الفصل 16 | من 23 فصل

رواية طوق نجاتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ابتسام محمود

المشاهدات
16
كلمة
2,776
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كانت تجلس "تولاي" بالفراش تدلك فروة رأسها من كثرة عدد الساعات وهي مرتدية الحجاب لتجعله يتنفس، وإذا فجأة تتذكر حديث "ريان" عن خطيبها الهارب منها وتمنت أن يوجد حقًا بنفس المواصفات التي تتخيلها بعقلها، وهي ستكون جارية له وتحارب لإسعاد من يجعلها ملكه على قلب رجل قوي لكن حنون مصابر لأجلها، رومانسي لها يجن معها يحب ما تحبه حتى ترضى...

سعدت ودق قلبها لمجرد التفكير في ملك أحلامها، تركت شعرها منسدلاً، وطرق على عقلها ملامح "ريان" عندما كان بالقرب منها، ابتسمت ابتسامة لا تعرف معناها وخرجت الشرفة تتنفس بعض الهواء وجدت "ريان" يقف في الجانب الآخر في شرفته. دخلت سريعا وأغلقت الشرفة، لكن لم تغلق الستارة للآخر تركت جزءًا لتتلصص على من يقف عاري الصدر محرر شعره واضعًا يده على السور الحديدي وناظرًا للسماء، يكاد ينتظر رسالة من القمر أو يرسل رسالة له.

ظلت تراقبه حتى أغمضت عينيها من كثرة تعب اليوم. *** بعد ساعات مرت على "عمر" كالسحلفاء نظر على النافذة وجد شعاع الشمس الذهبي يخترق غرفته، نهض من فراشه الذي كان يتقلب عليه طول الليل يفكر أين يبحث عنها؟ أخرج بدلته بملل وربط ربطة عنقه بإهمال ولم يلبس ساعته ولم يضع عطره المفضل، لا يوجد له مزاج يفعل مثل كل يوم ويهندم ذاته.

رمق انعكاس نفسه بالمرآة ورفع يده مررها على ذقنه الذي كان يحلقها كل يوم نبتت قليلًا، أخذ مفتاح سيارته وترجل متجهًا للبنك الذي يعمل به، دخل على الفور للمدير يطلب منه إجازة تعجب المدير وقال: -غريبة أنت عمرك ما أخذت إجازة غير في فرحك ومش بتحب الإجازات. -بعد إذنك يا فندم موضوع مهم جدًا ولازم آخذ إجازة، إن شاء الله بدون مرتب.

حالة "عمر" لمست المدير وبرغم عدم الاستغناء عنه لأنه أكفأ موظف عنده، وافق على إعطائه إجازة أسبوع كما طلب.

انصرف "عمر" مهرولًا وأول شيء قام بفعله حرر رابطة عنقه بعصبية وقلع جاكت بدلته، وألقاه داخل سيارته بإهمال، وأخرج قميصه من داخل بنطاله، وتحرك بالسيارة ولم يعرف إلى أي وجهة سيذهب لها، فذهب لكل أقسام الشرطة والمستشفيات، حتى الطرقات تفحصها بدقة على أمل العثور عليها، لكنه تذكر أن اليوم لديها محاضرة، نظر ساعته وجد متبقي ثلاث ساعات حتى تنتهي المحاضرة، ظل يجوب بالشوارع بالعربة ليضيع الوقت حتى تنتهي من محاضراتها. ***

دخلت "إيمان" غرفة "ريان" تتعجب من إلقاء جاكت بدلته أرضًا، فهو منظم جدًا ولم يفعل هذه الحركة من قبل، ظنت أنه يريد غسله أخذته ونزلت بعدما نادت عليه ليستيقظ. فتح "ريان" عينه بكسل ومد يده يجلب جاكته الذي بات بحضنه ليستنشق عطرها كأنه الأكسجين، لم يجده بجواره، مال بجسده يبحث عنه بالأرض لم يراه، نهض سريعًا ارتدى سروالًا يستر نفسه ونزل إلى أسفل: -ماما شوفتي جاكت بدلتي؟ -ينفع كده نازل من غير تيشرت في البرد.

-هطلع ألبس، بس شوفتيه؟ -لقيته مرمي جنبك على السرير أخذته أغسله. -لا مش محتاج هو فين؟ -خلاص هطلع أحطه مكان، اطلع أنت خد دشك. -لا هاتِ محتاج من جيبه حاجة. مدت يدها بالجاكت وقالت: -خد الحاجة. مد يده أخذه منها، لكن نظرات والدته مصوبة عليه، فسألها: -فيه إيه بتبصيلي كده ليه؟ -مستنية تاخد الحاجة. -أيوه هاخدها بس لما أطلع فوق. أنهى حديثه وانصرف من أمامها، صعد غرفته وابتسم وهو يشم الجاكت ثم وضعه في خزانة ملابسه.

ثم دخل المرحاض وانهى كل شيء ولبس زي رياضي وعلى كتفه شال فلسطيني يخص السفاري، وهو ينزل قابل "إيمان" واقفة بابتسامة عريضة سائلة: -لقيت الحاجة اللي بتدور عليها؟ أجابها باقتضاب وهو يهندم نفسه: -آه لقيتها. -عجيبة مع إني دورت فيه قبل ما أحطه في الغسالة ملقتش فيه حاجة. بس الغريب شميت فيه برفيم شوكولاتة كده تحس إنه مسكر متحطهوش غير واحدة ليدي. رمقها بابتسامة واسعة على ذكائها وأبلغها بتهرب من الحديث:

-نفسي تريحي نفسك وتبطلي فضولك يا إيمي. -مستحيل. -طيب أسيبك مع تخيلاتك وألحق شغلي. كان يبلغها وهو يأخذ حقيبة ظهره وانصرف، فنادت عليه بسخرية: -رياااان... تبقى سلملي على الشغل. قهقه بصوته الرجولي وتركها خلفه وهو يخرج هاتفه يرن على "تولاي" ويخبرها أنه ينتظرها، فردت عليه بتعجل: -ريان روح أنت وأنا هاجي وراك. -ليه؟ -عادي عشان معطلكش. -انجزي يا تولاي أنا واقف تحت، كده كده مش هنتحرك من غيرك. فكرت ثواني

وهي ترتدي حذائها ثم قالت: -تمام ثواني وهكون عندك. دخلت السيارة بخجل وقالت بصوت ناعم جديد على أذنه منها: -صباح الخير. -صباح النور. وصمت الاثنان دقائق وهو يتابعها وهي تحاول شد الحزام، فقال: -تحبي أساعدك؟ ردت بتعتعة وكسوف: -لا شكرًا، أنا عرفت أهو. نظر أمامه وقال "ريان": -ممكن أقولك حاجة محشورة جوايا ولو مقلتهاش هيحصلي حاجة؟ -اتفضل. حرك سبابته على مقدمة أنفه وأبلغها:

-شوفتك امبارح لما طلعتي البلكونة، وبصراحة وشك زي القمر بشعرك... وشعرك حلو أوي. توسع بؤبؤ عينيها وبدأ صدرها يعلو ويهبط وشعرت "تولاي" بالإحراج الشديد من قوله، وزاد حمرة وجنتها خجلًا، وقالت بصوت هامس: -بس أنا مقفلتش غير ثانية. -أنتي مستقلية بالثانية!! دي أم بتفوت وام بتمر. -شكرًا. -العفو. وساد الصمت من جديد حتى أن وصلا وكان الجميع ينتظرهما، نزل "ريان" وبدأ بتجهيز كل شيء مع "زين" أما "عائشة" قالت لـ "كوكي":

-صاحبتك من ساعة ما وصلت ولا هي هنا، ما تيجي ننكشها؟ ضحكت "كوكي" وتحرك داخلها روح الشر، وتحركت معها، وقالت "عائشة" لـ "تولاي": -ما تحكي لنا حصل إيه امبارح؟ ربشت "تولاي" وتحركت عينيها بعشوائية، فقالت "كوكي" بمشاكسة: -سكتت يعني قلبها مال... ضحكت "عائشة" قائلة: -تفتكري خلاص السر اللي ما بينهم اتقال. ضحكت الفتاتان وعبست "تولاي" من سخافتهما عليها رادفة:

-سكت عشان محصلش حاجة، ومافيش حاجة عشان تحصل، ولعلمك انتي وهي أنا مخطوبة. تنحت الفتاتان وقالت "عائشة": -وأنا اللي بوسع ليكم عشان تاخدوا راحتكم!! -ما تبقيش توسعي تاني. كان هذا رد "تولاي" فقالت "عائشة" بضحكة: -على قلبكم بعد كده واستحالة أسيبكم. ثم رمقتها بنظرة خبيثة وتحركت وهي تمسك حقيبة ظهرها بكف يدها واقفة بجوار "ريان" مشاكسة به وهو يعمل: -وحشتني يا خويا. -وانتي كمان. أجابها بدون تركيز، ثم ردت: -أنت ليه حلو يا أخويا؟

-بت انتي هبلة الناس واقفة وبعمل مراجعة على الأسماء. -حسيت فجأة قلبي بيدق ونفسي أقولك بحبك يا خويا. ترك ما بيده ووقف بطوله ورمقها بنظرات حادة، رجعت للخلف لتحتمي من ردة فعل غضبه، وقالت: -بكرة تتمنى أقولها وساعتها هقولك مفيش شطبنا. -يا بنت الـ... يا هبلة. تحركت بعيدًا وكلما تقابلت أعينهم تقع على عيناه ترمي له قُبلة، هز رأسه يسارًا ويمينًا بضيق قائلًا بصوت واطئ: -حسبي الله ونعم الوكيل. ثم قال للجميع بجدية:

-كله يحضر بطاقته. أخرج الجميع بطاقته إلا "تولاي". قالت سائلة: -ليه؟ -عشان أسجل بياناتك عشان تاخدي تصريح سفاري. -لا مش لازم أكتب عندك أنا همليك. -لا بقى مش هتبقوا انتوا الاتنين عليا على الصبح انجزي هاتي البطاقة. قال كلامه بعصبية وهو يشير عليها وعلى أخته التي تضحك، زجتها "كوكي" حتى لا ترد وأخبرتها: -طلعيها وخلينا نخلص. -يا زفتة شكلي وحش جدًا عايزاني أدهاله عشان يفضل طول الرحلة يتنمر عليا؟! فقالت "عائشة"

بأسلوب يحمل سخرية: -خلاص يا ريان هي هتقف جنبك هتملي البيانات كلها. رمق "تولاي" بحدة وقال بتريقة: -تلاقي عندك ٤٥ سنة، وخايفة أكتشف ده من البطاقة. ردت بأندفاع: -٤٥ فرخة تربيهم فوق سطوح بيتكم. -شايفة بتغلط أهو ولما بتعصب بتزعل؟ شهد عليها "كوكي" فقال "زين" حتى ينهي الحديث: -يا بنتي طلعيها وخلصينا. -خذ وقتك المراكب السايرة في وشك يا ريان. مد يده يأخذها منها وأبلغها بنفس النبرة الهامسة: -سمعتك.

نظر بصورتها في البطاقة رأى ملامحها سوداء، وتشبه المساجين، فضحك وقال متسائلًا: -هو إنتي نسيتي البطاقة في الفرن؟ -عملوا على وشي صنية فراخ يا خفة! ضحك الأربعة على جملتها وانصرف "زين" و"ريان" لينهيا كل شيء من الإجراءات. طال انتظارهم فقالت "تولاي": -درجة حرارة الشمس النهاردة لو في ثانوية عامة هدخلها طب. ما تنجز يا عم. -خلاص خلصنا يالا كله على العربيات السفاري.

تحرك الجميع، وركب الخمسة بسيارة 4*4 بمفردهم والجميع توزعوا على عربيات دفع رباعي. *** ذهب أخيرًا "عمر" أمام باب الجامعة انتظر دقائق موعد الخروج، لمح صديقتها، نزل سريعا من العربة وتوجه لها بكل احترام: -من فضلك. -أهلًا بحضرتك أستاذ عمر، فيه حاجة؟ -أهلًا بيكي، كنت بس بسألك عن هند، شوفتيها النهاردة؟

صمتت قليلًا لم تعرف بما تبلغه، أنها لم تأتِ الجامعة من الأساس، فتلوم عليها صديقتها بأنها أبلغته، لكن الغريب في الموضوع أنها ليست من طبعها أن تعلن ذهابها للجامعة، ثم بعد ذلك تذهب لمكان آخر، لكن ماذا ستقول، وفيم ترد؟ فهي حقًا لم تأتِ اليوم، وفي ثوانٍ أصابها الرعب عليها خشية أن يكون حدث لها شيء مكروه وهي آتية، فقالت بجدية: -لا والله مجتش النهاردة. -ممكن لو عرفتي عنها حاجة أو كلمتك تبلغيني، وبلاش تعرفيها أنك هتعرفيني.

تعجبت ضحى لقوله لكنها سألته: -خير هو فيه إيه؟ رد عليها بأسى والحزن مرسوم على وجهه قائلًا: -هند سابت البيت ومش عارف مكانها؟ -طيب كلمتيها على الفون؟ -كلمتها على كل حاجة، ومش عارف أوصل لها. -متقلقش خير بإذن الله. أرادت صديقتها أن تبث الطمأنينة بداخلها ولو قليلًا لتستطيع أن تصلها للذي واقفًا أمامها قلقًا بشدة، أومأ لها ثم أخرج من جيبه رقم هاتفه وقدمه لها قائلًا: -ده رقم تليفوني، لو وصلتي لحاجة بالله عليكي طمنيني عليها.

ناولته منه ثم مشيت متعجبة من حالته، ومن تصرف صديقتها الغير متوقع منها، فكرت ثوانٍ ثم تذكرت "سيف" لم يحضر اليوم أيضًا، أمسكت هاتفها وقامت بمهاتفبته على الفور، وانتظرت حتى أتاها رده، فسألته: -سيف تعرف هند فين؟ -لا. -سيف لو هند جنبك اديهاني لو سمحت. كانت تجلس بجواره وحين عرفت من المتصل، أخذت منه الهاتف وردت على صديقتها التي كان صوتها قلقًا عليها: -انتي فين يا هند؟ -مشغولة شوية بنقل في شقة جديدة.

-ده عمر قالب عليكي الدنيا. عقدت بين حاجبيها واستغربت لماذا يبحث عليها، انتبهت لصوتها: -عمري ما شفته مبهدل زي النهاردة، شكله صدمني أنا معرفتهوش غير لما ركزت في ملامحه. مش مصدقة عمر المهندم الشيك اللي ريحة البرفيم بتاعه بتوصل قبل ما يفتح عربيته يكون ده حاله.

تعجبت "هند" أكثر مما قالته صديقتها، لأن "عمر" برغم حزنه وسوء الموقف الذي كان يشعر به أثناء عزاء أختها؛ كان الرجل الشيك الذي لم يتخل عن رونقه ومظهره، كيف يكون وصل لهذه الحالة؟ لاحظ "سيف" التوهان الذي انتبهته، فطقعها بسؤاله: -فيه حاجة يا هند؟ -ثواني. أكملت حديثها وردت: -ضحى لو بتعزيني بجد أوعي تقولي مكاني لعمر، ولما أشوفك هحكيلك على كل حاجة. -ماشي يا هند مع إن حاله صعبان عليا، قوليلي عنوانك عشان أجلك.

-لا بعدين بعدين، سلام. أغلقت الخط ومازالت على حالتها التائهة، ثم قالت بدون إدراك: -تصوري ضحى بتقولي عمر بيدور عليا وبتقول شكله مبهدل خالص. مع إن افتكر إن خناقاته كلها مع صافي بسبب مظهره اللي مهتم بيه أوي أكتر من أنه يشيل معاها المسئولية. -أيوه وفيها إيه يعني؟ -أنت مش متخيل يا سيف عمر قد إيه شيك، وبيحب يحلق كل يوم أول ما يصحى وبيهتم بأدق تفاصيله. ظهرت علامات الغضب على ملامحه، وقال بنبرة حادة:

-فيه إيه يا هند، أنتِ مش ملاحظة إنك زودتيها في إبهارك بيه؟ رمقته بتعجب، ثم ابتسمت وقالت متسائلة: -أنت غيران من عمر؟ -آه غيران مش من حقي؟ -طيب خلاص يا سيف اعتبرني متكلمتش، أنا هقوم أعمل نسكافيه أعملك معايا؟ أرادت إنهاء الحوار معه، والهروب منه بتلك الحجة، فكان رده بأن شكرها بضيق، أومأت له وانصرفت داخل غرفتها بذهن شارد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...