الشَّفَقَةُ بـ"هند" بـ"سيف" لَمَّا رآها تَبْكِي بِانْهِيَارٍ عَلَى ضَيَاعِ فُرْصَةٍ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا. تَرَكَ الْحَاسُوبَ وَقَالَ لَهَا: "أَهْدِي يَا هِنْد، هَتَّصَرَّف." لَكِنَّهَا ظَلَّتْ تَبْكِي. فَقَالَ سَيْفٌ: "هِنْد، خُدِي الْبَحْثَ بتاعي، أَنْتِ كِدَه كِدَه سَاعَدْتِينِي فِيه." مَسَحَتْ عَبَرَاتِهَا بِكَفِّ يَدِهَا وَرَفَضَتْ بِشِدَّةٍ:
"سَيْف، أَنْتَ بِتَقُولَ إِيه، لَا طَبْعًا مُسْتَحِيلَ أَخُدَ تَعَبَكَ." "لَوْ تَعِبْتُ فَأَنْتِ كَمَانَ اجْتَهَدْتِ فِيه." "يَا سَيْف، بَسْ لَوْ سَمَحْتِ... "اسْمَعِي الْكَلَامَ بَقِي وَبَلَّاشْ نَشْفَانَ دِمَاغِك." "طَيِّب، أَنْتَ هَتَعْمَلَ إِيه لَوْ أَخَدْتُهُ؟
"هُوَصَّلَكِ الْجَامِعَةَ وَهَرُوحْ أَيِّ سَايْبِرْ قَرِيبٍ، أَكِيدْ فِيهِ أَبْحَاثْ مَضْرُوبَةٌ. أَهُوَّ أَعْمَلَ اللِّي عَلَيَّ وَأَخُدْ فُرْصَةً، يَا صَابَتْ يَا خَابَتْ." "يَا سَيْف... أَسْكَتَهَا بِلُطْفٍ: "مُمْكِنَ تَسْمَعِي الْكَلَامَ وَتُقُومِي تَلْبَسِي عشان أَلْحَقَ أَدْخَلَكِ الْجَامِعَةَ وَيَبْقَى مَعَايَا وَقْتَ أَدَوَّرُ."
قَامَتْ عَلَى مَضَضٍ، وَكَانَ هُوَ يَطْبَعُ الْوَرَقَ بَعْدَمَا غَيَّرَ اسْمَهُ لِاسْمِهَا. لَبِسَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَخَرَجَتْ لَهُ حَتَّى يُسَاعِدَهَا فِي عَمَلِ الْحِجَابِ. نِقَابٌ وَاسْتَعَدُّوا لِلنُّزُولِ. وَقَبْلَ أَنْ يَصِلُوا الْجَامِعَةَ، أَنْزَلَهَا بَعِيدًا حَتَّى لَا يَشُكَّ "عُمَرُ" فِيهَا وَهِيَ مَعَهُ. وَبِالْفِعْلِ نَزَلَتْ وَدَخَلَتِ الْجَامِعَةَ. وَلَمْ يَأْخُذْ "عُمَرُ" الْمُنْتَظَرُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ بَالًا مِنْهَا. وَتَحَرَّكَ "سَيْفٌ" بَعْدَمَا اطْمَأَنَّ عَلَيْهَا يَبْحَثُ عَنْ بَحْثٍ لِيُقَدِّمَهُ لِنَفْسِهِ.
*** وَتَرَجَّلَتْ "تُولَايُ" لِلْأَسْفَلِ، دَخَلَتِ الْمَطْبَخَ، جَلَسَتْ بِجِوَارِ طَبَقِ السَّلَطَةِ وَأَخَذَتْ شَرِيحَةً وَقَالَتْ بِمَزَاحٍ: "الله الله عَلَى الْفِطَارِ الْمَلُوكِيِّ، تَسْلِمُ الْأَيْادِي." "طَيِّبٌ، يَدَكِ مَعَايَا عشان تَشُوفِي الْفِطَارَ عَلَى حَقٍّ بَدَلَ مَا تَتَرَيَّقِي." "يَا سَلَامَ عَلَى الْإِنْسَانِ لَمَّا يَسْتَغِلَّ ابْنَهُ الْإِنْسَانَ عشان يُسَاعِدُهُ، يَا يَا يَا بِجَد."
ضَحِكَتْ "يُسْرَى" عَلَيْهَا قَائِلَةً: "طَيِّبٌ، جَرِّبِي سَاعِدِينِي، هُنَخْلَصْ بِسُرْعَةٍ." "أَيُّوووو، أَنَا حَافِظَةُ الْبُوقَ ده كَوَيِّسٌ، وَيَدَكِ بِأَيْدِي نِسَوِّيهَا وَنَطْبُخُهَا... لَا لَا يَا يُويُو، مَا افْتَكَرْتِكِشْ مُسْتَغْلَّةٌ كده. أَرُوحْ أَهْرُبُ أَحْسَنُ لَحَدَّ مَا الْفِطَارُ الْمَلُوكِيُّ يَخْلَصُ."
قَالَتْ آخِرَ كَلَامِهَا وَهِيَ تَكْشِفُ عَنِ الطَّعَامِ وَلَمْ تَجِدْ إِلَّا مَاءً مَوْضُوعًا أَعْلَى الْمَوْقِدِ يَغْلِي وَبِجَانِبِهِ قَوَالِبُ ثَلْجٍ. ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِمُشَاكَسَةٍ: "مَلُوكِيٌّ مَلُوكِيٌّ، مِشْ أَيِّ كَلَامٌ. مَتَنْسِيشْ تُزَوِّقِي الطَّبَقَ بِتَرْتِشَةِ مَاءٍ مُتَلَجَّةٍ، حَرَامٌ بَرْدُهُ، مِشْ كُلُّهُ غَلِي وَبُخَارٌ." "مَاشِي يَا تُولَايُ."
نَطَقَتْ "يُسْرَى" كَلِمَاتِهَا بِأَحْرُفٍ مُتَقَطِّعَةٍ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ. ثُمَّ خَرَجَتْ "تُولَايُ" فَوَجَدَتْ وَالِدَهَا أَمَامَهَا قَائِلًا: "بِشْوِيشَ عَلَى أُمِّكِ يَا لَمْظَةٌ." "يَا حَجُّ، أُمِّي دي أَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّهَا الشِّيفُ الشِّرْبِينِيُّ، بَسْ فِي حَطِّ الْمَاءِ فِي الْحُلَلِ عَلَى النَّارِ... بُصْ، عشان أَثْبِتْلَكَ أَنَّكَ حَبِيبِي، تَعَالَى أَجَوِّزَكَ غَيْرَهَا." نَفَى بِسَبَّابَتِهِ:
"لَااااا، بَعْدَ يُسْرَى مِشَ هَلَاقِي." غَمَزَتْ لَهُ وَكَلَّمَتْهُ بِلَهْجَةٍ صَعِيدِيَّةٍ: "عَتَنْدَمُ يَا بُوَيُّ." "أَنْدَمُ لَوْ بَعُدْتُ عَنْهَا، أَنَا عُمْرِي كُلُّهُ مَعَ يُسْرَى، إِزَّايَ أَبْعُدُ عَنْ عُمْرِي." "يَا لَا أَنْتَ الْخَسْرَانُ." أَنْهَتْ جُمْلَتَهَا وَتَحَرَّكَتْ، فَسَأَلَهَا: "رَايْحَةٍ فَيْنَ كده؟ "أَدَوِّرُ عَلَى أَيِّ حَدٍّ أُرَازِيهِ، مِشْ قَادِرَةٌ أَقْعُدُ كده فِي حَالِي."
"رَبَّنَا مَعَاكِ." رَجَعَتْ لَهُ لِتُشَاكِسَهُ: "طَيِّبٌ، مَا تِعَالَى أُرَازِيهِ فِيكَ؟ "لَا، رُوحِي دَوِّرِي عَلَى حَدٍّ يَسْتَحْمِلُ مَرَازِيتَكِ يَا شَقِيَّةٌ." ضَحِكَتْ وَانْصَرَفَتْ تَجْلِسُ بِالْحَدِيقَةِ لِتُشَغِّلَ عَقْلَهَا مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَقْفِزُ بِهِ رَغْمَ عَنْهَا. ***
تَأَخَّرَ "سَيْفٌ" عَلَى تَسْلِيمِ الْبَحْثِ. كَانَتْ هِنْدٌ جَالِسَةً بِتَوَتُّرٍ، عَيْنَاهَا عَلَى الْبَابِ تَنْتَظِرُ دُخُولَهُ. وَإِذَا بِهِ يَأْتِي فِي آخِرِ لَحْظَةٍ. اسْتَأْذَنَ مِنَ الدُّكْتُورِ لِيَدْخُلَ. أَذِنَ لَهُ، سَلَّمَهُ بَحْثَهُ وَدَخَلَ، جَلَسَ بِجِوَارِ هِنْدٍ. فَهَمَسَتْ مُتَسَائِلَةً: "عَمِلْتَ إِيه؟ طَمِّنِّي." "الْحَمْدُ لله، لَقِيتُ بَحْثًا كَوَيِّسٌ."
"طَيِّبٌ، الْحَمْدُ لله. كَانَ نَفْسِي تِيجِي بَدْرِي عشان أَبْصَّ عَلَيْهِ وَأَطْمَئِنَّ." "أَنْ شَاءَ الله خَيْرٌ يَا حَبِيبَتِي." *** فِي الشَّرِكَةِ.
الْجَمِيعُ صَامِتٌ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَعْمَلُ عَلَى حَاسُوبِهِ. وَاضِحٌ أَنَّهُمْ غَيْرُ كُلِّ يَوْمٍ. كُلٌّ مِنْهُمْ بِدَاخِلِهِ فُضُولٌ يَسْأَلُ "رَيَّانَ" أَسْئِلَةً كَثِيرَةً. وَهُوَ يَعْلَمُ جَيِّدًا نَظَرَاتِهِمْ هَذِهِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَدَخَلَ الْغُرْفَةَ الثَّانِيَةَ بِمُفْرَدِهِ حَتَّى قَامَ أَبْلَغَهُمْ بِعَمَلِيَّةٍ:
"خَلِّي تُولَايُ تَكْتُبُ إِعْلَانًا، نَعَايِزُ نَاسَ يَشْتَغْلُوا مَعَانَا هِنَا فِي الْمَقَرِّ وَعَلَى اللَّانْشِ، عَايِزْ رَئِيسٌ وَحَدٌّ يُسَاعِدُ الْجِسْتْ فِي لَبْسِ بَدْلِ الْغَوْصِ وَتَغْيِيرِ الْأَنَابِيبِ." رَدَّتْ "كُوكِي": "تَمَامٌ، بَسْ تُولَايُ لِسَّهَ مَا جَتْشْ." تَعَصَّبَ مِنْ هَذِهِ الْفَتَاةَ الَّتِي لَا تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ شَيْءٍ، وَرَحَلَ يُكَمِّلُ عَمَلَهُ.
وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، نَهَضَ قَائِلًا: "خَلِّي تُولَايُ تَعْمِلِيلِي قَهْوَةً." رَدَّتْ "عَائِشَةُ" هَذِهِ الْمَرَّةَ: "هَعْمَلَكِ أَنَا." "لِيه؟ هِيَ فَيْنَ؟ "لِسَّهَ مَا جَتْشْ." اشْتَدَّ بِهِ الْغَضَبُ وَأَبْلَغَ "كُوكِي": "يَارِيتْ تَتَّصِلِي بِيَهَا وَخَلِّيهَا تَهْتَمَّ بِالشُّغْلِ شَوِيَّةً." نَهَضَ "زَيْنٌ" مِنْ مَكَانِهِ وَدَخَلَ خَلْفَهُ مَكْتَبَهُ، قَائِلًا بِاسْتِفْسَارٍ:
"أَنْتَ مِشَ نَاوِيَ تِقُولِي حَصَلَ إِيه؟ أَغْمَضَ عَيْنَهُ بِعَصَبِيَّةٍ وَأَبْلَغَهُ بِضِيقٍ: "مَا حَصَلَشْ حَاجَةٌ، أَنْتَ تَعْرِفْ أَنَّهَا هَبَّةٌ مِنْهَا وَمَجْنُونَةٌ." كَانَتْ "كُوكِي" تَتَّصِلُ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ عِنْدَمَا سَمِعَتْ صَوْتَهَا: "أَنْتِ فَيْنَ؟ رَيَّانُ قَالِبٌ عَلَيْكِ الدُّنْيَا." رَدَّتْ عَلَيْهَا بِهُدُوءٍ: "يَارِيتْ تُبَلِّغِيهُ أَنِّي اسْتَقَلْتُ خَلَاصَ."
تَعَجَّبَتْ مِنْ رَدِّهَا غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ: "بِتَهَزِّرِي صَحَّ؟ أَتَاهَا صَوْتُهَا بِجِدِّيَّةٍ: "لَا أَبَدًا، يَارِيتْ تُبَلِّغِيهُ بِقَرَارِي، سَلَامٌ." أَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ مُقَاطِعَةً أَيَّ حَدِيثٍ وَأَلْقَتْ بِهِ، وَاقْتَرَبَتْ مِنْ وَالِدَيْهَا وَجَلَسَتْ بِجِوَارِهِمَا وَهَمَّتْ بِالْأَكْلِ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ هَلْ قَرَارُهَا هَذَا صَوَابٌ أَمْ خَطَأٌ؟
لَكِنَّ كُلَّ الَّذِي تَعْلَمُهُ جَيِّدًا أَنَّهَا تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنْ هَذَا الْقُرْبِ اللَّعِينِ، الَّذِي يَفْتِكُ بِكُلِّ مَشَاعِرِهَا، وَيَجْعَلُهَا تَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ التَّامَّةَ عَلَيْهِ. لِذَا، هَذَا أَسْلَمُ حَلٍّ لَهَا، الْبُعْدُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.
كَانَتْ تَدَّعِي تَنَاوُلَ الطَّعَامِ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ شُعُورِهَا بِالْجُوعِ الشَّدِيدِ، إِلَّا أَنَّ حَالَةَ الْجُوعِ الْعَاطِفِيِّ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ كَانَ أَشَدَّ بِكَثِيرٍ. فَقَدْ جَعَلَهَا تَسْحَبُ رُوحَهَا وَتُفَكِّرُ فِي الَّذِي سَرَقَ لَبَّهَا وَتَتَسَاءَلُ: هَلْ تَنَاوَلَ قَهْوَتَهُ الصَّبَاحِيَّةَ الْآنَ؟ وَمَنْ أَعَدَّهَا لَهُ؟
هَلْ نَالَتْ إِعْجَابَهُ مِثْلَمَا كَانَتْ تُرَوِّقُ مَذَاقَ قَهْوَتِهَا؟ ظَهَرَ الْعَبَثُ عَلَى وَجْهِهَا فَجْأَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا تَسَاءَلَتْ رُوحُهَا هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ، وَلَامَتْهَا وَقَالَتْ بِهَمْسٍ لَا يَصِلُ لِمَسْمَعِ وَالِدَيْهَا: "أَنَا مَالِي أَصْلًا يَشْرَبُهَا وَلَا عَنْهُ مَا شَرِبَهَا، لِيهَ شُغْلَةٌ دِمَاغِي بِيهِ كده؟ إِيهَ الَّلِي حَصَلَكِ يَا تُولَايُ؟ فُوقِي كده وَاعْقِلِي."
تَرَكَتِ الْخُبْزَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَاحَةِ يَدِهَا، وَنَهَضَتْ مُسْتَأْذِنَةً مِنْهُمْ، فَسَأَلَتْهَا وَالِدَتُهَا: "حَبِيبَتِي، أَنْتِ مَكَمَّلْتِشْ أَكْلَكِ، قُومَتِي لِيه؟ ابْتَسَمَتْ لَهَا بِحُبٍّ وَقَالَتْ: "الْحَمْدُ لله شَبِعْتُ، هَطْلَعَ أَسْتَرِيحُ فَوْقُ."
قَالَتْ قَوْلَهَا وَانْصَرَفَتْ رَاكِضَةً لِأَعْلَى، وَبِدَاخِلِهَا تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُذَكِّرُهَا وَلَوْ بِمَوْقِفٍ مَعَ مَنْ شَغَلَ الْبَالُ. بَيْنَمَا "يُسْرَى" نَظَرَتْ لِزَوْجِهَا بِشُرُودٍ مِنْ تَعَجُّبِ حَالِ ابْنَتِهَا الَّتِي أَصْبَحَتْ لَا تَفْهَمُ حَالَتَهَا الْمُتَقَلِّبَةَ. ***
كَانَتْ "كُوكِي" مَذْهُولَةً مِنْ كَلَامِ "تُولَايُ". لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُبَلِّغُ "رَيَّانَ" الْمُشْتَغِلَ مِنَ الصَّبَاحِ، لَكِنْ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْهَرَبِ مِنَ الْحَقِيقَةِ. وَقَالَتْ لِـ"زَيْنٍ" وَ"عَائِشَةَ": "تُولَايُ بِتَقُولُ اسْتَقَلْتْ! اِعْتَرَتِ الصَّدْمَةُ "عَائِشَةَ": "بِتَقُولِي إِيه؟ عَادَتْ كُوكِي الْكَلِمَةَ: "اسْتَقَلَتْ! وَقَفَ "زَيْنٌ" بِلَا مُبَالَاةٍ:
"بَرَاحَتَهَا.. رُوحِي قُولِي لِرَيَّانَ." نَطَقَتْ "كُوكِي" بِخَوْفٍ مِنْ رَدِّ فِعْلِ "رَيَّانَ" وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: "مَا تْرُوحْ تَقُولُهُ أَنْتَ." "وَفِيهِ إِيهِ؟ مَا تَدْخُلِي قُولِيلُهُ يَا بُنْتِي." نَظَرَتْ "كُوكِي" عَلَى "عَائِشَةَ": "رُوحِي يَا عَائِشَةُ أَنْتِ." صَفَّقَتْ بِجِوَارِ أُذُنِهَا وَلَوَّحَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهَا وَحَاوَلَتْ التَّحَدُّثَ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، بِمَعْنَى...
لَا أَسْمَعُ، لَا أَرَى، لَا أَتَكَلَّمُ. وَفَجْأَةً وَجَدُوا أَنَّفُسَهُمْ جَمِيعَهُمْ أَمَامَ "رَيَّانَ" الَّذِي آتَى بِنَفْسِهِ. سَأَلَ بِحَاجِبٍ مَرْفُوعٍ: "لَعَلَّ الْمَانِعَ الَّلِي مَنَعَ الْهَانَمَ كَبِيرٌ." وَقَفَتْ "عَائِشَةُ" لِتُمَهِّدَ لَهُ: "بِالنِّسْبَةِ لِيكَ، مُمْكِنَ يَكُونُ إِيهِ أَكْبَرُ حَاجَةٍ تَمْنَعُهَا تِيجِي؟ أَجَابَ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ: "رُوحَهَا تُطْلَعُ وَتُرِيِّحُنَا."
بَلَعَتْ رِيقَهَا وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَقَبَتِهَا وَرَجَعَتْ مَكَانَهَا وَهِيَ تَقُولُ: "عَنِيفٌ أَوِّي." "أَنْجِزُوا، هِيَ فَيْنَ؟ قَالَهَا وَهُوَ يُحَاوِلُ كَبْحَ غَضَبِهِ، فَقَالَتْ "كُوكِي" بِتَوَتُّرٍ: "أَصْلُ تُولَ... أَكْمَلَ "زَيْنٌ" بِبَسَاطَةٍ: "اسْتَقَلَتْ." تَطَايَرَ الشَّرَرُ مِنْ عَيْنِهِ وَتَصَلَّبَتْ عَضَلَاتُ وَجْهِهِ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ جُهُورِيٍّ:
"أَنَا مِشَ فَاضِي لِشُغْلِ الْعِيَالِ ده، اللِّي شَايْفَة نَفْسَهَا مِشَ قَدَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ، بِتَشْتَغَلَ لِيهِ مِنْ الْبِدَايَةِ؟! وَقَفَ "زَيْنٌ" بِمُقَابَلَتِهِ وَأَبْلَغَهُ بِهُدُوءٍ: "مُمْكِنَ تِهْدَأُ، وَلَوْ عَلَى الْإِعْلَانِ، أَنَا هَعْمَلُهُ." الْتَقَطَ أَنْفَاسَهُ الْمُلْتَهَبَةَ وَتَمَالَكَ أَعْصَابَهُ وَسَأَلَهُ: "هُوَ الْمَوْضُوعَ إِعْلَانٌ وَبَسْ؟
رَفَعَ "زَيْنٌ" حَاجِبَهُ فِي اسْتِغْرَابٍ مَشُوبٍ بِضِيقٍ مِنْ أَفْعَالِ صَدِيقِهِ غَيْرِ الْمَفْهُومَةِ، وَسَأَلَهُ بِتَأَنٍّ: "طَيِّبٌ، قُولْنَا الْمَوْضُوعَ إِيهِ كَمَانَ؟
رَمَقَهُ "رَيَّانُ" بِحِدَّةٍ وَهُوَ يَجْزُّ عَلَى أَسْنَانِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ أَمَامِهِمْ دُونَ أَنْ يُجِيبَ. وَقَفَ دَقَائِقَ خَارِجَ الشَّرِكَةِ يَزْفِرُ هَوَاءَ سِيجَارَتِهِ الَّذِي كَانَ يَنْتَقِمُ مِنْهَا بَيْنَ شَفَتَيْهِ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ، وَأَلْقَاهَا أَرْضًا وَتَحَرَّكَ نَحْوَ سَيَّارَتِهِ وَذَهَبَ لِـ"تُولَايَ".
دَخَلَ الْفِيلَا وَجَدَهَا بِالْحَدِيقَةِ، تَوَجَّهَ نَحْوَهَا عَلَى الْفَوْرِ. رَأَتْهُ يَأْتِي عَلَيْهَا، حَلَّقَتْ عَيْنَاهَا بِذُهُولٍ، لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ تَرَاهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. بَلَعَتْ رِيقَهَا بِقَلَقٍ وَارْتِبَاكٍ، ثُمَّ أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ الْخَاصَّ بِهَا وَوَضَعَتْهُ أَسْفَلَهَا. لِيَأْخُذَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً. كَانَ قَلْبُهَا يَدُقُّ دَقَّاتٍ جَدِيدَةً عَلَيْهَا وَجَسَدُهَا بَدَا أَنْ يَرْتَعِشَ. رَسَمَتِ الْقُوَّةَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ مِنْهَا بِمَلَامِحِ غَاضِبَةٍ:
"مُمْكِنَ أَعْرِفُ مَا جِتِيشِ الشُّغْلَ لِيهِ؟ نَظَرَتْ بَعِيدًا عَنْهُ حَتَّى لَا تُصِيبَهَا عَيْنُهُ بِالتَّوَتُّرِ: "كُنْتِ مُمْكِنَ تَسْأَلِي كُوكِي وَكَانَتْ جَوَّبَتْكِ." ابْتَلَعَ غَضَبَهُ الَّذِي كَسَا عَيْنَهُ وَأَبْلَغَهَا: "وَأَنَا بَسْأَلُ صَاحِبَةَ الشَّأْنِ." قَامَتْ وَهِيَ تَأْخُذُ الدَّفْتَرَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَالْتَفَتَتْ أَعْطَتْهُ ظَهْرَهَا مُجِيبَةً: "بِتَسْأَلَ لِيه؟
وَلِيهَ جَايَ بِنَفْسِكَ لَحَدَّ هِنَا؟ بَدَأَ التَّوَتُّرُ يُسَاوِرُهُ وَتَمَلَّكَهُ الِارْتِبَاكُ: "عَشَانِ فِيهِ شُغْلٌ مُتَعَطِّلٌ." الْتَفَتَ لَهُ بِنَظَرَاتٍ عَمِيقَةٍ مِثْلَ سُؤَالِهَا: "وَيَا تَرَى أَيُّ حَدٍّ مِشَ هَيُرُوحُ الشُّغْلَ هَتْرُوحُ لِيهِ بِنَفْسِكَ تَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ غِيَابِهِ؟ رَجَّتْ جُمْلَتُهَا ثَنَايَا عَقْلِهِ. ضَاقَ عَيْنَهُ لِيَسْتَرِدَّ أَنْفَاسَهُ: "آآآأَكِيدَ لَا، بَسْ...
وَلَدَ دَاخِلَهَا رَغْبَةٌ فِي مَعْرِفَةِ السَّبَبِ الَّذِي آتَى بِهِ لَهْنَا: "بَسْ إِيهَ يَا رَيَّانُ؟ "بَسْ أَنْتِ وَاحِدَةٌ مُهْمِلَةٌ وَمُدَلَّعَةٌ، وَأَنَا عَايِزُ أُنْجِزُ شُغْلِي، وَمِشَ هَخَلِّي وَاحِدَةً مُهْمِلَةٌ تُوقِعُ تَعَبِي فِي لَحْظَةٍ." اِسْتَدْعَتْ مِنْ دَاخِلِهَا النَّمِرَةَ الشَّرِسَةَ مِنْ جَدِيدٍ:
"طَيِّبٌ، أَنَا اسْتَقَلْتُ، رُوحْ بَقِي شُوفْلَكِ وَاحْدَةً مِشَ مُدَلَّعَةٌ وَقَدَّ الْمَسْؤُولِيَّةِ." "وَأَنْتِ مِينْ وَافَقَ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ دي؟ "أَنَا، زَيَّمَا شَغَّلْتُ نَفْسِي، هَأُقِيلُ نَفْسِي، وَلَا نَسِيتُ اشْتَغَلْتُ إِزَّايَ؟ أَمْسَحَ وَجْهَهُ لِيَتَحَكَّمَ بِأَعْصَابِهِ: "تُولَايُ، بَلَّاشْ تَسَرُّعٌ، أَنْتِ سَبَبٌ فِي نَجَاحِ الشَّرِكَةِ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِكِ الشَّرِكَةُ هَتَخْسَرُ."
"وَأَنَا وَلَا حَمَامَةُ سَلَامٍ وَلَا سَفِيرَةُ إِصْلَاحِ الْأَرْضِ، وَاللِّي عَمَلْتُهُ أَلْفُ غَيْرِي يَقْدِرُ يَعْمَلُهُ." "اللِّي عَمَلْتِيهُ مَا حَدٌّ غَيْرُكِ قَدَرَ يَعْمَلُهُ." كَانَ صَوْتُ عَقْلِهِ الَّذِي نَطَقَهَا بَدَلَا مِنْ لِسَانِهِ الْمُتَمَرِّدُ بِالِاعْتِرَافِ بِهَذَا. فَقَالَ بِوُجُومٍ: "جِيبِيهَا لِبُرُّ يَا تُولَايُ؟ "وَاجِبُهَا لِبُرٍّ لِيهِ طَالَمَا مَبْسُوطَةٌ فِي الْبَحْرِ؟
تَحِبُّ أُجِيبْلَكَ عُوَّامَةٌ وَأُبَلْبِطُ جَنْبِي؟
تَرَكَهَا "رَيَّانُ" لِيَتَجَنَّبَ سَخَافَاتِهَا، بَعْدَمَا نَجَحَتْ فِي قَذْفِ أَفْكَارٍ دَاخِلَ عَقْلِهِ. تَصَارَعَتْ أَنْفَاسُهُ وَخَشِيَ التَّفْكِيرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. اِسْتَقَلَّ سَيَّارَتَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ، صَدَحَ هَاتِفُهُ صَوْتَ رِسَالَةٍ أَخْرَجَهُ مِنْ جَيْبِ بِنْطَالِهِ، وَجَدَهَا رِسَالَةٌ بِالْـ"مَاسِنْجَر" مِنْ "نِيلِّي". شَعَرَ بِنَغْزَةٍ فِي قَلْبِهِ. أَلْقَى هَاتِفَهُ بِضِيقٍ وَهَجَمَ عَلَيْهِ كُلُّ شَعْرٍ أَمْسِ مِنْ جَدِيدٍ. أَغْمَضَ عَيْنَهُ بِأَلَمٍ وَمَرَارَةٍ فِي حَلْقِهِ...
وَجَدَ نَفْسَهُ يَغْطِسُ دَاخِلَ ذِكْرَى مُؤْلِمَةٍ وَهُوَ كَاتِمٌ أَنْفَاسَهُ.
فِي كَافِيهٍ كَبِيرٍ، تَجْلِسُ "نِيلِّي" عَلَى طَاوِلَةٍ وَعَلَى مَلَامِحِهَا التَّوَتُّرُ. تُبْصِرُ سَاعَتَهَا بِقَلَقٍ. وَصَلَ أُذُنِهَا صَوْتُ عَزْفِ الْمُوسِيقَى الْمُحَبَّبَةِ لِقَلْبِهَا جَعَلَتْ تشنج جَسَدِهَا يَهْدَأُ. ثُمَّ شَرَدَتْ وَهِيَ تَسْمَعُهَا، وَكَانَ شَعْرُهَا يَتَطَايَرُ خَلْفَهَا. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، رَأَتِ النَّادِلَ يُمْسِكُ كَعْكَةً مُزَيَّنَةً بِطَرِيقَةٍ أَعْجَبَتْهَا وَلَفَتَتْ انْتِبَاهَهَا،
وَظَلَّتْ تُتَابِعُ عَلَى أَيِّ طَاوِلَةٍ تُوضَعُ. لَكِنَّهَا تَفَاجَأَتْ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا هِيَ بِابْتِسَامَةٍ. وَفَجْأَةً ظَهَرَ مِنْ خَلْفِهِ "رَيَّانُ" يُمْسِكُ مِنْهُ قَالَبَ الْكَعْكِ الْكَبِيرَ الَّذِي صُمِّمَ خِصِّيصًا لَهَا بِالْوَنِ الرُّوزِ. أُنْبَهِرَتْ فِي فَرَحَتِهِ وَقَامَتْ، اقْتَرَبَتْ مِنْهُ، عَانَقَتْهُ بِقُوَّةٍ. أَبْعَدَهَا عَنْهُ صَوْتُ الْمُفَرِّقَاتِ الَّتِي دَوَّتْ بِالْمَكَانِ
وَجَعَلَتِ الزِّينَةَ تَمْلَأُ السَّقْفَ وَنُزُولَهَا عَلَيْهِمَا، فَقَالَتْ مُعَبِّرَةً عَنْ سَعَادَتِهَا:
"مِشَ مُصَدِّقَةٌ كُلُّ ده عَمَلْتُهُ عِشَانِي أَنَا؟ هَزَّ رَأْسَهُ بِحُبٍّ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِسَعَادَةٍ: "بِمَا أَنَّنِي شَايْفَكِ بَقَالَكِ كَمْ يَوْمٍ مُتَوَتِّرَةٌ وَمِضَايِقَةٌ، قُلْتُ أَعْمَلَ أَيِّ حَاجَةٌ تُخَلِّيكِ تَكُونِي مَبْسُوطَةٌ." اِنْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهَا وَاشْتَعَلَتْ نَظَرَاتُ عَيْنَيْهَا بِفَرَحَةٍ نَاطِقَةٍ: "بُحِبَّكَ يَا رَيَّانُ." ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِقَلْبٍ يَنْبِضُ بِخَوْفٍ:
"أُوعِدْنِي مَهْمَا حَصَلَ مَاتَبْعَدْشْ عَنِّي." حَاوَطَ كَتِفَهَا بِحُبٍّ وَقُوَّةٍ وَوَعَدَهَا: "أُوعِدُكِ طُولَ مَا فِيهِ نَفْسٍ."
دَخَلَ جَمِيعُ أَصْدِقَائِهِمَا بِفَرَحَةٍ وَصُنْدُوقٍ كَبِيرٍ، تَعَجَّبَتْ "نِيلِّي" مِنْ حَجْمِهِ. قَبَّلَ "رَيَّانُ" يَدَهَا وَاقْتَرَبَ مِنَ الصُّنْدُوقِ، فَتَحَهُ وَهُوَ مُصَوِّبٌ نَظَرَاتِهِ عَلَيْهَا. وَإِذَا فَجْأَةً تَتَفَاجَأُ بِكَمِّيَّةِ هَدَايَا هِيَ تَعْشَقُهَا: حَقَائِبُ مِنْ مَارَكَاتٍ عَالَمِيَّةٍ، عِطْرُهَا الْغَالِي الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ بِكَثْرَةٍ، وَلَمْ يَنْسَ أَدَوَاتُ مَسَاحِيقِ التَّجْمِيلِ الَّتِي تُفَضِّلُهَا، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. رَكَضَتْ دَاخِلَ حِضْنِهِ كَطِفْلٍ صَغِيرٍ:
"مَا بَقَاشْ فِيهِ كَلَامٌ جَوَّايَا يَعْبِّرُ عَنْ حُبِّي لِيكَ." "نَظْرَةُ عَيْنِكِ بِالْفَرْحَةِ دي عِنْدِي بِالدُّنْيَا." ثُمَّ شَدَّدَ عَلَى مِعْصَمِهَا وَبَدَأُوا يَرْقُصُونَ سَوِيًّا. لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ سَعَادَتِهَا، شَعَرَ "رَيَّانُ" بِتَوَتُّرِهَا وَارْتِبَاكِهَا. ضَيَّقَ عَيْنَهُ وَسَأَلَهَا: "مَالِكِ؟ وَمَا الْوَقْتَ؟ سَارَتْ بِجَسَدِهَا رَعْشَةٌ بَسِيطَةٌ، وَأَجَابَتْهُ فِي تَلَعْثُمٍ:
"رَيَّانُ، بِأَعْتَذِرُ مِنْكَ جِدًّا، بَسْ لَازِمَ أُرُوحُ." سَأَلَهَا فِي قَلَقٍ: "مَالِكِ يَا نِيلِّي؟ تَحَرَّكَتْ خُطْوَةً بَعِيدًا عَنْهُ قَائِلَةً بِهَرَبٍ: "مَعَلِّشْ، سِيبْنِي أُرُوحُ دِلوَقْتِ."
كَانَتْ مَلَامِحُهَا كَافِيَةً لَا تُبَشِّرُ أَنَّهَا بِخَيْرٍ. اِسْتَأْذَنَ مِنَ الْجَمِيعِ وَأَخَذَ حَقِيبَتَهَا وَأَمَرَ شَخْصًا يَضَعُ كُلَّ مَا يَخُصُّهَا دَاخِلَ سَيَّارَتِهِ. لَكِنَّهَا رَفَضَتْ أَنْ يَصِلَهَا مَنْزِلُهَا: "رَيَّانُ، لَا، خَلِّيكَ مَعَ النَّاسِ، هُرُوحُ لِوَحْدِي." تَعَجَّبَ حَالَهَا غَيْرُ الْمُعْتَادِ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَهَا بِحُبٍّ وَقَلَقٍ:
"نِيلِّي، مِشَ هَسِيبَكِ، مَا يِهِمِّنِيشِ حَدٌّ غَيْرُكِ."
صَعِدَا سَيَّارَتَهُ، كَأَنَّ وَضَعَ لِقَلْبِهَا مَكْبَرَاتِ صَوْتٍ مِنْ قُوَّةِ دَقَّاتِهِ. وَكَانَتْ عَيْنُهَا تَظْهَرُ عَلَيْهَا الْخَوْفُ. أَمْسَكَ يَدَهَا بِحَنُوٍّ قَبَّلَهَا حَتَّى يَجْعَلَهَا تَهْدَأُ. ظَنَّ كُلَّ هَذَا، سَبَبَ حُلْمِهَا الَّذِي كَانَ بِمَثَابَةِ نَجْمَةٍ بَعِيدَةٍ تُوَدُّ أَنْ تَطُولَهَا، لَكِنَّهَا تَخَلَّتْ عَنْهَا لِأَجْلِهِ هُوَ فَقَطْ.
وَقَفَ صَفَّ الْعَرَبَةِ وَنَزَلَتْ هِيَ بِسُرْعَةٍ بِاعْتِرَاضِ أَنْ يَصْعَدَ مَعَهَا: "شُكْرًا يَا رَيَّانُ عَلَى كُلِّ حَاجَةٍ، تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ." وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا وَسَحَبَهَا لِأَعْلَى قَائِلًا بِمَزَاحٍ: "أَنْتِ بِتَتَكَسِّفِي مِنِّي يَا بَيْضَةٌ؟! مُسْتَحِيلَ هَسِيبَكِ غَيْرَ لَمَّا أَعْرِفَ إِيهَ الَّلِي مُشَقْلِبَ حَالِكِ." بَدَأَ جَسَدُهَا يَسِيرُ بِهِ قَشْعَرِيرَةٌ مَعَ رَعْشَةٍ:
"رَيَّانُ، مِشَ بَاهَزَّرُ." "وَلَا أَنَا بَاهَزَّرُ يَا عُمْرِي." صَعَدَ مَعَهَا وَدَخَلَ بَيْتَهَا وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدٍ هَزَّازٍ بِأَرِيحِيَّةٍ وَبَدَأَ يَهْتَزُّ. لَكِنَّهَا وَقَفَتْ تُطَقْطِقُ أَصَابِعَهَا بِتَوَتُّرٍ وَلَمَعَانٍ بِعَيْنَيْهَا. لَاحَظَ زِيَادَةَ ارْتِبَاكِهَا، ثُمَّ عَيْنُهُ وَقَعَتْ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْحَقَائِبِ بِجِوَارِ غُرْفَةِ نَوْمِهَا: "إِيهَ الشَّنَطِ دي كُلُّهَا؟
أَنْتِ نَاوِيَةَ تُهَاجِرِي؟
قَالَهَا بِمَزَاحٍ وَاضِحٍ. لَمْ تُجِبْهُ، تَعَجَّبَ صَمْتَهَا وَنُزُولَ دُمُوعِهَا. هَبَّ وَاقِفًا وَلَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ هَذَا. رَكَضَتْ نَحْوَهُ، اِخْتَبَأَتْ بِأَحْضَانِهِ، شَعَرَ بِتَجَمُّدٍ فِي أَفْكَارِهِ، كَانَتْ تَشْتَدُّ عَلَى عِنَاقِهِ بِقُوَّةٍ تُرِيدُ أَنْ تَشُقَّهُ نِصْفَيْنِ وَتَدْخُلَ دَاخِلَ صَدْرِهِ تَخْتَبِئُ مِنْ مَوْجَةِ غَضَبِهِ الَّتِي تَعْرِفُهَا جَيِّدًا. حَاوَلَ اِسْتِيعَابَ أَيِّ شَيْءٍ، فَعَادَ سُؤَالُهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِجِدِّيَّةٍ بَالِغَةٍ:
"نِيلِّي، إِيهَ الشَّنَطِ دي؟ أَجَابَتْهُ بِعَدَمِ النَّظَرِ لِعَيْنِهِ وَمَا زَالَتْ تَلْتَصِقُ بِهِ حَتَّى يَغْفِرَ لَهَا وَيَحِنَّ قَلْبُهُ عَلَيْهَا: "رَيَّانُ، وَالله كُنْتُ هَأَقُولَكَ كُلَّ حَاجَةٍ." وَقَفَ كَالْجَبَلِ وَهُوَ يُبْعِدُهَا عَنْهُ بِعُيُونٍ اِرْتَسَمَ دَاخِلَهَا الْغَضَبُ، قَائِلًا بَعْدَمَا فَسَّرَ هُوَ: "أَنْتِ كُنْتِ هَتْسَافِرِي مِنْ غَيْرِ مَا أَعْرِفُ؟
وَيَا تَرَى كُنْتِ نَاوِيَةَ تُرُوحِي فَيْنَ؟ وَإِيهَ السِّرُّ أَنَّكِ تَخْبِّي عَلَيَّ؟ حَاوَلَتْ أَنْ تُمْسِكَ يَدَهُ لِتُشْعِرَهُ بِالْأَمَانِ حِينَمَا تُبَلِّغُهُ، لَكِنَّهُ رَفَضَ وَأَبْعَدَ يَدَهُ عَنْهَا، وَأَشَارَ بِعَيْنِهِ أَنَّهَا تُجِيبُ عَلَى كُلِّ أَسْئِلَتِهِ. حَاوَلَتْ تَنْظِيمَ أَنْفَاسِهَا الْمُتَحَشْرِجَةِ وَقَالَتْ بِخَوْفٍ: "أَنَا مَضَيْتُ عَقْدَ شَرِكَةِ الْمُودِلِ."
نُزُولُ كَلِمَاتِهَا عَلَيْهِ بِمَثَابَةِ صَارُوخٍ مُتَصَوِّبٌ عَلَيْهِ بِمَهَارَةٍ. تَأَرْجَحَ بِمَكَانِهِ فَأَغْمَضَ عَيْنَهُ لِيَتَحَكَّمَ بِثَبَاتِهِ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مَهُزُوزَةٍ تُشْبِهُ حَالَهُ: "أَنْتِ قَعَدْتِ مَعَ نَفْسِكِ وَحَدَّدْتِ مِينْ فِينَا أَهَمُّ؟ نَفَتْ بِسَبَّابَتِهَا وَرَأْسِهَا بِدُمُوعٍ وَانْهِيَارٍ: "أَبَدًا وَالله... أَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّكَ هَتَغْفِرُ، بَسْ الْفُرْصَةُ مِشَ هَتَتْعَوَّضُ."
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُحَاوِلًا التَّمَاسُكَ بِحَسْرَةٍ وَخَيْبَةِ أَمَلٍ: "أَنْتِ دَخَلْتِينِي فِي مُقَارَنَةٌ... وَكَمَانَ قَرَّرْتِ مِينْ الَّلِي هَيُتْعَوَّضُ وَمِينْ الَّلِي مِشَ هَيُتْعَوَّضُ؟ وَقَفَتْ بِمُقَابَلَتِهِ تَتَرَجَّاهُ بِدُمُوعٍ: "رَيَّانُ، افْهَمْنِي بَلِيزُ."
شُعُورُ "رَيَّانَ" أَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مُقَارَنَةٍ بِشَيْءٍ مِثْلِ هَذَا يُؤْلِمُهُ. لَمْ يُصَدِّقْ مَنْ أَحَبَّهَا وَأَحَبَّتْهُ تُضِعُهُ فِي خِيَارٍ وَضِيعٍ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَلَا ذُو قِيمَةٍ. هَلْ هِيَ تَرَاهُ بِهَذَا الْحَجْمِ؟
لَكِنَّهَا اخْتَارَتْ بَعْدَ مُقَارَنَةِ الْعَمَلِ، فَكَانَ هُوَ فِي كِفَّةِ الْمُقَارَنَةِ الْخَاسِرَةِ بِمَعْنَى قِيمَتُهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ كِفَّةِ الْخِيَارِ الرَّابِحَةِ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ يَأْخُذُ أَنْفَاسَهُ بِأَلَمٍ بَعْدَمَا صَعُبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ: "أَنْتِ إِزَّايَ أَصْلًا تَحُطِّينِي فِي مُقَارَنَةٍ حَقِيرَةٍ زَيِّ دي؟ "رَيَّانُ، افْهَمْنِي، أَدِينِي فُرْصَةً أَتَكَلَّمُ."
"أَفْهَمُ أَنَّكِ دَخَلْتِينِي فِي مُقَارَنَةٍ وَاخْتَيَرْتِ غَيْرِي كَمَانَ. وَلَا أَفْهَمُ أَنِّي قُلْتُ لِيكِ مِشَ حَابَّ أَنَّكِ تَتَعَرَّي وَتَبْقِي عُيُونُ النَّاسِ عَلَيْكِ كُلُّهَا. وَلَا أَفْهَمُ أَنَّكِ بَعَتِينِي بِالرَّخِيصِ أُوَوِي عِشَانِ عِايْزَةُ أَسْتُرَكِ وَأُلْبِسَكِ مُحْتَرَمٍ وَحِجَابٌ. وَلَا أَفْهَمُ أَنِّي عِشَانِ حَسِيتُ أَنَّكِ مِضَايِقَةٌ عَمَلْتُ لِيكِ حَفْلَةً فِي الْوَقْتِ الَّلِي أَنْتِ بَتُحَدِّدِي أَنَّكِ تُضَحِّي بِيَّا. أَفْهَمُ إِيهَ وَلَا إِيهَ يَا نِيلِّي؟
حَاوَلَتْ أَنْ تَأْخُذَ أَنْفَاسَهَا مِنْ بَيْنِ شَهْقَاتِهَا، وَهِيَ تُخْبِرُهُ: "رَيَّانُ، وَالله أَنَا بِحِبُّ... قَاطَعَ آخِرَ حَرْفٍ حَتَّى لَا يَسْمَعَ نِفَاقَهَا مِنْ جَدِيدٍ بِصَوْتٍ عَالٍ: "آخِرَصِي خَالِصٌ، أَيَّاكِ أَسْمَعَكِ بِتَقُولِي الْكَلِمَةَ دي تانِي... أَنْتِ تَعْرِفِي إِيهَ عَنِ الْحُبِّ؟
الْحُبُّ أَفْعَالٌ قَبْلَ مَا يَبْقَى حُرُوفٌ بتتنطق.. أَنْتِ فِعْلُكِ كَانَ رَدٌّ عَلَى كَذْبِكِ السِّنينِ دي كُلُّهَا." كَانَتْ مُنْهَارَةً تَبْكِي، تُحَاوِلُ الِاقْتِرَابَ مِنْهُ، اِبْتَعَدَ عَنْهَا كَأَنَّهَا صَاعِقٌ كَهْرَبِيٌّ، وَأَبْلَغَهَا بِحِدَّةٍ: "مِنْ دِلْوَقْتِي أَنَا أُمْنِيَّةٌ هَتَبْقَى لِيكِ، بَسْ صَعْبٌ الْوُصُولُ لِيهَا."
أَنْهَى حَدِيثَهُ وَتَرَكَهَا بِقَلْبٍ مُمَزَّقٍ، لَكِنَّهُ انْتَظَرَهَا فِي مَكَانٍ يَجْمَعُهُمَا سَوِيًّا دَائِمًا. كَذَبَ كُلَّ مَشَاعِرِهِ وَأَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّهَا لَمْ تُسَافِرْ وَسَتَأْتِي لَهُ تَسْتَعْطِفُهُ وَتَطْلُبُ السَّمَاحَ عَلَى غَلَطَتِهَا. حَقًّا، الْخِيَارُ الَّذِي وَضَعَتْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُلْمِهَا كَانَ يُمَزِّقُهُ، لَكِنَّهُ سَيُسَامِحُهَا بَعْدَ عِقَابٍ حَتَّى لَا تَفْعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الطُّفُولِيَّةِ مِنْ بَعْدُ.
*** جَلَسَتْ "نِيلِّي" فِي تَخَبُّطٍ، لَمْ تَعْرِفْ مَا فَعَلَتْهُ حَقًّا خَطَأٌ، أَمْ هِيَ تَصَرَّفَتْ بِنُضْجٍ. لَمْ تَتَوَقَّعْ رَدَّةَ فِعْلِهِ. كَانَتْ تَظُنُّ سَيُوَافِقُ عِنْدَمَا يَرَى تَعَلُّقَهَا بِهَذَا الْحُلْمِ، لِأَنَّهُمَا الْتَقَيَا وَفَرِحَا مَعًا وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِهَذَا السَّبَبِ. فَهُمَا رَسَمَا طَرِيقَ حَيَاتِهِمَا سَوِيًّا. كَيْفَ يَتَخَلَّى عَنْهَا الْآنَ؟
حَقًّا، الْفِرَاقُ سَيُصْبِحُ قَدَرَهُمَا. هَلْ سَيُصْبِحَانِ تَائِهَيْنِ بَعْدَ أَنْ جَمَعَهُمَا الْقَدَرُ؟ بَدَأَ أَلَمُ الْفِرَاقِ يُمَزِّقُ كِيَانَهَا مِنْ مُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فَقَطْ. شَعَرَتْ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَشَدَّ قَسْوَةً.
سَمِعَتْ صَوْتَ طَرْقَاتِ الْمَنْزِلِ، نَهَضَتْ مُسْرِعَةً وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا ظَنًّا أَنَّهُ رَيَّانُ. لَكِنَّهَا وَجَدَتْهَا صَدِيقَتَهَا. أَخَذَتِ الدُّمُوعُ مَجْرَاهَا فِي الْهُطُولِ، وَأَخْبَرَتْهَا بِقَهْرٍ: "رَيَّانُ عَرِفَ، مَكُنْتِشْ مُتَوَقِّعَةٌ يَعْرِفُ بِالسُّرْعَةِ دي؟
"نِيلِّي، رَكِّزِي فِي حُلْمِكِ، الْفُرْصَةُ بِتِيجِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ عَلَى رَيَّانُ، الْكُلُّ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِشَ بِيَقْدِرُ يَتَنَفَّسُ بَعِيدٌ عَنْكِ." "أَنَا خَايْفَةٌ أَوِّي." "تَبْقِي عَبِيطَةٌ وَمِشَ عارِفَةٌ رَيَّانُ بِيُحِبَّكِ قَدِّ إِيهَ؟ بَكَتْ أَكْثَرَ بِخَوْفٍ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ: "الْمُشْكِلَةُ عارِفَةٌ، عشان كِدَه خَايْفَةٌ أَفْقِدُهُ. أَنَا مُمْكِنَ أَمُوتُ مِنْ غَيْرِهِ."
دَخَلَتْ أَخَذَتْ حَقِيبَتَهَا وَحَمَّسَتْهَا لِبَدْءِ رِحْلَتِهَا: "اسْمَعِي بَسْ مِنِّي، وَاتُوَكَّلِي عَلَى الله، وَبُكْرَةَ هَتَقُولِي إِنِّي قُلْتِلَكِ هَيَرْجَعُ حَتَّى لَوْ حَاوَلَ يِبْعُدُ."
تَحَرَّكَتْ مَعَهَا بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ خَائِفَةٍ. نَزَلَتَا، رَكِبَا عَرَبَةَ أُجْرَةٍ وَذَهَبَا إِلَى الْمَطَارِ. بَعْدَمَا وَصَلَتْ صَالَةَ الْمَطَارِ، انْتَظَرَتْ لَحَظَاتٍ طَائِرَتَهَا، وَكَانَتْ تَنْظُرُ خَلْفَهَا تَبْحَثُ عَنْهُ، تَتَمَنَّى يَرِقُّ قَلْبُهُ وَيَأْتِي لِيُوَدِّعَهَا. كَانَتْ تُرِيدُ ابْتِسَامَتَهُ تَكُونُ آخِرَ شَيْءٍ يُحْفَرُ دَاخِلَ ذِكْرَيَاتِهَا. لَكِنْ دُونَ فَائِدَةٍ. وَصَلَتِ الطَّائِرَةُ وَتَحَرَّكَتْ مَعَ جَمِيعِ الرُّكَّابِ وَحَلَّقَتْ مَعَ حُلْمِهَا بَعِيدًا.
اخْتَفَى "رَيَّانُ" عَنِ الْجَمِيعِ، يَوْمٌ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ عَنْهُ شَيْئًا. كَانَتْ "كُوكِي" تَتَصَفَّحُ، رَأَتْ بُوسْتَ مِنْ "نِيلِّي" تَقُولُ إِنَّهَا الْتَحَقَتْ بِالْعَمَلِ فِي شَرِكَةِ مُودِلْزٍ عَالَمِيَّةٍ. تَعَجَّبَتْ جِدًّا لِأَنَّهَا تَعْرِفُ رَفْضَ "رَيَّانَ" لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَتْ "زَيْنَ"، أَذْهَلَ وَبَدَأَ الْبَحْثَ عَنْ "رَيَّانَ" الْمُخْتَفِي فِي كُلِّ مَكَانٍ يَعْرِفُ أَنْ
يَذْهَبَ، حَتَّى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي مَكَانٍ فَارِغٍ بِهِ الْحَشَائِشُ كَثِيفَةٌ نَائِمٌ. اِقْتَرَبَ مِنْهُ مُنَادِيًا عَلَيْهِ، وَقَامَ بِهُزِّهِ، لَمْ يُجِبْ بِتَاتًا. اتَّصَلَ بِالْإِسْعَافِ وَذَهَبَ بِهِ أَقْرَبَ مُسْتَشْفًى. كُلُّ الْأَطِبَّاءِ أَكَّدُوا أَنَّ كُلَّ أَعْضَائِهِ تَعْمَلُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، لَكِنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، اِسْتَمَرَّ فَاقِدَ الْوَعْيِ لِأَيَّامٍ. حِينَ فَاقَ، وَجَدَ أُمَّهُ
مُنْهَارَةً وَمُعَلَّقَةً مَحَالِيلَ هِيَ أَيْضًا. نَهَضَ مِنْ عَلَى السَّرِيرِ وَادَّعَى الْقُوَّةَ وَلَا مُبَالَاةٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ بِخَيْرٍ. اِبْتَسَمَ وَهُوَ يُقَبِّلُ رَأْسَهَا وَأَدْخَلَهَا دَاخِلَ حِضْنِهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِبُرْكَانٍ يَحْرِقُ قَلْبَهُ. فَرِحَتْ جِدًّا عِنْدَمَا طَمْأَنَتْهُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا تَحَوَّلَ "رَيَّانُ" إِنْسَانًا جَدِيدًا غَيْرَ مَسْؤُولٍ، عَدِيمَ الذَّوْقِ،
يَسْتَأْجِرُ بَنَاتٍ لِلْمُتْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكَانَ يُعَامِلُ جَمِيعَهُمْ أَنَّهَا هِيَ. يَسُبُّهُمْ وَيُعَنِّفُهُمْ لِكَيْ يَشْعُرَ أَنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهَا فِيهِمْ.
فَتَحَ عَيْنَهُ بِإِرْهَاقٍ مِنَ الْمَاضِي الَّذِي يَحْفُرُ دَاخِلَ عَقْلِهِ. شَعَرَ بِاخْتِنَاقِ أَنْفَاسِهِ وَأَلَمِ صَدْرِهِ يَزِيدُ. وَضَعَ كَفَّ يَدِهِ بِقُوَّةٍ عَلَيْهِ لِيُسَكِّنَهُ، لَكِنْ دُونَ فَائِدَةٍ. أَلْقَى هَاتِفَهُ وَذَهَبَ إِلَى الصَّالَةِ الرِّيَاضِيَّةِ لِيُخْرِجَ طَاقَةَ غَضَبِهِ فِيهَا. لَاحَظَتْ "نُورَا" غَضَبَهُ الَّذِي يُصِبُّهُ عَلَى التَّمَثُّلِ الَّذِي يَتَمَرَّنُ عَلَيْهِ، قَلِقَةٌ عَلَيْهِ وَاتَّصَلَتْ عَلَى "زَيْنٍ":
"الْحَقُّ يَا زَيْنُ، رَيَّانُ هِنَا وَبَيْلْعَبُ بُوكس بِطَرِيقَةٍ مُخِيفَةٍ وَشَكْلُهُ مِشَ مُطَمِّني." شَكَرَهَا وَأَغْلَقَ الْهَاتِفَ وَتَحَرَّكَ لَهَا. يَا تَرَى تُولَايُ تَصَرُّفُهَا صَحٌّ؟ يَا تَرَى إِيهَ سَبَبُ حَالَةِ رَيَّانُ الَّلِي فِيهَا؟ يَا تَرَى نِيلِّي صَحٌّ فِي اللِّي عَمَلَتْهُ؟ تَوَقُّعَاتُكُمْ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!