الفصل 15 | من 23 فصل

رواية طوق نجاتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ابتسام محمود

المشاهدات
17
كلمة
2,973
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

صمت "ريان" المفاجأة أذهل "تولاي"، فقد كان مغمض العينين بقوة حتى ظهرت خطوط بجانب عينيه من كثرة غلقهما، قابضًا على معصم يده الذي يضعه تحت مقدمة رأسه، فكان غارقًا داخل محيط لم يجد منه منجا ولا فرار، كل حواسه متجمدة، ومشاعره متجلطة، يتمنى يدًا تنتشله من هذه الهواجس التي بمثابة قضبان حديد صلبة مانعة الصوت المستغيث من الضياع، ذكرى واحدة كانت أقوى عليه من قطع رأسه، فالألم والحزن يظهران بوضوح على ملامحه العابسة المتشنجة.

شعرت "تولاي" بشيء غريب فيه عندما كسا وجهه الحزن والقهر، نهضت بتعجب وقلق من هذا الشخص متقلب المزاج، قابلها "زين" ومرسوم على وجهه السعادة، وكانت معه "كوكي"، فسألها بجدية وحماس: -شوفتي ريان؟ أومأت برأسها وأشارت عليه: -آه قاعد هناك. تحرك نحوه "زين"، ووقفت "كوكي" معها وسألتها بتعجب: -مالك انتي وريان؟ شوية تتخانقوا، وشوية ألاقيكم مع بعض تحت شجرة؟ شردت قليلاً في شخصيته وحالته التي تركته عليها وأخبرتها:

-بصي هو ريان طيب بس أحيانًا بيعصبني... تتخيلي أصر ياكل معايا من نفس طبقه، وبعد لحظات لقيته ساكت وفي عالم تاني؟ زوت "كوكي" بين حاجبيها متعجبة: -غريبة! -أنا كمان استغربت جدًا... -إيه اللي غريب! ده من ساعة ما شوفته ملقتش حد غريب غيره. -يا بنتي "ريان" بيقرف جدًا ومش بياكل مع حد في طبق واحد، الوحيدة اللي كان يسمح ليها كانت خطيبته. أغمضت "تولاي" عينيها بتخبط بين جدران عقلها، تشعر أنها داخل دوامة مع هذا الريان!

من هو حقًا، من يكون، لماذا يتعامل معها بهذه الطريقة، أسلوبه تعامله مع الناس، فعل أم رد فعل؟ أسئلة كثيرة طرقت باب عقلها. عند "ريان"، كان صوت صاحبه طوق نجاة تعلق به من ذكرياته المهلكة، فتح عينيه ببطء وظهرت عليه علامات النعاس، قائلاً: -خير يا زين... -طالما قلت زين يبقى مش خير، مالك يا صاحبي بقالك يومين مش عاجبني. -بنهار يا زينهم تعبان أوووي، الجرح لسه بيوجعني. -عشان اتقفل على تلوث... ياما نصحتك تبعد خالص.

تنهد من نار قلبه وأبلغه بصوت مليء بالقهر: -صدقني عدم بعدي نهائي عنها ده السبب اللي بيخليني منساش أبدًا اللي عملته، عشان عمري ما أحن ولا أضعف ليها. أنت عارف إنها بتحبني بجد، بس اللي عملته دبحني. جلس بين قدم "ريان" وأمسك يده بقوة، تألم "ريان": -الوجع بيروح مهما كان قوته، بس لازم نبعد عن مصدر الألم. أنهى حديثه وأبعد يده عن "ريان" المتألم وأكمل بجدية:

-قوم يا صاحبي وخلينا منبصش ورا ضهرنا، قوم وشوف نجاح شركتنا، ابعد عن الماضي. الماضي مهما كان حلو وطعمه عجبك لازم تبعد وتجرب تدوق الحاضر عشان تتأكد أنه أحلى ويبقى ليك دافع للحياة. دوّق يا ريان وبلاش تدفن نفسك جوه أكلة expire وآخرها موتك اللي جاي بالبطيء. تحركت تفاحة آدم بحلق "ريان"، أكدت لـ "تولاي" التي تراقبهما بأن به شيء كبير، وعليها أن تعرفه عاجلاً وليس آجلاً. نهض "ريان" و"زين" سويًا، ومسح "ريان" وجهه، فحضنه "زين"

بقوة وأبلغه بسعادة: -مبروك يا صاحبي، بكرة اكتمل الحجز السفاري. ابتعد "ريان" عنه بملامح فرحة وعيون ما زالت تحمل حزنًا من غدر حبيبته: -مبروك علينا يا زين الرجال. أنهى حديثه وعينه قابلت عين "تولاي" المليئة بالتساؤلات، اقترب منهما وقال لـ "تولاي" و"كوكي": -استعدوا يا بنات، بكرة أول رحلة سفاري. فرحت "تولاي" المتشوقة لرحلة تسترجع بها ذكرياتها التي تحدثها عنها والدتها كل ليلة، فرحتها كانت تشبه فرحة الأطفال،

ظلت تقفز وتخبرهم بحيوية: -واووو، نفسي أروح سفاري من زمان... أخيرًا. -مش هحرمك من حاجة، كلنا هنطلع منه شغل وفسحة. ثم قال وهو يصوب عينه العسلية عليها، ويهرش بذقنه البنية: -واهو تفرجينا على مغامراتك على تسلق الجبال وصيد العقارب. رفعت "تولاي" حاجبها الأيسر بصدمة وهلع وقالت عندما وجدت كل من يقف معهم متحمسًا لكلامه: -واطي صوتك، إيه الفرح ده كله؟ أنت ليه محسسني إنها ليلة دخلتي على كبير العقارب.

اقترب منها خطوة وأخبرها بنبرة هامسة أمام مقلتيها التي تمتص نور المكان وزادت سواد بؤبؤها عينيها لمعة خاصة بها: -أمّال فتحة صدرك علينا، وبتحكي مغامراتك ولا كأنك على ناشونال جيوغرافيك. ارتبكت من وقوفه بمقابلتها وأجابته بتلعثم وتوتر: -لا ما خلاص أنا كبرت على الكلام ده. -إيه؟! كان ارتباكها يشعل ثورة فرح بداخله ولا يعلم لماذا، فتعمد أنها تتحدث مرة أخرى حتى تشبع غزو قلبه، فقالت بتوتر بصوت منخفض وهي تعض على شفتيها:

-كبرت أنا... أنا كبرت. تدخلت "عائشة" لتنقذ "تولاي" من أخيها، قائلة بحماس: -إيه ده انتي بتصطادي عقارب؟ بحَلقت "تولاي" بها بصدمة على معرفتها هي أيضًا هذه المعلومة المشكوك في أمرها منه هي نفسها وقالت بصوت لا يسمعه إلا من كان قريبًا منها: -الله يهدك يا ريان زي ما سوّت سمعتي. -وتهديني ليه؟ يعني انتي تصطادي وأنا اللي أتهد؟ كسا ملامح وجهه الضيق، قائلة باقتضاب: -لا خلاص يا عائشة، ربنا تاب عليّ. -مستحيل تبطلي...

يا بنتي يموت الزمار وصوابعه بتلعب، أنا كمان بحب أصطاد، هنشجع بعض، ونرجع الروح الشريرة بتاعة زمان. ابتسمت لها وهي تدعي بداخلها على "ريان" وأبلغته بصوت واطئ: -خاف مني. ضحك بصوت مسموع تعجب منه الجميع والتف وهو يرفع سبابته يمسح مقدمة أنفه قائلاً: -ليه ماشية بمسدس في إيدك... يا بيره. رفعت سبابتها أمام وجهه عندما سمعت لقبه الجديد لها لثاني مرة، وهذه المرة لم تكذب سمعها لكن سألت لتفهم: -قلت إيه؟!

رسم ابتسامة كاملة على محياه أظهرت غمزاته مجيبًا بكل تأكيد: -بيره. زوت ما بين حاجبيها باستغراب: -إيه بيره دي؟! لم يرد عليها والتف بجذعه، نظر للجميع، تعصبت من تجاهله لها وتحركت خطوات متشنجة، نادى عليها وقال بجدية: -استني. ثم نظر على "زين": -يلا يا جماعة تصبحوا على خير، خد خطيبتك وصلها وأنا هوصل تولاي وعائشة في سكتي. ردت "عائشة": -لا شكر يا ذوق... أنا هروح مع جوزي أهو وصل، تصبحوا على خير.

أخذ "زين" خطيبته في جو مليء بالضحك والمشاكسات بينهما. وانصرفت "عائشة" مع زوجها الذي كان يتمنى أن تظل معهم لكن حكم القوي بعدما اتصلت به وطلبت منه حضوره ليصلها هو، حتى تتيح الفرصة لـ "ريان" و"تولاي" الانفراد مع نفسه. وجد "ريان" "تولاي" تقول بهمس وهي تتركه: -وأنا هركب تاكسي. استفزه حركتها فذهب خلفها وأمسكها من شنطتها الموضوعة على كتفها:

-امشي قدامي من غير ولا صوت. مش عارف خطيبك ده سايبك وهاجج فين. مش بعيد تكوني مغصوبة عليه وبيهرب من لسانك الطويل اللي زي القطر ولا بيقف ولا بيعمل حساب لحد. عندما أنهى حديثه، نزع الجاكت وألقاه على كتفها، اندفعت قائلة بغيظ: -مسمحلكش تغلط فيا. ومش هركب يعني مش هركب. وخد جاكتك ده. ولا أقولك خلي عشان سقعت فجأة. أنهت حديثها وقالت بصوت عالٍ: -تاكسي.

وقف السائق، لكن "ريان" أغلق الباب بكف يده وسحبها من حقيبتها بطريقة أخافتها، جعلها تجلس داخل سيارته بعدما أُغلق سقفها بعدما فتح الباب لها، وسند بكف يده على نافذة الباب بيده مبلغًا إياها من بين أسنانه بتهديد: -مسمعش بقى صوتك لحد ما نوصل لأخلي دماغي الفاضية اللي انتي عرفاها تسيب عليكي كلاب سعرانة. رجعت بجزعها للخلف من طريقته المخيفة: -لا وعلى إيه أنا أصلًا فاقدة النطق من صغري. -آآه الله ينور، استمري.

تحرك وصعد أمام عجلة القيادة، وقبل أن يتحرك بالعربة، حرر شعره ولوح رأسه لليسار واليمين وهو مغمض العين، ثم أرجعها للخلف، حركاته جعلتها تميل رأسها تتفحصه ولفت انتباهها تفاحة آدم التي تتحرك داخل حلقه، جعلتها تبتلع ريقها تلقائيًا، ثم رأت الغمازة التي تستقر بجنته اليمنى، ابتسمت بصمت ونظرت أمامها عندما وجدته مال بجذعه كله عليها حتى يربط لها حزام الأمان، كانت أنفاسه تحرقها، وتكاد أنفاسها في ذمة الله برغم دقات قلبها التي تتسابق لتقفز وترفع في صعود وهبوط صدرها بسرعة.

-الحزام تقيل في السحب، هعمله ليكي. أنهى جملته ثم تقابلت عينه مع عينيها السوداء، غام عقله بسحابة بيضاء كثيفة، وامتلأت رئته بعطرها الذي لأول مرة يستنشقه من كثرة قربهما، كانت رائحته جديدة تشبه الفاكهة الطازجة. كانت تكاد تشق المقعد من كثرة إرجاعها للخلف بجسد متصلب متجمد، وأبلغها بصوت هامس: -عينك. جحظت عينيها أكثر بتسائل بدلاً من لسانها المتحجر، فقال بهمس: -خطيرة.

أفاقهما بوق التنبيه السيارة التي خلفهما، أكمل سحب الحزام وأدخله مكانه ورجع مكانه، زفر الهواء وأدار المفتاح وتحرك، ما زالت على وضعها لكن صدرها تسارع أكثر في الصعود عندما أخذت أنفاسها. كانت مقلتيها كل ثواني تراقب تغير ملامحه، أخذ باله من عينيها الحائرة فقال بهدوء: -مالك؟ ربشت عدة مرات وأخبرته بتوتر: -لا مافيش. ثم عزمت على قول ما يدور داخل عقلها: -أول مرة أشوفك لابس بدلة وشعرك مفكوك. ابتسم وهو يمرر يده على شعره وأبلغه:

-البدلة عشان الافتتاح. وبليل مش بحب أي حاجة تقيدني، بحب أكون حر. أومأت رأسها بتفهم، وظلت صامتة حتى أن وصلت، قلعت جاكت البدلة وأعطته له في يده، وأبلغته بصوت ناعس: -شكرًا. أجابها بنفس النبرة من كثرة الصمت بينهما طوال الطريق: -العفو. نامي على طول وبلاش تفكري. ضاقت عينيها باستفهام: -أفكر في مين؟ -في اللي هاجج منك. قال جملته بخبث وأطلق ضحكته وتركها تشتعل غضبًا. يا له من كائن مفسد كل شيء ينسجه عقلها من تخيلات.

صعد غرفته وهو يمسك جاكت بدلته، وقبل أن يضعه، اشتم رائحتها المتعلقة به كما تعلقت برئته، ابتسم ابتسامة جانبية على المتطفلة التي تترك أثرًا في كل شيء يخصه. دخلت "تولاي" الفيلا بشرود، قابلتها والدتها: -حبيبتي اتأخرتي كده ليه؟ أمسكت يدها قبلتها وحضنتها بفرحة وابتسامة تزين وجهها: -حقك عليا، الحفلة طولت وكنت لازم أستنى الكل يمشي. ربتت عليها بحنان واطمئنان: -المهم إنك بخير ومبسوطة يا ضي عيوني. ابتسمت وهي تجلس هي و"يسرا":

-بحب أوي أسمع منك ضي عيوني. -انتي كل حياتي يا تولاي. الحياة من غيرك مالهاش طعم. وضعت رأسها على صدر أمها الحنونة المعطاءة الكثير من المشاعر والحب: -أنا اللي من غيرك ولا حاجة يا روح الروح انتي. ثم رفعت رأسها وأمسكت يدها: -تعالي أغير وأحكيلك على اللي حصل. وقفت معها وصعدوا ممسكين يد بعضهما بحب، حتى أن دخلت غرفتها وبدأت بتغيير ملابسها: -مش ريان كتب أول حرف من اسمي في شركته. -مبروك يا ضي عيوني. ريان ابن أصول مأصل.

-وكمان هنطلع بكرة سفاري، أنا مبسوطة أوي. أخيرًا هطلع أشوف النجوم والقمر من غير أي تدخل من البيئة على نورهم الطبيعي. -حبيبتي ربنا يسعدك وأشوفك متهنية دايمًا. ثم قبضت حاجبيها بتقزز وشمئزاز وجلست بجوارها: -اسكتي، مش مُصر إني أصطاد عقارب! -ما انتي طول عمرك بتحبي المغامرة دي. ومهما كنت أرفض تتحايلي على باباكِ ياخدك من ورايا الصحراء وتصطادي. -ماما أكيد وقتها كان عندي adhd، مستحيل كنت أكون طفلة طبيعية. زوت والدتها بتعجب:

-يطلع إيه ال adhd؟ ابتسمت وهي تضع رأسها على قدم والدتها التي بدأت تمسد على شعرها الأسود الطويل وقالت بتوضيح بسيط:

-ده مرض نفسي بيكون عند الأطفال، بيكون اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وغالبًا بيستمر في مرحلة البلوغ، والحمدلله مستمرش معايا، وبيكون من أسبابه نقص الانتباه زي مثلاً تحصيلي الدراسي مش قد كده مع أن كل اللي يشوفني أول مرة يقول دي ذكية، وكمان فرط النشاط بيكون عندي طاقة وبتحرك كتير جدًا، زي مثلاً بكون راجعة من التمرين ولسه جوايا بور، والتركيز بيكون في ذمة الله ومش بركز في أي كلام أو شرح بيتقال، وممكن أرد على حد بطريقة مش لطيفة وأحرجهم مع أن بيكون مش قصدي والرد بيطلع لوحده من غير قصد، ده غير بقى البوص بتاعهم السلوك الاندفاعي، يعني مثلاً أعدي شارع سريع بتهور ومن غير أدنى خطورة للي عملته، أصطاد عقارب سامة ممكن غلطة توديني في حتة تانية خالص.

فتحت "يسرا" عينيها على الآخر وتذكرت كل شيء مر وقالت: -تصدقي انتي كنتي كل ده. ضحكت "تولاي" على طفولتها التي حمدت ربها أنها نسيتها: -أكيد لأن كل ده حاليًا مستحيل أعمله، والحمدلله التركيز والانتباه بقيت كويسة فيهم جدًا وأقدر أبْدِع، والسلوك الاندفاعي هو اللي بقى في ذمة الله وبقيت أحسبها صح. شعرت "يسرا" بوجزة داخل صدرها وقامت بعدما رفعت "تولاي" رأسها وأبلغتها:

-ربنا يحفظك يا ضي عيوني. نامي يالا وارتاحي وأنا هحضر ليكي شنطتك اللي هتروحي بيها، هيكون فيها كل حاجة هتحتاجيها هناك. -بجد كتر خيرك والله، أنقذتني لأن مش عارفة آخد معايا إيه. -متشليش هم حاجة وأنا معاكي. أنهت حديثها ثم قبلتها وخرجت ذاهبة لغرفتها بعدما اطمئنت على بنتها، دخلت لمحها زوجها بملامح تائه سألها: -مالك يا يسرا؟ -مش عارفة، حاسة أن قلبي واجعني، حاسة فيه حاجة غلط، بس مش عارفة هي إيه.

-وحدي الله، أنا ما صدقت الحالة دي راحت بعد رجوع تولاي. -لا إله إلا الله محمد رسول الله. قلعت حذائها ومددت جسدها بحضن زوجها وكل يوم تزيد الوجزة بصدرها، وضعت يدها مكان الألم بمنتصف صدرها ونامت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...