شعرت تولاي أنها بعدت كثيرا عن مسكنها. نزلت من على الرصيف تعبر الطريق حتى ترجع من الناحية الثانية. لكنها لم تأخذ بالها من العربة التي كانت تسير في نفس الوقت. حاول السائق أن ينبهها بآلات التنبيه وهو يفرمل، لكنها لم تسمعه بسبب السماعات الكبيرة الموضوعة فوق رأسها تغطي أذنها بالكامل. وعندما اقتربت منها السيارة، التفتت تولاي بمقابلتها ووقعت على الأرض فاقدة الوعي.
نزل ريان من العربة بعصبية مفرطة من هذه المجنونة التي اندفعت بهوجائية نحو سيارته. وجدها متمددة على الأرض فاقدة الوعي. رفع يده وقبضها بقوة يخرج موجة غضبه. وقف ووضع يد على صدره، والثانية سندها على يده الأولى، ووضع كف يده على ذقنه يفكر كيف يتصرف في هذه المصيبة قائلاً لنفسه: "ما أنا لو رحت بها المستشفى محدش هيصدق أنها اللي رمت نفسها قدامي، وأنا ولا لمستها. ده غير أمي اللي مش هترحميني. طب والعمل هعمل إيه في البلوة دي."
وضع أصابعه الوسطى والسبابة على عينه اليمنى يغلقها، والباقي أصابعه على خده. ينظر بطرف عينه على الطريق ليتأكد أن الشارع خالٍ من المارة، ولم يشاهد الواقعة أحد. وحين تأكد، حملها بين يديه على الفور كالعصفور الصغير مقارنة بجسده الرياضي العريض. وضعها داخل سيارته وانطلق متوجهاً إلى شقته الخاصة به. حين وصل، صف العربة وحملها بعدما ألقى الصباح على الحارس. سند الفتاة على مكتب من الرخام وهو يضع يده في جيب بنطاله. أخرج ورقة مالية
أعطاها للحارس وهو يقول: "تقلت في الشرب شوية." لا يستغرب الحارس ما رآه، فهو معتاد على مجيء الفتيات مع ريان دائمًا. أخذ الورقة المالية وهو يفتح له باب المصعد وابتسامته تصل لأذنيه بسعادة: "يسعد صباحك يا بشمهندس... اتفضل اتفضل." عض ريان شفته بغيظ وهو يحملها متوجهاً داخل المصعد قائلاً لنفسه: "صباح باين من أوله." وصل المصعد الدور الذي يقطن به. فتح الباب بجسدها بدون رحمة. وحاول أن يفتح باب المنزل، لكن كيف وهو يحملها؟
أوقفها على الأرض وسندها على حائط، ثم رفع قدمه سندها بها حتى لا تقع. وظل يبحث عن المفتاح في جيبه حتى وجده. فتح الباب ورجع حملها وضعها على فراشه. ثم مسك يدها يقيس النبض الذي لا يفقه فيه شيئًا. ترك يدها وأمسك يده هو يقيس نبضه، لكن بدون فائدة. تأفف وقام وقف وهو يمسك رأسه من شدة الصداع. ثم جلس بجوارها مرة أخرى وافتح عينها بيده وقال بتلقائية: "يخرب جمال عيونك، لا اجمدي كده وقومي عندي كلام كتير لازم أقوله...
ثم تركها وهو يرمق ذاته بصورته المعاكسة في المرآة ولعن نفسه: "إيه اللي بـ*ـنيل أقوله ده، أنا شكلي سكرت قوي." وقف بانفعال وأمسك رأسه بقوة يفكر ماذا عليه فعله الآن. ظل يلف بالغرفة كساعة بشكل دائري منتظم، حتى تذكر ماهر زوج أخته. اتصل به وهو يخرج من الغرفة. انتظر قليلاً حتى أجاب بقول: "أهلاً بجلاب المصايب مش بدري أوي على مصايبك." ضحك ريان ضحكة مؤكدة على وجود كارثة: "لا بدري من عمرك قوم كده وفوقلي، الموضوع كبير أوي."
"ارمي عليا مصايبك الصبح." قال جملته وهو يستعد للنهوض من على سريره. فأبلغه ريان بمسكنه: "بص أنا واثق لو حلفتلك من هنا لقرن مش هتصدق." "لا متقلقش هعمل نفسي مصدق قول." تحمم ريان ينظف حلقه وقال بهدوء: "أنا وراجع البيت واحدة مجنونة عدت الطريق وفضلت أكلكس ليها والبعدها ولا هي هنا... قطعه سريعاً بقلق بقوله: "وخبطتها؟ "والله ولا لمستها فرملت قبل ما أوصل ليها، بس هي شكلها من البنات الطرية." جلس ماهر حتى لا يفقد أعصابه
وقال بحدة حتى ينجز حديثه: "امممم وبعدين يعني حصل إيه؟ "هو انت ليه محسسني إني بحكي حكاية لبنت اختي، ما تنجز تيجي تشوفها بنفسك." ماهر ضم حاجبيه على بعضهما وقال باندهاش وصوت منخفض حتى لا تسمعه النائمة المتهورة: "أشوف مين؟ هو أنا هتجوزها؟! "يا بني آدم، انت مش دكتور؟ زفر ماهر أنفاسه بعدما فهم مقصده، فتفوه بتوضيح له: "دكتور صيدلي ها صيدلي مش زي ما انت متخيل خالص، وديها المستشفى." "كنت ناقص سين وجيم وأنا سكران."
كانت آخر كلمة قالها جعلت بركان ماهر ينفجر: "قولتي عايزني أصدق." "أهو شوفت إذا كان انت مش مصدقني... الغريب هيصدقني؟ "اقفل يا ريان هغير وأجيلك." "حبيبي." تململت تولاي على الفراش وهي تفتح عينيها ببطء. وجدت نفسها في غرفة جدرانها سوداء. قامت فازعة فلمحت ناراً تشتعل من كل جانب. قامت بهلع تصرخ تستنجد بأحد ينجدها. سماعها ريان الذي كان يقف يسبها ويدعي عليها. دخل الغرفة سريعاً بخضة.
وجدها نائمة تمسك الفراش بيدها بقوة وتصرخ من قلبها. ركض يغلق زجاج النافذة. وأقترب منها هزها وهو يمسك وسادة صغيرة يضعها على وجهها يكتم صوت صراخها: "يخرب سنينك فوقي أنا ناقص فضايح في العمارة؟ فاقت على صوته الأجش. فتحت مقلتيها ببطء رمقته بخوف وسألت بذعر: "أنا فين، وانت مين، وأنا.... أنا مين؟! لطم ريان على وجهه وأبلغها بنبرة هادئة تخالف ما يدور بداخله: "انتي جاية عندي تتعرفي على نفسك يا أختي."
عادة حديثها برعب وهي تبحلق الغرفة، فأجابها بغيظ من بين أسنانه: "في بيتي، وأنا اللي فضلت أكلكس ليكي وحضرتك اللي كنتي هتجبيني مصيبة، ولو فضلت على الوضع ده دقيقتين كمان، فالمصيبة جاية جاية." انكمشت ملامحها بغضب لغلاظة كلماته وردت بعدم فهم: "انت بتقول إيه؟ "لا فوقي كده لنفسك بلاش جو الاستهبال، أنا ولا لمستك بالعربية أصلاً." حدقت به بعينين جاحظتين ثم قالت وهي تقوم من على الفراش بعصبية:
"أنا افتكرتك انت اللي خبطتني، انت أعمى وكمان بجح؟! ومن هنا دقت طبول الحرب ورفع كل منهما سلاحه. بعدما سند ريان بيده على باب الغرفة ورد عليها وهو يتفحصها جيداً: "طب أنا أعمى وبجح، والبعدها إيه ولا بتسمع ولا بتشوف ولا بتفهم ولسانها طويل." اتكأت بغيظ بأسنانها على شفتها الودية حتى لا تفقد أعصابها وأخبرته بلامبالاة وهي تقوم من على سريره: "يا عسل طب عيد تاني كده عشان شكلي وقعت على وداني وأنا صغيرة، اتفضل قسم وسمعني."
تقدم نحوها ريان حتى وقف أمامها، يضم حاجبيه ثم هاج بها صارخاً: "انتي شكلك لسه بالحبل السري وجاية تثبتي وجودك عليا." رفعت سبابتها أمام وجهه تخبره بحدة: "وانت واحد قليل الذوق وعديم الرباية." ثم أولته ظهرها متقدمة لباب الشقة. وضع يده على قلبه عندما وجدها تتبختر داخل منزله وعلى السجاد بحذائها. لكن قبل أن تفتح باب الشقة أغلقه هو بقوة جعل جسدها ينتفض من الخضة. ثم أطلق صراح كلماته كالطلقات الرصاص من بين أسنانه:
"ما لو أنا عديم الرباية انتي مسمعتيش عنها." جحظت عيناها من وقاحته وقالت بصوت مزمجر: "افتح الباب." بعد خطوة عن الباب بعد أن فتحه، خرجت وهي تبرطم: "واحد حيوان." توجهت على سور السلم. نظرت نظرة سريعة من أعلى تأكدت أنها في دور مرتفع. رمقت المصعد الكهربائي وهي تبتلع ريقها بضيق ثم تجاهلته. ونزلت على درج السلم بوجه عابس وشفتيها لم تنتهِ من سبه. لكنها عندما نزلت إلى باب البناية لم تعرف في أي اتجاه تمشي.
نظرت على خصرها لم تجد حقيبة وسطها. نظرت مرة ثانية لأعلى وهي تهدأ نفسها من عنادها حتى تصعد مرة أخرى وهي ترسم على ملامحها البراءة. وطرقت الباب بهدوء. نظر ريان من العين السحرية وجدها هي. تأفف وهو يفتح: "خير عايزة إيه تاني؟ ردت بابتسامة فشلت في رسمها ووصلت له بما تكنه له بداخلها: "كان معايا شنطة و.... لم يعطيها فرصة لإكمال حديثها.
مال بجسده للخلف بدون أن يتحرك خطوة وحمل الحقيبة بين يده من على الطاولة المستديرة التي بالقرب من الباب ومد يده لها بها. فتحت مقلتيها على وسعها تبصره من أعلى لأسفل وتعجبت كيف وصل لهذه المسافة بدون أن يخطى خطوة واحدة. فقال وهو يهز الحقيبة أمام أعينها حتى تفيق من شرودها بصوت حاد: "حاجة تاني؟ أخذتها تولاي من يده بقوة وأبلغته بضيق: "هعوز من خلقتك إيه أصلاً! ألقت كلامها وتركته على الفور وهي تنعي هم نزول الدرج مرة أخرى:
"اللهي يهد حيلك يا بعيد، زي ما تعبني في الطلوع والنزول." سند على باب شقته وهو يشير على المصعد: "انتي تموتي لو لسانك مابرطمش، ما عندك اسانسير." "ده بتاع العيال التوتو اللي زيك." قالتها بابتسامة استهزاء له وهي تخفي خوفها منه. قفل الباب بقوة بوجهها حتى لا يفقد أعصابه عليها. ترجلت على الدرج وهي تدعي عليه تارة وتسبه تارة وهي تحاول الاتصال بوالدتها لكن بدون فائدة. لا يوجد شبكة اتصال على السلم.
وعندما وصلت لباب البناية جمع معها الاتصال وصدح صوت هاتف والدتها بجانبها. أخذته ثم مشت يدها على سهم الإجابة وقالت: "حبيبتي اتأخرتي أوي." وضعت يدها على صدرها تأخذ أنفاسها اللاهثة وهي تقرر عدم إبلاغ والدتها بما حدث حتى لا تقلقها عليها: "سوري يا ماما أنا بعدت شوية عن البيت قوليلي العنوان بالظبط." فرحت يسرا بسيرها حتى تتخلص من طاقتها السلبية. وأبلغتها العنوان، فردت عليها تولاي: "أوكي يا ماما مش هتأخر باي."
أغلقت وأوقفت سيارة أجرة صعدت وقالت له العنوان وهي ترجع رأسها للخلف تمسك مقدمة رأسها بأطراف أصابعها. كان ريان ينظف غرفته من هذه الدخيلة وهو يلعن حظه الذي أوقعها في طريقه. حتى رن جرس الشقة. حدق بعينه بصدمة لتكون هي مرة ثانية. تحرك على أطراف أصابعه ونظر بخفة من العين السحرية الموضوعة داخل باب الشقة. فهدا جسده من تشنجاته وفتح وهو يقول بصوت عالٍ: "حبيبي يا أبو الأنساب." ثم دفعه خارج المنزل قبل أن يدخل بالحذاء:
"جزمتك يا حيلتها، مش فرح وطـ. هور ابن العمده النهارده هو." "نفسي تكون ذوق ومتحضر ده سجاد معمول ندوس عليه." "ما أنا مش الفلبينية بتاعة أهلك اقلع وادخل." قلع حذائه ودخل خلفه يعاكسه: "يالهوي على جمال أمك أحلى فلبينية." "استظرف كمان." "مالك قرفان من نفسك." "بنت المبقعة بهدلتني البيت ومشيت." حرك ماهر بؤبؤ عينه حول المنزل وجده مرتب ويلمع، فقال بتساؤل: "سيبك من البيت اللي بيلمع هي فين؟ "الحمد لله فاقت وغارت." "كانت حلوة؟
سأل ماهر وهو يجلس على المقعد، فرد عليه وهو يعض شفته: "أوي أوي يا ماهر." "أوووف وسبتها تمشي." تذكر ريان أسلوبها الهمجي وقال بغيظ: "من لسانها تغور، وخد هنا واخد راحتك أوي وفارد ريشك." ضحك ماهر وهو يقوم يتوجه لباب المنزل: "الحكومة مش جنبي سبني أنفس عن نفسي." "لا نفس يا أبو نسب أحسن ما تنفجر." قال جملته وهو يحمل مفتاحه ويتأكد لآخر مرة من نظافة البيت ونزلا سوياً كل منهما توجه لسيارته.
وصلت تولاي أمام الفيلا نزلت بوجه مزمجر. وقفت قليلاً تمحي غضبها وهي تتفنن برسم ابتسامة ثم استعدت بالدخول. قبلتها والدتها تبادلها ابتسامة حانية وهي تمد ذراعيها لها تضمها وقالت: "شوفتي بقى لما نزلتي ايديكي غيرتي جو، وجسمك استعاد نشاطه." "اه اه طبعاً، الحمد لله." قالتها وهي ترفع حاجبيها بابتسامة مصطنعة ومن داخلها تغلي. ثم اقترب منها والدها الذي أحضر لها كوب من عصير المانجا: "أحلى عصير لبنتي القمر."
أخذته منه وهي تبتسم، وشربته على دفعة واحدة حتى تطفي نيرانها الداخلية. اصطف ريان سيارته ودخل فيلته وكأن شيئاً لم يحدث. لكن قلع حذائه حمله بين أصابع يده ومشى على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ والدته وتسمعه المرشح المعتاد في الصباح الباكر. وصل غرفته وضع كل شيء بمكانه وتمدد على الفراش غاطس بأحلامه. لكن بعد ساعات قليلة دخلت والدته إيمان بنفس الطريقة.
فتحت النافذة، وقبل أي حرف منها هب واقفا على الفور وهو يقف خلفها يرفع يده يقفل فمها ويميل برأسه يضع قبلة على خدها وهو يتنهد: "القمر اللي مش بيزهق أبداً، اديني صحيت من غير ما أوجع لك قلبي ولاب لاب لاب بتاع كل يوم." أنزلت يده من على شفتها تخبره: "يابني حرام عليك اشتغل بقى بدل السرمحة طول الليل دي." سند ذقنه أعلى كتفها الأيسر وقال بجوار أذنها باستسلام:
"وأنا موافق بس زي ما قولتلك افتح شركة سياحة صدقيني مش هفلح في أي حاجة غيرها." أغمضت عينها تهدأ من ثوارنها: "يا ريان انت خريج هندسة بتقدير جيد جداً." عكست عينه الضيق الذي شعر به فجأة وقال بهدوء: "لو بتحبيني بجد بلاش نتكلم في الموضوع ده، ولو على الشغل أنا مش رافض أهو بس في المجال اللي اختاره." تنهدت بحرارة وهي تدعي الله له بصلاح الحال وتركته تحضر الفطور.
أمسح وجهه بقوة كأن يضع الرمال المتحركة على ذكرياته حتى يطمس ويفقد رمادها للأبد. بينما هند تقف بين جدران غرفتها الهادئة هدوء المقابر ليلاً، فاقدة روح أختها المشاغبة التي كانت عندما تفتح مقلتيها صوتها يجلجل بين غرف المنزل كله في آن واحد بمرح ومشاكستها للجميع.
رمشت بعينيها وهي ترتب كتبها داخل حقيبة ظهرها وعبرتها تزرف أنهاراً بحزن على الفراق، ونار ولوعة على طريقة موتها، فحزنها بمثابة خيوط عنكبوت نجح في صنع شبكته ليتمكن من وقوع فريسته بسهولة.... انتبهت من شرودها على صوت طرقات خفيفة من يد عمر على باب غرفتها. أذنت له بالدخول، هم بالدخول وهو يحفزها كما كانت تفعل أختها، لكن بطريقته الهادئة: "يلا يا هند عشان وقت أول محاضرة ميروحش عليكي."
رفعت كفها لتمسح عينيها لكن كف يده سبق كفها في تجفيف دموعها وأبلغها بصوت حنون: "ممكن مشوفش الدموع اللي زي اللؤلؤ دي تاني، مش اتفقنا ندعي ليها من قلبنا وبس." أومأت رأسها بملامح حزينة مشوبة بضعف: "غصب عني والله." جلس أمامها على مكتبها ممسك بكف يدها مربت عليها، وأردف بعقلانية: "عارف أنك قوية وصدقيني الأيام هتثبتلك أنك مش لوحدك." وضعت كفها الثاني فوق كفه بشكر وامتنان: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي؟ "لو على الشكر سهل أوي."
زوت ما بين حاجبيها بتعجب، فأردف بابتسامة حانية بها تمني ورجاء: "شكرك ليا هو نجاحك الحقيقي في مستقبلك ودراستك، عايز أختك وهي في مكانها تكون راضية عني." تعجبت أكثر وهي تسأل بنوع من الإحراج: "سوري، بس حضرتك وصافي كنت بشوفكم دايماً زعلانين من بعض وبتتخانقوا." أومأ برأسه وهو يحسها على المشي حتى لا يتأخرا أكثر:
"حصل، بس ده طبيعي بين أي اتنين متجوزين، عارفة يا هند لما يبقى في إيدك حاجة غالية وطول ما هي قدامك تبقي مش مقدرة قيمتها وحرفياً متحسيش بيها غير لما تروح." رفعت حاجبيها وهي تعوج فمها وتهز رأسها يساراً ويميناً بطريقة توضح أنها توزن الكلام بدماغها وأجابته بطريقة لازعة: "بس ده يبقى غباء." ضحك على تشبيهه بالغباء، فهو ينعت ذاته بأكثر بكثير فقال بملامح متصنعة الجدية: "بنت عيب... أنا أقول على نفسي انتي متقوليش."
زردت ريقها بإحراج وهي تقف على رصيف بالشارع معتذرة على فظاظتها بالحوار معه: "سوري يا عمر." "سوري إيه بهزر معاكي، يلا اركبي العربية." "كده حضرتك هتتأخر." "تبقي تعملي حسابك بقى بعد كده وتنزلِ بدري عشان متأخرش المرة الجاية." قال جملته بمزاح موضحاً أنه سيُوصلها يومياً، لكنها وقفت بملامح متأسفة حتى لا تعطلَه، فرمقها بقوة وأبلغها بلهجة أمر لا تقبل المناقشة، حتى لا يرهق نفسه في موضوع فرغ الأمر به: "أركببببي."
استعدت في الركوب بإحراج، برغم ثقتها أنها ستعطله حقاً. وظل الصمت بينهما حتى أوصلها وقال: "اعملي حسابك قبل ما تخلصي آخر محاضرة ابعتي ليا رسالة واتس أجي أخده نتغدا بره." "بس كده كتير على حضرتك يا عمر." "وعمر بيقولك مش كتير يا هند اتفضلي على جامعتك يا دكتورة، وخلي بالك لتتعكسي وانتي زي البسكوتة كده." ابتسمت وهي تبلغه بملامح مازحة: "البسكوتة دي وقت الجد يكفيك شرها." دوت صوت رنات ضحكته بالعربة وهو يحرك
المفتاح ليستعد الرحيل: "مهما توصفي شرك هيساوي جنب صافي صفففففر." ألقت عليه السلام وهي تبتسم، ثم تحركت في استحياء، وسريعاً انتقع وجهها بماء الحزن من جديد. ورحل عمر على البنك الذي يعمل به، بقلب مهتاج من لهيبه. وحين رأت هند صديقتها تقترب منها ابتسمت ودخلها ألم وحزن. حضنتها صديقتها سهى بقوة وتركت هند لدموعها العنان وظلت تربت عليها حتى هدأت وقالت بصوت حزين: "شدي حيلك يا هند."
أومأت برأسها بحزن وبلعت ريقها وحركت عينيها بتوتر في الجامعة، فهمت سهى ما تبحث عنه فقالت: "سيف بقاله كام يوم مش بيجي." "متعرفيش ليه؟ "تقريباً سافر مش كان قايل والدته هتعمل عملية." ضربت رأسها بقوة وضيق من ذاتها: "أنا نسيت خالص." "معلش يا هند انتي كمان كنتي في ظروف صعبة أكيد لما يرجع هيتفهَّم." "إن شاء الله." قالت جملتها بحزن وهما يتحركان سوياً على المحاضرة العملية. بعد أن تناول ريان وجبة الإفطار.
قام بحمل الأطباق إلى المطبخ وافرغ المتبقى بكيس بلاستيك وغسل الأطباق ووضعها مكانها بعد أن نشفها بالفوطة الخاصة. وقفت إيمان تتابعه وهي تقول بصوت هامس: "سبحان الله نضيف نضافة، لكن رمرام مش بتمشي غير مع الزبالة." "سمعتك على فكرة، الحق عليا مش عايز أتعبك." "هو أنا مش عرفاك تموت لو لقيت حاجة مش في مكانها ولا نضيفة." "سبحان الله مش بعجب مهما أعمل وسعي وسعي." قال حديثه بمشاكسة ثم ترجل إلى الحديقة يسقيها.
أمسك برشاش المياه بملل وبدأ بالضغط على المقبض وهو يغني ويحرك قدمه على الأرض كحصان الذي يرقص بمزاج: "عم يا صاحب الجمال، ارحمني دنا ليلي طال. شوف لي جمال على قد الحال. شوف لي جمال على قد الحال. يعوض صبري اللي طال يا عم يا صاحب الجمال." طلعت تولاي تشرب كوب من القهوة في حديقة الفيلا وهي تتأمل الأشجار والخضرة. حتى سمعت صوت مواء قطة صغيرة تبحث عن طعام.
تركت كوب القهوة وقامت وهي تميل جذعها الأعلى تبحث عنها حتى وصلت للحديقة المجاورة وهي تقول بصوت طفولي: "فينك يا صغننة انتي." كانت القطة تهرب منها خوفاً. رأتها تولاي وهي تدخل بين الأشجار: "تعالى تعالى متخوفيش يا روحي... هي أمك الوحشة سابتك وانتي جعانة.... يا روحي على الصغنن تعالى يا توتي تعالى يلا لأمك الجديدة متخافيش." لمحها صاحب الفيلا وهي تتسلل إلى حديقة منزله. مال رأسه لليسار وهو يتفحصها بوجوم ثم سألها بحاجب مرفوع
وهو يقترب منها بهدوء: "يخرب سنينك انتي بتـ*ـنـ*ـيل هنا إيه؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!