بالذات مرعي واد عم جوز عمتها." تهكمت سامية قائلة:
"كله ده بسبب 'جليلة' هي اللي ضغطت على جوزها يكتب لها كل أملاكه، في الآخر راحت أملاكها لأخوها. المصراوية ضحكت على عقلها خلتها باعت دار جوزها وادخلت لها لما كانت عايشة معاهم. طبعًا تمن الدار والأرض وكل اللي كان باسمها خده مختار، وبدرية وعزمي الاتنين طلعوا من المولد بلا حمص." تهكمت كوثر قائلة:
"بدرية مش سهلة، أهو خدت جود وبقت مرات ابنها وشكل حاتم شوكته قوية على جود، وطبعًا ميراث جود مش شوية. وعزمي ساكت خايف من طوفان طبعًا بعد ما اشترى الأرض من مختار... مقدرش يتنفس قصاد طوفان." استهزأت سامية قائلة: "عزمي جبان بس دينه وملته الفلوس، وإن ساكت مش بس حكاية خوف، مش يمكن مرقد لحاجة في دماغه." نظرت لها كوثر بعدم فهم سائلة: "قصدك إيه؟ يعني عشان قبل ياخد فلوس وغير في شهادته في قضية وليد، ممكن يكون في دماغه هدف...
بس إيه هو الهدف ده؟ توقفت تفكر للحظة ثم قالت: "لا الأرض موضوعها مختلف عن شهادته الزور." "شهادته الزور" تلك الكلمتين اللذين أغاظا سامية، فتحدثت بعصبية: "هو مشهدش زور في قضية وليد، ده شهد باللي شافه." نظرت لها كوثر متهمة، هي تعلم الحقيقة التي ضاعت بسبب ضعف المحكمة المقيدة بالدلائل والشهود، والشاهد الكاذب الذي شهد زورًا. لكن لم تهتم لذلك، كذلك سامية التي صمت عاطفتها لابنها عن حقيقة لو تبدلت لكانت أكلت عقلها بالثأر.
تبسمت كريمان لـ باسل قائلة: "أنا هبات الليلة هنا مع دُرة وارجع إنت للدار، وإن شاء الله الصبح هتكون دُرة اتحسنت وهارجع للدار." نظرت لها دُرة قائلة: "والله أنا بخير، إنتِ اللي مبالغة في الموضوع." نظرت لها كريمان بحدة قائلة: "النزيف اللي حصلك، وبياتك ليلة في المستشفى... وببالغ؟ كل ده أنا عارفة سببه. الضغط، ضغطك على نفسك بزيادة. والله كتر خير طوفان إنه متحملك." ضحك باسل غصبًا واقترب من دُرة قبل رأسها قائلًا:
"حمدلله على سلامتك." ابتسمت له وهو يغادر الغرفة، بينما عادت بنظرها إلى كريمان التي تهمس: "يااارب." نظر لها بغضب، اغتاظت قائلة: "كتر خير طوفان... ليه؟ متحملني بعمل إيه يعني؟ هو أساسًا مش جديد عليه الكذب. عاوزاني لما ألاقي المجرم اللي اسمه وليد هنا والحقير كمان عينه في عيني وبيتبجح، أنا لو كان فضب دقيقة واحدة قدامي كنت قلته وخدت بتار بابا." تنهدت كريمان بمرارة، قائلة بصوت هادئ لكن حاسم:
"يا بنتي، أنا مش بقولك ما تاخديش حقك، بس كل حاجة ليها وقتها. عندي يقين إن كان وليد فلت من عقاب المحكمة، مش هيفلت من عقاب ربنا. ومش معنى إنه واقف قدامك بيتبجح تتعصبي. وأهو شوفتي نتيجة عصبيتك، كان ممكن النزيف يبقى خطير وتفقدي الجنين اللي في بطنك." وضعت دُرة يدها على بطنها بخوف عميق، كأن كلمات كريمان اخترقت جدار إنكارها. ارتجفت شفتاها، وتلعثمت: "أنا... أنا ما كنتش بفكر، كنت شايفة وليد وقدامي كل حاجة سودا...
دم بابا، ودمعي، وقهري." تنهدت كريمان بأسف وآسف قائلة بنبرة ممزوجة بالحزن والحنان: "عارفة يا دُرة إحساسك، وعارفة إن قلبك موجوع، بس فكري في الجنين اللي في بطنك... ده زيك، بيتأثر، ويمكن أزيد... بيحس بخوفك، بوجعك، بغضبك. وتأكدي، يا بنتِ، إن الدم عمره ما بينشف، ولا الأرض بتشربه. ربنا بيخليه شاهد، وحق المظلوم عمره ما بيروح، حتى لو اتأخر." صمتت لحظة، ومسحت دمعة سالت غصبًا من عينيها ثم أكملت:
"القهر الحقيقي مش إنك تسكتي، القهر إنك تخسري اللي جاي بسبب اللي فات. خدي حقك، بس من غير ما تخسري نفسك ولا ضناك." صمتت دُرة. تنهدت كريمان وهي تنفض عن نفسها قليلًا قائلة: "هقوم أتوضأ وأصلي العشاء، وبعدها أجيبلك العلاج. لازم تنفذي كلام الدكتورة بدل ما نلجأ للمحاليل. إنتِ لسه في أول طريق الحمل كده هتتبهدلي في العلاج بعدين."
شعرت درة بريبة ظهرت على ملامحها، فتبسمت كريمان. بسمة موجوعة في قلبها الذي تحاول وئد الحزن به حتى لا يؤثر على من حولها. بعد قليل بمنزل حاتم دلفت جود وخلفها حاتم الذي يشعر بغضب. تبسمت جود إلى والد حاتم الذي سألها: "إزي حال دُرة دلوق؟ أجابته: "الحمد لله بخير، شكرًا لك يا عمي إنت اللي قولت لي إنها عيانه، وقولت أروح أطمن عليها." تبسم لها بألفة، بينما شعرت بدرية بغضب وتحدثت بنزق واستهزاء: "وطلع عندها إيه؟
يمكن بتدلع زي غيرها." أجابته جود: "درة كانت نزفت وهي حامل." نار زادت اشتعالًا في قلب بدرية، حاولت السيطرة على حقدها قائلة بتمني: "والجنين سقط." نفت جود ذلك قائلة: "لأ... الدكتورة قالت مفيش خطورة وبس محتاجة راحة وعلاج." "راحة وعلاج" قالتهما بدرية بنزق، ثم اتبعتهم بسخرية: "هو في إيه اليومين دول البنات بقت تدلع عالفاظي؟ مسافة ما تحبل عاوزة تنام عالسرير متجومش، دلع ماسخ." كادت جود أن تتحدث لكن صمتت. تحدث عنها والد حاتم:
"مش دلع يا بدرية، دي ظروف، وربنا يتمم لهم بخير. يلا يا جود اطلعي مع حاتم شقتكم تصبحوا على خير." أومأت مبتسمة. بعد لحظات دخلت جود أولًا وخلفها حاتم الذي أغلق باب الشقة بعنف قليل. نظرت جود خلفها. تهكم حاتم قائلًا: "معليش الهوا قفل الباب جامد." أومات بصمت. بينما اقترب حاتم سريعًا منها وأمسك يدها سائلًا بغضب: "مين اللي كان بيسلم عليكِ ده؟ أجابته ببساطة: "ده جلال... صاحب طوفان أخويا، كمان مامته تبقى بنت خالة ماما."
زفر حاتم نفسه بغضب قائلًا: "آه عشان كده كان عشمان أوي وهو بيكلمك." ابتسمت جود بتلقائية قائلة: "ده كان صاحب طوفان أوي من صغرهم وكان بينا زيارات عائلية، ومازال، بس هو كان مسافر بره ومعرفش رجع إمتى. اتفاجئت بيه... هو طول عمره كده بيتعامل معايا زي أخته، مع إن معندوش إخوات بنات." زفر نفسه قائلًا: "تمام، أنا مرهق هدخل آخد دش وبعدها هنام."
ابتسمت له. داخلها شعور بسعادة، لاحظت ضيق حاتم من جلال، أيكون حدسها صحيح وهو يغار عليها. والحقيقة كان يرفضها حاتم، وهو أسفل تلك المياه، يقاوم غضبه. أزاح المياه عن عينيه يطرد خيال رؤية يدها بحضن يد ذاك السمج. تنفس بقوة يطرد ذلك قسرًا، فمشاعره نحو جود واضحة، أخت طوفان الذي أضاع حق أخيه، بل وتزوج زوجته. بمنزل طوفان دخل طوفان الغرفة، بعدما أذنت له كريمان. تبسم وهو ينظر نحو الفراش، كانت دُرة غافية. تبسمت
له كريمان قائلة بهمس: "خدت العلاج ونامت. وطوفان كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع مهم." ابتسم لها قائلًا: "وأنا تحت أمرك، خلينا نتكلم برة الأوضة." أومأت له بفهم، خرج الاثنان من الغرفة وجلسا بردهة قريبة من الغرفة. تنهدت كريمان بشجن قائلة: "هدخل في الموضوع علطول، أنا عارفة إنك أكيد مرهق، منمتش من امبارح." أومأ لها قائلًا: "خير." أجابته: "قبل أي حاجة بشكرك على اللي عملته مع دُرة امبارح." نظر لها قائلًا:
"حضرتك عارفة، دُرة مش بس مراتي، دُرة حب عمري." ابتسمت قائلة: "وده السبب اللي خلاني وافقت شاهر لما جالي وقالي إنك عاوز تتجوز دُرة. ودُرة عنادية وإنك حاولت معاها كذا مرة وهي بترفض لمجرد الرفض، وإن لازم تنحط قدام الأمر الواقع وقتها هتمتثل حتى لو اعترضت بس مع الوقت هتتقبل الجواز." ابتسم قائلًا: "فعلًا مساعدة وموافقة حضرتك سهلت علينا حاجات كتير." ابتسمت كريمان وتذكرت قبل عدة أشهر. جلس شاهر مع كريمان قائلًا:
"في حاجة عاوزة تعرفيها، طوفان طلب يتجوز دُرة وقالي إنه فاتحها أكتر من مرة وهي رفضت." تنهدت كريمان بأسف قائلة بحيرة:
"دُرة قتل مختار مأثر فيها وأنا خايفة عليها. دُرة متسرعة ووقت غضبها مبتفكرش، وحاسة إنها بترسم حاجة في دماغها، عاوزة تار مختار. متأكدة هي زعلت على موت حسام بس اللي مأثر فيها بجد قتل مختار. هي كانت دايما قريبة منه، حتى إنه اشترى شقة القاهرة مخصوص عشان لما يروح لها القاهرة ميبقاش ضيف تقيل عند ماما. هتصدقي لو قولتلك كنت مرتاحة وهي في القاهرة بعيد عن هنا، بس كان جوايا كمان حزين إنها عايشة الحزن لوحدها هناك." أجابها شاهر:
"ماما كانت جنبها، ومش هتصدقي إن طوفان نفسه كان جنبها معظم الوقت هناك. حتى إنه اتفاجئ إنها رجعت لهنا، فكر إنها هتستقر هناك، لكن إنتِ عارفة دماغ بنتك. دلوقتي أنا مش عارف أقول له إيه. هو عارف إن دُرة فوضتني أبيع لها شقة القاهرة، وهو اقترح فكرة أنا مقدرش أقبلها بدون ما أرجع لكِ. حتى قولت له كده، هعرض الاقتراح عليكِ الأول." صمتت كريمان للحظات تفكر ثم قالت: "طب ليه طوفان مجاش ليا يقول لي الاقتراح بتاعه؟
أقولك دبر ليا معاه لقاء، عاوزة أتكلم معاه قبل ما أوافق أو أرفض اقتراحه." ابتسم شاهر قائلًا: "بسيطة." في اليوم التالي بمطعم أحد فنادق المنيا وقف طوفان احترامًا يرحب بكريمان ومعها شاهر. جلس ثلاثتهم. تنحنح طوفان قائلًا: "شاهر اتصل عليا وقالي إن حضرتك طلبتِ نتقابل قبل ما تقولي قرارك." نظرت كريمان لـ طوفان وتفوهت مباشرة:
"مختار قالي إنك سبق وطلبت منه تتجوز دُرة والكلام ده من أكتر من سنتين، بعدين معرفش إيه حصل والموضوع انتهى. ومن فترة اتفاجئت بموافقة دُرة إنها تتجوز من حسام رغم متأكدة إنها معندهاش أي مشاعر تجاهه غير إنه ابن عمتها. كمان اتكتب كتابهم. أنا شوفتك يومها يا طوفان، ليه إيه اللي حصل خلى دُرة توافق على جوازها من حسام بالسرعة دي." شعر طوفان بالحرج والأسف وأخبرها جزء من ما يعلمه. تنهدت كريمان بتفهم قائلة:
"وليه دلوقتي عاوز تتجوز دُرة، وإنت عارف إنها اتغيرت... يمكن فعلًا بتكرهك زي ما بتقول." شعر طوفان بوجع قائلًا: "متأكد دُرة مش بتكرهني، يمكن في غشاوة ومع الوقت هتزول." نظرت له كريمان وتبسمت وهي تتذكر تلك الليلة الذي عاد بها إلى المنزل، حين كانت بالمقابر، سمعت هزيان دُرة الذي كان مفاجئًا لها، أنها تحب طوفان ووافقت على الزواج من حسام كي تحاول نسيانه. لكن ربما للقدر شؤون أخرى.
فكرت وبعد عدة محاورات بين طوفان وكريمان بوجود شاهر، استحوذ طوفان على موافقتها. تبسمت قائلة: "أنا موافقة يا طوفان تتجوز دُرة، بس محتاجة منك وعد إنك تتحمل دُرة، دُرة عاملة زي الشريدة." ابتسم قائلًا: "حضرتك اطمني، أنا خسرت دُرة مرة واتحملت غصب عني، فأكيد مش هفرط فيها مهما حصل." ابتسمت كريمان بغصة قوية، لكن تفوهت بروية:
"كمان مش عاوزة دُرة تعرف إني ساعدتك، هتفكر إننا بنتحالف عليها وهتعند. خليها مع الوقت تعرف بس مش في البداية." ابتسم لها قائلًا: "تمام، يكفيني موافقتك وأنا هتفق مع شاهر، إنه يبدل توكيل بيع الشقة بتوكيل أو تفويض بكتب كتابي أنا ودُرة." ابتسمت قائلة: "ربنا معاك ويقويك." ضحك طوفان غصبًا. عادت من الذكرى وهي تنظر إلى طوفان قائلة:
"إنت اعترف فات وقت كبير على وفاة مختار، وبسبب زخم الأحداث اللي حصلت بعد كده، نسينا نعمل إعلام وراثة. كمان حاسة الموضوع ده هيسبب وجع لـ درة. كمان أكيد هتكتشف حقيقة إن أرض عمتها 'جليلة' مكتوبة باسمها." أومأ طوفان قائلًا بفهم: "أكيد طبعًا هتعرف إن الأرض باسمها، بس مش فاهم إيه المشكلة في كده." أجابته بقلق حقيقي: "المشكلة دُرة نفسها وإنت عارف مرعي أكيد لسه الطمع جواه. أنا خايفة من تفكير دُرة." بعد مرور يومين
صباحًا، ذاك الحقل. والد كان يعمل مرعي بالأرض وقت قليل وشعر بالتعب. ترك العمل بالأرض وجلس على أحد الجسور، يُنفث دخان سيجارته. لم يلاحظ ذلك الذي تسلل ونزل إلى الأرض إلا حين سعل بسبب ذلك الدخان. رفع رأسه. سرعان ما ألقى السيجارة من يده وكاد يقف، لكن أشار له بيده فظل جالسًا وجلس لجواره. تنحنح مرعي قائلًا: "إزيك يا وليد بيه، وإزي عزمي بيه." أجابه وليد بتعالي:
"كويسين، أنا جاي النهاردة عشان أطلب منك طلب.. ومش مسموح لك ترفضه." نظر له مرعي باستفسار فتحدث وليد بغلظة: "أنا عاوز أتجوز بنتك زينة... بس جواز عرفي." بمنزل طوفان أثناء نومها اخترقت رائحة ذلك العطر أنفها بخفة. تململت في الفراش، تتمطى بتكاسل، تحاول أن تطرد عن جسدها بقايا الوخم والخمول اللذين يسيطران عليها بالفترة الأخيرة.
ببطء، فتحت عينيها، واتجهت بنظرها نصف ناعسة نحو المرآة، مكان وقوف طوفان. طوفان الذي نظر نحوها من خلال انعكاسها بالمرآة. ابتسم بهدوء قائلًا: "صباح الخير." تثاءبت، وهي ترد بصوت مبحوح من أثر النوم: "الساعة كام دلوقتي." رد دون أن يلتفت، وهو يعدل ياقة قميصه: "سبعة ونص." رمشت عينيها ببطء، ثم دفنت وجهها في الوسادة مجددًا وهي تهمس: "بتلبس بدلة ورايح فين بدري أوي كده."
اقترب طوفان من الفراش بخطوات هادئة، ثم جلس على طرفه، مد يده بلطف يبعد خصلات شعرها عن وجهها وتعمد المزاح معها قائلًا: "أكيد مش رايح أتجوز، إنتِ اللي يتجوزك يزهد في الحريم." شعرت بضجر. فتحت عينيها واعتدلت قليلًا في جلستها، مقاومة النعاس قائلة بنزق: "تزهد في الحريم... إنت سيرتك مع الحريم سبقاك، كويس إني صحيت هقوم آخد شاور وأفوق وبعدها أروح المستشفى." نظر لها قائلًا بأمر: "مستشفى إيه؟ إنتِ مش شايفه حالتك...
إنتِ مش قادرة تفتحي عينك، أنا هتصل على مدير المستشفى، وممنوع تخرجي من الدار." رغم إرهاقها لكن كعادتها لابد أن تعارض، تفوهت بغضب: "أنا كويسة جدًا وبعدين إنت عاوز تحبسني هنا في البيت ولا إيه." أومأ برأسه وهو ينهض واقفًا مؤكدًا: "ده فعلًا اللي هيحصل يا درة. كفاية عناد عالفاظي. يلا همشي أنا عندي ميعاد مهم، أشوفك المسا."
أنهى حديثه واضعًا قبلة على إحدى وجنتيها. اغتاظت من تحكمه وكادت تتفوه، لكن كان غادر الغرفة. لكن عاود فتح باب الغرفة واقترب من الفراش، جذب تلك الولاعة ثم قبل وجنتها مرة أخرى قائلًا بعناد: "نسيت الولاعة، أشوفك المسا اتغذي كويس." سريعًا غادر الغرفة، بينما دُرة نظرت نحو الباب بغضب قائلة: "مفكر نفسه ديكتاتور وإني همتثل له، هقوم آخد شاور وأشوف مين بقى هيمنعني من الخروج من الدار."
بالفعل بعد قليل شعرت بالغيظ من ذلك الحارس الذي رفض فتح بوابة المنزل كي تخرج، وأخبرها أن ذلك بأمر من طوفان. اشتعلت غضبًا، حاولت الاتصال عليه لكنه لا يرد. عادت لداخل المنزل، تقابلت مع وجدان وأخبرتها بما حدث، بل وطلبت منها أن تأمر الحارس يتركها تخرج. لكن وجدان شعرت بالحرج وتحججت قائلة: "حتى لو قولت للغفير مش هيرضي غير لما طوفان نفسه هو اللي يديه الأمر، وبعدين عاوزة تخرجي ليه؟
إنت المفروض ترتاحي كام يوم زي ما قالت الدكتورة... بلاش تستهوني بصحتك." مثل طفلة شعرت دُرة كأنه يتحكم بها، شعرت بالغضب وصعدت إلى غرفتها، بينما ضحكت وجدان. كذلك شكرية التي قالت وهي تهز رأسها بتهكم: "أهو ده الرجالة ولا بلاش، يعرف إزاي يتعامل معاها، عاوزة تمشي على مزاجها مش فارق معاها صحتها." وجدان نظرت لها بتحذير وهمست: "اسكتي يا شكرية، مش ناقصين وجع دماغ... دي دُرة مش هتسكت بسهولة، شكلها هتولع الدنيا النهاردة."
هزت شكرية رأسها قائلة: "لأ متقلقيش طوفان بيعرف يسيطر عليها. كلمتين حلوين منه هتنسي." ضحكن الاثنين بايماءة موافقة منهن. بينما بالغرفة كانت دُرة، للحظات تدور في الغرفة بعصبية، قبضتاها مضمومتان وشفتيها ترتجفان من الغيظ. تردد في سرها: "هو فاكرني لعبة... يمنعني أخرج كإني طفلة.. لأ والله يا طوفان... هتعرف إن دُرة ماحدش يحط لها حدود." وكانت تلك الحدود حين استلقت على الفراش تتثائب مستسلمة للنوم.
كان اليوم أول يوم تذهب فيه إلى الجامعة. شعرت بملل بعد نهاية تلك المحاضرة. اقتربت منها إحدى صديقاتها قائلة: "جود إيه رأيك نروح الكافتيريا اللي على أول شارع الجامعة نشرب أي مشروب وندردش سوا، احكي لي الجواز وحضرة الضابط أخبارهم معاكِ إيه." بصعوبة وافقت جود، وذهبت إلى ذلك المقهى معها. جلسن لبعض الوقت، حتى رفعت وجهها وتسلطت عينيها. تفاجأت بذلك الذي دلف إلى المقهى وبصحبة فتاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!