دموعها تسيل وحالة الشرود بدأت تزول. نظرت لهاتفها، التقطته بيد مرتجفة، كأنها تمسك بيدها جمرة مشتعلة. تفحصت الرقم مرة، ثم مرة، ثم ضغطت على سجل المكالمات. سريعًا حذفت المكالمة. كأنها بذلك ستمحي ذلك الهمس الذي ما زال يدوي في أذنيها، كأن صوته التصق بروحها. نهضت بخطوات غير ثابتة، توجهت نحو النافذة. فتحتها بهدوء. رغم أن النسمة كانت ربيعية تميل للبرد، لكن شعرت كأن الهواء يخنقها. جالت يمينًا ويسارًا، الشارع كان خاليًا.
هادئًا أكثر مما ينبغي. الهدوء المصطنع قبل صخب العاصفة القريب قدومها. فهل تصمت وتنحني لتلك العاصفة ربما تكسرها، أم تشتد أمامها وتمحو الخوف وتبحث عن من تستقوي به أمامها. بأحد المقاهي بالبلدة. كان مرعي يجلس بكبر وغطرسة، يضع خرطوم الأرجيلة بفمه ينفث الدخان بضجر. ينظر حوله بإشمئزاز كأن من حوله رعاع وهو لا ينتمي إليهم. لو كان أخذ "مختار غُنيم" أعطى له حقه في ميراث قريبه لكان الآن ذو شأن آخر. يجلس بين الصفوة.
لا هؤلاء العاملين والفلاحين البسطاء، بنظره رعاع. فجأة نفث دخانًا من فمه، يضع يده على صدره يسعل بشدة. للحظات، حتى ابتلع ريقه وهو ينظر إلى تلك اليد الممدودة له بكوب الماء. أخذها وارتشف القليل، ثم وضع الكوب على الطاولة أمامه. ثم رفع وجهه ينظر إلى أعلى. تفاجأ بذلك الواقف وعيناه الخبيثة تتبعته. عيناه حتى جلس بالمقابل له قائلًا: "إيه شكلي اتغير للدرجة اللي متخليكش تعرف أنا مين؟ ابتلع ريقه، وتحدث بحشرجة صوت:
"لأ شكلك متغيرش بس مستغرب وجودك هنا في قهوة بلد زي دي يا وليد." بغطرسة وغرور كاد يجبره أن يقول "وليد بيه". لكن هنالك هدف برأسه لا داعي للتعالي عليه الآن. نظر حوله بإشمئزاز متأففًا قائلًا بغطرسة: "وكنت عاوزني أقابلك فين... توقف، ثم نهض واقفًا يقول له بأمر: "قوم نشوف مكان نضيف نقعد نتكلم فيه." بالفعل نهض معه بعدما دفع لعامل المقهى ثمن ما شربه. سارا معًا حتى وصلا إلى سيارة وليد التي كانت بمكان قريب. جلسا بها.
بغرور تفوه وليد: "من كام شهر طلبت منك طلب وحصل ظروف وقتها بس أنا منستش الطلب." توتر مرعي قائلًا: "إنت اللي بعدها دخلت الجيش و... قاطعه وليد: "أيوه دخلت الجيش، وخلاص كلها شهر بالكتير وهستلم هنا. هكمل بقية فترة التجنيد في مكان قريب من هنا. وزي ما اتفقنا قبل كده، في أول إجازة نتمم كل شيء." لمعت عين مرعي حين أخرج وليد رزمة من المال ومد يده بها له قائلًا: "خد دول عربون قراية الفاتحة...
خلاص كفاية تأخير يا مرعي، المرة دي كل حاجة لازم تتم على الساكت." تردد مرعي لحظة، يشعر أن المبلغ أثقل من يده، ثم رفع عينه إلى وليد، يبحث عن طمأنينة بين نبرة صوته ونظرة عينيه، لكنه لم يجد سوى جمود بارد. تلاعب وليد بحدة ناعمة مغلفة بنبرة تهديد: "إنت أكتر واحد عارف إن لو خلفت وعدك معايا، أو حد عرف باتفاقنا وقتها ممكن أعمل إيه."
لوهلة تذكر مرعي وهو يراه يطلق الرصاص على مختار وحسام كأنه يطلق الرصاص على جماد أو حمامة طائرة لا إنسان. هو صاحب قلب جاحد. أومأ قائلًا بامتثال: "لأ متقلقش الموضوع هيفضل سر بينا لحد ما يتم الجواز." زفر وليد بظفر قائلًا: "تمام... كمان متقولش لمراتك ولا لـ زينة. خليها مفاجأة وقتها." أومأ عزمي بامتثال. فتح باب السيارة وترجل منها. وقف يراقب الطريق بعدما غادر وليد.
وضع رزمة المال بجيب داخلي لجلبابه وسار يضع يده فوق ذلك الجيب. يترقب حوله حتى وصل لمنزله. عاد ينظر حول المنزل. ثم دلِف يغلق خلفه الباب بالقفل كأنه يعتقد أن هنالك من رأى وليد وهو يعطيه المال وربما تعقبه، لكن كان ذلك خيالًا أو ربما بقايا ضمير. بالقاهرة. نظرة غضب. لولا إحساسه بالخطأ وأنها امرأة، ما كان تردد وصفعها. لكن حاول تمالك غضبه وما زال يمسك يدها يسحبها خلفه حتى وصل أمام الفيلا الداخلي.
توقفا بالحديقة بعدما سلّت روزان يدها من قبضته. تنظر له عينيها بهن نظرة شماتة. بينما تفوه طوفان بغضب: "روزان كان بينا اتفاق من قبل ما نمضي الورقتين إن اللي يحس إن العلاقة بينا انتهت التاني يتقبل الموضوع ودي وباحترام." تتلمذت بضحكة سخرية موجعة لقلبها قائلة بحنق وتكرار: "إحترام.. وتحضُر؟
ده مش موجود في الواقع، بالذات في حكاية زي حكايتنا. إنت طلبت تتجوزني أنا روزان اللي كان رجال أعمال وأصحاب نفوذ بس يتمنوا مني إشارة. وافقت اتجوزك عرفي. عارف ليه يا طوفان؟ عشان حبيتك من أول مرة شوفتك فيها. مكنتش بارع في إدارة الأعمال بس لفتت نظري واتمنيتك. لكن إنت... توقفت ضحكتها الساخرة ترا بعينيه نظرة برود. تسأل بلوعة: "ليه قلبك ما اتحركش؟ محسيتش مرة بلهفتك عليا؟ حتى وإنت معايا عالسرير، كنت زي المغصوب...
ليه يا طوفان قلبك محسش بيا؟ ليه هي بالذات قلبك بيتلهف عليه؟ شوفتكم مع بعض في أول جوازكم عاالبحر، عرفت إنها ضربت عليك الرصاص. قولي واحدة اتمنت ليك الموت؟ ليه قلبك عاوزها أوي كده؟ حققت معاها اللي كنت بتمني أحققه معاك طفل يجمعنا؟ حتى ده كنت بتبقى حريص إنه ميحصلش حمل." ألقت عليه لومًا كأنها يومًا وعدها بشيء. كانت علاقتهما الخاطئة واضحة، لكن لم يحسب حساب أن تتمكن منها كل تلك المشاعر.
تنفّس بقوة، ثم نظر لها قائلًا بنبرة جامدة، دون أي تردد علها تفيق من تعلقها بمشاعر واهية: "روزان إنتِ وافقتي من الأول. قولتلك إني معنديش أي مشاعر. لا غصبتك ولا وعدتك بحاجة مش هقدر أوفي بيها... من أول يوم كنت واضح." هزّت رأسها بمرارة وقالت: "فعلًا كنت واضح.. كنت بارد، كنت قاسي، بس قلبي اتشّد لك... حسيت إنك الراجل اللي يستاهل أراهن على إني أنول قلبه... طلعت من الرهان خسران.. قلبك كان مشغول."
تعمد النظر لها بنظرة نفور حاول يخفيها لكنه فشل قائلًا بمحاولة هدوء: "إنتِ بتخسري نفسك يا روزان.. بتحاولي تكسبى قلب عمره ما كان ليكِ. إنتِ اللي رسمتي الوهم براسك. وكفاية يا روزان صدقيني حتى لو درة عرفت بجوازنا مش هنفصل عنها ولا هي هتنفصل عني. بينا مشاعر وطفل." صُدمت من ثقته بمشاعره ومشاعر زوجته رغم أنها كانت تتوقع ذلك. لكن كانت تحاول. جزّت على أسنانها قائلة بانهزام فقط لتكسب وقت فهي لن تستسلم وترفع الراية:
"تمام يا طوفان هنشوف رد فعلك بعد ما نتيجة الصورة اللي وصلت لمراتك أكيد... دلوقتي إنت عارف إن وقتي مش ملكي." غادرت وهو تشعر بانهزام ساحق، لكن بداخلها شعلة أخيرة. بينما طوفان سريعًا، أخرج هاتفه وقام بالاتصال على هاتف درة. يخفق قلبه بقلق. بالتأكيد الصورة وصلتها. عقلية درة متسرعة لن تفكر كعادتها. للغرابة هاتف درة يعطي خارج النطاق. شعر بخفقان زائد. هو لم يتحدث مع درة منذ صباح اليوم.
كان برأسه الاتصال بها بعد العودة إلى الفيلا لكن لم يتوقع حضور روزان ولا ما فعلت، وتلك الصورة التي لا يعلم فحواها ولا رد فعل درة. عاود الاتصال بترقب لكن الهاتف يعطي خارج نطاق الخدمة. وضع الهاتف جواره وجلس قليلًا، ثم عاود الاتصال. نفس الرسالة. شعر بالقلق. قام بالاتصال على والدته. ردت عليه. بعد حديث قليل سمع بكاء صغيره. شعر باستغراب سائلًا: "نوح معاكِ، لسه صاحي." أجابته ببسمة حنون:
"أيوة درة سابته وقالت هتروح مشوار، زمانها على وصول... أهي وصلت." شعر طوفان بريبة وترقب. بينما درة اقتربت مبتسمة من وجدان قائلة: "نوح صاحي توقعت أرجع القاهرة نايم." تبسمت وجدان. بينما عادت ترد على طوفان الذي قال بترقب: "اديني درة أكلمها." بالفعل مدت وجدان يدها بالهاتف لدرة قائلة: "خدي كلمي طوفان." أخذت درة الهاتف من وجدان. بمجرد أن سمع صوتها تسأل سريعًا: "درة بتصل على موبايلك بيديني خارج نطاق الخدمة ليه." ضحكت قائلة:
"موبايلي وقع واتكسر وبقي أشلاء وتقريبًا كده مش هيشتغل تاني... وهعوز واحد جديد." استغرب طوفان سائلًا: "ليه إيه اللي حصل." أجابته: "أنا كنت أنا وماما عند الدكتورة وإحنا طالعين وقفنا نستني طلوع الأسانسير. الموبايل رن، طلعته من الشنطة لسه هفتحه وقع من إيدي تحت الأسانسير دشدشه." كأن القدر ساند طوفان الذي تنهد بارتياح بلتقط أنفاسه. ثم تساءل: "وكنتِ عند دكتورة ليه." أخفضت صوتها وهي تنظر نحو وجدان التي انشغلت مع الصغير،
قائلة: "كنت عند الدكتورة عشان تحدد لي وسيلة منع حمل." ضحك طوفان قائلًا: "أه تصدقي نسيت." توقف طوفان ثم تعمد الوقاحة قائلًا: "كويس إنك روحتي للدكتورة، عشان لما أرجع متتحججيش تاني وتبعدي عن حضني خايفة من تأثيري عليك طبعًا ممكن تضعفي و.... حاولت إخفاء ضحكتها وهمست قائلة: "طوفان بطل أسلوبك مامتك واقفه بلاش تحرجني قدامها ويلا بالسلامه، وبلاش تنسى تجيب لي فون جديد اعتبره هدية ولادة نوح. الكل جاب لي هدايا معداك."
ضحك طوفان عن قصد بوقاحة قائلًا: "ونوح مين السبب إنه جه عالدنيا مش أنا يعني. أنا كمان محتاج هدية لما أرجع." "طوفان... "كفاية يلا بقي روح نام عشان تصحي فايق وتخلص شغلك وترجع لهنا بسرعة." ضحك طوفان قائلًا: "تمام متنسيش تبوسي نوح وإنت كمان." تنهدت قائلة: "طوفان خلاص إقفل بقي إنت مش مرهق من الشغل خدلك شاور ونام." ضحك طوفان قائلًا: "هاخد شاور بارد أهو يرطب جسمي." ضحكت درة غصبًا. أغلقت الهاتف وأعطته لوجدان
ثم أخذت الصغير منها قائلة: "هروح أنام أنا ونوح تصبحي على خير." قبلت وجدان الصغير قائلة: "وإنتِ من أهله." ذهبت درة بالصغير. تنهدت وجدان بسعادة. بينما أغلق طوفان الهاتف وضعه جواره وهو يتنهد بارتياح، فالقدر اليوم كان في صالحه، لكن لن يظل ذلك دائمًا. عليه أن يأخذ خطوة وإخبار درة بزواجه من روزان، ربما وقتها خفت حدة رد فعلها الغير متوقعة، أو ربما تتسرع درة برد فعل.
برد فعل غير متوقع، لكنه على الأقل سيكون قد واجهها بالحقيقة بدلًا من أن تكتشفها من غيره. أسند طوفان رأسه للخلف، عيناه تحدقان في السقف يشعر بتزاحم في عقله. يلوم نفسه. يخبرها أنه بالتأكيد أخطأ حين تزوج روزان. لكن الظروف وقتها كانت قاسية وذلك الزواج كان هروبًا. كذلك صوت داخله تمرد عليه: "كان لازم تفكر قبل ما تخطي الخطوة دي... مكنش لازم تسرع في رد الفعل."
تنهد بأسف يشعر أن القدر دائمًا يضعه في مواجهات حاسمة دون أن يستعد لها. شقة ابتهاج. كان عزمي ممددًا على الفراش، شاردًا، يسبح في دوامة من الأفكار المتشابكة، يشعر بتزاحم المشاكل برأسه حتى كاد يختنق من كل شيء حوله. يود الهروب من تلك الدائرة. لم يكن حاضر الذهن، بل كأن روحه تائهة بين خيبات مر بها. فاق حين شعر بيد ابتهاج تلامس صدره، بنعومة وجرأة. رفع عينيه ببطء، نظر لـ ابتهاج التي تمسد على صدره بإغراء سافر.
نظرتها تحمل الكثير من الزيف. ابتسامتها التي تتسع بثقة من تظن أن لها أثر عليه. شدّ أنفاسه. لم يبدِ رد فعل مباشر، لكن عينيه قالت الكثير. صراع بين التعب والرغبة، بين الحاجة للاحتواء والاشمئزاز من أسلوبها. توقفت يد ابتهاج للحظة، كأنها تراقب رد فعله، وعينيها تحدقان فيه بجرأة. همست بنعومة متعمدة: "شكل دماغك مشغولة. محتاج لحد يخرجك من اللي شاغل بالك... قولي إيه اللي شاغلك أوي كده... يمكن تلاقي عندي الحل اللي يريح راسك."
ظل عزمي ساكنًا، لم يتحرك، لكن عينيه لم تغفلا عن تلك النظرة التي رآها كثيرًا في عين تلك الأفاقة. تنهد بهدوء يشوبه البرود والتهكم: "حلالة المشاكل إنتِ." ابتلعت طريقته الجافة. تبسمت بنعومة مصطنعة تستفزه وهي تقترب أكثر، حتى أصبحت أنفاسها تلامس وجه، تتعمد إغراؤه وكادت تضع قبلة فوق شفتيه، قائلة بإغراء: "جرب وشوف." وفجأة، اعتدل في جلسته وهو يزيح يدها عن صدره بهدوء لا يخلو من الحسم. نظر لها نظرة ثابتة قائلًا بامتهان لها:
"جربت وشوفت... أنا زهقان، قومي حضري لي الشيشة يمكن أنسى... كل اللي عاوزه هو النسيان." عبست ملامحها قليلًا، ولمعت في عينيها نار خفية، لكنها أخفتها خلف ابتسامة مصطنعة: "واضح زي ما قولت إن مزاجك مش رايق النهارده." نهض من على الفراش، وتركها جالسة على الفراش ثم قال وهو يسير نحو الباب: "مزاجي مش رايق... قومي هاتي لي الشيشة يمكن النفخ يطلع الكبت اللي جوايا." فتح الباب وخرج، تاركًا خلفه سكونًا ثقيلًا، وامرأة لا تعرف الهزيمة.
نهضت بعد دقائق وذهبت إلى تلك الغرفة تحمل الأرجيلة تنظر له ما زال عابسًا. جلست أرضًا لجواره تدلل عليه بخبرة، لكن هو كل ما يريده تلك الأرجيلة فقط. ينفث الدخان. حاولت سحبه للحديث، لكن هو كان أخبث منها. لكن بلا وعي منه تحدث أمامها عن طوفان قائلًا: "طوفان... طوفان قدر يوصل لكل اللي اتمناه، اتجوز اللي كان بيحبها، خلف منها، حياته هادية، بقي كبير العيلة وكلمته سيف على رقابهم...
وأنا من زمان أوي اتنازلت عشان خاطر أبقى الكبير. وفي الآخر... توقف يضحك على خيبته. ثم تحدث بندم: "ياريتني عملت زي طوفان وجرفتهم كلهم معايا تحت أمري، لكن نوح كان أقوى... توقف يضحك بشدة قائلًا بحنق من تدابير القدر: "نوح لو يعرف إن أكتر واحدة كانت معارضة إن طوفان يتجوزها هي اللي جابت له الولد ورجعت اسمه يتنطق من تاني... تعرفي طوفان ليه سمى ابنه 'نوح'." صمتت تسمع هذيانه: "عشان يبقى الابن البار...
رغم قسوة نوح عليه، أنا شفت نوح وهو كان هيصفع درة بالقلم وطردها هي وخالها من الفيلا... مع ذلك سامحت... توقف وعاد يضحك: "لأ مسامحتش. هي عاوزة تبان إنها... توقف يسعل ثم أكمل بتوهان: "تبان إيه... عاد يمن بغل على:
"طوفان محظوظ. اتجوز من اللي حبها وأنا مصيري اتجوز من سامية. عمرها ما حسستني إني ليا مكانة. دايمًا تتفاخر بعيلتها وأخوها سيادة النايب. دايمًا بومة. عمرها ما استقبلتني ببسمة زي اللي شوفت درة بتبتسمها لطوفان. تعرفي مش درة ضربت طوفان بالرصاص... بس حسيت وقتها إنها مش عاوزاه يموت وهو كمان كان مرحب بكده إنها تضربه بالرصاص يمكن تحس براحة قلب وترجع من تاني له وتنسي اللي حصل... أنا شفت الفيديو... الفيديو كان معايا." توقف عزمي.
بينما تحكم فضول ابتهاج سائلة: "فيديو إيه." نظر لها بتوهان يبعثر خصلات شعره كأنه نسي. نظر لها سائلًا: "فيديو إيه.. أنا مصدع عاوز أنام... لم يستطع النهوض. تمدد مكانه أرضًا. تركته ابتهاج وهي تشعر بزيادة الغل والحقد على طوفان. تنفست هواء كأنه مسموم برياح قاصفة، لكن بداخلها قرار لابد من أخذ ثأرها من طوفان والهدف أصبح اثنين: زوجته وابنه. بمرسى مطروح. على الطريق الصحراوي. صدح هاتف حاتم. جذبه من جواره نظر للشاشة.
سرعان ما زفر نفسه وتجاهل ذلك الاتصال، وأكمل سير بالسيارة عالطريق الخالي بهذا الوقت. لكن أثناء ذلك تفاجأ بسيارة نقل ضخمة تأتي بالمقابل له فجأة قطعت عليه الطريق حين توقفت بالعرض على الطريق. غصبًا توقف. ينظر خلفه كان الطريق خالي. لم يأخذ حذر. اعتقد أنه ربما السيارة بها عطل. رجح ذلك حين رأى نزل منها شاب يضع وشاحًا رماديًا فوق رأسه ويخفي جزء كبير من وجهه. كان يبدو مسالم بلا سلاح. لكن مهنته كشرطي دائمًا عليه الحذر.
بالفعل فتح صندوق السيارة وجذب سلاحه وقام بفتح صمام الأمان. اقترب منه الآخر يشير له حتى توقف جوار زجاج شباك السيارة. قام بالطرق عليه. أنزل الزجاج بحذر والسلاح بيده الأخرى مصوب ناحية زجاج الشباك. ادعى الآخر التقاط نفسه قائلًا برجاء مزيف: "معليش يا باشا العربية عطلت مني فجأة عالطريق، وكنت محتاج منك بس شوية ميه، الطريق صحراوي والمايه اللي معايا خلصت وأقرب كافيتريا على بعد عشرة كيلو على الأقل."
لوهلة لم ينطبق ذلك على حاتم. لكن بحذر جذب زجاجة مياه ومن تلك المسافة الصغيرة بالزجاج أعطاها له. أخذها من يده وقام بوضعها على فمه يحتسي منه الكثير. تبقي القليل. وجه فوهة الزجاجة نحو تلك المسافة بالزجاج وقام بسكب الباقي منها. لوهلة ارتبك حاتم. كانت فرصة الآخر حين تمكن من الزجاج وقام بإدخال بخاخ وقام ببخ رذاذ عليه جعل عيناه تدمع.
بذلك الوقت تراخت يد حاتم على السلاح واستغل الآخر ذلك وسلل يديه فتح باب السيارة وبسرعة قام بسحب السلاح من يد حاتم الذي قاوم لكن الآخر ضربه بقوة فوق رأسه جعله يغيب عن الوعي. أخذ السلاح وفر هاربًا. بمنزل والدة درة. ابتسمت كريمان وهي تأخذ الصغير منها مرحبة به قائلة: "نوح أول مرة يدخل البيت، نورت بيت جدو يا نوح." ابتسمت درة بدمعة عين ولوهلة تخيلت لو كان والدها ما زال حي كان سيكون له استقبال خاص آخر.
تنهدت بغصة، لكنه القدر. جلست كريمان تحمل الصغير مبتسمة قائلة: "هو نوح خاسس ولا أنا متهيألي." تتنهدت درة بأسف قائلة: "فعلًا خاسس ومش عارفة السبب غير إنه أوقات كتير مش بيرضي يرضع من صدري غير بعد عذاب، أنا بقول يمكن بسبب دلع طنط وجدان طول الوقت شيلاه يمكن اتعلق بها أكتر." استغربت كريمان ذلك قائلة: "غريبة، بس المفروض تروحي لدكتور يمكن في سبب تاني." شعرت درة بالقلق وسألت كريمان: "هيكون إيه السبب هتقلقيني ليه يا ماما."
نظرت كريمان للصغير قائلة: "مش حكاية قلق، بس يمكن محتاج تغذية أكتر والدكتور ممكن يقولك دخلي اللبن الصناعي مرة أو اتنين في اليوم." نظرت له درة قائلة: "ممكن بس مش بدري، يعني أنا بس واخدة فترة صغيرة وهرجع تاني أشتغل وقتها يبقى ندخل اللبن الصناعي." زمت كريمان شفتيها باستهزاء وقلة حيلة لكن لن تترك درة. تتخبط وحدها، فقالت بلين:
"خدي بالك يا درة، الأمومة مش بس حضن ورضعة، دي مسؤولية كبيرة، والمهم في الآخر صحة ابنك، مش إنتي ولا طنط وجدان ولا حتى شغلك." تننهدت درة قائلة: "أنا مش مقصرة يا ماما، بس أوقات بحس إني متلخبطة… مش عارفة أعمل إيه ولا هو عايز إيه." ضحكت كريمان ومسدت على وجنتي الصغير بلطف قائلة: "وهو ده الطبيعي بتحسي بالحيرة أول فترة وبعد كده بتفهمي هو عايز إيه.. بس المهم بلاش تكابري وأطلبي المساعدة." نظرت لها درة قائلة:
"مساعدة أكتر من طنط وجدان، دي مش بتسيبه غير وقت ما يرضع ويادوب ساعات الليل، والله بحس إنها ممكن تخبط علينا واحنا نايمين وتقول هاتي الولد ينام معايا." تبسمت كريمان قائلة: "ده شعور طبيعي، الست وجدان بصراحة أنا في بداية جوازك من طوفان كنت خايفة منها بسبب اللي كنت بسمعه عنها مسبقش ليا التعامل معاها مباشر، كنت أسمع عنها إنها قوية وشديدة، بس اكتشفت إنها عكس كده." تنهدت درة قائلة بتأكيد:
"هي فعلًا كده وفي أول جوازي كانت بتعاملني بحذر وقوة." تهكمت كريمان قائلة: "والله أنا لو مكانها كان مستحيل أقبل تتجوزي ابني." نظرت لها درة بغضب، فضحكت قائلة بتبرير: "يعني واحدة ضربت على ابني الرصاص وعاوزاني آمن لها ليه يعني، أكيد اللي أقنعها وأثر عليها هو طوفان، وهي غصب عنها وافقت، مراية الحب عامية." نظرت لها درة بتجهم قائلة بتعقيب:
"قصدك إيه يا ماما، أنا مكنتش موافقة على الجوازة أصلًا وإنتِ عارفة بكده، طوفان وخالي شاهر... قاطعتها كريمان بإيحاء مرح: "أه مكنتيش موافقة ومن أول ليلة نمتي مع طوفان والدليل قدامي أهو يادوب عالتسع شعور باليوم... ولدتي نوح، وكمان معترضتيش على اسم الولد... رغم إن سبق وقولتي إنك مكنتيش بترتاحي له." صمتت درة. بينما تبسمت والدتها تعلم سبب صمتها. إنه العشق. درة تعشق طوفان كما أخبرها مختار سابقًا لكن تحكم الكبرياء.
بعد وقت قليل بغرفة درة بمنزل والدها. وضعت صغيرها الذي غفى على الفراش وتمددت جواره تنظر له بتأمل. تبسمت. حقًا بدأت ملامحه تتضح. هو قريب الشبه لـ طوفان. تبسمت على ذلك نامت على ظهرها فقط كانت تبتسم. كانت كأنها سمعت همسًا ميزه عقلها، إنه همس والدها. فتحت عينيها نظرت حولها بالغرفة تبحث عينيها عنه. هو همس باسم طفلها. فاقت من غفوتها شعر قلبها بالحزن. دمعة سالت من عينيها.
نهضت من فوق الفراش ذهبت إلى خزانة الثياب فتحت إحدى الأدراج نظرت بداخله. بتردد جذبت تلك القطعة الصغيرة للغاية بالكاد بحجم عقلة إصبع. أدارتها بين أصابعها للحظات قبل أن تحسم ذلك التردد. جذبت هاتفها وجلست فوق الفراش تتكئ بظهرها على بعض الوسائد. بمكان مخصص لتلك الفلاشة بالهاتف وضعتها، ثم بدأت تشاهد ذلك الفيديو الصغير.
لحظة وظهر وجه أبيها وهو يقف أمام تلك الأرض الخاصة بهما، لكن سرعان ما ظهر "نوح" والد طوفان يقترب من والدها بخطوات غاضبة حتى أصبح أمامه. لم تظهر عيناه كل كان واضحًا كم البغض من نبرة صوته وهو يتحدث لوالدها بإستهجان يصحبه ضحكة سخرية:
"أوعي تفكر إني في يوم ممكن أوافق أجوز طوفان ابني لبنتك اللي عايشة في مصر، أنا مش زيك عديم النخوة وهوافق على بنت المصراوية تخطف ابني مني وتجبره يعيش معاها هناك، زي ما قدرت أقنعه يسيب الشغل في النيابة ويرجع تحت سطوتي، بنتك لو آخر بنات حوا مش هوافق عليها." توقف للحظات ثم عاود الحديث بثقة: "طوفان عمره ما هيطلع من تحت كنفى ولا هيعصاني. ويوم ما هيتجوز، هيتجوز من اللي أنا اخترتها له، قلب طوفان تحت سيطرتي...
وكسر قلب بنتك ده مجرد... بداية لرد اعتبار لرجولتي اللي أنت حاولت تمسها زمان." اتسعت عينا مختار من الصدمة، لكن ملامحه تماسكت بسرعة، يرد ببرود يخفي بركانًا: "الرجولة مش إنك تتحكم في قلب ابنك وتكسره بدم بارد، الرجولة إنك تسيبه يختار، يعيش، يحب... مش تسحبه بسلاسل العناد والزيف اللي لابسهم." اقترب نوح خطوة، وجهه يشتعل غضبًا: "متعلمنيش أنا يعني إيه رجولة، أنا اللي ربيت طوفان، وشكلته على عيني...
وانت إنت حتى معرفتش تحافظ على أرضك ولا بنتك اللي سايبها عايشة عند أهل أمها متعرفش عنها حاجة." نظر له مختار وتحدث بنبرة ثابتة: "بنتي أنا عارف أنا ربيتها إزاي، وتربيتها وأخلاقها إنت ملكش حق تقيمها. ومتأكد إن هي الوحيدة اللي طوفان قدر يلاقي عندها راحته، واللي مهما عملت مش هتقدر تشيلها من قلبه... لأن الحب مش أمر ولا قرار... ده قدر." رمقه نوح بازدراء، ثم استدار وهو يتمتم بغل واستبداد: "طوفان ابني... وهيفضل ابني...
ومش هيعصاني وبنتك مستحيل تكون من نصه، شوف لها غيره ترسم عليه الحب." غادر نوح بعصبية، بينما ظل مختار واقفًا، بعينين جامدين لكن ما زال بداخله نور خافت من الأمل. لأنه على ثقة أن قلب طوفان، رغم قسوة والده، لكنه مختلف. حتى لو لم يكن من نصيب ابنته سيظل له مكانة لديه، لكن سكن الحزن قلبه. لو علمت درة برفض نوح لها... لن تظل كما كانت، سيكسرها ذلك الجحود، وسيُطفئ بداخلها بريق الحب الذي يراه بعينيها كلما جاء سيرة طوفان أمامها.
لم تعترف له أنها مغرمة به، بل طوفان هو الذي اعترف له بذلك وطلب الزواج منها. وهو أراد موافقة والده لكن ها هو يرفض بل ويهين بكلمات سامة. زفر مختار بأنين مكتوم، وحدق في الفراغ أمامه، وكأن بين التراب والهواء حوار خفي لا يسمعه سواه. قال بصوت خافت وهو يكلم نفسه: "أنا مش هسيب درة تنكسر... حتى لو قلب طوفان مش هيشيلها، هي تستاهل تعيش، تتحب... مش تتحاسب من شخص معدوم المشاعر."
أدار وجهه عكس تجاه الطريق الذي سلكه نوح، وفي عينيه نظرة تحدٍ، ليست له، بل للقدر ذاته. فمن يعرف ربما لا يكون طوفان هو من يتم الحكاية، لكن درة ستظل كاسمها "درة" ذات شأن عالٍ. سالت دموع درة وهي تعيد رؤية ذلك الفيديو الصغير الذي تأخر في الوصول إليها لأكثر من عامين. أخفى عنها والدها ذلك اللقاء.
لو كانت علمت به لكانت واجهت نوح وأخبرته أنها لن ترفض الاقتران بـ طوفان لمجرد أن والده شخص جاحد يعتقد أنه يستطيع التحكم بمشاعر غيره بالتسلط، لكن فات الوقت وكان قد رحل، وهي تحكمت بها مشاعر أخرى، أن والد طوفان أهدر كرامة والدها وعليها الآن رد تلك الكرامة. على همهمات صغيرها، تركت درة الهاتف ونظرت نحوه تجفف تلك الدموع التي سالت من عينيها. جذبت صغيرها وضمته لصدرها تنظر له بحنان تعترف أن طوفان.
لم يكن يومًا خطأً في حياتها، بل كان القرار الأصدق الذي تخلت عنه لوقت تحت ضغط الغضب والكرامة المجروحة. ابتسمت درة بحنان وهي ترا صغيرها يرمش بعينيه ويبتسم في براءة، تلك البسمة بمثابة برهان بأن الوقت لم يفت. وأن هناك بسمة تصلح، وتداوي أخطاء وجراح الماضي. بينما بالمصنع غادر جلال بعدما نصحه طوفان بأن يتخذ خطوة ولا يفعل مثله ويترك كل شيء للقدر، فقد يعاني ولا أحد غيره سيعيش التعاسة.
تذكر ذهاب درة له قبل أكثر من عام ونصف بتلك الفيلا الذي يعيش بها في القاهرة. استقبلها ببسمة، لكن ملامحها كانت غاضبة. ولم تنتظر وهي تفتح هاتفها تمد يدها به له قائلة بغضب:
"دلوقتي عرفت ليه دايمًا كنت بتماطل وتكذب عليا يا طوفان، طبعًا إنت الابن الوحيد لـ 'نوح مهران' ومستحيل يطلع من تحت كنفُه. إنت اخترت سطوة باباك، كنت كداب بإمتياز وبتخدعني بكلام كذب، حتى بعد وفاة باباك فضلت مستمر بالكدب، ياريتك كنت صريح معايا كنت عذرتك... لكن إنت اخترت تكمل تمثيل دور البريء اللي أبوه قاسي عليه، عشان تكسب تعاطفي، عشان أصدق إنك مظلوم، بس الحقيقة إنك جبان." رفعت صوتها أكتر وهي تكمل:
"أنا مش جاية أعاتبك، أنا جاية أواجهك بالحقيقة اللي كنت هتفضل تخفيها لو مكنتش الفيديو ده وصل ليا... شوف بنفسك، شوف أبوك وهو بيهدد بابايا، بيقوله بالنص 'إبعد بنتك عن ابني'، وإنت من وقتها كنت عارف وساكت." شهقت بأنفاس محبوسة: "وأنا اللي كنت فاكرة إنك مختلف، إنك بتمردك بتقاومه، لكن طلع كله تمثيل... طلع اللي كان بيحبني فعلًا هو خيال، مش إنت."
نظر طوفان إلى الهاتف التي سحبته من يدها بخشونة، نظراته غارقة في وجع قديم، كاد يتحدث ويبرر، لكن كانت كلمتها الأخيرة كفيلة تقفل أي باب للتبرير. حين نظرت له بشموخ مكسور وتفوهت باستقواء: "أوعى تفتكر إنك لما تقول كلمتين تبرر بيهم اللي حصل هصدق بكده إنك كنت بتحمي حبنا لبعض... لأ... إنت كنت جبان بتحمي نفسك من إنك تظهر قدامي على حقيقتك.... مخادع... بس مش أنا اللي تشوف إهانة والدها وتنسى يا طوفان." توقفت تلتقط نفسها وكانت
جملتها الأخيرة صادمة: "كل شيء بينا انتهى يا طوفان، طرقنا من البداية كانت بعيدة... ومش لازم تكمل تمثيل إننا نقدر نكمل، لأن الحقيقة بتوجع، بس الكذب بيوجع أكتر... أنا تعبت من إني أكون دايمًا اللي بتنازل، واللي بتسامح، واللي بتحاول تشوف لك أعذار، حتى لما مكنش ليك عذر." نظرت له بعينين محملتين بالحزن وقالت: "أنا بحبك، يمكن دي أكبر غلطة، بس حتى الحب محتاج كرامة، وكرامة بابا فوق أي اعتبار عندي."
قالت ذلك وأدارت ظهرها له غادرت وقلبها ينزف، مع كل خطوة كانت تفقد روحها. اختارت كرامة والدها وكرامتها لن تسمح للكذب أو الخداع بالسيطرة على مشاعرها. والقرار الصعب هو طمس تلك المشاعر. وبالفعل طمستها ووافقت على الزواج من حسام. بينما الحقيقة كانت ناقصة وهي لم تعرفها. لو انتظرت لأخبرها باقي الحقيقة، لكنها غادرت وهو صمته كان انتظارًا لا يعني الرضى، بل كان رجاءً في لحظة صبر. لكن اللحظة فاتت، وهي أخذت القرار على نصف الحقيقة.
تركت قلبه معلقًا بكلمة لم تُقال، وخرجت، تاركة خلفها وجعًا لا يُروى. وهو يتذكر طلب والد درة له بعد حديث والده المجحف، كان اللقاء بنفس المكان أمام تلك الأرض. كانت المواجهة حين تنهد والد درة، وكأنه يحمل فوق كتفيه جبالًا من الهم، قبل أن ينظر إلى طوفان قائلًا: "بص يا طوفان إنت عارف مكانتك عندي من زمان، حتى لما أحتاجت إن أظهر إني بعت الأرض اختارتك لأن عندي ثقة بيك... حتى لما عرفتني بمشاعرك اتجاه درة احترمتك...
وإنك خدت قرار إنك تطلبها مني، وإنتظرت منك خطوة إنك تجيب موافقة والدك ويبقي الارتباط رسمي في العلن، لكن.... صمت مختار فجأة، حين رأي نوح يقترب. بينما سمع طوفان صوت خطوات خلفه، التفت سريعًا. ليرى والده على بعد خطوات، عيناه تتنقل بين طوفان ومختار. مختار الذي ما زالت كلمات نوح تتردد في أذنه. توقف نوح بينهما يتحدث بنبرة تحدٍ متعمد وهو ينظر لطوفان:
"اسمع يا طوفان… أنا أبوك وبقولك بنت المصراوية دي متليقش بيك ومستحيل أوافق تكون مراتك… وإنت عارفني، اللي بقوله بنفذه." صمت طوفان لم ينظر لوالده، كانت عيناه مثبتة على والد درة، ونبرته حين نطق كانت هادئة لكنها حادة كحد السيف: "حضرتك كويس سمعت اللي اتقال، ومحتاج أرد… قدامك... أنا بطلب إيد درة." نطق نوح سريعًا بغضب: "طوفان." لكن طوفان رفع يده بإشارة صامتة، يطلب من أبيه الصمت، ثم تقدم خطوة نحو والد درة وقال بصوت واضح:
"حضرتك راجل محترم، وأنا آسف إن حضرتك اتعرضت لكلام بالشكل ده… درة أغلى حاجة حصلت لي، والبنت اللي خلتني أفهم يعني إيه أكون راجل بجد... بعيد عن أي سيطرة أو نفوذ." ثم التفت لأبيه، وصوته ارتفع بدرجة: "وأنت يا أبوي... كفاية. كفاية تتحكم فيا كإني طفل... قلبي أنا اللي أعرفه... وأنا اللي أختار له، مش حضرتك. أنا هتجوز درة، سواء عجبك أو لا." شهق والد درة من المفاجأة، بينما جحظت عينا نوح من الصدمة، نبرته خرجت مشوشة:
"بتعصاني يا طوفان؟ رد طوفان بحسم: "لأ، أنا بطلب تبطل تعتبر إن عصيانك هو إن قلبي يمشي عكس اتجاهك. أنا بحبها… وبس." كان الصمت ثقيلًا… وكأن الأرض نفسها تنتظر ما سيحدث بعد ذلك. على رنين هاتف طوفان انتهت ذاك الجزء لكن هنالك جزء آخر كان أقسى. نفض ذلك العبوس عن وجهه وتبسم حين نظر إلى الهاتف ورأى من تتصل عليه، لكن سرعان ما انتفض حين سمع قول والدته: "خالتك كوثر وقعت من طولها ونقلوها للمستشفى... بنات خالتك منهارين." أجابها:
"مسافة السكة هكون عندك." بشقة خاصة. وقفت ابتهاج بغضب، عيناها تقدحان شررًا وهي تنظر للواقف أمامها، وصوتها يعلو بنبرة حادة: "بقالك شهور مش عارف تنتهز فرصة واحدة تتخلص فيها من مرات طوفان مهران." توقفت للحظة ثم رفعت يدها بحركة عصبية تكمل: "إيه نسيت الإجرام بتاعك؟ القعدة في التكييف والنعيم خلتك تنسي ثأرنا مع طوفان؟ ده أنا كنت بحسبك لما ترجع هتبقى نار مولعة." ظل الواقف أمامها صامتًا، لكن نظراته بدأت تشتعل، وعض شفتيه بقوة.
بينما تابعت ابتهاج، حديثها وهي تقترب خطوة منه وهي تصفع كفها بكفها. خفت حدة نبرتها قليلًا، لكن الحنق ظل واضحًا: "قلبك بقي طري، ودماغك خلاص مبقتش تفكر." تنهد ببطء، كأنه يزن كلماته: "أنا مش ناسي إجرامي... ولا ينفع معايا قعدة التكييف... بس إنتِ ناسية إنها مرات طوفان. يعني مش فريسة، دي ممكن تكون لينا." انفجرت ابتهاج غيظًا، تصرخ بتحريض: "وإنت من إمتى كنت بتخاف من أي فخ؟
ده إنت اللي كنت بتعمل الفخاخ للناس ولا طلع الكبير كله فشوش." رمقها بنظرة باردة، قبل أن يرد: "الكبير لسه موجود... بس اللعب المرة دي محتاج عقل مش عضلات... ومرات طوفان دي محتاجة خطة خاصة... وساعتها هتشوف الإجرام القديم رجع إزاي." تهكمت بنظرة سخرية واستهزاء جعلت الآخر ينظر لها بتصميم على العودة إلى الإجرام. بعد مرور عدة أيام. ظهرًا. بحديقة منزل طوفان.
فتحت درة الباب الخلفي للسيارة، وضعت ذاك المقعد الصغير التي تضع به صغيرها على المقعد وقامت بربط حزام حول ذلك المقعد. ثم أغلقت باب السيارة وتوجهت إلى المقود. عدلت تلك المرآة الأمامية تنظر لانعكاس صورة صغيرها مبتسمة ثم بدأت بقيادة السيارة. وهي تمرح بالحديث مع صغيرها. إلى أن وصلت إلى منعطف على الطريق. لانشغالها بالحديث مع صغيرها لم تنتبه إلى ذلك الجرار الزراعي الذي قطع الطريق بمجرد أن تخطت سيارتها ذلك المنعطف من الطريق.
قطع الطريق على مرور سيارة الحراسة. أصبحت وحدها على ذلك الطريق. أصبحت هدفًا سهل المنال حين انتبهت على صوت إطلاق رصاص على سيارتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!