تحميل رواية «طوق نجاتي» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في وسط دجى الليل، أناس كثيرون يتواجدون داخل ميناء في السعودية يصعدون على متن باخرة. منهم من أنهى عمرته، ومنهم من يقرر العودة بعد شهور وسنين عمل. أما "صافي"، فقد أنهت عملها بعد أسبوع في أحد المؤتمرات الصحفية. كانت تقف تنتظر دورها وهي تتأمل هذه الباخرة. كانت باخرة مليئة بالأنوار، بها لمسة من الفخامة والجمال، تكاد تكون مدينة كبيرة متحركة على سطح الماء بسبب ضخامتها. همت بالصعود عندما جاء دورها، وبدأ البشر يتفرقون كخلية من النحل، كل منهم يذهب إلى غرفته. دخلت "صافي" غرفتها وبدلت ثيابها وجلست على الفرا...
رواية طوق نجاتي الفصل الأول 1 - بقلم ابتسام محمود
في وسط دجى الليل، أناس كثيرون يتواجدون داخل ميناء في السعودية يصعدون على متن باخرة. منهم من أنهى عمرته، ومنهم من يقرر العودة بعد شهور وسنين عمل. أما "صافي"، فقد أنهت عملها بعد أسبوع في أحد المؤتمرات الصحفية.
كانت تقف تنتظر دورها وهي تتأمل هذه الباخرة. كانت باخرة مليئة بالأنوار، بها لمسة من الفخامة والجمال، تكاد تكون مدينة كبيرة متحركة على سطح الماء بسبب ضخامتها. همت بالصعود عندما جاء دورها، وبدأ البشر يتفرقون كخلية من النحل، كل منهم يذهب إلى غرفته.
دخلت "صافي" غرفتها وبدلت ثيابها وجلست على الفراش تفكر بأشياء كثيرة. أمسكت حقيبة ظهرها وأخرجت مفكرة صغيرة تدون بها بعض الملاحظات حتى شعرت بالملل. لمت شعرها، وقفت مفكرتها ووضعتها داخل الحقيبة. ارتدت ثيابها وحجابها وخرجت من الغرفة وهي تأخذ حقيبتها الصغيرة.
توجهت لأعلى طابق بالباخرة عبر ممر كبير حيث يوجد الكثير والكثير من الناس، يستعدون إلى رحلة طويلة. استقرت "صافي" على أحد المقاعد ونظرت إلى النجوم الساطعة المنثورة على السجادة السوداء بسبب عتمة الليل. شعرت وكأن الليل يعانقها بداخله كما يعانق القمر والنجوم. وبدلاً من أن يكون الليل أجمل أوقاتها التي تصفو بها روحها، غطست بأفكارها داخل بحر عميق وظلت تسبح فيه بنات أفكارها، لعل يشفى العقل من سقمه وتعبِه. لكن نيرانها الداخلية لم تهدأ، وكأن أوجاعها من رحم ذكرياتها لها قلب لا ينبض إلا ليلاً.
حاولت الهروب من ذكرياتها وتوجهت لبعض الفتيات تقريبا في سنها. جلست بحوارهن وعرفتهم على نفسها ثم قالت:
"أنا كنت في مؤتمر صحفي، انتوا بقى كنتوا بتعملوا ايه هناك؟"
ردت عليها واحدة منهم بعدما أطلقت تنهيدة حارة:
"أنا بقالي فترة في السعودية كنت بشتغل كابتن في جيم بنات، وأخيراً هرجع بلدي وأشوف أهلي بعد غياب سنتين."
وأخرى قالت بفرحة:
"وأنا كنت رايحة أعمل عمرة مع أخويا، يااا إحساس غير أي إحساس أول ما عيني جت على الكعبة، ربنا يكتبها لكل مشتاق."
"وأنا كنت متزوجة واحد منه لله، بهدلني في الغربة، وأهو راجعا إيد قدام وإيد ورا."
"المهم إنك راجعة بنفسك وصحتك، أي حاجة تاني شكليات، طول ما فيكي النفس هتقدري تعملي كل اللي بتحلمي بيه."
قالتها "صافي" بنبرة أمل نابع من قلبها. وظلوا يتحدثون في جو مليء بالضحك والذكريات، حتى خيم الصمت. استأذنت منهم ونزلت غرفتها، وتمددت على فراشها، وأغلقت عينيها حتى تنال قسطاً من الراحة.
فتحت مقلتيها المتعبتين بعد أن شعرت بهزة داخل الباخرة، وفافت على أصوات الاستغاثة، بعد أن سمعت أحد الركاب يقول:
"هناك حريق في السفينة."
فتحت باب الغرفة بعدما لبست حجابها، وجدت أشخاصاً يركضون بحركات عشوائية. حاولت فهم أي شيء لكن بدون فائدة، الكل يركض بهلع. أخذت حقيبة ظهرها ووقفت كالبلهاء، لم تعرف ما عليها فعله، ودب داخلها الخوف والقلق بعدما سمعت صوت من الميكروفون:
"فيه مشكلة في العبارة، الكل يجي ناحية اليمين."
وبعد ثوانٍ، شاهدت منظراً مفزعاً أيقنت أنها في حالة غرق وخطر كبير حين وجدت نيراناً كثيفة تنبعث من مخزن السفينة. أسرعت إلى أعلى السفينة. بدأ الطاقم يرمي عليهم سترات الإنقاذ. اتسعت مقلتيها وبدأ الخوف يتملكها وانكمشت بمكانها بهلع حتى سمعت:
"العبارة هتغرق، الكل يأمن نفسه، البسوا سترات النجاة بسرعة."
وقفت بفزع وهي تبحث بعينيها عن شيء ينقذها بعد أن مالت السفينة وبدأت في الغرق. لم تجد شيئاً سوى طوق نجاة مرمي أرضاً واثنين يتشاجرون عليه. أمسكت به وركضت وهي تلبس حقيبة ظهرها الصغيرة. ثم لبسته حول خصرها ووقفت على سور الباخرة. ولثوانٍ، نظرت لظلمة البحر الذي أصبح كالمرآة التي تعكس ما بداخلها من كثرة تلاطم الأمواج بعضها ببعض. وقبل أن تتراجع، أمسكت بيدها نفس الفتيات وشجعوها على القفز. وبالفعل، ألقوا بأنفسهم من ارتفاع عمارة مكونة من ثمانية طوابق.
لم تشعر "صافي" بارتطام جسدها النحيل داخل البحر، لكنها شعرت بأنشودة محببة إلى نفسها افتقدت صفاءها منذ سنين. وسار جسدها يسبح فوق مياه البحار الهائجة كالورقة، وكان البحر يشبه حياتها بكل ما فيها من تقلبات.
أما باقي الفتيات، فتمسكن بيد بعضهن بقوة في وسط أمواج البحر التي تتحرك كطفل غاضب يريد أن يركض في كل اتجاه.
برغم اشتداد الرياح، وهطول زخات المطر بغزارة، كان أهالي الركاب الذين يسكنون بالقرب من البحر الأحمر يقفون على ميناء البحر الأحمر بعدما انتشر خبر غرق العبارة بسرعة البرق. وأصبح الميناء مليئاً بعويل وغضب ذوي الضحايا. واحتشد مئات الرجال المصريين عند مدخل الميناء، ينتظرون أنباء عن أقاربهم.
وصاح شخص قائلاً بغضب:
"هو ليه مافيش حد بيطمنا؟"
وقال آخر:
"إحنا عايزين عيالنا حتى لو جثث."
وكان يقف شاب ثلاثيني اسمه "عمر" مع فتاة اسمها "هند" في بداية العشرين، واضعة رأسها على كتفه وهي تجهش بالبكاء. حاول تهدئتها وهو يطمئنها:
"إن شاء الله ربنا هينجيها وهترجع، بالله عليكِ كفاية وارحمي نفسك، أنا مش حمل أفتقدك انتي كمان."
"أختي يا عمر، هي كل ما ليا، خلاص كده مش هشوفها تاني."
"ليه بتقولي كده يا هند؟ وأنا رحت فين؟ اهدي بس وإن شاء الله خير، ادعي ربنا ينجيها."
ظلت تبكي بحرقة وتدعو الله من قلبها، وندمت على عنادها معها وعلى كل شيء فعلته معها. جلس الأقارب يبكون ويتبادلون المواساة في الشارع قرب مكبرات الصوت التي كانت تعلن من خلالها أسماء الناجين.
وفي ذات الوقت، كان الكثير والكثير يستمع عبر الشاشات التواصل، ويستدفئون بموقد نار أو مدفأة كهربائية، لكن جميعهم اجتمعوا بالدعاء لينجيهم الله. رغم البرد القارس الذي يقتحم أجساد مئات الناس الذين ينتظرون كلمة نجاة لمن يخصهم، لم يشعروا بالبرد ولم يهابوا قوة الأمواج التي تغزو رمال الشاطئ التي تتقدم فيه لأطول مسافة.
وبعد وقت في ظلمة البحر، تفرقت الفتيات عن بعضهن لبعض. منهم من مات، ومنهم من فقد الوعي، ومنهم حاول التمسك بالحياة لآخر لحظة. بدأ بزوغ الفجر يشق السماء، ومن بعده ظهرت أشعة الشمس الذهبية وهدأت الرياح وسكنت الأمواج كالطفل الوديع. وأصبح الماء في البحر أزرق صافياً يحاكي زرقة السماء وصفاء البلور. وكانت "صافي" ما زالت تطفو فوق المياه فاقدة الوعي، وأصبح كل من الضحايا على حدى بعيداً عن الآخر، منهم من يتمسك بطوق نجاة، ومنهم من يرتدي سترة النجاة.
كان رجل وامرأة في منتصف الخمسين لهما رأي آخر. لم ينتظروا مع باقي الناس بعد علمهم بغرق العبارة. استقلوا سفينة صغيرة خاصة بهم وتحركوا في المياه وظلوا ساعات يبحثون بأعينهم حتى رأوا من تتأرجح فوق المياه. وقفت المرأة تهلل وتشير عليها بفرحة:
"بنتي بنتي."
ثم نظرت إلى زوجها بسعادة غامرة:
"بنتي أهي يا صلاح."
ذهل الزوج ولم يصدق عينه، فكان حقاً يوجد قرش صغير يحوم حول الفتاة. صرخت الأم وكادت أن ترمي بنفسها حتى تنقذها. فلا شيء أوجع من فقدان غالي، فشعورها بفراق ابنتها مؤلم حد الموت. فنزولها مع القرش أرحم من أن تبقى بدون كلمة حانية منها أو لمسة يدها التي تربت عليها بعد نهار طويل.
أمسكها زوجها بقلب ينبض كالطبول من رعبه على الفتاة، لكنه عليه التصرف بحكمة. أمر من يعمل على سفينته بجلب بندقية، لكن الزوجة صرخت من قلبها وقالت بقهر ودموع:
"انت هتقف تتفرج عليها لحد ما ياكلها القرش؟ وسع، سيبني أنقذ أنا بنتي بروحي وطلعها هي."
ضمها الزوج حتى تهدأ بقلب يتمزق وقال بنبرة هامسة:
"اهدي بالله عليكِ، انتي عارفة إنك النفس بالنسبة ليا، أوعي تجيبي سيرة الموت تاني، صدقيني هطلعها. القرش طول ما هي ثابتة مش واخد باله منها، هنبعده من غير أي ضرر ليها."
كانت سفينة أخرى تبع القوات الحكومية اقتربت من نفس المكان وأمرهم القبطان أن يبعدوا وهم سيسيطرون على الموقف. رفض الزوج وأخبره أنه يعرف جيداً كيف يتعامل مع القرش. ساعدوا بعضهم وكل منهم يرمي سهمه على القرش حتى فر هارباً عندما شعر بالخطر. ولم ينتظر الزوج، وقفز وخلفه اثنان. ومن السفينة الثانية قفز منها المنقذ المسؤول حتى أنقذوها. وقبل أن يسحبوها على سفينة القوات الحكومية، صرخت بهم الأم بقلب ينفطر بصوت باكي مبحوح:
"هاتي بنتي يا صلاح، هاتلي بنتي."
وبالفعل، رفعها صلاح على متن سفينته. كانت الأم قلبها ينبض يكاد يخرج من مكانه من سرعة خفقاته وجسدها يرتعش. مدت يدها تقبلها بلهفة وتقول:
"براحة عليها، حطوها بشويش."
وعندما وضعوها على أرض اللنش، كان دكتور تبع السفينة الحكومية يكشف عليها. بصَّرتها والدتها، وجدت ملامحها باهتة وجسدها مثلج وشفاها زرقاء. صرخت من قلبها وهي تبكي بحرقة وهي تتمسك بمن يتفحصها:
"طمني عليها، هي فيها الروح صح؟ رد عليا، طمني على بنتي."
ثم صرخت بقهر:
"يعني بعد العمر ده كله يوم ما أوصل لكِ تكوني بالحال ده."
قامت من الأرض وهي تتشبث بيد زوجها:
"انقذها يا صلاح، اتصرف... خد روحي مش خسارة فيها، المهم هي تعيش، بالله عليك يا صلاح، أنا أموت لو هي حصلها حاجة، بدل ما نموت إحنا الاتنين، خليها هي وأنا اللي أموت."
كانت كلمتها بمثابة غرفة مظلمة باردة وهو عاري الجسد ويُجلد من جلاده الذي يتلذذ بجلد ضحيته. أبكى من قلبه وهو يأخذها بحضنه حتى تشعر بأوجاعه ويرحمه من جلدها حتى لو دقائق. دفنت برأسها داخل صدره وظلت شهقاتها تمزق قلبه.
وقف الطبيب وقال بعملية:
"هي الحمد لله فيها نبض، بس خفيف جداً، لازم يتعلق لها أكسجين لحد ما توصل المستشفى." وأمر من يعمل معه بنقلها على السفينة الأخرى.
بعدت يسرا عن صلاح كمن لدغتها عقرب سمها سريع، وقالت وهي تتشبث بابنتها:
"محدش هياخد بنتي مني، اوعوا، سيبوها، مستحيل أفرط فيها تاني، اوعوا."
مال "صلاح" حتى يفهمها، لكنها أبت ورفضت حتى أن تسمعه، وظلت تحتضنها كالمجنونة. رق قلب الطبيب ونظر للقبطان، فأمر القبطان أن يتركوها ويجلبوا معدات الأكسجين وينتظروا الطبيب معها. أدخلوها غرفة صغيرة في اللنش، وقامت الزوجة بخلع ملابس ابنتها وألبستها ثياباً كانت معها ووضعت غطاء ثقيلاً عليها ليدفئها. ثم دخل الطبيب وعمل لها كل ما تحتاجه. كانت "يسرا" جالسة بجوارها تقبلها وتربت عليها وتمسك يدها تدفئها لها، و"صلاح" جالس أسفل قدمها يربت عليها بحنان.
كان أهالي الركاب في المحافظات الأخرى وصلوا وأصبحت الميناء أكثر تكدساً وازدحاماً، في الوقت الذي تواصل فيه فرق الإنقاذ والطوافات والسفن والطائرات عملها. تبقى عيون ذوي الركاب تنظر إلى كل شخص قاموا بإنقاذه، يترقبوا شعاع أمل يحمل لهم أنباء رغم مرارته، حتى لو بالعثور على جثث ذويهم. والناجون لم يفيقوا بعد من هول الصدمة الكبيرة التي قد تعيش معهم سنين طويلة، حتى الأيام تعجز عن محو هذه الذكرى الأليمة بعد أن فقدوا الأهل والأحبة، وأصبحت الفاجعة تفعل فعلها أمام أعينهم بموت أسرهم أمام أعينهم وهم لا حول لهم ولا قوة. تم إنقاذ المئات من البشر وتعود الابتسامة إلى ذويهم بعد أن كتب لهم أعمار جديدة.
أما "هند"، كانت كالمجنونة تركض وتقع على الأرض وتنهض من جديد تركض يميناً ويساراً مع إنقاذ كل شخص جديد، حتى قالوا:
"تم العثور على جثث سيدات."
ترجلت بخوف لمكان الجثث، كانت أوصالها مرتعشة تختبئ خلف زوج أختها من هول المنظر. فكانت جثث كثيرة متمددة أرضاً، بأجساد باليحة من كثرة تواجدهم داخل المياه وبأوجه باهتة زرقاء خالية من الدم، وبعض الجثث نقرها الأسماك، وأجسادهم منتفخة. دعت الله من قلبها ألا تكون أختها من ضمنهم. كان "عمر" يساندها وهو يحتاج من يسنده على فقدانه زوجته. برغم كل الخلافات بينهما، كان لا يتمنى لها كل ما حدث حتى بأحلامه. كان يبصر كل جثة برهبة داخلية ويدعو الله أن يصبر ذويهم.
شعر بدوخة وسخونة داخل جسده، مسك بيد هند وبعد عن الجثث وظل يتقيأ حتى أن فقد توازنه وجلس أرضاً يستغفر ربه. جلست هند بجواره وهي تبكي بنار لا مثيل لها.
عندما وصل قارب "صلاح" على البر، حملوها وذهبوا بها لأقرب مشفى. ظلت يومين ابنتهم فقدت الوعي، وكانت الأم برغم سنها أصبحت كالفراشة وهي تخدم ابنتها بحب نابع من قلبها حتى أن حركت أهدابها الفتاة وظلت تربش حتى فتحت عينيها بتعب. لاحظت والدتها، ضمتها بفرحة. أمسكت الفتاة برأسها وهي دائخة. دخل "صلاح" على صوت يسرا، لكنها لم تتعرف عليهما. كانت ترمقهما وهي تنتفض. ربت عليها "صلاح" وقبل أن يبلغها ببنت شفة، قالت "يسرا" بحنان وهي تحتضنها:
"أنا ماما يا قلبي، معقول مش عارفة أمك."
بصَّرتها وهي تهز رأسها بالنفي وصدمة وصوت فازع:
"أنا مش فاكرة حاجة خالص، أنا فين وأنتم مين؟ وهو إيه اللي حصل؟ وأنا فين؟!"
رواية طوق نجاتي الفصل الثاني 2 - بقلم ابتسام محمود
بصرتها وهي تهز رأسها بنفي وصدمة وصوت فازع:
- أنا مش فاكرة حاجة خالص. أنا فين وأنتم مين؟ وإيه اللي حصل؟ وأنا فين؟
ثم تمسكت برأسها من شدة الصداع:
- أنا مين... طيب أنتوا مين؟
لم تجد أحدًا منهما يجيبها، الكل يرمقها بصدمة، فقالت بعصبية:
- أنا ليه هنا؟
أخذتها الأم داخل حضنها وجعلتها تتمدد حتى تستريح، وأبلغتها بعطف:
- اهدي يا تولاي، المهم أنك فوقتي. أي حاجة بعد كده سهلة.
بكت تولاي وهي ترمقهما:
- أنا مش فاكرة حاجة خالص خالص.
- ارتاحي يا قلب أمك وأنا هفكرك بكل حاجة.
خرج حكيم من الغرفة وذهب للطبيب المعالج:
- دكتور بنتي فاقت بس بتقول مش فاكرة حاجة خالص.
وقف الطبيب واستعد للذهاب لغرفتها:
- دي حاجة متوقعة بسبب اللي اتعرضت ليه.
حكيم:
- يعني فيه أمل الذاكرة ترجع؟
- قادر اللي نجدها من البحر يرجع لها ذكرتها.
استغفر ربه صلاح ودخلا سويا الغرفة، كشف عليها الطبيب وأعطاها حقنة مهدئة وطمنهم على صحتها وخرج.
وضعت تولاي رأسها على الوسادة وأغمضت عينيها وهي ما زالت ترتعش. قبلتها يسرا على جبينها، وابتعدت قليلا، أمسكت بيد صلاح بقوة وهي تدمع بفرح وعلى شفتيها ابتسامة تظهر جمالها:
- أنا مش مصدقة كابوس فقدان بنتي انتهى. بنتي معايا أهي يا صلاح وفيها الروح. ياااااه أخيرًا بعد غياب سنتين ترجع لي... كويس أنك اقتنعت بكلامي ونزلنا بنفسنا ندور عليها.
اشتد صلاح بعناقها وهو يربت عليها:
- الحمد لله أنها رجعت، ورجعت لكِ الضحكة من جديد. ممكن تأكلي بقى؟
أومأت برأسها وعلى ثغرها ابتسامة وخرجوا من الغرفة وهم يمشون بخطى هامسة فوق الأرض حتى لا يزعجوها.
***
وبعد مرور ساعات، وجدت هند فتاة تم إنقاذها للتو محملة على سرير الإسعاف. ركضت نحوها وهي تدعو الله من قلبها أن تكون أختها. أمسكت بيد الرجال أوقفتهم ثم رمقت الفتاة النائمة. كانت ملامحها باهتة. دقت النظر بها أكثر وفي داخلها أمل، لكن تبخر سريعًا عندما لم تكن أختها. دق قلبها بحرقة وهي تهز رأسها بنفي. بدأ رجال الإسعاف بالرحيل، لكن ترجتهم أن تكلمها. سمح لها وهو يبلغها:
- بعد إذنك يا أستاذة الحالة محتاجة إنقاذ.
رفعت الفتاة يدها اليسرى مشيرة لهم أن يتركوها. توقف الرجال واقتربت هند أكثر منها وهي ترفع أمام أعين الفتاة هاتفها بصورة أختها تسألها بضعف:
- تعرفي أختي؟ شوفتيها؟
بلعت الفتاة ريقها وهي تحاول فتح عينيها وردت بأسنان تتراطم ببعضها من شدة البرد:
- إحنا كنا أربعة. واحدة أول ما نزلت البحر ماتت والتانية...
بكت من هول ما رأته وبدأ جسدها ينتفض بقوة:
- أكلها القرش قدام عيني. ومن الخوف التالتة اللي كانت معايا تقريبًا اغمى عليها وسابت إيدي والموج فرقنا.
جلبت لها صورة تالية أوضح. أبصرتها الفتاة جيدًا وتأكدت أنها هي التي فارقت الحياة بمجرد لمس جسدها الماء، لكنها نفت أنها كانت معهم حتى لا تحرق قلبها على فراقها. وبدأت تسأل بهلع وهي تنظر يمينًا ويسارًا عن أخيها الذي كان معها في العمرة.
بدأ رجال الإسعاف بالتحرك حتى لا تسوء حالتها الصحية أكثر.
وقفت هند ووضعت يدها على صدرها تدعو الله من قلبها أن ينجدها من ظلمة البحار. اقترب منها عمر الذي كان يبحث في كشف الناجين عن اسم زوجته بوجه يعكس ما بداخله من ألم وحزن.
وبعد يومين، أعلنت السلطات أنهم قد أنقذوا كل من كان له نفس في البحر وأخرجوا كل الجثث التي عثروا عليها طافية على وجه الماء.
صرخت هند بقهر على فقدان أختها للأبد، وظلت تركض تترجى كل من يكون مسؤولًا بالنزول مرة ثانية يبحثون عن أختها، لكن كان الرد:
- للأسف أي جثة في البحر طلعت.
لطمت هند على وجهها، وقال عمر بتساؤل:
- ومراتي فين؟
رد عليه بأسف وهو يستعد للرحيل:
- ممكن تكون أكلتها الأسماك.
صرخت هند ووقعت أرضًا، فأخذها زوج أختها وذهب بها إلى المشفى العام بالغردقة. كان كل العاملين مشغولين بحالات الغرق، فوضعها على سرير وركض يبحث عن طبيب. أبلغته الممرضة يبحث عن دكتور رامي. تركها واستعد للبحث عنه. خبط وهو يتحرك بـ صلاح قال معتذرًا منه:
- متأسف جدًا، بعد إذنك تعرف مكان دكتور رامي؟
ربت عليه صلاح بعطف:
- ولا يهمك يابني ربنا يصبرنا كلنا على المصيبة اللي حصلت. كان لسه طالع من عند بنتي.
عمر استغفر ربه وهو يمسح وجهه:
- أنا مش عارف أعمل إيه. فقدت مراتي، وأختها فاقدة الوعي جوه مكنش ليها حد غيرها. يارب صبرني يارب.
- اهدا يابني ربنا ليه حكمة في كل شيء. احمد ربك.
- محمود والله يا حج.
قال جملته ورحل حتى وجد الدكتور وذهب معه. وكان نبضها ودقات قلبها سريعة، فأبلغه أنها عندها انهيار عصبي. أعطاها حقنة مهدئة وتركه. أخذها عمر وتوجه على بلده السويس. عندما وصلا كانت في استقبالهما جارتهم. حزنت جدًا على ما حدث لصافي وأخذتها معها إلى بيتها، وهو توجه إلى شقته. رمى مفتاحه وجلس على أقرب مقعد متذكرًا كل شيء. كم كان قاسيًا معها لا يلبي لها طلبًا. كم كانت رومانسية بأفعالها وهو كان لا يفرق معه. تحملت من أجله الكثير والكثير وهو كان يرمي كل أعباء الحياة عليها.
***
- تولاي حبيبتي إنتي حاسة بحاجة؟
قالتها يسرا وهي تطعمها بعدما كانت تتفحصها تولاي بنظرتها التائهة. أومأت تولاي برأسها أنها بخير ومسكت يدها تأخذ منها الأمان وهي تضع رأسها على قدم والدتها.
وبعدما اطمأنت على تولاي، سمح لهم الطبيب بالخروج، فأخذا ابنتهما وذهبا لفيلتهما بالغردقة. سعدت جدًا من هدوء البلد وجمال وتناسق الألوان داخل الفيلا. دخلت غرفتها وهي تمرر عينيها على كل إنش بالغرفة. لم تهاجمها أية ذكريات بداخلها. جلست على الفراش، فتحت كتابًا عن علوم البحار، كان موضوعًا على المكتب. ثم أغلقت بعد قراءة بعض الصفحات وخرجت لوالديها طلبت منهم يعرفونها على نفسها. فتحت والدتها حضنها لها وبدأت تقص عليها مغامراتهم على الجبال ومتعتها بصيد العقارب. وحبها للسباحة وعلى إصرارها أن تعمل غواصة. وبالفعل كانت تعمل على لنش والدها بعدما أخذت محاضرات عملي ونظري وحصلت على ثلاث نجوم. كانت مستمتعة جدًا من حديثهما وكانت تحب أن تسمعهما باستمرار حتى أن شعرت أن كل ما يقصونه ليس غريبًا عنها بالفعل.
***
- يا ريان قوم بقى حرام عليك، نفسي تشيل المسؤولية وتريح قلبي.
هذا كان صوت إيمان التي تبلغ من العمر ٥٠ عامًا في تمام الساعة الخامسة عصرًا. كانت توقظ ابنها بتعب من عدم مبالاته لأي شيء. فهو شخص خالٍ من الذوق والمسؤولية. قام من نومه بنعاس يكمل حديثها اليومي:
- هتفضل طول عمرك كده سهر للصبح ونوم للمغرب. حرام عليك اشتغل بقى عشان تظبط مواعيد نومك...
- طيب بلاها شغل...
قطعها وهو يرفع الغطاء من عليه ويقوم بطوله الفارع. كان نصفه الأعلى عاريًا يظهر جسده الرياضي. يردد كلامها المحفوظ:
- حرام عليك عايزة أفرح بيك وأشوف لك عيل.
جزت إيمان على أسنانها وهي تمشي خلفه:
- أنت برضو...
أجابها على سؤالها قبل أن تسأله كمن يسكن عقلها:
- آه أنا برضو نايم من غير هدوم ومش هلبس... قلتلك ميت مرة مش بحب أنام بهدوم، أنا بتخنق بسرعة مش بستحمل أي حاجة تفضل معايا ساعة. وحضرتك تقوليلي أتجوز، عايزاني في الصباحية أرميها لك من البلكونة وأدخل السجن... ردّي هترتاحي أبقى رد سجون؟
تأففت من تصرفاته الهوجائية:
- ماشي يا ريان.
دخل ريان المرحاض وهو يفك رابطة شعره وقبل أن يغلق الباب:
- كده خلصنا درس اللي بفتح عيني عليه كل يوم.
أغمضت عينيها بغيظ من غلظته وقالت وهو يغلق الباب ويفتح صنبور المياه:
- جارنا الأستاذ صلاح ومدام يسرا بنتهم رجعت من السعودية.
وقفت تنتظر رده حتى أنهى دشّه سريعًا وأغلق المياه ولف على خصره منشفة وخرج يصفق لها:
- ده بقى الجديد. هما كان عندهم بنت أصلًا؟
إيمان دخلت وراءه غرفته وهي تقول بحزن:
- آه قبل ما يجوا يسكنوا هنا من سنتين بنتهم سافرت السعودية تشتغل هناك وأخيرًا رجعت، بس كانت في العبارة اللي غرقت.
- تؤ تؤ تؤ لا حول ولا قوة إلا بالله. وكمان فقر يوم ما قررت ترجع العبارة كلها غرقت.
قال جملته وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا ووضع يديه على بعضهم يمثل الحزن. ضربته والدته على صدره العاري:
- احترم نفسك وحس بالناس اللي حواليك إنت مش عايش لوحدك.
أزاحها جانبًا وهو يدخل غرفة ملابسه يغلق خلفه الباب الزجاجي ليرتدي ثيابه وأبلغها:
- الله يخليكي فكك مني، انجزي وهاتي من الآخر إنتى عايزة إيه من الفرح اللي نصبتهولي ده كله.
- تيجي معايا نسلم على البنت.
فتح ريان باب الغرفة وهو يصفف شعره الذي ما زال مبتل وضحك:
- اممممم، وماله، فكرة حلوة برضو... يلا بالأذن.
- هتروح فين؟
وقف وهو يرفع يده قليلًا وظل يحركهما بالهواء بحركات عشوائية يبلغها ما تريد تقوله:
- روح يا ريان وقابل أصحابك الصيع... يارب وقعهم في بعض وكل واحد يروح لحال سبيله.
رمت عليه وسادة من غيظها منه. لف سريعًا أمسكها وهو يقول:
- كده المخدة اللي بتستحملني في كل أوقاتي تهينيها بالشكل ده.
- امشي من وشاااااي.
قالها بصوت مايع جعلها تصرخ وهي تتركه وترحل قبل أن تجلط المسكينة.
ظل يضحك المشاكس، ثم نزل يركض صعد سيارته الاسبور. أبصر نفسه في صوته المنعكسة في المرآة ولم شعره الطويل بإحكام. ثم مد يده يفتح التابلو ويخرج منه علكة وضعها داخل فمه بعدما رفع صوت المسجل وانطلق سريعًا متوجهًا إلى الصالة الرياضية. دخل وضع شنطته في دولابه الخاص، ثم توجه إلى أحد الأجهزة الرياضية حتى أتت إليه فتاة ممشوقة القوام رياضية تعمل بالصالة:
- نورت يا كابتن ريان.
أجابها من غير اهتمام وهو يمسك كبل بين كفيه ويحركهما بقوة:
- شكرًا.
ابتسمت بملامح بها دلع وأردفت بعدما فكرت في أي حديث:
- بقالك كام يوم مبتجيش.
ترك ريان ما يفعله وحمل أوزان ثقيلة وهو يرمقها باستغراب وقال باستهجان وهو يتفحصها جيدًا:
- سوري نسيت أبلغك، أوعى تكوني سجلتيني غياب؟
أنهى جملته وتركها خلفه تتصبب العرق بإحراج كمن أكلت فلفل حار، واحترقت في آخر حلقها ولم يكن هناك ما يمكنها فعله لإزالته. وما عليها إلا أن تعاني منه، حتى تهدأ من ما أصابها.
اقترب منه شاب أبيض البشرة عينه خضراء متوسط الطول يبتسم له، واحتضنه حتى لا يلفت انتباه أحد وهمس بأذنه:
- أبو تقل دمك، مالك ومال الحريم يا عدو الطف الكائنات.
ضحك ريان بصوت مرتفع والتف بيده حول عنق صديقه:
- وأنا مالي ومالها يا زينهم مش شايفها لازقة فيا إزاي كل ما آجي لاب لاب لاب، وأنا أساسًا بستحمل رغي أمي بالعافية، إنما دي مالها ومالي؟
- اعتبرها زي البنات اللي تعرفهم.
ألقى ريان عليه وزنًا خفيفًا تلتقطه زين بيده متأكدًا مهما قال لم يقنعه بعضهما إطلاقًا:
- دي واحدة عايزة مهاتيه وخروج وسهر وهداية ولف وصرمحة، وأنا قلبي الضعيف ميستحملش.
وغمز له بحركة هوجائية:
- بحب اللي تجيب من الأخر.
- يا جامد يا بتاع الأخر أنت.
- آمال، هو أنا لسه هأتي عشان أوصل لك لكلمة للنهاية.
تدخلت صديقتها رنا وهي تسحبها من يدها قائلة بحدة:
- ممكن بقى يا نور تسيبك منه وتركزي في شغلك.
أومأت برأسها وزفرت أنفاسها وأكملت عملها وهي تتمنى أن توصل إلى قلبه.
***
شعر عمر بلوعة خاصة لم يشعر بها من قبل؛ أصبح فراقها يكوي قلبه بنار تعذبه على كل شيء فعله من قبل. ندم كثيرًا، لكن بماذا يفيد الندم الآن، فاق على الحقيقة المرة أنها فارقت الحياة بأكملها ولن تعود مهما ندم، لكن عليه إرضاء روحها بأنه يهتم بكل شيء كانت تهتم به. نهض ينظر على كل شيء يخصها: حوض سمكها الذي أصبح ملئ بالرواسب، قطتها التي تشعر بفقدانها... أختها...
أفاق من تفكيره سريعا متذكرًا أهم شيء أختها؟ أين هي أختها التي كانت تعتبرها ابنتها؟ ضرب رأسه بقوة، فهو تركها عند جارته عندما وطئت قدمه المنزل. توجه سريعًا إلى باب الشقة ليبدأ بها، وطرق على باب جارته التي تسكن أمام بيته بخفة. فتحت على الفور بملامح حزينة على حال الجالسة معها. بدأ هو بالحديث بصوت ضعيف:
- مساء الخير... ممكن أتكلم مع هند؟
فتحت الباب على آخره مشيرة بيدها بالدخول:
- آه طبعًا اتفضل، دي يا حبة عيني ولا بتنام ولا بتاكل. ربنا يصبركم يارب. ثواني هدخل أديها خبر.
دخل عمر عدة خطوات باستحياء وهو يقول:
- اتفضلي.
دخلت لها تبلغها بأن زوج أختها بالخارج ينتظرها. تبدلت خطوط الحزن بملامحها بشعاع أمل:
- فيه جديد صح... لقوها؟
هزت الجارة رأسها بنفي وأسف، جعلتها تبكي بكاء هستيري، يقطع نياط القلوب. حاولت تهدئتها بشتى الحيل، لكنها استمرت في النحيب، فمسحت لها عبراتها وأبلغتها أنه سيدخل لها. أومأت برأسها. ربتت عليها جارتها قبل أن تغادر الغرفة وسمحت له بالدخول لها. هم بالدخول وجدها تجلس على الأريكة في استكانة وضعف. كانت نظراتها شاخصة إلى الفراغ، وملامح وجهها تشيع بالحزن العميق، وكانت تهمس بصوت شبه مسموع، في مناجاة يائسة:
- صافي ممتتش... هي قالت عمرها ماهتسبني... قالت أنها هتحميني من كل العالم... قالت مش هتتخلى عني... هي فين دلوقتي من وعدها، سابتني ليييه؟
اقترب منها عمر على مهل وكلما اقترب من الأريكة الجالسة عليها تبطئ قدمه. لم يعرف ماذا يقول وما عليه فعله. استغفر ربه ودعا أن يلهمه الصواب. جلس على الكرسي القريب منها وانحنى إلى الأمام وهمس بنبرة بها حنان:
- اسمعيني يا هند، صافي شهيدة، يعني حية ترزق عند الله. هي فازت بكل شيء يتمناه كل مسلم. هي في مكان أحسن من هنا. بلاش تزعلي عشان هي شايفاكي ومش هتكون مبسوطة وإنتِ كده. حاولي تخرجي من اللي انتِ فيه عشان هي تكون مرتاحة.
مسحت هند دموعها وهي تأخذ أنفاسها. وضع عمر يده على كف يدها الصغيرة وساعدها على النهوض:
- يلا يا هند نروح البيت.
- مش هقدر أدخله وصافي مش فيه.
- اجمدي يا هند ده قضاء الله، يلا يا حبيبتي وراكِ كتير، كفاية الوقت اللي راح.
نهضت من مكانها بضعف، شكر عمر جارته كثيرًا وتوجها إلى بيته.
وحين لمست قدم هند أعتاب المنزل تركت عبراتها تسيل على وجنتها، حتى تطفئ حرارة حسرتها. مد يده على كتفها شجعها على الدخول وهو يربت عليها بعطف وقال:
- هند عايزك قوية. إنتِ هتفضلي هنا لحد ما تطلعي عروسة على بيت جوزك، سمعة.
أومأت برأسها وهي تقف بجوار مصلاها. توقفت عن البكاء فجأة ومسحت دموعها بظهر كفها، متذكرة موقفًا جمعها بـ صافي حين أهدتها بها من فترة. سألته ذاتها كيف سهت عن ذلك. توجهت في اتجاه المرحاض توضأت وصّلت وهي تدعو الله أن يلهمها الصبر.
وبعد أن انتهت اقترب منها عمر بحماس:
- ياريت ترجعي تذاكري تاني وتلحقي اللي فاتك، وأنا جنبك دايما في أي وقت هتحتاجيني هتلاقيني.
شكرته كثيرًا ثم توجهت لغرفتها تستعد للمذاكرة. جلست على مقعدها أمام مكتبها الخشبي ترتب ما عليها أن تفعله في ذهنها وهي تتحسس كتابًا موضوعًا أمامها وحين لامس كفها جسمًا صلبًا حشر بين صفحات الكتاب، سرت في جسدها قشعريرة باردة وهي تخرجه بيد مرتعشة. فكان قلم! القلم الذي أهداتها إياه صافي حين نجحت بالثانوية. لا تتذكر أنها وضعته بين طيات الكتاب، لكنها سعدت بوجود قطعة من ذكرياتها. أصرت على ملازمتها عنوة رغم محاولة الفرار من أحزانها، تأثرت وأجهشت بالبكاء، وتأكدت أنها لم تستطع الهروب من الحقيقة أبدًا، وعليها أن تتأقلم مع الواقع حتى تمضي الأيام.
قامت أغلقت الضوء المشغل واقتربت من فراشها وهي تأخذ نفسًا عميقًا. ثم تحرك بؤبؤ عينيها على الكومود. ابتسمت ومدت يدها تأخذ هاتفها. رمقته بحزن، فهي لم تسمع صوت رنينه من وقت فراق أختها الحياة. شعرت بيأس وإحباط لكن سريعًا تذكرت سيف صديقها وحبيبها. دق قلبها بلهفة وفتحت شاشة الهاتف وسريعًا بحثت على رقمه وضغطت على زر الاتصال وهي تبتسم. انتظرت حتى انتهى صوت الرنين، لكن بدون فائدة. تركت هاتفها وأغلقت جفونها تركه لنفسها السباحة والغوص في أحلامها.
***
في الساعة العاشرة مساءً قالت يسرا لابنتها:
- إنتِ صحتك الحمد لله بقت أحسن.
- الحمد لله يا ماما ده بفضلكم بعد ربنا.
ابتسمت لها وهي تعرض عليها تنزل معهما صباحًا تركض كما كانت تفعل من قبل، فقالت تولاي:
- على الساعة كام.
- على خمسة ونص.
- اوكي، هروح أوضتي أقرأ شوية تصبحوا على خير.
قالت جملتها قبل أن تتوجه لغرفتها. ابتسم لها والداها وقالا:
- وانتي من أهل الجنة.
***
في ملهى ليلي أضاءة زاهية الألوان وأصوات مكبر الصوت تصدح بكل أنش بصوت مرتفع. وكان ريان وأصدقائه يسهرون مع بنات يشربون ويرقصون، حتى أن اقتربت من ريان فتاة ترتدي فستان أحمر يثير كل الحاضرين وحجاب بيج وتضع مسحيق الجمال تخفي ملامحها من كثرتها وقالت بغنج:
- هاي.
عض على شفتيه بقوة وأغمض عينيه ثم قال بقرف:
- بقولك إيه يا حلوة أوعي تكوني فاكرة نفسك ذكية.
عقدت ما بين حاجبيها مستغربة ما يقوله، وأشارت بيدها أن يوضح أكثر. هز رأسه ووضع يده داخل جيب بنطاله وهو يبلغها:
- انتي عارفة كويس إن مش بعرف البنت غير ليلة واحدة.
تحمحمت بحرج وادعت عدم معرفته:
- أنا أول مرة أشوفك هعرف من فين اللي بتقوله.
انفرجت شفتيه وهو يتطلعها وأخبرها بتهكم:
- آه، طيب بصي أنا احترمت ذكائك يوم الساحل لما دخلتي بدور المطلقة وأكلتها بمزاجي مع أن دي كانت تاني مقابلة ما بينا بس عدتها تدري ليش... عشان حاولت تغيري من نفسك... والمرة التالتة برضو عدتها عشان كنتي عاملة استيل وشم وحركات غريبة. إنما يغرك شيطانك إني معرفتكيش يبقى لسه معرفتنيش.
بربشت بعينيها وقالت بتلعثم:
- هو انت عرفت؟
- شوفتي؟ وعدتها بس التالتة ثابتة وخلاص قرفت منك، وإيه جو الفستان اللي هيفرقع عليكي بالحجاب. امشي امشي كاتك القرف.
فهو شخص دائمًا يهوى العرض الحصري فقط ومن ثم يضع حبلًا يفصل بينه وبين أولئك حتى لا يمكنهم الوصول إلى الحبل المخملي بداخله، لمعرفة مشاعره.
ظلوا جميعهم يرقصون حتى أن أتى الفجر برائحة الرمال النادية وصوت الهواء والأشجار يعزفون سنفونية. تركهم ريان متوجهًا إلى سيارته حتى يذهب ل فيلته وهو يتطوح من كثرة شربه الكحل.
***
استيقظت يسرا بنشاط صبية صغيرة وعلى الفور دخلت غرفة ابنتها فتحت النافذة وقالت:
- يلا يا تولاي.
ردت عليها بكسل وهي تتمسك بغطائها:
- يا ماما سيبيني أنام شوية.
- يا روحي قومي الساعة خمسة، قومي يلا خدي دش عشان ننزل.
قالت بتعجب بعيون ناعسة:
- ننزل فين يا ماما الفجر؟
- مش قولتي هتنزلي معانا نجري.
- الفجر.
- آه.
قامت جلست على فراشها وهي تتثاءب:
- أنا قلتلك ماشي.
- آه.
- يقطعني كنت بفتكرك بتتكلمي على المغرب.
قالتها بمسكنة حتى تصعب عليها، لكن يسرا ضحكت وهي تحمسها:
- قومي وبطلي كسل.
- بالله عليكي سيبيني أنام.
- أبدا يلا.
قامت دخلت المرحاض ورفعت كمها وتوضأت وهي نائمة على نفسها وعند غسل قدميها أفاقت وهي تستغرب ما تفعله، وقالت لنفسها:
أكيد أنا متعودة على الصلاة وعقلي الباطل اشتغل لوحده.
خرجت صلّت فرضها ولبست ثيابًا تساعدها على الركض وخرجوا ثلاثتهم وظلت تركض جانب والدتها حتى أن أسرعت وبعدت قليلًا عنهم. نادت يسرا عليها، التفتت تولاي بجسدها وهي ترد:
- هجري شوية وهرجع.
ظلت تركض وهي تأخذ الهواء النقي تملأ ريقتها به ثم تخرجه بهدوء من فمها.
شعرت أنها بعدت كثيرًا عن مسكنها نزلت من على الرصيف تعبر الطريق حتى ترجع من الناحية الثانية. لكنها لم تأخذ بالها من العربة التي كانت تسير في نفس الوقت. حاول السائق أن ينبهها بآلات التنبيه وهو يفرمل، لكنها لم تسمعه بسبب السماعات الكبيرة الموضوعة فوق رأسها تغطي أذنها بالكامل. وعندما اقتربت منها السيارة التفتت تولاي بمقابلتها ووقعت على الأرض فاقدة الوعي.
رواية طوق نجاتي الفصل الثالث 3 - بقلم ابتسام محمود
شعرت تولاي أنها بعدت كثيرا عن مسكنها.
نزلت من على الرصيف تعبر الطريق حتى ترجع من الناحية الثانية.
لكنها لم تأخذ بالها من العربة التي كانت تسير في نفس الوقت.
حاول السائق أن ينبهها بآلات التنبيه وهو يفرمل، لكنها لم تسمعه بسبب السماعات الكبيرة الموضوعة فوق رأسها تغطي أذنها بالكامل.
وعندما اقتربت منها السيارة، التفتت تولاي بمقابلتها ووقعت على الأرض فاقدة الوعي.
نزل ريان من العربة بعصبية مفرطة من هذه المجنونة التي اندفعت بهوجائية نحو سيارته.
وجدها متمددة على الأرض فاقدة الوعي.
رفع يده وقبضها بقوة يخرج موجة غضبه.
وقف ووضع يد على صدره، والثانية سندها على يده الأولى، ووضع كف يده على ذقنه يفكر كيف يتصرف في هذه المصيبة قائلاً لنفسه:
"ما أنا لو رحت بها المستشفى محدش هيصدق أنها اللي رمت نفسها قدامي، وأنا ولا لمستها. ده غير أمي اللي مش هترحميني. طب والعمل هعمل إيه في البلوة دي."
وضع أصابعه الوسطى والسبابة على عينه اليمنى يغلقها، والباقي أصابعه على خده.
ينظر بطرف عينه على الطريق ليتأكد أن الشارع خالٍ من المارة، ولم يشاهد الواقعة أحد.
وحين تأكد، حملها بين يديه على الفور كالعصفور الصغير مقارنة بجسده الرياضي العريض.
وضعها داخل سيارته وانطلق متوجهاً إلى شقته الخاصة به.
حين وصل، صف العربة وحملها بعدما ألقى الصباح على الحارس.
سند الفتاة على مكتب من الرخام وهو يضع يده في جيب بنطاله.
أخرج ورقة مالية أعطاها للحارس وهو يقول:
"تقلت في الشرب شوية."
لا يستغرب الحارس ما رآه، فهو معتاد على مجيء الفتيات مع ريان دائمًا.
أخذ الورقة المالية وهو يفتح له باب المصعد وابتسامته تصل لأذنيه بسعادة:
"يسعد صباحك يا بشمهندس... اتفضل اتفضل."
عض ريان شفته بغيظ وهو يحملها متوجهاً داخل المصعد قائلاً لنفسه:
"صباح باين من أوله."
وصل المصعد الدور الذي يقطن به.
فتح الباب بجسدها بدون رحمة.
وحاول أن يفتح باب المنزل، لكن كيف وهو يحملها؟
أوقفها على الأرض وسندها على حائط، ثم رفع قدمه سندها بها حتى لا تقع.
وظل يبحث عن المفتاح في جيبه حتى وجده.
فتح الباب ورجع حملها وضعها على فراشه.
ثم مسك يدها يقيس النبض الذي لا يفقه فيه شيئًا.
ترك يدها وأمسك يده هو يقيس نبضه، لكن بدون فائدة.
تأفف وقام وقف وهو يمسك رأسه من شدة الصداع.
ثم جلس بجوارها مرة أخرى وافتح عينها بيده وقال بتلقائية:
"يخرب جمال عيونك، لا اجمدي كده وقومي عندي كلام كتير لازم أقوله..."
ثم تركها وهو يرمق ذاته بصورته المعاكسة في المرآة ولعن نفسه:
"إيه اللي بـ*ـنيل أقوله ده، أنا شكلي سكرت قوي."
وقف بانفعال وأمسك رأسه بقوة يفكر ماذا عليه فعله الآن.
ظل يلف بالغرفة كساعة بشكل دائري منتظم، حتى تذكر ماهر زوج أخته.
اتصل به وهو يخرج من الغرفة.
انتظر قليلاً حتى أجاب بقول:
"أهلاً بجلاب المصايب مش بدري أوي على مصايبك."
ضحك ريان ضحكة مؤكدة على وجود كارثة:
"لا بدري من عمرك قوم كده وفوقلي، الموضوع كبير أوي."
"ارمي عليا مصايبك الصبح."
قال جملته وهو يستعد للنهوض من على سريره.
فأبلغه ريان بمسكنه:
"بص أنا واثق لو حلفتلك من هنا لقرن مش هتصدق."
"لا متقلقش هعمل نفسي مصدق قول."
تحمم ريان ينظف حلقه وقال بهدوء:
"أنا وراجع البيت واحدة مجنونة عدت الطريق وفضلت أكلكس ليها والبعدها ولا هي هنا..."
قطعه سريعاً بقلق بقوله:
"وخبطتها؟"
"والله ولا لمستها فرملت قبل ما أوصل ليها، بس هي شكلها من البنات الطرية."
جلس ماهر حتى لا يفقد أعصابه وقال بحدة حتى ينجز حديثه:
"امممم وبعدين يعني حصل إيه؟"
"هو انت ليه محسسني إني بحكي حكاية لبنت اختي، ما تنجز تيجي تشوفها بنفسك."
ماهر ضم حاجبيه على بعضهما وقال باندهاش وصوت منخفض حتى لا تسمعه النائمة المتهورة:
"أشوف مين؟ هو أنا هتجوزها؟!"
"يا بني آدم، انت مش دكتور؟"
زفر ماهر أنفاسه بعدما فهم مقصده، فتفوه بتوضيح له:
"دكتور صيدلي ها صيدلي مش زي ما انت متخيل خالص، وديها المستشفى."
"كنت ناقص سين وجيم وأنا سكران."
كانت آخر كلمة قالها جعلت بركان ماهر ينفجر:
"قولتي عايزني أصدق."
"أهو شوفت إذا كان انت مش مصدقني... الغريب هيصدقني؟"
"اقفل يا ريان هغير وأجيلك."
"حبيبي."
تململت تولاي على الفراش وهي تفتح عينيها ببطء.
وجدت نفسها في غرفة جدرانها سوداء.
قامت فازعة فلمحت ناراً تشتعل من كل جانب.
قامت بهلع تصرخ تستنجد بأحد ينجدها.
سماعها ريان الذي كان يقف يسبها ويدعي عليها.
دخل الغرفة سريعاً بخضة.
وجدها نائمة تمسك الفراش بيدها بقوة وتصرخ من قلبها.
ركض يغلق زجاج النافذة.
وأقترب منها هزها وهو يمسك وسادة صغيرة يضعها على وجهها يكتم صوت صراخها:
"يخرب سنينك فوقي أنا ناقص فضايح في العمارة؟"
فاقت على صوته الأجش.
فتحت مقلتيها ببطء رمقته بخوف وسألت بذعر:
"أنا فين، وانت مين، وأنا.... أنا مين؟!"
لطم ريان على وجهه وأبلغها بنبرة هادئة تخالف ما يدور بداخله:
"انتي جاية عندي تتعرفي على نفسك يا أختي."
عادة حديثها برعب وهي تبحلق الغرفة، فأجابها بغيظ من بين أسنانه:
"في بيتي، وأنا اللي فضلت أكلكس ليكي وحضرتك اللي كنتي هتجبيني مصيبة، ولو فضلت على الوضع ده دقيقتين كمان، فالمصيبة جاية جاية."
انكمشت ملامحها بغضب لغلاظة كلماته وردت بعدم فهم:
"انت بتقول إيه؟"
"لا فوقي كده لنفسك بلاش جو الاستهبال، أنا ولا لمستك بالعربية أصلاً."
حدقت به بعينين جاحظتين ثم قالت وهي تقوم من على الفراش بعصبية:
"أنا افتكرتك انت اللي خبطتني، انت أعمى وكمان بجح؟!"
ومن هنا دقت طبول الحرب ورفع كل منهما سلاحه.
بعدما سند ريان بيده على باب الغرفة ورد عليها وهو يتفحصها جيداً:
"طب أنا أعمى وبجح، والبعدها إيه ولا بتسمع ولا بتشوف ولا بتفهم ولسانها طويل."
اتكأت بغيظ بأسنانها على شفتها الودية حتى لا تفقد أعصابها وأخبرته بلامبالاة وهي تقوم من على سريره:
"يا عسل طب عيد تاني كده عشان شكلي وقعت على وداني وأنا صغيرة، اتفضل قسم وسمعني."
تقدم نحوها ريان حتى وقف أمامها، يضم حاجبيه ثم هاج بها صارخاً:
"انتي شكلك لسه بالحبل السري وجاية تثبتي وجودك عليا."
رفعت سبابتها أمام وجهه تخبره بحدة:
"وانت واحد قليل الذوق وعديم الرباية."
ثم أولته ظهرها متقدمة لباب الشقة.
وضع يده على قلبه عندما وجدها تتبختر داخل منزله وعلى السجاد بحذائها.
لكن قبل أن تفتح باب الشقة أغلقه هو بقوة جعل جسدها ينتفض من الخضة.
ثم أطلق صراح كلماته كالطلقات الرصاص من بين أسنانه:
"ما لو أنا عديم الرباية انتي مسمعتيش عنها."
جحظت عيناها من وقاحته وقالت بصوت مزمجر:
"افتح الباب."
بعد خطوة عن الباب بعد أن فتحه، خرجت وهي تبرطم:
"واحد حيوان."
توجهت على سور السلم.
نظرت نظرة سريعة من أعلى تأكدت أنها في دور مرتفع.
رمقت المصعد الكهربائي وهي تبتلع ريقها بضيق ثم تجاهلته.
ونزلت على درج السلم بوجه عابس وشفتيها لم تنتهِ من سبه.
لكنها عندما نزلت إلى باب البناية لم تعرف في أي اتجاه تمشي.
نظرت على خصرها لم تجد حقيبة وسطها.
نظرت مرة ثانية لأعلى وهي تهدأ نفسها من عنادها حتى تصعد مرة أخرى وهي ترسم على ملامحها البراءة.
وطرقت الباب بهدوء.
نظر ريان من العين السحرية وجدها هي.
تأفف وهو يفتح:
"خير عايزة إيه تاني؟"
ردت بابتسامة فشلت في رسمها ووصلت له بما تكنه له بداخلها:
"كان معايا شنطة و...."
لم يعطيها فرصة لإكمال حديثها.
مال بجسده للخلف بدون أن يتحرك خطوة وحمل الحقيبة بين يده من على الطاولة المستديرة التي بالقرب من الباب ومد يده لها بها.
فتحت مقلتيها على وسعها تبصره من أعلى لأسفل وتعجبت كيف وصل لهذه المسافة بدون أن يخطى خطوة واحدة.
فقال وهو يهز الحقيبة أمام أعينها حتى تفيق من شرودها بصوت حاد:
"حاجة تاني؟"
أخذتها تولاي من يده بقوة وأبلغته بضيق:
"هعوز من خلقتك إيه أصلاً!"
ألقت كلامها وتركته على الفور وهي تنعي هم نزول الدرج مرة أخرى:
"اللهي يهد حيلك يا بعيد، زي ما تعبني في الطلوع والنزول."
سند على باب شقته وهو يشير على المصعد:
"انتي تموتي لو لسانك مابرطمش، ما عندك اسانسير."
"ده بتاع العيال التوتو اللي زيك."
قالتها بابتسامة استهزاء له وهي تخفي خوفها منه.
قفل الباب بقوة بوجهها حتى لا يفقد أعصابه عليها.
ترجلت على الدرج وهي تدعي عليه تارة وتسبه تارة وهي تحاول الاتصال بوالدتها لكن بدون فائدة.
لا يوجد شبكة اتصال على السلم.
وعندما وصلت لباب البناية جمع معها الاتصال وصدح صوت هاتف والدتها بجانبها.
أخذته ثم مشت يدها على سهم الإجابة وقالت:
"حبيبتي اتأخرتي أوي."
وضعت يدها على صدرها تأخذ أنفاسها اللاهثة وهي تقرر عدم إبلاغ والدتها بما حدث حتى لا تقلقها عليها:
"سوري يا ماما أنا بعدت شوية عن البيت قوليلي العنوان بالظبط."
فرحت يسرا بسيرها حتى تتخلص من طاقتها السلبية.
وأبلغتها العنوان، فردت عليها تولاي:
"أوكي يا ماما مش هتأخر باي."
أغلقت وأوقفت سيارة أجرة صعدت وقالت له العنوان وهي ترجع رأسها للخلف تمسك مقدمة رأسها بأطراف أصابعها.
كان ريان ينظف غرفته من هذه الدخيلة وهو يلعن حظه الذي أوقعها في طريقه.
حتى رن جرس الشقة.
حدق بعينه بصدمة لتكون هي مرة ثانية.
تحرك على أطراف أصابعه ونظر بخفة من العين السحرية الموضوعة داخل باب الشقة.
فهدا جسده من تشنجاته وفتح وهو يقول بصوت عالٍ:
"حبيبي يا أبو الأنساب."
ثم دفعه خارج المنزل قبل أن يدخل بالحذاء:
"جزمتك يا حيلتها، مش فرح وطـ. هور ابن العمده النهارده هو."
"نفسي تكون ذوق ومتحضر ده سجاد معمول ندوس عليه."
"ما أنا مش الفلبينية بتاعة أهلك اقلع وادخل."
قلع حذائه ودخل خلفه يعاكسه:
"يالهوي على جمال أمك أحلى فلبينية."
"استظرف كمان."
"مالك قرفان من نفسك."
"بنت المبقعة بهدلتني البيت ومشيت."
حرك ماهر بؤبؤ عينه حول المنزل وجده مرتب ويلمع، فقال بتساؤل:
"سيبك من البيت اللي بيلمع هي فين؟"
"الحمد لله فاقت وغارت."
"كانت حلوة؟"
سأل ماهر وهو يجلس على المقعد، فرد عليه وهو يعض شفته:
"أوي أوي يا ماهر."
"أوووف وسبتها تمشي."
تذكر ريان أسلوبها الهمجي وقال بغيظ:
"من لسانها تغور، وخد هنا واخد راحتك أوي وفارد ريشك."
ضحك ماهر وهو يقوم يتوجه لباب المنزل:
"الحكومة مش جنبي سبني أنفس عن نفسي."
"لا نفس يا أبو نسب أحسن ما تنفجر."
قال جملته وهو يحمل مفتاحه ويتأكد لآخر مرة من نظافة البيت ونزلا سوياً كل منهما توجه لسيارته.
وصلت تولاي أمام الفيلا نزلت بوجه مزمجر.
وقفت قليلاً تمحي غضبها وهي تتفنن برسم ابتسامة ثم استعدت بالدخول.
قبلتها والدتها تبادلها ابتسامة حانية وهي تمد ذراعيها لها تضمها وقالت:
"شوفتي بقى لما نزلتي ايديكي غيرتي جو، وجسمك استعاد نشاطه."
"اه اه طبعاً، الحمد لله."
قالتها وهي ترفع حاجبيها بابتسامة مصطنعة ومن داخلها تغلي.
ثم اقترب منها والدها الذي أحضر لها كوب من عصير المانجا:
"أحلى عصير لبنتي القمر."
أخذته منه وهي تبتسم، وشربته على دفعة واحدة حتى تطفي نيرانها الداخلية.
اصطف ريان سيارته ودخل فيلته وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن قلع حذائه حمله بين أصابع يده ومشى على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ والدته وتسمعه المرشح المعتاد في الصباح الباكر.
وصل غرفته وضع كل شيء بمكانه وتمدد على الفراش غاطس بأحلامه.
لكن بعد ساعات قليلة دخلت والدته إيمان بنفس الطريقة.
فتحت النافذة، وقبل أي حرف منها هب واقفا على الفور وهو يقف خلفها يرفع يده يقفل فمها ويميل برأسه يضع قبلة على خدها وهو يتنهد:
"القمر اللي مش بيزهق أبداً، اديني صحيت من غير ما أوجع لك قلبي ولاب لاب لاب بتاع كل يوم."
أنزلت يده من على شفتها تخبره:
"يابني حرام عليك اشتغل بقى بدل السرمحة طول الليل دي."
سند ذقنه أعلى كتفها الأيسر وقال بجوار أذنها باستسلام:
"وأنا موافق بس زي ما قولتلك افتح شركة سياحة صدقيني مش هفلح في أي حاجة غيرها."
أغمضت عينها تهدأ من ثوارنها:
"يا ريان انت خريج هندسة بتقدير جيد جداً."
عكست عينه الضيق الذي شعر به فجأة وقال بهدوء:
"لو بتحبيني بجد بلاش نتكلم في الموضوع ده، ولو على الشغل أنا مش رافض أهو بس في المجال اللي اختاره."
تنهدت بحرارة وهي تدعي الله له بصلاح الحال وتركته تحضر الفطور.
أمسح وجهه بقوة كأن يضع الرمال المتحركة على ذكرياته حتى يطمس ويفقد رمادها للأبد.
بينما هند تقف بين جدران غرفتها الهادئة هدوء المقابر ليلاً، فاقدة روح أختها المشاغبة التي كانت عندما تفتح مقلتيها صوتها يجلجل بين غرف المنزل كله في آن واحد بمرح ومشاكستها للجميع.
رمشت بعينيها وهي ترتب كتبها داخل حقيبة ظهرها وعبرتها تزرف أنهاراً بحزن على الفراق، ونار ولوعة على طريقة موتها، فحزنها بمثابة خيوط عنكبوت نجح في صنع شبكته ليتمكن من وقوع فريسته بسهولة....
انتبهت من شرودها على صوت طرقات خفيفة من يد عمر على باب غرفتها.
أذنت له بالدخول، هم بالدخول وهو يحفزها كما كانت تفعل أختها، لكن بطريقته الهادئة:
"يلا يا هند عشان وقت أول محاضرة ميروحش عليكي."
رفعت كفها لتمسح عينيها لكن كف يده سبق كفها في تجفيف دموعها وأبلغها بصوت حنون:
"ممكن مشوفش الدموع اللي زي اللؤلؤ دي تاني، مش اتفقنا ندعي ليها من قلبنا وبس."
أومأت رأسها بملامح حزينة مشوبة بضعف:
"غصب عني والله."
جلس أمامها على مكتبها ممسك بكف يدها مربت عليها، وأردف بعقلانية:
"عارف أنك قوية وصدقيني الأيام هتثبتلك أنك مش لوحدك."
وضعت كفها الثاني فوق كفه بشكر وامتنان:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي؟"
"لو على الشكر سهل أوي."
زوت ما بين حاجبيها بتعجب، فأردف بابتسامة حانية بها تمني ورجاء:
"شكرك ليا هو نجاحك الحقيقي في مستقبلك ودراستك، عايز أختك وهي في مكانها تكون راضية عني."
تعجبت أكثر وهي تسأل بنوع من الإحراج:
"سوري، بس حضرتك وصافي كنت بشوفكم دايماً زعلانين من بعض وبتتخانقوا."
أومأ برأسه وهو يحسها على المشي حتى لا يتأخرا أكثر:
"حصل، بس ده طبيعي بين أي اتنين متجوزين، عارفة يا هند لما يبقى في إيدك حاجة غالية وطول ما هي قدامك تبقي مش مقدرة قيمتها وحرفياً متحسيش بيها غير لما تروح."
رفعت حاجبيها وهي تعوج فمها وتهز رأسها يساراً ويميناً بطريقة توضح أنها توزن الكلام بدماغها وأجابته بطريقة لازعة:
"بس ده يبقى غباء."
ضحك على تشبيهه بالغباء، فهو ينعت ذاته بأكثر بكثير فقال بملامح متصنعة الجدية:
"بنت عيب... أنا أقول على نفسي انتي متقوليش."
زردت ريقها بإحراج وهي تقف على رصيف بالشارع معتذرة على فظاظتها بالحوار معه:
"سوري يا عمر."
"سوري إيه بهزر معاكي، يلا اركبي العربية."
"كده حضرتك هتتأخر."
"تبقي تعملي حسابك بقى بعد كده وتنزلِ بدري عشان متأخرش المرة الجاية."
قال جملته بمزاح موضحاً أنه سيُوصلها يومياً، لكنها وقفت بملامح متأسفة حتى لا تعطلَه، فرمقها بقوة وأبلغها بلهجة أمر لا تقبل المناقشة، حتى لا يرهق نفسه في موضوع فرغ الأمر به:
"أركببببي."
استعدت في الركوب بإحراج، برغم ثقتها أنها ستعطله حقاً.
وظل الصمت بينهما حتى أوصلها وقال:
"اعملي حسابك قبل ما تخلصي آخر محاضرة ابعتي ليا رسالة واتس أجي أخده نتغدا بره."
"بس كده كتير على حضرتك يا عمر."
"وعمر بيقولك مش كتير يا هند اتفضلي على جامعتك يا دكتورة، وخلي بالك لتتعكسي وانتي زي البسكوتة كده."
ابتسمت وهي تبلغه بملامح مازحة:
"البسكوتة دي وقت الجد يكفيك شرها."
دوت صوت رنات ضحكته بالعربة وهو يحرك المفتاح ليستعد الرحيل:
"مهما توصفي شرك هيساوي جنب صافي صفففففر."
ألقت عليه السلام وهي تبتسم، ثم تحركت في استحياء، وسريعاً انتقع وجهها بماء الحزن من جديد.
ورحل عمر على البنك الذي يعمل به، بقلب مهتاج من لهيبه.
وحين رأت هند صديقتها تقترب منها ابتسمت ودخلها ألم وحزن.
حضنتها صديقتها سهى بقوة وتركت هند لدموعها العنان وظلت تربت عليها حتى هدأت وقالت بصوت حزين:
"شدي حيلك يا هند."
أومأت برأسها بحزن وبلعت ريقها وحركت عينيها بتوتر في الجامعة، فهمت سهى ما تبحث عنه فقالت:
"سيف بقاله كام يوم مش بيجي."
"متعرفيش ليه؟"
"تقريباً سافر مش كان قايل والدته هتعمل عملية."
ضربت رأسها بقوة وضيق من ذاتها:
"أنا نسيت خالص."
"معلش يا هند انتي كمان كنتي في ظروف صعبة أكيد لما يرجع هيتفهَّم."
"إن شاء الله."
قالت جملتها بحزن وهما يتحركان سوياً على المحاضرة العملية.
بعد أن تناول ريان وجبة الإفطار.
قام بحمل الأطباق إلى المطبخ وافرغ المتبقى بكيس بلاستيك وغسل الأطباق ووضعها مكانها بعد أن نشفها بالفوطة الخاصة.
وقفت إيمان تتابعه وهي تقول بصوت هامس:
"سبحان الله نضيف نضافة، لكن رمرام مش بتمشي غير مع الزبالة."
"سمعتك على فكرة، الحق عليا مش عايز أتعبك."
"هو أنا مش عرفاك تموت لو لقيت حاجة مش في مكانها ولا نضيفة."
"سبحان الله مش بعجب مهما أعمل وسعي وسعي."
قال حديثه بمشاكسة ثم ترجل إلى الحديقة يسقيها.
أمسك برشاش المياه بملل وبدأ بالضغط على المقبض وهو يغني ويحرك قدمه على الأرض كحصان الذي يرقص بمزاج:
"عم يا صاحب الجمال، ارحمني دنا ليلي طال. شوف لي جمال على قد الحال. شوف لي جمال على قد الحال. يعوض صبري اللي طال يا عم يا صاحب الجمال."
طلعت تولاي تشرب كوب من القهوة في حديقة الفيلا وهي تتأمل الأشجار والخضرة.
حتى سمعت صوت مواء قطة صغيرة تبحث عن طعام.
تركت كوب القهوة وقامت وهي تميل جذعها الأعلى تبحث عنها حتى وصلت للحديقة المجاورة وهي تقول بصوت طفولي:
"فينك يا صغننة انتي."
كانت القطة تهرب منها خوفاً.
رأتها تولاي وهي تدخل بين الأشجار:
"تعالى تعالى متخوفيش يا روحي... هي أمك الوحشة سابتك وانتي جعانة.... يا روحي على الصغنن تعالى يا توتي تعالى يلا لأمك الجديدة متخافيش."
لمحها صاحب الفيلا وهي تتسلل إلى حديقة منزله.
مال رأسه لليسار وهو يتفحصها بوجوم ثم سألها بحاجب مرفوع وهو يقترب منها بهدوء:
"يخرب سنينك انتي بتـ*ـنـ*ـيل هنا إيه؟!"
رواية طوق نجاتي الفصل الرابع 4 - بقلم ابتسام محمود
لمحها صاحب الفيلا وهي تتسلل إلى حديقة منزله. مال برأسه لليسار وهو يتفحصها بوجوم، وسألها بحاجب مرفوع وهو يقترب منها بهدوء:
- يخرب سنينك، انتي بتعملي إيه هنا؟
فزعت من صوته الجهوري وهبت واقفة بتوتر، ناظرة لأسفل وأبلغته بتلعثم:
- سوري، القطة جت عندكم.
- قطة إيه وزفت إيه، انتي ورايا ورايا يا بت.
قال كلامه بأسلوب فظ، جعلها تشتعل من الداخل، ورفعت بصرها على الفور. حدقته، فعرفته، فبدأ الغضب يستحوذ على عقلها.
- تصدق بالله، انت مش قليل الرباية بس انت قليل الأخلاق والإحساس وكل حاجة.
اتكأ ريان على شفته المسكينة يصب بها غضبه، وأخبرها بوجه خالٍ من الفكاهة:
- طيب يلا انجري من هنا، لـ...
- أحميكى.
- تحمي مين ياهبل انت؟
ضحكته الساخرة ليجيب وهو يضغط على مقبض رشاش المياه. اندفعت المياه بقوة ونزلت عليها، غرقت ثيابها بالكامل وأصبحت الثياب ملتصقة على جسدها.
- كده وصلك ردي يا لوزة.
صدمت من فعلته، ووقاحته ألجمتها. مالت، أخذت القطة الصغيرة وركضت سريعًا متوجهة إلى فيلتها، هاربة من عيون هذا المعتوه وهي تشد ثيابها التي أصبحت تفصل جسدها. ثم دخلت بوجه تتخططه علامات الضيق.
- ده مش معقول يكون بني آدم.
ركضت عليها يسرا بقلق:
- حصل إيه؟
- في واحد عامل زي الطور غرقني.
- يا خبر! تعالى بسرعة غيري هدومك لتبردي.
تحركت معها وأعطتها القطة الصغيرة وقالت:
- خلي بالك منها على ما آخد دش.
- عيوني يا حبيبتي. اعملي حسابك في ناس هتزورنا بعد نص ساعة.
- حاضر يا ماما، مش هتأخر.
دخلت دورة المياه وقلعت حجابها، ثم تركت عنان شعرها ينسدل مثل أمواج البحر، وظلت تتوعد لهذا الكائن البشري بالكثير والكثير حتى هدأ غليانها.
***
ترك "ريان" رشاش المياه وجلس يضحك على حركاتها، ثم توجه إلى أمه المنادية، التي قالت:
- بقالي ربع ساعة بنادي عليك.
أجابها وهو ما زال يضحك:
- مسمعتكيش يا قمر.
- إيه اللي مسخسخك؟
- متشغليش بالك، موقف حصل وخلص.
- طيب يلا اجهز عشان نروح نزور طنطك يسرا.
- هروح بس أنا بحذرك، أياكي تعملي أي حركة غدر من حركاتك.
- أنا بعمل حركات غدر؟
قالتها إيمان وهي تشير على نفسها، فأقترب ريان منها واضع ذراعه على كتفها.
- اتمسكني، اتمسكني. نسيتي طنط سارة بدأت تعالي نشوفها عشان تعبانة. خلصت على يلا نقرا الفاتحة، أصل بنتها زي القمر ودخلت قلبي.
اتسعت عيناها من فظاظة حديثه، وحين انتهى، كورت معصم يدها وضربته على صدره العريض وهي تقول:
- عمرك ما بيعجبك حاجة بعملها.
ضحك ريان وهو يمسك كف يدها يقبله، ثم وضعها على صدره. أغمضت عينيها ودعت الله له بقولها:
- ربنا يهديك يا بني. هقول إيه، ولا عايز تشتغل ولا عايز تتجوز، دي عيشة بالذمة.
ترك ريان يدها ومشى عدت خطوات وعلى وجهه علامات الضيق والحزن، لكن حاول يخفي ما يشعر به وأبلغها بمزاح حتى لا تشعر بما يكنه:
- أنا حاسس إنك مرات أبويا، انتي مستحيل تكوني أمي. بصي، هجبلك بنزين بيور وحطي على جرحي بدل الكالونيه بتاعتك دي، ارحميني بقى يا حجة، مالي؟ ها، قولي مالي؟ اديني زي الفل اهو.
استشعرت إيمان من نبرته ما حاول أخفائه، فغيرت مجرى الحديث:
- يارب دايما فل. ممكن يلا عشان نروح؟
- بصي، أنا ولا هخليكي تاهتي ولا توجعي قلبك، ولا تتعصبي. هقول حاضر، حلو كده؟
- قلبي مش مطمنك.
زفر ريان أنفاسه وهو يحرك رأسه يسارًا ويمينًا على كائن الأنثى التي بداخل كل امرأة، الذي لا يعرف كيف يرضيها مهما فعل، فقال بفكاهة:
- تحبي أحطلك على حاضر مكسرات أو أي إضافات عشان تطمني؟
- ظريف.
- لا، ما انتي هتدفعي متقلقيش.
- قول كده!
- عيبك إنك مش فهماني.
- طيب اخلص.
- حاضر.
وبعد عشر دقائق، نزل لها بعدما بدّل ملابسه بزي رياضي وقال:
- أنا جاهز.
رمقت إيمان هيئته بحب. فهو شاب وسيم، شيك، كامل بمعنى الكلمة، لا ينقصه إلا قلبًا يحب كباقي البشر. غمઝ لها بطرف عينه وهو يلبس ساعته:
- وصلتي لفين؟ أكيد لابس بدلة سودة صح؟ اعترفي.
عكست سحابة عينيها غمامة من الدموع، أثر مداعبة كلماته قلبها، لكنها رسمت ابتسامة على محياها وهي تهز رأسها تنكر. أقترب منها يحاوط عنقها بذراعه القوي، قائل بمزاح:
- مش كبرنا على الكذب ده؟
رمقته وهي تمسك وجهه بحب وقلب مشتاق:
- اصلها كانت بيضة وكنت قمر ووشك منور زي البدر.
أبعدها ريان عن حضنه وأبلغها بمزاح:
- كمان خلتيني فلاح يوم فرحي. امشي يا أمي الله يسهلك.
ضحكت إيمان على أسلوبه الهوجائي وأبلغته بتحذير:
- شفايفك ما تتفتحش إلا بأزيك، أهلاً، حمد الله على السلامة. كلمة زيادة فيها قلة ذوق ولا جليطة منك، انت عارف هيحصلك إيه.
سابقها ريان وتقدم من باب فيلته وأبلغها وهو يشار على ساعته:
- من غير ما تقولي، حاضر بالمكسرات والقشطة يا لوزة، يلا بقى هنتأخر.
- قلبي ده مش مطمنك.
قالتها وهي تشار على قلبها بقلق، فرد عليها بتعجب:
- تاني!
قطعهم دخول أخته من الباب الرئيسي للفيلا تصرخ في أطفالها:
- حرام عليكم ارحموني، أنا مش عارفة ألاقيها منكم ولا من أبوكم.
ابتسم ريان وقال بصوت جهور:
- واهي كملت، عائشة وصلت بزفتها.
- انت أخ، انت بقالي كام يوم بقولك تعالى خد العيال عشان أشم نفسي.
- هو انتي تشمي نفسك وأنا أتجلط عادي؟
- انت مش خالهم والخال والد.
- والوالد اللي جابهم راح فين؟
- بيتسرمح.
قالتها عائش بأسف وهي تضع يدها بخصرها بشكل مسرحي حتى يصعب حالها عليه، فقال وهو يفتح ذراعيه في الهواء:
- مش تقولي من بدري... حبايب خالو اللي هيجيبوا أجلي.
ركضوا عليه حضنوه بقوة جعلته يقع على الأرض:
- اعمل حسابك يا ذوق، هتعمل قهوة النهارده. لهقول لتيتا على طنط أم كتف واقع اللي كنت بتحطلها في عينها ال.....
وضع يده على فم ابن أخته وضحك بصوت مرتفع، وقال له من بين أسنانه بصوت منخفض:
- آه يابن الكلب، هعملك اللي عايزه.
كادت إيمان تصاب بشلل رعاش من ابنها البكري الذي جلس يتسامر مع الأطفال ونسى الموعد:
- تحب تطلع فوق تريح أحسن.
- تصدقي فكرة، هو أنا إيه اللي مقعدني هنا؟
- رياااااان!
صرخت بها إيمان بعدما تحرك بالفعل ريان للداخل، جعلته يتسمر مكانه ويشار لأخته:
- فيه إيه؟
- فيه إيه كمان؟ انت نسيت إننا خارجين.
ضرب مقدمة رأسه وتحمم:
- ما رغي النسوان ده ينسى اللي ميتنسيش، أنا جاهز يلا.
بلعت ريقها ووجهت نظرها على بنتها:
- تعالي معانا.
- هروح فين بس بالعيال دي؟
- ربع ساعة وهنمشي، مش هيلحقوا ياخدوا على البيت.
وافقت واتحركوا متوجهين لمدام "يسرا" التي كانت تنتظرهم. وعندما نزلت ابنتها تولاي، طالت خصلات شعرها، قالت يسرا:
- خلي بالك، طنط إيمان معاها شاب هيجي معاها.
- كويس إنك قولتيلي يا ماما، بس قوليلي شكله إيه مواصفاته، متجوز ولا سنجل؟
ضحكت "يسرا" على أسلوب ابنتها وقالت:
- إيه يا تولاي مالك؟
جلست "تولاي" بعدما لبست حجابها وقالت بصوت ولهان:
- نفسي أعيش قصة حب قوية، نفسي أحب وأحب أوي يا ماما.
- ربنا يسعدك يا روحي وتلاقي ابن الحلال اللي يصونك.
رفعت يدها تأمن على دعاء والدتها بسعادة:
- يارب يا ماما.
وصلت "إيمان" وابنائها بيت جارتها "يسرا"، التي كانت تقف تستقبلها هي وابنتها "تولاي". فبدأت "تولاي" بالسلام وهي تمد يدها:
- ازيك يا طنط.
ابتسمت "إيمان" بنشوة من الإعجاب وشدتها داخل حضنها وضمتها بقوة وقالت بسعادة:
- حمد الله على السلامة.
- الله يسلمك.
قالت "تولاي" جملتها بصوت هادئ وعين تبحث عن نجلها، الذي رسمته في خيالها فارس أحلامها، وخبطت قدم والدتها دون أن أحد يلاحظ هامسة لها:
- آمال فين الحليوة؟
عجزت "يسرا" عن كبت ضحكتها، فنظرت لـ "إيمان" وسألتها على الفور:
- هو فين ريان؟
نظرت لحديقة منزل "يسرا" وهي تشير للخارج:
- بره واقف مع صلاح، أهم جاين.
انكمشت ملامح تولاي بأرتباك وتسرب الغضب بخلايا عقلها، بينما "ريان" تجمد وجهه ثم نظر إليها بطرف عينه وقال بابتسامة مصطنعة وهو يمد كف يده:
- أهلاًااا، حمد الله على السلامة...
لوت "تولاي" فمها في انزعاج دون أن تنبس ببنت شفة، فأقترب "ريان" من أذنها وهمس بغلاظة:
- إن شاء الله كان طلعلك قرش وبلعك وريحني وريح البشرية.
لم تكن "تولاي" عاجزة عن الرد، لكن انتظرت لحظات تبعد عنها الأنظار، وأبلغته بعدما بدلته نفس الابتسامة:
- الله يسلمك... وهمست بشفاهها: الهي ينزلك اللوز يا بعيد ومتلاقيش حتى لمونة ناشفة في باب التلاجة.
أجابها سريعا بعد غمزة من طرف عينه اليسار:
- طول ما انتي في وشي هتنزلي كل حاجة.
رمقته بغرور وبعدت عنه وجلست بعيدًا عنه، فقام بمشاكستها:
- نورتي الدنيا.... ثم أكمل بصوت منخفض: الله يجحملك.
وقبل أن تقوم والدتها، أمسكت "تولاي" يدها:
- خليكي يا ماما، هعملهم القهوة بايدي.
- أيوه هو ده أحسن حل... ثم قالت بعد أن عضت شفتيها بحرج: قصدي يعني ندوق عمايل إيدك.
فهذا كان رد أخته المتفرجة على كل ما يحدث بينهما، فقال "ريان":
- عايزها سادة.
ابتسمت لهم "تولاي" وتحركت إلى المطبخ وبدأت في تجهيز القهوة، لكن طرقت فكرة بسحابة عقلها تضع لـ "ريان" داخل القهوة ملح بدل السكر، وبالفعل بدأت في تنفيذ مخططها الشيطاني النابع من منبع الخبث بدماغها، ثم تقدمت لهم وهي تحمل الصينية وأعطت كل منهم كوب القهوة، وجلست مكانها، وضعت قدم على الأخرى، تحدق فريستها بسعادة، حتى أن ارتشف أول رشفة سيطر عليها الراحة النفسية بعدما نجحت في أخذ حقها، فظل يسعل وعينه احمرت، قامت أمه تربت على ظهره ووالدتها جلبت له كأس ماء، وهي كانت تشاهد بمتعة كمن يشاهد التلفاز على ماتش كورة في آخر جولة وكسب من تشجعه هي فقط.
أغمض "ريان" عينه وهو يحاول أخذ نفسه وكان يضع يده بمنتصف صدره، وأبلغهم بعدما ارتشف الماء:
- سوري يا جماعة، شرقت بس.
كتم بداخله الحقيقة وهو يتوعد لها ببداية الحرب الحقيقة، بدلته ابتسامة انتصار وانشراح، في وسط عبس وجه "إيمان" بهذه القهوة، فأضاف هو بابتسامة عريضة لا تبشر بخير لها:
- اممم اممم، تحفة رهيبة.
وضعت كف يدها أسفل ذقنها ناظرة بعيدًا عنه وهي تحرك فمها بكلمة:
- سم.
كانت "يسرا" تحكي مغامرات "تولاي"، و"تولاي" كانت تتعجرف بمغامراتها وحديث والدتها عليها، فأستوقف "ريان" اسمها حينما ذكرته والدتها:
- معلش مين؟
ابتسمت "تولاي" ابتسامة صفراء وهي ترمقه:
- تولاي...
ثم أكملت بطريقة كوميدية حتى لا يفهم الجالسين المقصد الحقيقي من رميها هذه الجملة في هذا التوقيت:
- بس ميغركش أناقة الاسم، أنا فرع بولاق.
ضحك الحاضرين، إلا هو وصل له مقصدها جيدًا.
وبعد وقت استأذنت "إيمان"، ومشيت بقلب يغمره الفرح وراحة البال مستبشرة خيرًا في "تولاي" بتحرير قيود ولدها المكبل.
وحينما وصلوا الفيلا، ركض أبناء عائشة على "ريان" فأستعد للعب معهم، بينما كانت نظراته تراقب والدته التي أخذت ابنتها عائشة ودخلت للداخل وأبلغتها بحرقة:
- شفتي أخوكي مصر برضو يركن شهادته ويشتغل في السياحة.
جلست عائشة ووضعت وسادة صغيرة على قدمها وردت عليها بهدوء:
- سيبه يختار اللي يريحه، بلاش تضغطي عليه.
اتسعت عين "إيمان" وهي تسقط في دوامة من الصدمة، وقالت بقهر:
- أسيبه ينول مراده وبدل ما كان بيروح هو للسرمحة، هي اللي تجيله لحد عنده؟!
هزت رأسها تنفي ما يدور في ظلام عقل والدتها وأجابتها بمنطق:
- ماما، ده شغل، سيبه بقى ياخد قراره، هو مش صغير. ريان ذكي وطموح وراجل بجد يعتمد عليه. وغير كده هو من صغره مع بابا الله يرحمه في السفاري والبحر، فهو حر. بلاش تحسسيه إنه لسه طفل، هو لو صابر على تدخلك في كل كبيرة وصغيرة، فصابر عشان بيحبك وميقدرش على زعلك. لو واحد غير ريان كان سابك من زمان وعاش في شقته لوحده وكبر دماغه. بلييييز اديله مساحة، بلاش تتدخلي في كل كبيرة وصغيرة يا قمر انتي.
تنهدت بصوت مسموع وأخبرتها بصوت مزمجر:
- طيب والجواز اللي رفضه هتقولي سبيه برضو؟
- أيوه.
أخرجت "عائشة" حروفها بثقة وثبات، فسألتها "إيمان" بصوت عالٍ يشبه الضجيج الذي يسيطر على عقلها:
- أسيبه وهو قافل على قلبه بالضبة والمفتاح؟ أسيبه يسرقه القطر؟
- ماما، نصيبه هيجيله حتى لو حاطط وشاح على عينه، وصدقيني بنفسه هيجيلك ويقولك أنا عايز أتزوج. اسأليني أنا، هو في حد يقدر يهرب من قدره؟ وغير كده الجواز الحاجة الوحيدة اللي كلنا بنحلم بيها.
قالت حديثها بمزاح حتى تخفف على والدتها الضغط النفسي الذي تتوقعه داخله، لكن أضافت "إيمان" بقوة وهي تضيق عينيها وتلوح بيدها في الهواء:
- ده صايع كل يوم مع واحدة... يعني مش هيشغله الموضوع.
فشلت عن تواري ابتسامتها الواسعة:
- دماغك بتحدف شمال يا إيمو، اللي أقصده أي حد بيحتاج حد يشاركه في حياته ويبقى عنده أطفال.
ردت عليها من بين أسنانها بغيظ وهي تشير بالسبابة مكان ما يجلس:
- ريان؟!!! ده بيتسرمح للصبح، مفيش عنده وقت يفكر ولا يحس إنه وحيد.
وقفت مدافعة عن أخيها الوحيد حتى تنهي الحوار بوجه مليء بالفكاهة:
- بقولك إيه يا ست انتي، سيبي الواد الحيلة الحليوة أبو عضلات يعمل اللي يريحه.
دخل عليهما "ريان" ووقف على أعتاب الفيلا ساند ظهره على الباب ومربع يده منتظرًا أن ينهوا حديثهما، وهو يبتسم لوصف أخته له، فقالت "عائشة" وهي تشير عليه:
- ابن حلال، كنا بندعي عليك.
أعتدل في وقفته وهو يبتعد عن الباب، محاولًا الهروب من ما يدور بدماغه:
- هي فيها نم، طيب أسيبكم تكملوا تقطيع في وبرتي، اهو الواحد يضمن حسنات من الهوا.
تقدمت نحوه أخته بابتسامة عريضة:
- لا لا، تعالي كفاية عليك حسنات كده... ثم جذبته من ظهره لحضنها، فأستسلم "ريان" لحركتها وهو يرفع حاجبيه بتعجب، حتى أن أردفت بسعادة:
- مبروك يا عمري على الشغل.
زوى ما بين حاجبيه باستغراب ممزوج بتفاؤل:
- شغل إيه؟
- ماما قالتلي إنك هتفتح مكتب سياحة.
اتسعت حدقتا "إيمان" بغيظ من ابنتها، بينما "ريان" اقترب منها وسألها بصوت سعيد:
- بجد وافقتي؟
أغلقت جفونها محاولة التحكم في ثباتها من المأزق التي وضعتها داخله وحاولت النفي:
- مش...
قطعتها "عائشة" وهي تسحب وجه أخيها لها تخبره بمشاكسة:
- أيوه طبعًا يا قلبي وافقت، بس أهم حاجة الشغل شغل يا واد.
أجابها بسعادة غامرة تحتل قلبه:
- لا متقلقيش، العط ليه مكانه برضو.
ضحكت هي وأخوها، لكن والدتهما تشعر بارتفاع ضغطها وقالت بنفاذ صبر:
- احمدك يارب أنك خلتها بنت.
عقدت عائشة حاجبيها بتساؤل:
- ليه يا قمر؟
- كنتي هتبقي العن منه يا حبيبتي.
ألقت جملتها من شدة غيظها منهما، لكن عائشة ردت عليها وهي تضحك مؤكدة حروف والدتها:
- آه والله كنت هبقى منحرفة، آمال أنا سايباه ماهر ليه يقضيها.
فقال "ريان" بإعجاب واضح لشخصيتها:
- عارفة يا عائشة، لو لقيت واحدة زيك مش هتردد لحظة أتزوجها.
صدحت رنات ضحكتها وهي تبلغ والدتها:
- يبقى يا حسرتك يا إيمو ابنك هيعنس جنبك. أصل مستحيل تلاقي واحدة فري كده يا بيبي.
قامت "إيمان" من مجلسها وهي تتحسر على خلفتها وتكلم نفسها:
- يا سواد حظك في عيالك يا إيمان، أنا معرفتش أربيكم يا صايع منك ليها، وسعوا كده لما أطلع للعيال اللي بره أربيهم، كفاية فشلت في تربيتكم.
رفعت "عائشة" عنقها تراقب والدتها حتى أن اختفت، ثم مسكت يد أخيها ممازحة:
- مسكينة والله.... بس تستاهل.
ثم أضافت بجدية:
- قولي بقى ناوي تسمي الشركة إيه؟
- نفرتيتي للرحلات، إيه رأيك؟
- حلو.
- لو احتجت أي حاجة أنا معاك وش.
- قلبي انتي، أنا واثق إنك سدادة. أنا هدخل شريك في الشركة مع زين.
- زين ده اللي هو زينهم؟
هز رأسه بابتسامة تزين وجهه، ضربة كف على كف وهي تهز رأسها:
- كده اطمنت إن الشركة أعلنت إفلاسها قبل ما تفتح.
ضحكا سويًا بصوت مرتفع، فدخلت "إيمان" على صوتهما وهي تقول بغيظ:
- اضحكوا اضحوا، ولا اللي شاربين حشيش.
انكمشت ملامح عائشة بشمئزاز:
- ماما إيه اللي بتقولي ده؟! حسستيني إنك قولتي حاجة ممنوعة ولا منكر.
زفرت "إيمان" أنفاسها بغيظ من هذه المعتوهة وقالت بتساؤل:
- آمال الحشيش إيه؟
- الحشيش ده مش نبات.
ردت عن اقتناع بدون تفكير:
- آه.
- يبقى نبات زيّه زي الملوخية، لما يتحرم أكل الملوخية يبقى نطبق الكلام ده على أي نبات.
ضحك "ريان" وهو يرفع يده يصفق مؤيدًا كلام أخته:
- بنتك ليفل الشرس... بالله عليكِ جوزيني واحدة نفس الدماغ المتكلفة دي، شوفتي اهو مش معترض، اسعي بقى معايا ولاقيها.
كادت تخرج عن طور العقل والتحضر، التي تحاول أن تحتفظ به طوال عمرها:
- أنا إيه اللي بيجبني عندكم انتوا الاتنين.
وأكملت بعدما لمحت شبح ابتسامة على شفتيهما بصوت يهدد بالانفجار في أي وقت:
- بت انتي قومي خدي عيالك وامشي، كفاياني واحد أنا مصدقت اتجوزتي خلصت من الحزب اللي عاملين عليا انتوا الاتنين.
ضحكت عائشة وهي تلملم أغراضها هي فقط وقالت بطريقة مسرحية:
- همشي يا مصر عشان ترتاحي.... بس عيالي يلزموكي، إلا ماهر لو رجعتله بيهم هيطلقني بالثلاثة.
- لا وعلى إيه عيالك ارحم منك، يلا يا حبيبتي السواق واقف بره، مع السلامة.
قالتها وهي تمسك بأولادها حتى تتخلص منها، فقالت "عائشة" لـ "ريان" الذي لا يسيطر على ضحكاته:
- أمك بتحبني أوي لدرجة متقدرش تستغنى عني.
- متأكد من غير ما تحلفي، الحقي اهربي من وشها لأنها بدأت تتحول.
ركضت "عائشة" للخارج وأستعد "ريان" الذهاب لغرفته ينال قسطًا من الراحة قبل أن يكلم صديقه "زين".
***
أنهت هند محاضرتها وبعثت رسالة ل عمر بأنها أنهت جميع محاضراتها. فتح الرسالة عمر و أنهى سريعًا ما يفعله حتى لا يتأخر عليها.
فجلست "هند" مع صديقتها بإحدى المقاهي منتظرة مجيء "عمر"، فقالت لها صديقتها "يارا":
- هند حبيبتي، أنا هرتب لكِ مكان في سكن الجامعة قريب أوي، مش عايز اكي تشيلي هم حاجة.
تعجبت هند من عرضها الغريب:
- ليه؟
- ليه إيه، آمال هتقعدي فين؟
زوت ما بين حاجبيها مستغربة سألها، لكن أجابتها بهدوء:
- أنا قاعدة في شقة اختي.
أوضحت لها "سهى" بقولها:
- واختك الله يرحمها.
- أيوه، بس الشقة موجودة.
سألتها يارا صديقتهما الثالثة باستفسار:
- هو جوز اختك سافر يعني؟
- سافر فين يا يارا؟ عمر عايش معايا.
سألتها هند بسؤال على سؤالها بضيق، فهلعت يارا وسهى من ردها وقالت سهى بحدة:
- انتي بتهزري؟
- هو في إيه يا سمى؟
أجابتها سهى بتوضيح:
- هند، السبب الرئيسي لوجودك في الشقة دي الله يرحمها، عمر راجل وانتي بنت وما اجتمع رجل وأنثى إلا وثالثهما الشيطان.
رمقتها بحدة لتفكرها وأبلغتها وهي تنهض:
- عمر بيعتبرني أخته الصغيرة.
وقبل أن تمشي أمسكت يدها سمى موضحة حسن نيتها:
- اديكِ قولتي بيعتبرك... مش فعلاً.
شردت هند دقائق فيما حدث صباحًا، فهو حقًا يعتبرها أخته، لا ينظر عليها بخبث، كان يشجعها ويحفزها كأنها ابنته، فاقت من شرودها على صوت آلات تنبيه عربة عمر. ابتسمت له ثم وجهت بصرها لصديقتها بعد أن تحمحت مؤكدة لهما شعرها:
- لا فعلاً أخته مش بيعتبرني.
فأمسكت يارا يدها بقوة تبلغها:
- تفتكري زياد لو عرف الوضع ده هيسمح بيه؟
ردت بدون تفكير قبل أن تتركهما وتتوجه إلى العربة:
- زياد عارف إن عمر مربيني من وأنا عندي ١٠ سنين.
وعلى الفور فتحت باب العربة وداخلت بابتسامة باهتة، سلم عليها عمر وتعجب من ملامحها المستشاطة فسألها:
- مالك يا هند؟!
ياترى هند هتقول لعمر؟
ياترى الأمور هتوصل لحد فين مع ريان وتولاي؟
كل ده هنعرفه مع بعض 🥰
اوعوا تنسوا لايك وكومنت عشان اتشجع وأكمل الرواية🙈❤️
رواية طوق نجاتي الفصل الخامس 5 - بقلم ابتسام محمود
الأول جرجرتك، من خيبتك خدرتك
وبقيت تعرف تكدب، وبتلعب على جارتك
وبقيت تلعب بوكر وبتشرب چون ووكر
وبتشرب چون ووكر، وبتشرب چون ووكر
الشيطان قال للعبد
ما تنفض وتهلس، ما تهرتل وتفيس
لو عايز تتنمرد، طب مانت كدا كويس
من خيبتكيابا يابا يابا، يابا يابا يابايابا يابا يابا، يابا يابا يابا
وهذا كان صوت مكبر الأغاني من منزل "عائشة" التي كانت ترقص ولا كأنها الراقصة "صوفينار" بعباءة سوداء ملتصقة بجسدها، فأظهرت منحياتها بحرفية فنان أبدع، وزاد من زينتها ما بها تطريز لامع مضيء، مع فتحة من جانبي ساقها تصل حتى خصرها فأظهرت لون بشرتها الخمري اللامع.
وحين دخل زوجها من باب الشقة؛ وقف لثواني بذهول يرمقها بتعجب حتى أدرك ما يحدث، وحينما تأكد من أنها زوجته وقف يصفق ويرقص على أعتاب الباب ثم دخل وأغلق الباب خلفه.
أقتربت منه "عائشة" بحركات صبيانية واضعة بخصرها وشاح ثم ربطته جيدا وهي تهتف بصوت عالٍ كالمعلمين:
- أيوه بقااا يا أبو محسن أعسسسسل.
بدأ قلبه لا يطمئن وقال وهو مازال يرقص بقلق:
- إلا فهميني إيه الجو الشعبي اللي ضرب في الشقة ده؟!
ردت بهنج وميوعة مفرطة كالغوازي:
- هيهيهيهيهيهي عملالك مفاجأة يا سبعي، وكله من كتاب كيف تكوني أنثى، والواجب ده من فصل الأنوثة الطاغية.
وقف "ماهر" يرقص وهو يعوج فمه يسارا ويمينا، ثم أمسك العباية الشعبية السوداء التي ترتديها:
- وإيه ده؟
- أسود لامع اهو زي ما الكتاب ما قال.
لطم على وجهه وهو مازال يرقص، ثم أمسك العباءة التي ترتديها وأشار على قدمها:
- وإيه اللي في رجلك ده، اوووعي تقولي برضو من صفحة الأنوثة؟
- عجبتك صح؟ أصل قالت اوعى تكوني حافية قدام حبيبك.
رد على سؤالها بسؤال:
- فتروحي تلبسي كوتشي يا عائشة؟ كوتش يا عائشة!!!!
- متنكرش عجبتك يا دكتورة يا عسسسسل؟
- عجبتني بس، ده انت أبهرتني يا مدحت.
وقفت رافعة حاجبها الأيمن بتعجب وهي تضع يدها على خصرها وتهز قدمها:
- مين مدحت ده؟
- ده صاحبي، أصل انتي عاملة جو مدحت صاحبي يفشل يعمله.
كأن حديثه حفزها بتكميل الواجب، أمسكت سيجارة وضعتها بين شفتيها ثم أشعلتها وهي تأخذ منها نفس ثم قربتها من فمه وهي تخرج الدخان الذي تعبأ داخل صدرها، تناولها منها وهو يدعي الله أن ينتهي اليوم بدون أن يجلط من تطبقها الأنوثة الطاغية بالعكس، وقال بابتسامة صفراء:
- أكيد جبتى حركة الصياعة دي من صفحة الأنوثة الزفت.
أومأت رأسها وهي تتمايل، أغلق المسجل وقال بحزم:
- يلا ننام ونطفي الشموع، للدنيا تولع وتولع فينا.
- أنا اللي هولعها يا دكتورة.
قالت جملتها وهي تقفز أعلى طاولة السفرة ومدت قدمها للأمام لتهز خصرها بهنج فوقعت بالأرض صرخت بوجع، أقترب منها وثبّت عليها وقال بمزاح وفرحة بأنا واحد:
- يا بت اللذينة حلوة الحركة دي أكيد أكيد من غير ما تقولي من صفحة الطاغية يا طاغية.
ألقى حديثه وذهب لغرفة النوم بدون أن يطمئن عليها، وقفت على الفور تركض خلفه وهي تعرج، وقالت بألم:
- انت هتعمل إيه؟!
أجابها ببرود:
- هنام.
- ده العيال مش هنا.
- بركة.
دوت ضحكتها بالغرفة وهي تسأله:
- عجبتك؟
هز رأسه نفي ما فهمته وأبلغها بتوضيح:
- بركة عشان ما يشوفوش ضغينتك.
أنكمشت ملامحها بغضب:
- هو معجبكش؟
- اسألي صفحة الأنوثة يا ضاغية.
أنهى جملته وسحب الغطاء على جسده بالكامل.
لم تتوقع رد فعله فذهبت مسرعة تمسك الكتاب كما قال لها وقرأت بصوت مسموع:
- اهو البسي أسود لامع، وشغلي موسيقى، ارقصي بأغراء.
أنزلت حمالة العباءة وقالت وهي تمسك ذقنها:
- نسيت أنزلها.
ثم أكملت:
- والبسي خلخال.
- أخ أكيد... نسياني الحاجات البسيطة دي بوظت الليلة.
ثم قالت:
- والبسي حذاء.
نظرت لقدمها وقالت:
- ما كملته اهو زي ما الكتاب ما قال. جاتك نيلة ولا تفهم حاجة في الأنوثة يا منيل. والله ما هسيبك.
ثم قلبت الصفحة على الصفحة التالية على صفحة كيف تمتعين زوجك بالعلاقة الزوجية.
قرأتها سريعا ثم قفزت على الفراش بجواره ووضعت يدها عليه بهوجائية جعلته ينتفض من لمستها الغير متوقعة، اتسعت حدقته وهو يرمقها بتعجب وهو يمسك الغطاء بحرس يأمن نفسه من حركاتها:
- إيه اللي عملتي ده؟!
أجابته بنبرة عالية:
- هبهرك ده بقى من صفحة كيف تمتعين زوجك.
- اوعي تقولي إن الواجب هتعملي دلوقتي.
- آمال ده أنا واحدة مجتهدة بذاكر وبعمل الواجب على طول.
ثم سحبت الغطاء عليهما وظلت أصواتهما هي التي تقود المسيرة.
وصل "عمر" إلى مطعم به أنوار هادئة مريحة للعين ويصدح صوت عزف الناي، أمامه بحر تتوجه عليه أنوار، أغمضت "هند" عينيها لجمال المنظر وأخذت نفساً عميقاً وهي تجلس، فعاد "عمر" يسأله نفس السؤال التي هربت منه وهما في السيارة، بطريقة مباشرة:
- حصل إيه في الجامعة مضايقك أوي كده.
- واحدة صاحبتي كانت بتقولي وجودك مع عمر في بيت واحد غلط.
رجع ظهره على مقعده وربّع يده وسألها بملامح هادئة:
- ها وبعدين؟
- بس.
رفع حاجبه مستغرباً من ردها وسألها:
- بس إيه؟ انتي رديتي عليها بإيه؟
- قلت انت أخويا.
- طيب إيه اللي مزعلك ما انتي رديتي عليها، ولا مش مقتنعة؟
- إزاي تقول كده يا عمر انت اللي مربيني.
- ممكن متشغليش بالك بالناس عشان الناس مش بتبطل كلام، ركزي في مذكرتك وبس وأي كلام سلبي ارميه ورا ضهرك، ممكن؟
هزت رأسها بالموافقة وابتسمت، فقال بحنان:
- هتاكلي إيه؟
- أي حاجة على ذوقك.
- كده جيتى في ملعبي، تاكلي سمك وجمبري؟
ابتسمت وهي تهز رأسها بالموافقة:
- أكيد.
طلب من النادل كل طلباته وانتظروا حتى أتى الطعام على المائدة، نظرت "هند" الطعام وعينها أدمعت تذكرت أختها التي كانت تفصص لها السمك، رفع "عمر" يده مسح دمعة سقطت من مقلتيها:
- بتعيطي ليه دلوقتي؟
- صافي هي اللي كانت بتقشر ليا السمك.
- أقشرلك أنا ولا تزعلي نفسك.
أمسك سمكة وأخلاها من الشوك وظل يطعمها حتى جعلها تبتسم، وقالت بفرحة من أنه لم يتخلى عنها بعد وفاة أختها:
- شكراً يا عمر.
- شكراً دي بتتقال للغريب، انتي بنتي يا هند مش اختي.
ابتسما لبعضهما وظلوا يتحدثون حتى انتهى اليوم وذهبوا إلى منزلهما بداخله مفتاح أمل جديد لمواجهة هذه الحياة.
على الساعة الثانية عشر استيقظ ريان من نومه على صوت صراخ بنت أخته "ريم" تململ في فراشه بكسل وعندما ازداد صراخها، قام بعجل يمسح وجهه وانحدر إلى أسفل وجد أمه تصلي و"ريم" تصيح وأخوها "يونس" يقول لها بعنف:
- أحسن.
أقترب منهما وانحنى بجذعه الأعلى يقترب من مستواهما حتى ينهي هذا الشجار، وسأل بحزم:
- فيه إيه؟
وضعت "ريم" كف يدها الصغير على خدها وبصرته بعينيها الحمرتين كالدم تبلغه بضعف:
- يونس ضربني.
حول بصره له معطي فرصة يبرر ما فعله بأخته الصغيرة:
- ضربتها ليه؟!
لم يحرك كيونس عينه من على التلفاز وهو يجيبه بلامبالاة:
- عماله تصرخ تصرخ من غير سبب قمت مديها عشان تصرخ على حق.
- تصدق إنك عيل بمبو بجد.
غمز له "يونس" بابتسامة واسعة:
- شوفت عندي حق.
رد عليه وهو يرفع يده في الهواء مصفق على يد "يونس":
- لا عجبتني.
- نعم.
قالتها "ريم" وهي تضع يدها على خصرها بزمجرة، فرد عليها "ريان" بخوف مصطنع:
- إيه هرموناتك هتطلع عليا أنا كمان، أقصد أقوله عيب، اتفضل يا يونس اعتذر لأختك الصغيرة.
وقفت "ريم" بملامح محتجة بمقابلتهما تبلغهما بإعتراض:
- يعتذر لمين؟ بابا قالي اللي يضربك اضربي.
- طيب وليه الصويت من الصبح ما كنتى ضربتي وخلصتينا من صداعك.
سمعته "إيمان" التي أنهت صلاتها للتو من فم "ريان" وهو يقولها لـ "ريم" التي تستعد أن تنقض على أخيها الذي يرمقها بشزر ولامبالاة، فقالت بقلة حيلة:
- ده رد يتقال لعيال.
أنهت جملتها وانتظرت تسمع رد فعل ابنها العاقل، تحرك بضع خطوات حتى وقف أمامها، يضم حاجبيه ثم هاج بها صارخًا بمزاح:
- سبحان الله البنت هرموناتها طافحة علينا على طول والمهم ترجع تعيط بعد ما تطلع أسوأ ما فينا.
رمقته "إيمان" بحدة لفظاظة كلماته أمام الأطفال، رسم ابتسامة على محياه وهو يضمها وقال:
- يا شيخة وحدي الله وهاتي بوسة وبطلي محايدة للبنات.
لانت عضلات وجهها رويداً رويداً وتمتمت:
- لا اله الا الله.
- محمد رسول الله، هو فيه زيك يا قمر انت بالعقل ده.
- يارب صبرني.
- يارب.
آمن على دعائها وحمل ابن أخته وصعد إلى غرفته وضعه على الأريكة قائل له بهمس وهو يتوجه لباب غرفته ليتأكد لم يسمعه أحد:
- واد يا بمبو يا صاحبي عايزك تدلع تيتا على ما أجي مش عايزها تحس أبداً بغيابي.
- عيوووني يسطا، صيع براحتك وأنا هداري عليك.
اندلع على وجه "ريان" ملامح الصدمة ثم استطرد قائلاً:
- انت طفل انت، في طفل يقول لخاله صيع؟!
رد بثقة وهو يعقد ذراعيه الصغيرين:
- آمال نازل الساعة 12 ونص بليل ومش عايز الملاك البريء اللي تحت يحس، يبقى رايح فين؟ تعمل شوبنج مثلاً وخايف عليها تنجلط من المبلغ اللي هيتصرف؟
- لا تصدق أقنعتني، أنا فعلاً رايح أصيع ابعد بقى من قدامي.
رد عليه "ريان" بعد أن فاق من رده الذي جعله يتصلب عدة ثواني، ثم ترجل من أمامه متعجباً على هذا الدماغ الطفولية، دخل المرحاض استحم ثم نزل ركب سيارته وهو يتصل بصديقه "زين":
- زيييينهم حبيبي.
- حبيبي يا ريان، صوتك مصهلل على الآخر، خير طمني.
- ماما وافقت نفتح الشركة.
قام "زين" من مجلسه على الفور بسعادة غامرة:
- أيوه بقى هي دي الأخبار ولا بلاش.
أبلغه "ريان" بحماس:
- تعالى بقى نحتفل.
سأل زين بفضول:
- فييين يا ريس؟
- في نفس الديسكو.
وافق دون تردد وهو يستعد:
- ربعاية وهكون عندك.
وصلا "عمر" وهند المنزل فتح الباب وأنار الضوء:
- هتنامي ولا هتذاكري؟
أجابته بصوت ناعس رقيق:
- هراجع حاجة في السريع وهنام على طول.
- عايزك من الأوائل زي كل سنة.
أومأت رأسها بابتسامة وتوجهت إلى غرفتها.
بعد ثواني دخل لها بكوب من الحليب وقبّل رأسها وأبلغها:
- متتأخريش عشان تعرفي تصحي الصبح.
- حاضر يا عمر.
- تصبحى على كل حاجة حلوة.
ابتسمت بسعادة ورضا وهي تجيبه:
- وحضرتك من أهل الجنة.
استيقظت "تولاي" عندما سمعت صوت أذان الفجر، قالت دعاء بعدما أنهى الشيخ الأذان، قامت توضأت وصلت فرضها وجلست بالحديقة تتطلع انشقاق الصبح من كبد الظلام، وكانت تصفى لصوت زقزقة العصافير وألحانها وهي تتحرك بكل طاقة وحماس بين فروع الشجر، وتمتمت وهي تغمض عينها برضا وراحة:
- سبحان الخالق العظيم.
أقتربت منها "يسرا":
- يا صباح الفل.
ردت "تولاي" بكل الطاقة التي داخلها:
- يسعد صباحك يا قمر انت، يلا نجري شوية؟
- لا أنا جريت من بدري لو حبة تجري شوية روحي بس اوعي تبعدي.
قبلتها "تولاي" بعد أن حضنتها بقوة ثم قالت:
- متقلقيش.
أنهت كلامها وخرجت من الباب الحديدي وضعت يدها بجيب سترتها وبدأت تمشي شاردة في السماء فبدأ النهار يشق عتمة الليل حتى احتل السماء كلها بنوره الساطع.
لكن قطع تركيزها المتطفل الذي كان يتحرك بسيارته ويضغط على آلات التنبيه بجوارها، تأففت وهي ترمقه شزراً، فقال بمشاكسة:
- إيه يا قمر ما تيجي.
أخرجت أنفاسها باشتياق وقالت من بين أسنانها:
- واحد سافل.
ضحك وهو يوقف العربة وقعد على نافذة السيارة وهو يقول بمزاح:
- والله أبداً، انتى ظلماني.
لم تعطِ رد وبدأت تمشي حتى لا تفقد أعصابها.
نزل من سيارته وتقدم نحوها بإصرار:
- أنا ريان، وانتي اسمك يا عم الكشر...
وقبل أن يكمل آخر كلمة لفت بجسدها له بملامح غاضبة ورفعت إصبعها السبابة وظلت تقترب منه بتحذير:
- أنا بحذرك لو ملمتش نفسك وقصرت من اللي بتعمله هندمك.
كان "ريان" يرجع للخلف وهي تقترب عليه حتى لمح بطرف عينه حجر فرفع قدمه قليلاً دون أن ينظر لأسفل وأكمل رجوع، وبينما كانت تقترب منه "تولاي" وهي تهدده تعثرت بالحجر ومالت بجسدها بالكامل للأمام على "ريان"، فبسرعة البرق فتح ذراعه حاوط خصرها حتى ينقذها، تنحنحت بإحراج وهي تبتعد عنه، فقال وهو يغمز لها:
- ما كنتى تكملي.
- نعم يا خويا.
قالتها بصوت حاد قوي، فرد بتوضيح:
- إيه يا فرع بولاق وحدي الله، أقصد تهديد، كنتى بصراحة جامدة، يلا نرجع تاني ولا كأن حاجة حصلت.
بدأ الغضب يتشعب داخل عقلها، فعقدت ذراعيها وقالت وهي تهز برأسها:
- امشي.
- امشي امشي.
أومأت برأسها بتأكيد، فأبلغها بغرور:
- أنا همشي بس بعد أول مطب هيقبلك هتقولي يارتني.
- بقولك امشي.
- إيه انتى رديو خلاص سمعت وماشي.
قالها "ريان" وتحرك يركب سيارته وأمسك بزجاجة مياه فتحها ورشها عليها وأكمل:
- اوعي تفهميني صح، عملت كده عشان تكمل العداوة.
وضحك بأعلى طبقات صوته وتحرك وهو يضغط على آلات التنبيه كمن يمشي بزفاف.
ظلت "تولاي" واقفة مبحلقة عينيها حتى أن دخل فيلته واختفى تماماً من أمامها، سبته بأعلى طبقات صوتها بغيظ، وبدأت تمشي من جديد حتى أن شعرت بصداع سندت جسدها على أحد الجدران بالشارع واخفضت رأسها قليلاً سندتها على كف يدها وتمتمت بضيق:
- منك لله يا ريان.
أقتربت منها مجموعة من الفتيات كانوا يركضون، وقالت واحدة:
- انتى تعبانة تحبي نساعدك؟
رفعت "تولاي" رأسها وبصرتهم بعينين ناعستين ونبرة هادئة:
- ميرسي أنا كويسة.
قالت البنت:
- أنا كل يوم بشوفك بتجري لوحدك، إيه رأيك تجري معانا ونبقى أصحاب؟
ابتسمت "تولاي" بسعادة فهي تحب الناس والأصدقاء وكانت تشعر حقاً بالوحدة فوافقت على الفور وهي تعرفهم على نفسها:
- طبعاً يشرفني، أنا تولاي.
بدلتها الفتاة نفس الابتسامة الصافية وهي تصافحها:
- الشرف لينا، أنا رنا وممكن تقوليلي رينو.
وقالت أخرى:
- وأنا نور.
وباقي الفريق عرفها على نفسه وقالت "نور" بحماس:
- احنا عاملين جروب بنتفق فيه كل أسبوع على برنامج احيانا بنلعب ركت واحيانا سباق عجل واحيانا بنجري تحبي تشتركي معانا؟
- ياريت، انتوا فين من زمان.
ضحكت "رنا" وفتحت ذراعيها لها:
- شكلك كنتى قربتي تجيبي جاز من الوحدة.
عانقتها "تولاي" وقالت بصوت مدعية البكاء:
- فوق ما تتصوري.
وظلت تجوب معاهم الشوارع حتى أعلن هاتف "رنا" عن مكالمة وقفت تأخذ أنفاسها اللاهثة وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها، وانفرج فاها عندما لمحت اسم خطيبها في الصباح الباكر:
- زومي أخبارك إيه؟
- الحمدلله.
- تتحسد لسه صاحي؟
- عندي مفاجأة ليكي.
- حلوة؟
- هتفرحك.
- قول بسرعة.
- هفتح شركة السياحة.
قام "زين" من مجلسه على الفور بسعادة غامرة:
- أيوه بقى هي دي الأخبار ولا بلاش.
أبلغه "ريان" بحماس:
- تعالى بقى نحتفل.
سأل زين بفضول:
- فييين يا ريس؟
- في نفس الديسكو.
وافق دون تردد وهو يستعد:
- ربعاية وهكون عندك.
قامت "هند" من على الفراش بكسل وتوجهت على المطبخ وضعت على المقود كوبين من القهوة ودخلت المرحاض ونسيت القهوة التي أشعلت عليها النار وقامت بأخذ دش دافئ، وبعد دقائق تذكرت القهوة ارتدت ملابسها على عجل، وخرجت تركض على المطبخ، مما أدى إلى اصطدامها بصدر "عمر" الذي كان خارجًا للتو من المطبخ في نفس التوقيت، تأوهت من قوة الصدمة وأبتعدت قليلاً بخجل، فسألها بتعجب؟
- مالك يا هند هو حد بيجري وراكي؟!
أخبرته بسرعة وهي تنظر نحو المقود:
- ابعد ابعد القهوة هتفور.
ضحك "عمر" على حركتها الطفولية ورد بمشاكسة:
- لسه فاكرة؟ أنا لحقتها من ربع ساعة في آخر وقت.
أغمضت عينيها بضيق من نفسها ومطت شفتها قائلة بتمني:
- انت كل يوم اللي بتعمل الفطار، كان نفسي أعملك حاجة.
رفع "عمر" ذراعه ووضعه على كتفها:
- متشغليش بالك بحاجة في البيت كله، ركزي بس في دراستك.
- ماهو حرام تبقى المسؤولية كلها عليك لوحدك، نفسي أساعدك في أي حاجة، أنا حاسة إني تقيلة عليك.
تجاهل ما قالته:
- هعتبر نفسي مسمعتش أي كلام ويلا بسرعة عشان منتأخرش.
جلست على المقعد وتمنت أن "سيف" يشبه في شخصيته الحنونة.
أنهت الطعام ونهضت تجهز متعلقاتها ثم توجهت معه إلى الجامعة، وعندما دخلت لمحت "سيف" راكضاً نحوها بلهفة تتطاير من مقلتيه تسارعت نبضات قلبها للتو، وظلت تتراقص وتتطاير مثل الفراشات في السماء، وكل خطوة تخطوها تتعالى أكثر وأكثر، صافحها بحب رادفاً:
- هنود اتأخرتي ليه كده؟ مستنيكي من بدري.
- سيف وحشتني أوي، أخبارك إيه، طنط عاملة إيه دلوقتي، طمني عليها؟
ارتسمت على محياها الحزن ثم قال برضا:
- الحمدلله عملت العملية، وأول ما حالتها ما اتحسنت رجعنا.
رمقته بحزن وقالت بضيق:
- لو وحشتك زي ما بتقول؛ مكنتش بترد على تليفونك ليه؟
- على عيني حببتي، انتى عارفة كنت مع ماما، وانشغلت طول الوقت معاها.
- هي ماما تمنعك تكلميني أو تطمني عليا؟
- أكيد لا بس انتي عارفه اني كنت لوحدي معاها، و وقتي كله كان ليها، ومرعوب إني أفقدها وكنت بعد الأيام عشان نرجع واملي عيني منك.
العبوس تجلى على وجهها حين أردفت بتأثر:
- انت عرفت أن اختي ماتت؟
قرب يديه من كفها الموضوع على المائدة، ورد بحزن شديد:
- اه كنت لسه هعزيكي، البقاء لله، بس شوقي ولهفتي نسيت حالي، انتي متتخيليش يا عمري كنت هتجنن إزاي وأنا بعيد عنك، ومش عارف أوصلك وأكون جنبك في موقف زي ده، وأنا في مكان بعيد، وروحي حزينة ومش قادر أقرب منها.
- أنا كنت محتاجاك أوي جنبي الفترة دي يا سيف، فوق ما تتصور.
كاد أن يرد، لولا أنها أرادت أن تهرب من الحديث في هذا الموضوع الذي يقلب عليها أوجاعها وأحزانها، فنظرت لساعة يدها وقالت:
- المحاضرة هتبدأ، يالا بينا.
- هند عايزة أتكلم معاكي شوية ملحقتش أشبع منك.
- لما تخلص نتكلم.
أمسك يدها متمسكًا بها ليعطيها جرعة من الأمان والاحتواء الذي تفتقده الآن، وتوجها نحو المدرج وابلغها:
- اعملي حسابك بعد المحاضرة مش هسيبك.
رواية طوق نجاتي الفصل السادس 6 - بقلم ابتسام محمود
استيقظ "ريان" من نومه على صوت والدته المرتفع:
- يارب تصحى وتشوف شغلك.
أفتح عينه ونهض بنشاط، أقتربت والدته منه وهو يدخل المرحاض:
- ياريت بقى تسيبك من الشله الزباله اللي بتسهر معاهم كل يوم لوش الصبح، ولا اقولك انساااهم خالص.
رمقه قبل أن يغلق الباب الخشبي وقال:
- سهر ايه بقى أنا بقيت رجل أعمال كبير، مش فاضي اكيد للزباله دول.
ابتسمت بفرحه وهي تعرض عليه طلبها:
- ياريت تقرب من تولاي دي بنت رقيقه اووي.
أفتح الباب بوجه مستفسر:
- قولتي مين اللي رقيق؟!
أجابته بثقه:
- تولاي.
أعطاها ظهره وهو ينشف وجهه:
- اه تمام.
- تمام ايه؟!
ترك المنشفة وأبلغها بمشاكسة:
- هقرب، بس لما اقرب بقى متقوليش تصدق أنك قليل الادب.
عضت المنشفة التي وضعها عليها بعصبية مفرطة، وأوضحت من بين أسنانها:
- اقصد تبقوا أصحاب.
أبعدها يخرج ملابسه الرياضيه واجابها بحزم:
- ماما دي لو اخر مخلوقه استحالة... دي لسانها مترين قدامها وأنا واحد دماغي مماشيها بالمسكن.
- لا الف سلامة.
قالتها بغيظ، فأجابها ببرود:
- الله يسلمك، تأمري بحاجة تاني؟
- لا وانت ماشاء الله عليك بتسمع وتنفذ، غور يا ريان من وشي.
- كلامك اوامر يا غاليه هغور في اقل من ثانية سلام.
رفعت يدها لأعلى داعيه الله أن يهدي ويصلح حاله.
أمن على دعائها وهو يقبل رأسها، وذهب مع "زين" الذي كان ينتظره خارج الفيلا وتوجها سويا إلى شقة صغيرة وقال "زين" بعد الانتهاء من رؤيتها:
- ايه رأيك الشقه دي تكون الشركة؟!
رد سريعا بحماس:
- حلو جدا كمساحة ومكان.
- يعني نعتمد؟
- على الله يا صاحبي.
ذهبا بنشاط لعمل اليفط واوراق الدعاية وكانت "رنا" تساعدهم بفرحة.
انهت "هند" محاضرتها لملمت اغراضها والتفت تبصر "سيف" فابتسم لها واقتربت منه وخرجا سويا فقالت له:
- معاك اهو لحد ما تزهق مني.
- عمري ما ازهق منك ابدا.
مسك كف يدها واشتد عليه بأشتياق:
- سيف بتعمل ايه؟
- وحشتيني.
- وانت كمان.
- ياختاااااااااي.
قالتها "هند" بأحراج وسحب يدها بخضه وقلق. تعجب "سيف" فرمقها بأستغراب وجدها تنظر لشاب ينزل من سيارة بخوف وهي تقضم أظافرها، فقالت عندما اقترب منهما:
- ازيك يا عمر.
لم يرد ونظر على "سيف" بعيون حاده وهو يقبض كف يده بقوه. تحمحمت "هند" بارتباك وعلى ثغرها ابتسامه مرغمة:
- ده سيف.
لم يبادر "عمر" بالحديث فنظرت داخل عينه وجدت عينه تعكس الغضب والحنق. فقالت للطرف الأخر:
- ده عمر يا سيف جوز اختي.
تشدق "عمر" من بين أسنانه في ضيق واضح:
- حلو التعريف ده، عمر جوز اختها....
ثم سألها بحده:
- هو بقا سيف ايه؟! يطلع ايه سيف ده!!
انتقع وجه" هند" بماء الكسوف، فرفع "سيف" يده يعرف على ذاته بجرأة:
- أنا سيف صديقها في الجامعة ومعجب بيها وبحبها.
ابتسم بمجاملة وقال بحزم وهو يستحوذ على غضبه:
- يلا يا هند.
قال جملته واعطاهما ظهره لينهي اي جدل. فقالت سريعا لسيف:
- هبقى اكلمك لما اروح.
سحبها "عمر" من يدها وسألها:
- خدي هنا... عمر ده جوز صافي؟
- اه.
اتكى على اسنانه وقال بهدوء مخادع:
- تمام.... قوليله يمشي وأنا هوصلك السكن.
- سكن ايه! أنا ساكنه مع عمر.
- نعم؟!!
- سيف نتكلم بعدين.
- بعدين مين..؟ انتى مش هتروحي معاه بقولك.
فتح "عمر" باب السيارة ثم جلس على مقعده وقال بصوت حازم قوي:
- هنـــــــــد.
ركضت سريعا من أمام "سيف"، فأمسك خصلات شعره بقوه وهو يقبض كف يده بغضب.
دخلت السيارة بهدوء وجلست منكمشه.
مر الوقت على "ريان" وأصدقائه فقال بتعب:
- كفاية كده أنا فصلت وجعان.
اجابه زين وهو يمسك بطنه:
- وأنا كمان.
وأكمل وهو يترك كل شيء:
- يلا نروح مطعم.. كلمي اصحابك يا رينو ناكل مع بعض واقولكم على المفاجأة.
- اوك هروح اغير واجيب واحده اتعرفت عليها النهارده معايا وأنا جاية باي.
أوقفها "ريان" بمزاح:
- لو فرفوشة وقمر هاتيها غير كده اوعي.
- لااااا مش من النوع اللي يعجبك بنت شكلها ملتزم بس ميمنعش أنها لذيذة.
- المهم لذيذة متشغليش بالك بقى بالنوع، أنا بعرف اتعامل مع كله.
- سلام يا متمكن.
سلام.
أمسكه "زين" من قميصه الرياضي:
- يابني مش بتستر في مكان ابدا.
- ياعم وسع دي رنا صاحبنا التالت.
ضحكا سويا وتوجها على المطعم طلب "ريان" طعام ولم ينتظر أحد.
- ما كنت تصبر ناكل مع الناس.
- تؤ مش بحب حد يبصلي في اكلي.
- قول أنك مفجوع ومش صابر.
- حصل.
وصلا "عمر" اسفل منزله اصطف سيارته، ونظر لها بحنان صادق:
- هند أنتى عارفه انتى اختي... الوضع اللي شوفته ده غلط.
- سوري يا عمر والله أول مره يمسك ايدي.. وصافي كانت تعرف سيف.
- وأنا مش عندي اي مشكلة في أنك تحبي بس اهم شيء تخلي بالك من نفسك واحد، من دراستك اتنين.
- يعني مش زعلان مني؟
هز رأسه بنفي وقال:
- انتى كبيره وكلها كام شهر تبقى دكتوره وليكى مركزك، وتقدري تفرقي بين الصح والغلط، صح؟
ابتسمت وهزت رأسها وشكرته على ثقته، فقال بحماس وهما ينزلا من السيارة:
- هعملك النهارده مكرونة مبكبكه هتحلمي بيها عمرك كله.
- واو جوعتني اووي.
وصلا المنزل وكل منهم دخل غرفته ليبدل ثيابه امسكت الهاتف واتصلت على "سيف" عدت مرات لم يجيبها. استغفرت ربها وبعتت له رساله صوتيه:
- سيف مش عايزاك تكون مضايق لما تسمع الفويس تبقى تكلمني اوضحلك اللي حصل.
اغلقت الهاتف وابدلت ثيابها وخرجت تساعد عمر الذي بدأ في الطعام.
شعر "ريان" بعدما أنهى طعامه بهبوط قام من على مقعده وبدأ يلم متعلقاته وهو يقول:
- أنا هسيبك ونتقابل بكره.
- ايه شغل العيال ده؟ قلت جعان وأكلت لوحدك عدتها، هتمشي كمان؟
- عايز مني ايه؟
- ما تستنى الناس اللي جاية.
رفع رأسه بتأفف وسأله:
- معاهم نور؟
- مسألتش بس أكيد.
- يبقى أنا همشي مش طالبه تلزيق خالص.
- بطل رخامة خلينا نحتفل مع بعض.
- والله البت دي بتجبلي هبوط.
ثم أكمل "ريان" بتحذير:
- اوعى تتهور وتعرض عليها تشتغل، دي لو اخر بنت ومافيش غيرها قولها الشركة قفلت قبل ما تفتح، أنا اشغل الجن الاحمر واشوفه كل يوم ولا اصتبح عليها.
ضحك زين على تعبيراته وقال:
- فل يا جن.
تركه بدون أن يرد عليه فقال زين:
- خد هنا ياض.
- هششش تصبح على خير خليك انت يا هارون مع البنات.
أجابه وهو يلوح له بيده، فهتف زين بتأكيد:
- طب اعمل حسابك الصبح على ١١ الصبح هنتقابل.
- أن شاء الله.
وصلوا الفتيات ومعهما "تولاي" التي كانت تتمسك بيد شنطتها بأحراج وقف "زين" يصافحهم بكل احترام وعرفته "رنا" على "تولاي" مد يده صافحها، ثم جلسوا وطلبوا الطعام فهمست كنور" بصوت هامس" رنا" :
- مش قولتي ريان موجود؟
مطت" رناك شفتيها وقالت:
- اه شكله ماشي، استنى اسأل زين... يا زومي هو فين...
وضعت "نور" يدها على فم صديقتها تخرصها، تعجب "زين" وزوى ما بين حاجبيه من حركة "نور" لخطيبته، فأكملت "نور" بوجه متصنع المزاح:
- فين الأكل احنا جوعنا؟
نظر "زين" لخطيبته مستفهمًا منها عن ما كانت ستقوله فبعدت يد "نور" التي مازالت موضوعه على فمها وأكدت حديثها:
- اه بالظبط فين الأكل؟
تعجب "زين" وقال:
- هو لحق يدخل المطبخ يقول الأردر!؟
قال جملته وهو يرمقهما بريبه، ثم قال بجدية:
- طبعا انتوا عارفين أنا فتحت شركة سياحة... بتشمل جميع رحلات السفاري، وجميع رحلات البحر.
بارك له الجميع رد عليهم بكل ذوق وأقترح عليهن:
- المفاجاه بقى، محتاج تلاث بنات من بكره معانا في الشركة يشتغلوا سيلز.
"رنا" ردت بفرحه:
- بجد أنا وانت هنشتغل مع بعض وهنكون في وش بعض طول اليوم.
- امم بجد... مين تاني؟
ردت "نور" بضيق:
- هو لازم من بكره؟
- اه للاسف لازم من بكره.
الكل اعتذر فقال موجهًا قوله لـ"تولاي" :
- انتى بتشتغلي ايه؟
- كنت بشتغل في diving.
- طيب حلو، ودلوقتي؟
- لا حاليا مش بشتغل.
- طيب ايه رأيك تشتغلي معانا سليز؟
"رنا" مسكت يدها:
- وافقي وافقي بالله عليكى، احنا هنكون تيم جامد ومتفاهم وهنبدع.
- اوكي موافقه.
- طيب بكره نتقابل الساعة ١١ ونبدأ الشغل على طول بأذن الله.
"رنا" وضعت يدها على كتف "تولاي" وقالت بحماس:
- بأذن الله.
وبعد دقائق وصل الطعام و"زين" "ورنا" قاما سويا جلسا على طاولة بمفردهم.
انهى "عمر" الطعام وجلسا يأكلون:
- اخبار البحث بتاعك ايه؟
- الحمدلله يعتبر خلصت باقي جزء بسيط.
- ربنا يقويكى شدي حيلك.
- أن شاء الله، عمر كنت عايزه اقولك حاجة.
- قولي يا هند.
كان بؤبؤ عينها يتحرك بسرعة، تحاول ترتب جملتها.
- اصل.... كنت عايزه اشوف سكن.
هبط كلامها الذي شجعها أن تقوله عليه كالمطرقة فقال:
- هو أنا قصرت معاكي في حاجة؟
- لا والله ابدا، ده أنا بحسد نفسي أنك في حياتي.
وضع كف يده على خدها بحنان:
- يبقى كلام في الموضوع ده منتهي، لان مش هبقى مطمن عليكى غير هنا، انتى أمانه معايا يا هند.
انهى جملته بتنهيدة وجع وجوف، فزوى فم "هند" بابتسامة إراحة قلبه، ثم قامت متوجه لغرفتها كانت تنتظر اتصال "سيف" لكن تأخر عليها ظلت تفكر كثيرا أن تتصل هي به حتى أن أمسكت هاتفها واتصلت لكن لم يجيبها، القت الهاتف وغضبت بشدة.
فتحت "تولاي" عينها على صوت تكبيرات الأذان، قامت دخلت دورة المياة بأعين مغلقه فتحت صنبور المياه اتوضأت، لكنها فتحت بندقيتها عندما غسلت وجهها بالمياه ابتسمت لهذا العاده التي لم تفقدها كما فقدت ذكرتها، خرجت فرشت سجادة الصلاة وصلت بقلب شغوف حتى أنهت صلاتها فتحت نافذتها استنشقت الهواء النقي ونظرت للسماء فكان بدأ الليل ينسحب احتراما لأشعة الشمس الذهبية التي شقت كبد السماء وأحتلت مكانها بقوه.
أغلقت "تولاي" نافذتها ولبست ثيابها وحجابها ونزلت تركض بجوار الفيلا بنشاط.
أنهت "تولاي" جولتها مع صديقتها "رنا" التي قابلتها وهي تركض وتعجبت فهذا اليوم ينقصه شيء لكن ما هو....؟! انفضت من رأسها التفكير ورفعت المياه على فمها حتى تروي عطشها وعينيها توجهت بتلقائية على الفيلا الذي يقطن بها "ريان" انزلت قارورة المياه وقالت وهي تبتسم:
- يااااا هي غلسته اللي نقصاني، أحمدك يارب أني مصطبحتش بوش الكائن غريب الأطوار.
وبعد ثواني تعجبت أن عربيتة بالداخل فبالتأكيد لم يسهر البارحة بالخارج كعادتة... ضربت رأسها بقوة تعاقبها على فيما تفكر وفي من؟! اخفضت بصرها وتوجهت دخل فيلتها غيرت ثيابها واستلقت على الفراش حتى موعد المقابلة.
استيقظ "ريان" من نومه لأول مرة من سنين بدون أن امه تفتح النافذه وتعطي بعض الدروس في القيم والذوق الرفيع والأخلاق الحميدة، وقف بطوله يرجع ظهره للخلف يتمطع وقبل أن يرجع بجسده للأمام سمع صوت ارتطام جسد بقوه على الأرض، هلع من شدة الصوت ركض سريعا لأسفل وجد والدته واقعة على الأرض تتألم، تتنفس الصعداء وزداد عدد ضربات قلبه بخوف ولهفه ومال عليها حملها بين يده ووضعها على الأريكة وبصرها برعب وضعت كف يدها على وجهه تطمئنه:
- أنا كويسة متقلقش.
أغمض عينه بعدما قبل يدها وجلس القرفصاء أسفل قدمها ممسك بيدها بقوه قائلا:
- حبيبتى حصل ايه؟
ابتسمت بحب للهفته عليها:
- كنت عايزه اعملك فطار قبل ما تروح الشغل.
عض شفته وعينه بها ابتسامة مشاكسه:
- ما انتى كل يوم بتصحيني وقرفه اهلى، حبكة النهارده تعملي نفسك بارلينا في حارة البجع......
قال كلامه بمزاح وصوت عالي ثم أكمل بصوت حنون:
- ياريتك كنتى جيتى قلقتى منامي زي كل يوم ولا كان حصلك كده.
- ماشي يا رخم وسع احضرلك فطار.
- يا خبر لا يمكن لازم القمر يرتاح النهارده تعويض للي حصل والفطار بنفسي هحضره ليكى.
- كده هوقع نفسي كل يوم.
- بعد الشر عليكى من غير ما تقعي اقعدي مكانك وأمري وأنا أنفذ.
- حبيبي يا ريان ربنا ميحرمني من حنانك ابدا.
- ولا يحرمني من دعواتك اللي بتغسلني من جوه.
قال جملته وقام قبل رأسها ودخل المطبخ حضر الفطار.
ادمعت عين "إيمان" وقالت بسرها:
- منك لله دمرتي أبني.
وأتصل "ريان" على اخته حتى تأتي تجلس مع والدته، لكنها لم تجيبه، اتصل على زوجها، فحينما رأى "ماهر" اسم المتصل قال:
- لا مش انت واختك عليا.
- فيه ايه يا جدع، ده احنا مدينك النسمه بتاعتنا.
- ما دي النسمه الزعبيب عندكم ازاي؟
- اعترض بقا!
- هو أنا اقدر، انت عايز ايه؟
- تقدر تجبلي عائشة في قد ايه؟
- ده أنا اجبهالك بصاروخ ... بص خليها كمان عندكم النسمه سنه.
ضحك "ريان" من قلبه:
- ليه بس ده كله، ده حتى العيال هنا.
- أنا هجبلكم بنتكم زي ما اخدتها واحده وهاخد عيالي.
- لا كتر خيرك، هاتها بس لحد ما ارجع، اصل ماما وقعت ومش عايزها تيجى على نفسها في البيت ومع العيال، وأول ما هرجع هرجعهالك بنفسي على طول.
- لا فيك الخير يا ابو نسب.
ابلغه جملته واغلق الهاتف وقال لزوجتة:
- عائشه قومي البسي بسرعة عشان اوصلك لطنط.
قامت بنعاس قالت:
- لا مش هروح النهارده.
ثم اكملت بعدما تفحصته يرتدي قميص ابيض يجسم جسده الرياضي، ازراره مفتوحه وبنطال كلاسيك رمادي:
- اوووه ايه الجمدان ده، خد قرب اقولك حاجة.
ابتعد عنها سريعا يغلق ازار قميصه وقال:
- طنط وقعت وريان عايزك تقعدي معاها بتاع عشرين سنه.
وقفت على الفراش واضعه يدها بخصرها:
- وانت وافقت.
- طبعا دي مهما كان أمك.
- وانت؟
- لا خدي راحتك امك اهم.
قالها وهو يلبس حذاءه، قفزت قفزة على كتفه:
- انت بتخني؟
- ده سؤال ولا تأكيد عشان اعرف ارد؟
ربعت يدها قائله بتأكيد:
- لا ثقه.
رمق ذاته بالمرأة واخبرها:
- أنا بعد اللي بتعملي فيا لا اصلح ليكى ولا غيرك، اخلصي عشان اوصلك.
نزلت من على كتفه بسعادة:
- ايوه كده اروح وأنا مرتاحة.
- روحي يا عائشة.
كان يرفع يده يدعى عليها لكن أول ما لمحته انزل يده سريعا وهي تسأله:
- اروح فين؟
رمقته بعين كالصقر فرد عليها بخوف متصنع:
- لمامتك اللي وقعه وتعبانه.
وصلت "تولاي" و"رنا" شركة السياحة استقبلهما "زين" وكاد أن يصيبه الجنون من صديقه الذي لم يأتي بموعده حتى بأول يوم عمل وقال بأعتذار:
- بعتذر شريكى بس يجي ونتكلم في الشغل.
"تولاي" ابتسمت وهي تهز رأسها:
تعجبت "رنا" من تأخيره:
- غريبة ده حتى مواعيده مظبوطه دايما.
- مش عارف اتأخر ليه وكمان بتصل بيه مش بيرد.
ردت "تولاي" بتبرير لمن لا تعلم هوايته حتى الأن:
- أكيد في حاجة عطلته، ومش سامع الفون ولا عمله سايلنت.
- أكيد.
قالتها "رنا" حتى تهدء من ثوران خطيبها المشتعل.
انهى "ريان" الفطار وقام بغسل الأطباق، فقالت والدته:
- طيب سبهم والله ما هعمله أنزل انت بس عشان شغلك.
وضع "ريان" كف يده على صدره بأسلوب مسرحي:
- عايزاني أنزل وفي معلقه في الحوض يا خبر عايزه عائشة تيجى تزفني لا يمكن.
ضحكت على أسلوبه المشاكس:
- هو في حد حنتوف غيرك دي عائشة لو فضلوا ميت سنه ولا هتكلف نفسها تبص في المطبخ.
- دي مش حنتفه مش بعرف أعمل حاجة واسيب ورايا حاجة مش نضيفه ويا ست الكل ادينى خلصت...
مسح يده بالمنشفه واقترب منها قبل يديها ورأسها وطلب منها:
- ادعيلي كتير النهارده.
- بدعيلك من قلبي ربنا يصلح ليك الحال ويوفق ليك ولاد الحال في كل خطوة.
- كده أنا انزل بضمير مرتاح.
انهى جملتة بعدما سمع صوت سيارة "ماهر":
- الوحش وصل يلا اهرب أنا.
دخلت عائشة تركض خلف ابنها الذي وجددته يجلس بالحديقة:
- فيه ايه، استهدى بالله، وسيبي الواد.
- والله ابدا لازم اضربه.
- وحدي الله يابنتى هو لحق يعملك ايه؟
قالتها "إيمان" بتعب، فردت بأصرار:
- هضربه يعنى هضربه.
فقال "ريان" حتى ينهي كل هذا:
- هترتاحى يعني؟
- هرتاح بعد ما اضربه.
وضعت "إيمان" يدها على رأسها:
- هي دي اللي جايبها تونسني.
بصرت عائشة والدتها:
- مش عجباكي أنا.... اه يا مسكينه يانا ولا لقيه خير في عيال ولا جوز ولا ام ولا أ...
اوقفها "ريان" ولم يجعلها تكمل:
- ايه هنغلط؟
رفعت حاجبها وهي تتمعن هيئته:
- لا انت غير.. بس قولي لابس ومتشيك ليه على الصبح.
- أول يوم شغل النهارده.
طب متخدني اتسرمح معاك أنا نفسيتى زيرو نفسي اتمرقع في اي حته ان شالله على الرصيف يا ولا.
- وسعي كده شوفي عيالك وامك.
- اهو عملت معاه محاولة يارب طلع فعلا ماليش خير حتى في اخويا.
- فكك منها دي هرموناتها طفحه عليها.
َقالها ابنها الصغير الذي يتخبأ خلف مقعد خشبي بعيد، توجهت عليه بسرعة جندي قوى مقاتل:
- بتقول ايه يا واد انت؟
- اهرب يا بمبو أمك بتاكل عيال.
- عجبك اللي عملته فيا.
قالتها "إيمان" التي تكاد أن تنجلط، فقال:
- معلش بقى يا امي هدعيلك ربنا يصبرك على ما بليتك بيه.
ثم توجه على مكتبة، نزل من سيارته، ودخل الشقه التي بها الشركة كانت "تولاي" و"رنا" يعطوه ظهرهما و"زين" لمحه عند وضع قدمه داخل المنزل، القى "ريان" تحيه:
- مساء الخير.
لفت" رنا" رأسها وهي ترد عليه، وقام "زين" سائلا عن سبب تأخيره، ملوح له بيده، لم يجيبه كان يريد التأكد من شكه وأقترب منهم أكثر وتأكد من التي تجلس تعطي ظهرها قائلا بقلة ذوق وهو يقلع نظارته الشمسية:
- ايه يا بنتى هو انتى كل ما اروح مكان ورايا ورايا فيه، انتى بتعملي ايه هنا؟!
رواية طوق نجاتي الفصل السابع 7 - بقلم ابتسام محمود
ايه يا بنتي هو انتي كل ما اروح مكان ورايا ورايا، انتي بتعملي ايه هنا؟
لمعت الدهشة داخل مقلتيها، فهي لم تتخيل هذا الكائن أن يكون صاحب الشركة. فرمقته من أعلى لأسفل، ثم حاولت بصرها على رنا بعيون تفيض من التأنيب والندم على موافقتها على المجيء معها.
ارتبكت رنا في خجل وقالت بتلعثم ملطفة الجو:
ده ريان شريك زين، وياريت ماتخديش عليه، هو كده بيحب الهزر.
قاطعتها تولاي وهي تزفر أنفاسها، وحاولت عينيها عليه بغضب ظاهر:
انتي هتقوليلي عليه، عارفة إنه واحد جليط واطي.
ثم أكملت بغلاظة:
طلعت شريك في الشركة، ولطعنا من الصبح وليك نفس تتكلم.
وضعت رنا كفها على ذقنها، ثم حركت أصبعها بإنزعاج واضح:
هو انتي تعرفوا بعض؟
معرفة سودة.
قالها ريان بعصبية وغضب. اتسعت عين تولاي فقد فاق توقعاتها بكلامه الغليظ. ثم تركها وغادر مع زين الذي أخذه غرفة ثانية وسأله ليفهم ما يحدث بجدية:
فيه ايه يا ريان؟ مش أسلوب ده، من ساعة ما دخلت عمال تسلخ في البت.
رفع ريان رأسه يأخذ أنفاسه، ثم مسح وجهه العابس بغضب:
هي دي جايه تنيل هنا إيه! واوعى تقول إنك شغلتها؟
أتاه الرد سريعًا في هدوء:
حصل، وهتشتغل فعلاً.
تشغل مين دي، عاملة شبه نتاية العنكبوت المطلقة.
صلى على النبي واقعد نتفاهم.
صاح بصوت مرتفع حاد:
أنا هادي، وكلام في الموضوع ده منتهي.
منتهى ليه؟ انت بنفسك قلت إن شاء الله أشغل الجن الأحمر بس نور لا، حصل؟
حصل، بس دي دي مستفزة.
صرخ ريان آخر كلمة في غضب، ثم صمت ثواني يستمع لحديث تولاي في الخارج:
سامع بتغلط فيا إزاي.
ترجل من مكانه ل مكان ماهي تقف، وقال في حدة:
سبحان الله، عاملة فيها "أبلة ناظرة" ولابسة نضارة.
اقترب أكثر منها، ليكمل شعر بأنجذاب في عيونها جعلته يخبرها بتلعثم:
ومتقلش ليه، دكتورة.
رفع يده نزع منها منظارها الطبي، وقال وهو عقله يتركه ويغرق داخل نهر عينها:
تصدق إنها خطيرة.
تعجب زين من نبرة ريان التي تحولت لهمس، فرمق عين تولاي هو الآخر وقال:
تصدق، آه.
زمجرت تولاي في حرج وتوتر وهي تسحب من يده نظارتها بقوة، وقالت بكسوف:
هي إيه دي؟
فاق ريان من حالة التيه الذي ورطه عقله بها، وأخبرها:
وجودك... وجودك هنا خطير على المكان والبشرية.
وقفت تطلعه بعيون صقرية، قائلة بجنون:
والله ما حد خطر على البشرية غيرك.
استدار أعطاها ظهره، وعقد ذراعه في تذمر من لهجتها، وقال بإيجاز حتى ينهي الحديث:
طيب، شغل هنا مافيش.
انت بترفضني قبل ما اشتغل.
كانت تحاول أن تنقض عليه لولا يد رنا التي منعتها، فأخبرها ريان بضحكة ساخرة منها:
متقطعيش، قولي إن شاء الله.
وقبل أن ينقضوا على بعضهما، أخذ زين ريان مبعده عنها.
وأخذت رنا تولاي وخرجت بها من الشقة:
ممكن تهدي.
الراجل ده بيعصبني. وتصدقي هشتغل بالعند فيه.
طيب اهدى بس.
يوووو، متقوليش اهدى.
صرخت بأعلى طبقات صوتها في غيظ.
طيب متهديش، وهاتي آخرك ووريني هتعملي إيه.
قالها ريان بعدما أتى من الداخل على صرخاتها.
فبصت تولاي يمينًا ويسارًا تبحث عن أي شيء تلقي به، لم تجد. صرخت من أعماقها بوجهه:
ابعد عن وشااااااي.
والله مجنونة.
قال جملته ثم دخل ريان، ركل الكرسي بقدمه بغيظ وهو واقف مستشاط، واضعًا يدًا في خصره والأخرى يهرش في ذقنه، قائلًا لزين باتهام:
انت تعرف البت دي صح؟ انت وأمي مسلطينها عليا!! انتوا فكركم لما تحطوها في طريقي بالطريقة دي هتغير وهقع في حبها؟! دي ماتطقش دقيقة.
كان زين يهز رأسه بنفي حتى قال بخوف:
وحياة من شد وقطع وقلع الفلنة وتمطع، ولا أعرفها أساسًا.
أخذ أنفاسه بقوة يفكر ما عليه أن يفعله، وجد أن مذاجه قد تعكر بما يكفي. سحب سترته واستعد على الرحيل. أوقفه زين الذي كان يشاهده كما يشاهد فيلم:
رايح فين؟
همشي.
والشغل.
أجله.
هو لسه بدأ يا بني آدم انت، اقعد نحط البرنامج.
زين سابني لأطلع ضيقي كله عليك.
ابتعد ريان قليلًا، ومد يده يشار إلى الأوراق. زفر ريان أنفاسه وذهب من أمامه. دخلت رنا من نفس الباب الذي خرج منه بظهرها تتطلعه وهو يمشي كالبركان المتحرك، قائلة بتعجب:
ده باينه مشروع فلة! ثم أولت وجهها لزين مكملة بتأكيد: فلللله.
رمى زين جميع الأوراق التي بيده على المكتب الخشبي، وبصرها وهو يمط شفته للأمام. جلست على المقعد أمامه:
هتعمل إيه انت كمان؟
هوزع منديل في الإشارات.
عارف لو ورد هتكسب أكتر.
رمقها نظرات نارية وقام منسحبًا حتى لا ينفعل عليها.
وجدت نفسها بمفردها في المكان. نظرت بخوف يسارًا ويمينًا، وقامت تركض خلفه في جوف:
زين زينوووو استنااااني.
كان "ريان" داخل سيارته يقودها بسرعة كبيرة. رفع يده اليسرى سحب استكًا يستخدمه ليقيد خصلات شعره، جعلها متحررة بالهواء تتطاير بلا أي قيود، ويغني بصوت عالٍ مع المسجل ودموعه تنهمر على خده بتلقائية وهو يستمع...
رصيد الستر عندك خلص
خلاص السر اهو بيفوح
كدبك بان وبقى مفضوح
وفرصة سعيدة يالا وروح
صغرت في عيني حبك نقص
ولبست اللي بينا الكفن
ويالا تعيش بقى وتفتكر
هبيعك حتى من غير تمن
ولو كان لسه فيك إحساس
هتندم ع اللي ضيعته
ولما تشوف قساوة الناس
تقول على حبي ياخسرته
ده كان في إيديا كنز كبير
ياريتني مشيت معاه بضمير
ياريتني ماكنت دمرته
ياريتني ماكنت أنا خسرته
وشوفلك حد يشبهلك
يكون زيك قليل الأصل
مريض زيك ومالوش مصل
ويسقيك بردو نفس الفصل
وأنا وعد مني لا أفتكرك
ولا بالخير ولا بالشر
ولا لـ صوت الحنين أتجوع
وعندي هتبقى وقت ومرو
وقف صوت المسجل وصدح بدلًا منه صوت رنين هاتفه. فاق من بئر أحزانه وهو ينظر على الشاشة وجد اسم "رزان" الفتاة اللبنانية التي تم التعارف عليها عن طريق السوشيال ميديا.
مسح وجهه بقوة ثم ضغط على زر الإجابة من شاشة العربة بعد أن نظف حلقه:
يا ميت هااالو.
هاي ريان، أنا وصلت الغردقة.
لا مش معقول، طيب فينك؟
لسه طالعة من المطار حالا وهركب تاكسي.
هبعتلك أبلكيشن على الواتس، وأنا هستقبلك هناك.
دي شقتك؟
أجابها "ريان" بضحكة ماكرة:
شووور.
أوكي بيبي.
أغلق معاها وتوجهه إلى بيته، أخذ حمامًا دافئًا، ثم أحضر زجاجة خمر وانتظرها.
دخلت هند أخيرًا حجرتها وأخرجت هاتفها وجدت "سيف" هاتفها كثيرًا. جلبت اسمه واتصلت عليه، وحين أتاها ردها قال في غضب:
ممكن أعرف مش بتردي ليه عليا؟
معلش، كنت مش عارفة أرد.
هو فيه إيه يا هند؟
فيه إيه بس يا سيف؟
إنتي مستفزة على فكرة.
أخذت نفسًا عميقًا تروي له رئتها، ثم أخرجته بهدوء متحدثة:
سيف، كنت لازم أعرف عمر اللي بينا، عشان ما يفهمنيش غلط.
طب عرفتيه؟
آه.
ها؟
ها إيه؟
حاول كبح غضبه حتى لا يغضبها، وقال وهو يجز على أسنانه:
عرفيني أنا بقى اللي مخليكي في شقته لحد دلوقتي؟
ردت بصوت مخنوق محمل بالحزن:
سيف، انت عارف إن بابا وماما الله يرحمهم وأنا ماليش غير عمـ..
قطعه بحده مزمجرًا:
وأختك كمان الله يرحمها، إيه بقى اللي يخليكي لسه مكملة في بيته لحد دلوقتي؟
سيف، هروح فين؟
رد بسرعة بدون تفكير:
تعالي اقعدي معايا، أنا كده كده مأجر الشقة لوحدي.
انت بتقول إيه؟
رد بثورة عامرة وغيره نارية احتلت كل أوصاله:
اشمعنى دي اللي أخدتيها على صدرك، وضيقك وعايزني أتقبل وجودك معاه عادي؟
يا سيف افهم.
هند، اللي أفهمه إنك متقعديش معاه تمام؟
يا سيف..
آه، انتي مصره تقوحي في الغلط؟
أغلق الهاتف في وجهها ثم أغلقه نهائيًا، وجلس على مكتبه يحاول أن يهرب من النيران التي تتوهج داخل صدره، وهي لا تشعر بما يعانيه، فكيف له أن يتخيل مجرد التخيل أنها ترقد بالغرفة المجاورة له، وفي نفس المكان يجمعهما. أي عقل يستوعب هذا الهراء الذي تحاول إقناعه به؟
حاول كثيرًا التركيز وعندما فشل، أغلق كتابه ونهض داخل شرفة غرفة نومه يستنشق بعض الهواء، وبداخله عزم على اتخاذ قرار ولابد أن ترضخ له، وإلا سيكون رد فعله حاسمًا معها.
سمع "ريان" صوت باب المصعد، قام فتح الباب سلم عليها وقبلها على خدها ودخلا سويا. فتحت شنطتها على الفور، أخرجت منه أكياس صغيرة به بودرة بيضاء ورقة من المال. رمقته بميوعة وغمزت له بطرف عينيها قائلة:
تحب تعمل دماغ عالية؟
ابتسم وهو يهز رأسه بنفي نفى ما عرضته عليه:
لااا، اعملي انتي دماغك، وأنا أقصى حاجة كاس.
تعالى بس، مش هتندم؟
اقترب منها وبعيون كلها رغبة قال وهو يضغط على طرف شفتيه السفلية مع غمزة من عيناه:
أنا هندم لو معملتش اللي في بالي دلوقتي؟
رنت ضحكة خليعة وسألته بمكر أنثى:
واللي هو إيه؟
لم تنتظر ردًا بالقول، وبأغتها فجأة وحملها وألقاها على الفراش، ثم نزع قميصه الأبيض الكلاسيك، وانقض عليها، لكن سريعًا تذكر آخر فتاة أتى بها بالشقة؛ كانت ملامحها وعينها لا تشبه أي بنت من اللذين ترددوا من قبل عليه. تذكر جنانها، بكائها، خوفها، وعندها تذكر كل تفاصيلها. كانت هي أول واحدة تدخل بيته وتخرج منه بدون أن يلمسها.
كانت "رزان" تضع يدها على كتفه متعجبة شروده، فسألته:
مالك حبيبي؟
اعتدل وجلس بجوارها، مسح وجهه، شعر بقرف واشمئزاز من ذاته. دخل المرحاض، قلع بنطاله ونزل تحت المياه، بينما هي وقفت أمام باب دورة المياه مستغربة من تصرفه هذا. سحب المنشفة وضعها على خصره ودخل غرفة وأغلق عليه الباب. لبس ثياب رياضي وخرج، ثم قال لها:
رزان، البيت بيتك. أنا تعبان هنزل، ولو احتجتي حاجة كلمي الأمن من على الدكتفون.
عوجت رأسها لكي تفهم ما حوله، فقتربت منه محاولة إغراءه، وحين لم تجد الرد الذي تتمناه قالت بحده:
غريبة، امال فين اللي كنت بتقوله، تعالى ده أنا هعمل وهعمل، راح فين الكلام ده كله؟
وقف كالأسد أمامها وقال بعلو صوته:
اديكي قولتي كلام.
ريان، هو انت فعلًا زي ما سمعت؟
رفع حاجبيه بتعجب وسأل متوجسًا:
وسمعتي إيه؟
ردت بتوتر وهي تفرك في يديها هاتفه:
إنك بتعرف أي بنت مرة واحدة وبعد كده بتقرف تبص في وشها؟
رفع حاجبه الأيمن وأنزله مؤكدًا ما سمعته، فوجد منها غضب شديد وصوت مرتفع قائلة:
أنا اللي غلطانة، رخصت نفسي معاك.
نظراته كانت حادة، فأطلق سهامه مرة واحدة فأصابتها في الصميم هاتفًا:
إنتي هتعملي فيها شريفة، إنتي أصلًا رخيصة، بلاش الشويتين دول عليا.
الصدمة احتلت ملامحها، فلم تتخيل أنها تستمع لهذا القول منه في يوم، فقالت بحزن:
ريان، انت بتقول إيه؟
رزان، لو سمحتي سبيني أمشي، أحسن ما يوصل النقاش لصورة مش حلوة.
لا خليك، أنا اللي همشي، ومش هتشوف وشي تاني.
أشار من ورائها بهوجائية وهمس بنبرة منخفضة:
يلا في داهية.
انتظر قليلًا حتى أن تكون ابتعدت، ثم ترجل توجهه إلى فيلا أمه. فتح الباب بخفة حتى لا يلاحظ مجيئه أحد، لكنه وجد والدته تجلس على الأريكة تعطي ظهرها وأخته في مقابلته. أشار لها أن تشغلها حتى أن يستطيع الصعود دون أن تراه، لكن قبل أن يصعد الدرج سمع صوت أمه قائلة بقوة:
ريان، انت كنت سهران النهارده مع مين؟
معااااا.....
كان يهرش بمؤخرة رأسه يفكر في كذبة سريعة مقنعة، فهتفت "إيمان" بحدة:
مع مين انطق؟
تنحنح وقال مندفعًا دون تفكير:
تولاي، مش انتي قلتي ليا أصاحبها وأقرب منها؟
آه.
وقف ببجاحة يسألها ولا كأن أخطأ من بضع ثواني:
طيب، عايزة إيه؟
اقتربت منه ووضعت يدها في ذقنها وقالت بحد:
عايزة الحقيقة يا ابن بطني؟
هي دي.
خرجت حروفه بتلجلج، فسألت بوضوح:
يعني مش مع الشمامة بتاعة النت؟
ابتلع لعابه في توتر ثم سألها:
عرفتي من فين؟ .... أقصد، وايه اللي خلاكي تفكري فيها؟
منزلة على الفيس بتاعها إنها هنا.
كان هذا رد أخته الذي بحثت عن رزان بعد ما طلبت منها والدتها، فقال وهو يتوعد لها:
آه، مانا قلت أمي مش ليها في التكنولوجيا.
عادت إيمان سؤالها بقوة:
لا لا لا، اطمني، كنت مع تولاي.
تغيرت نبرة صوتها من الحدة، إلى الضعف والخوف عليه متشدقة بحنان:
يا بني حرام عليك، انت ناوي تعمل في نفسك إيه أكتر من كده؟ ياما قولتك البت دي مش رخيصة وبس؛ دي شمامة وبتتاجر فيه وناوية تسحبك لسكتها، وأنا خايفة عليك يا حبيبي.
ضم كتفها وربت عليه، وقال بهدوء:
يا أمي، أولًا أنا مش صغير، وعارف مصلحتي كويس، ياريت تطمنيني عليا ومتقلقيش.
آه مش صغير، وسيد الرجالة، بس بقى حالك ده بيخليك تعمل حاجات كتير عمرك ما كنت بتعملها.
يا أمي اطمني، كنت مع تولاي.
هروح أسأل؟
قال "ريان" آخر جملة منهي الحديث وبدأ يصعد على الدرج، وبعد أن سمع جملتها لف بجسده ونزل سريعًا يمسك يد "إيمان" هاتفًا:
وحدي الله، الناس خلاص هتنام، استنى للصبح؟
انت خايف ليه؟
لا، مش خايف.
طيب، وسع يا ريان.
بعد خطوة من أمامها وهو يبلع ريقه، ويلطم على وجهه ويعوج فمه لليسار واليمين وهو ينظر أخته. وقفت أخته وضعت يدها أسفل ذقنها وفعلت كما فعل بفمه، ثم ولولت بيدها بالهواء. وقف محتارًا ثواني لم يعرف كيف يتصرف وما عليه أن يفعله حتى ينجو من كذبته، وضع يده على شعره يرجعه للخلف حتى أن أتت له فكرة. ركض سريعًا حتى ينقذ نفسه.
خرج على الحديقة ثم على حديقتها ثم قفز داخل شرفة حجة "تولاي". وجد الضوء خافت ولمحها نائمة على فراشها والغطاء عليها. تفتح عينيها تنظر على السقف تبتسم وشعرها ينسدل على الوسادة. فتح شرفة النافذة بكتفه. نهضت وجلست على الفراش بفزع وسحبت الغطاء تخبئ شعرها وجسدها بالكامل، وقالت بهلع متسائلة:
انت جاي هنا تعمل إيه؟
سبحان الله، جه اليوم اللي تسأليني السؤال اللي كل مرة أنا أسأله.
انت جاي تتوب هنا، أقسم بالله لو ممشيتش لصوت والم عليك الدنيا يا حيوان.
قالت قولها بصوت مرتفع قليلًا. لم يجد "ريان" رد فعل غير أنه وضع كفه على فمها ليخرسها وقال:
الله يكرم أصلك، عارفة لو في مكان تاني بعد التشبيه ده كنت خليتك تكلمي أمك تودعيها.
رمقته شزرا:
هصوت وربنا.
فأكمل بنبرة راجية:
تصوتي إيه يا مجنونة، استهدي بالله أنا جاي أطلب منك خدمة.
رمقته بدهشة وتعجب في أي خدمة يريدها منها في هذا الوقت المتأخر والمكان هذا؟ وهو من طردها شر طردة منذ ساعات مضت. فردت متسائلة:
خدمة؟! وفي أوضة نومي الساعة...
نظرت الساعة الموضوعة على الحائط وقالت بهلع:
يالهووي الساعة؟... 12.
مالك يا سندريلا، متأخرة على حاجة.
انت جاي تهزر كمان؟!
تغيرت ملامحه للرجاء وقال بهمس وهدوء:
ابلعي ريقك، أنا أمي تحت جايه تسألك إذا كنت معاكي النهارده ولا لأ؟
وتسألني أنا ليه؟ هو أنا بكلمك أصلًا عشان أقعد معاك؟
بصي، خدمة واللي انتي عايزاه هنفذه، اتفقنا؟
لا.
رواية طوق نجاتي الفصل الثامن 8 - بقلم ابتسام محمود
فضربها على كتفها بقوة وهو يبلغها بحزم:
- طيب يلا عشان تلحقيها قبل ما تطلع وتلاقيني عندك وتخرب بيتي على بيتك.
- طيب وبالنسبة للي عملته الصبح؟
- ندمان طبعاً.
ابتسمت واستغلت الفرصة لصالحها هاتفه:
- عشان أتأكد إنك ندمان؛ لازم أعملك أشعة مقطعية أشوف بنفسي ندمك.
- وماله بس بعد دقيقة أبوكي هو اللي هيعملك أشعة يطمن على بنته صاحبة الصون والعفاف.
ضربته بالوسادة الموضوعة جانبها ثم قالت في غضب:
- اخرس متكملش. اتفضل دور وشك.
أعطاها ظهره وبطرف عينه تلصص عليها وهي تقوم، رجعت مكانها سريعاً عندما لمحته:
- ضيع بقى وقت براحتك.
ضحك بصوته الرجولي، قامت بسرعة ضربته:
- اخرس هتفضحني.
- بسرعة بقى.
- هتنيل أهو.
وسريعاً ارتدت أسدالها، ثم ترتدي حذاءها وتقول بذكاء:
- طيب إحنا نقول بسم الله ونفتح الكابوت ونشيك عشان نبدأ من غير خسائر في الطريق.
أمسك يدها بقوة وعض شفته السفلية قائلاً بضيق:
- انجزي يا أختي أنا ماسك لساني عنك بالعافية.
وضعت كفيها على خصرها وقالت بتحدي وقوة:
- حلو أوي، طب أنا واقفة مستنية لسانك يغلط، والغلط لحظة بس الندم سنين يا حلو.
أغمض عينيه وهو يبلل شفتيه وقال مستعطفاً بعدما نجح في تهدئة نفسه:
- ما أنتي اللي عَصّبتيني يا تولاي، ملعون أبو اللي يزعلك، طلباتك أمري.
- ايدك بإيدي يا نجم ألم جراحي وأنا خدام لقمة عيشي.
- لقمة إيه يا عنيا؟
- عييشي، يعني هتشغلني هتلاقيني نزلت قلبت قدام أمك أراجوز في سيرك قومي وهثبت إنك كنت معايا وهجيب ناس تشهد.
- ملعون أبو دي حاجة... موافق.
زفر أنفاسه غاضباً ثم قال رده وهو يلعن نفسه على تسرعه في كذبته لأمه، فابتسمت "تولاي" بانتصار، ونزلت إلى أسفل، وحينما رأت والدته، ادعت التمثيل متسائلة:
- خير يا طنط جاية متأخر كده ليه؟
اقتربت منها "إيمان" وقالت بتوتر وتلعثم:
- تولاي معلش يا بنتي هو انتي كنتي مع أصحابك النهاردة؟
- أيوه يا طنط.
شعرت بالإحراج أن تسألها صراحة عن وجودها مع ابنها، حتى لا تشوه صورته أمامها، لو كان كاذباً، فقالت لها بدهاء:
- هو ريان بقى من ضمن أصحابك؟
ردت ببراءة وثقة:
- آه يا طنط، خير في حاجة؟
- لا مافيش أصل اتأخر وتليفونه مقفول.
رمقتها بتمثيل مدعية الاندهاش:
- معقول؟!
- طيب انتوا روحتوا إمتى؟
تفاجأت من سؤال "إيمان" الخبيث، وليس له أي معنى آخر، فتلعثمت "تولاي" لكنها بسرعة بديهية قالت:
- هو وصلني من ساعة بس قالي هحط بنزين مش عارفة بقى هو فين.
- لا محطتش كسلت وروحت على طول.
كان هذا صوت "ريان" الذي دخل الفيلا في الوقت المناسب حتى ينجد نفسه ويثبت أنه لم يتركها ثانية.
ابتسمت "إيمان" لها وربتت على كتف "تولاي" وقالت في حنان:
- تصبحي على خير معلش أزعجتك حبيبتي.
- مافيش إزعاج يا طنط، بس خلي بالك ريان عايز شدة ودن شوية.
- قصدك إيه؟
- ولا قصدها حاجة دي بتهزر.
قالها بنظرات توعد لـ "تولاي" وهو يأخذ أمه لخارج الفيلا فقالت "تولاي" بصوت عالٍ:
- ناقص تربية كمان يا طنط.
- وده أربيه إزاي؟
- اقطعي عنه المصروف.
قالتها "تولاي" لتغيظه وهي مستمتعة بما حققته من انتصار، فرد على والدته "ريان":
- يلا يا أمي دي واحدة مجنونة.
رمقته نظرة شرار، وصل شظاياها بسرعة له، فعدل قوله قائلاً:
- بس بتقول كلام موزون.
طيب يلا السندريلا تتأخر عن تنضيف البيت وستها تيجي تبهدلها.
- ماااشي يا ريان.
قالتها تولاي وتوجهت لأعلى وهي تضحك على إغاظته وكسب أول جولة بتعينها في الشركة، دخلت الشرفة تملأ رئتها بالأكسجين.
وأثناء سير "ريان" مع والدته، قال لها معاتباً على شكها فيه:
- ما قلتلك يا ست الكل كنت معاها، اهو مش بكدب عليكي.
- ربنا يهديك يا ابني.
دخلت "إيمان" الفيلا، وقف هو يلتقط أنفاسه ولف رأسه وجد "تولاي" تقف في نافذتها تشير بكف يدها على رقبتها أنها ستذبحه، بثق بها ودخل الفيلا وعلى الفور صعد غرفته وجد أخته تحدقه بنظرات اتهام، فقال بضيق:
- عائشة بالله عليكي أقصري، مش عايز أسمع أي مرشح.
- أنا مش هتكلم كفاية اللي انت حاسس بيه، ويا ريت تعدل من نفسك.
جلس على سريره بتيه، مد جسده بعرض الفراش، ظل يحدق بالسقف، لكن لم يجد نوم دخل شرفته وجد "تولاي" في الحديقة تجلس على أرجوحة خشبية ترتدي عباءة بيضاء، وحجاب وردي تمسك بيدها كتاب ووردة بالون الأبيض تقطف منها ورقة وراء ورقة، تمعن في ملامحه كانت بريئة هادئة، ابتسم وقرر أن ينزل يشكرها على ما فعلته من أجله، اقترب منها انتبهت على صوته:
- تولاي.
لفت رأسها بصرته بلامبالاة، ابتسم أكثر واقترب حتى أمسك الأرجوحة بيده وهو يتطلعها قائلاً:
- شكراً.
رفرفت بعينها ولم تصدق أذنها هبت واقفة، ووقفت في مقابلته بابتسامة زهول، فقال:
- مستغربة ليه؟
- ريان بنفسه جاي يعتذر ليا؟
رد بنبرة هادئة تخلو من أي غضب:
- وفيها إيه مش قدمتي ليا خدمة لازم أشكرك!!
- طيب العفو.
تعالت صوت ضحكاته وقال بخبث:
- العفو بس؟
عبست بين حاجبيها وقالت بتهكم:
- أمال أحطلك عليها مكسرات.
مد يده أخذ منها الوردة بين كف يده نظر عليها ثواني، ثم نظر داخل عينيها، ووضع الوردة بين الحجاب وشعرها الذي يتمنى أن يلمحه وقال بصوت ناعس هامس:
- إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟
- تقريباً نفس السبب اللي مسهرك.
أجابته وهي ترفع رأسها تنظر في عينه، فرد عليها بعد أن ربع يده على صدره ورفع رأسه استنشق الهواء بقوة، وقال وهو ينزل عينه على مستوى رأسها:
- جاي على بالي، أحضنك.. وأحضننك.. وأحضنننننك أوي.
ردت عليه هامسة وعيناها ممتلئة بنفس الرغبة:
- طيب مستني إيه؟
قرب قوي منها وأمسك يدها بقوة وهو يتطلع بندقيتها، ثم جذبها بقوة داخل صدره؛ وضمها بقوة.... حضن أول مرة يشعر بهذا الاحتواء، والسكينة ابتعد عنها قليلاً، ونظر على شفتيها الوردية وقبلها برقة على ثغرها..... وجدها تضع يدها على كتفه تمسكه بقوة .. فتح عينيه بثقل من النشوة الذي غرق داخلها وجد أخته أمامه تبلغه بعطف:
- هتفضل في البلكونة كتير الجو ساقع؟
برمش بعينيه ووجد نفسه يتخيل وهو مستيقظ كل ما حدث تعجب من تخيلاته المراهقة التي لا أول مرة تحدث معه، ومع من؟ معها هي بالذات، فكيف؟ وهما دائماً في شجار طول الوقت؟
- مالك يا ريان؟
قالتها عائشة بقلق فرد بعد أن حمحم ينظف حلقه وأفكاره:
- مافيش أنا هنزل أجري شوية.
وقبل أن ينصرف نادت عليه بحب وبلغته بعدما التفت إليها بوجه شاحب:
- ريان.... خلي بالك من نفسك.
ابتسم وهو يسحبها من يدها يحتضنها، ربتت على ظهره بحنان:
- متزعلش من ماما.
- ولا عمري هزعل منها؛ أنا زعلان من نفسي.
- ولا تزعل من نفسك، سيب نفسك للأيام هتداوي كل مشاكلك.... هز رأسه وشعر بنغزة وجع وألم في قلبه، أمسكت عائشة معطف الشتاء:
- خد الجاكيت معاك الجو برد تحت.
أخذه منها وقبل يدها، وترجل لأسفل وهو يرتدي السترة واضع يده بجيبه، وعندما وصل الحديقة رفع بصره وجد "تولاي" ما زالت جالسة فكر ثواني أن عليه حقاً يشكرها ويعتذر على سخافته معها، لكن عندما اقترب منها وجدها تنهض بعيون شرسة حادة ألقت الكتاب الذي كانت تمسكه، فقال سريعاً:
- أوعي يكون شيطانك يلعب في دماغك ويقولك إني جاي أعتذر ولا أشكرك؟
- لا أبداً العفو.
قالتها بابتسامة سمجة.
لكنه تذكر ما تخيل به وهي تقول برقة العفو يوجد اختلاف 180 درجة من العفو بخياله، والعفو في الواقع ضحك وقال:
- العفو برضو؟
وبدأ وصلت مشاجرة جديدة حين تذكر ما قالته في سبه أمام والدته فرد عليها بغضب:
- انتي إزاي تقولي عليا إني مش متربي، وفي وش الست اللي تعبت فيا وربتني... حصلت كمان تغلطي في أمي انتي مجنونة؟
- آه مجنونة وابعد عن وشي لأعرفك الجنان على حق.
انكمش في نفسه ورجع خطوة للخلف من هوجائيتها في الحديث، فأبلغها بخوف مصطنع:
- هروح أجري تحبي تجري.
- أحب تطرقني.
رفع إصبعه الإبهام ب تمام، ثم تركها وهو يبتسم مستعداً للركض ركض كثيراً ولم يشعر بالوقت الذي يمر بسرعة وهو غارق في لذة ونشوة ذات الحلم برغم أنه مجرد حلم لم يمر عليه إلا خمسة عشر دقيقة، لكن تفاصيله كانت تشبع جوع قلبه المتعطش... شعر بعد فترة بالتعب لم يصدق المسافة الذي ركضها، أوقف عربة ورجع للفيلا نام على الفور.
استيقظ باكراً "عمر" ودخل المطبخ يعمل بعض السندوتشات، وهو يفكر كيف يتصرف وكيف يحميها فهي الآن حمايته وعليه أن يحميها حتى من نفسها.
قامت من النوم "هند" التي سهرت كيف تخبره مرة ثانية برحيلها.
لمحها "عمر" وجدها متشتتة فنادى عليها:
- هند...
أجابته بنبرة ناعمة متوترة بعض الشيء:
- نعم يا عمر.
- ممكن متخبيش عليا حاجة تاني؟
لم تجرؤ لمواجهته والنظر داخل مقلتيه، فاجابته وعيناها تهرب من النظر له:
- والله صافي كانت تعرف كل حاجة عن سيف.
بدى على ملامح وجهه الحزن حين ذكرت حروفها، وقال يتأثر:
- الله يرحمها. ممكن أنا بقى اللي أعرف كل حاجة بعد كده؟
جلست وشردت لبعيد متذكرة بداية قصتها معه، ومدى تعلقهما منذ البداية، فتحدثت له بهيام عنه:
- سيف بيحبني من ساعة ما دخلت الجامعة..
- وإيه كمان؟
ابتلعت توترها في جوفها، خشية من ذكر تسلسل باقي قصتها معه، فردت باقتضاب:
- بس.
- بس إيه؟! مافيش مواقف ما بينكم تحكيها، أو كلام؟!
تنحنحت ثم همست بإحراج:
- كلامنا قليل جداً.
- غريبة؟
- حضرتك مش مصدقني؟
- طبعاً مصدقك وواثق فيكي، بس الغريب أنه كان ماسك إيدك في الجامعة وماشين عادي، وده لو يدل على شيء، فهيدل أن ما بينكم مشاعر ومواقف كتير وصلتوكم للنقطة دي؟!
اتحرجت "هند" ونظرت لأسفل، وضع أصابعه تحت ذقنها ليرفع رأسها، قائلاً بحزم منهياً النقاش:
- مش عايز أشوف تاني حاجة غلط منك!
- حاضر.
- يلا خدي سندوتشاتك معاكي مافيش وقت نفطر.
وقفت ثواني تحاول تفتح معه موضوع أنها سترحل من شقته في أقرب فرصة، لكن لم تعرف كيف تفتح معه النقاش، رمقها بتعجب:
- فيه حاجة يا هند؟
حمحمت بتوتر وهي تحاول من أين تبدأ فقالت:
- موضوع كده هكلمك فيه بليل، بعد إذنك.
- مافيش مشاكل، وبسرعة عشان نتحرك.
- معلش روح انت واحدة صاحبتي هتعدي عليا هنمشي مع بعض.
- تمام، خلصي ورني عليا.
- لا برضو هرجع مع صاحبتي.
صمت ثواني وهو ينظر داخل عينيها التي لم يثبت بؤبؤ عينها الذي يتحرك بسرعة واردف بشك:
- مش بقول تصرفاتك غريبة..... بس برضو تمام هديكي الحرية عشان وعدتيني مش هتعملي حاجة غلط.
تركها على الفور، ثم لملم كل أشياءه ونزل من المنزل.
عندما اختفى من أمامها سحبت نفس عميق وتحركت على الفور بتجهيز أدواتها لكنها لم تجد كتابين، وبعد ثواني لمحت نور هاتفها الصامت ومكتوب على الشاشة اسم "سيفو" المحبب لقلبها ركضت تناولت الهاتف وقامت بالرد، أتاها صوته:
- أنا وصلت تحت.
- أوك أنا نازلة حالا.
نظرت للمرة الأخيرة في مرآتها وتأكدت من حسن مظهرها ونزلت على الفور على محياها ابتسامة رقيقة، مشيت مسافة قليلة لآخر الشارع التي تسكن به حتى لا يراها أحداً، ركبت السيارة وألقت عليه السلام:
- ازيك يا سيف.
- تمام.
نطقها بوجه متعصب، تعجبت فسألته:
- فيه إيه؟
- فين شنطة هدومك؟
- سيف أنا وعدتك هكلمه في الموضوع.
- حلو... اتكلمتي؟
صمتت ثواني ثم نفت:
- لا.
- حلو الوعد ده.
- أقصد دلوقتي متكلمتش بس بليل هكلمه.
- وآخرتها يا هند؟
نطق أحرف حديثه بعصبية مفرطة جعلتها تتفزع:
- سيف لو سمحت مافيش حاجة بتيجي بسرعة، أنا قلت ليك هكلمه بليل.
وحاولت تلطيف الجو فاستطردت قائلة:
- وغير كده ما أنا رفضت اهو أروح معاه وأرجع معاه وأديني معاك.
- آه معايا.
قالها بتريقة وهو يدير سيارته وأكمل:
- اللي هو أوعي تقف تحت البيت استناني آخر الشارع.
- سيف بلاش تدور على أي زعل أنا اهو معاك.
أوقف العربة ونظر لها:
- أنا لو قولت ليكي احضنيني عشان تثبتي حبك هتعملي كده؟
برقت عينيها ودق قلبها بقوة واحمرت وجنتها ولم تقدر على النطق من صدمتها من كلمته، رمقها بضيق:
- إجابتك وصلت!!
استعد على الانصراف حتى أن وصلا باب الجامعة.
عند عمر من قليل في العربة وجد كتب هند نسيتها داخل السيارة أمس، اتصل بها كثيراً لكن لم ترد، قال لنفسه:
- أكيد لسه التليفون على وضع الصامت.
خاف أن تحتاجهم فذهب إلى الجامعة انتظرها حتى تأتي ليعطيهم لها.
في الوقت الحالي رآها عمر وهي تنزل من عربة وقبل أن ينادي عليها لمح سيف ينزل من باب عجلة القيادة.
رواية طوق نجاتي الفصل التاسع 9 - بقلم ابتسام محمود
أراها "عمر" وهي تنزل من عربة، وقبل أن ينادي عليها لمح "سيف" ينزل من باب عجلة القيادة.
ابتلع حروفه بصدمة وشعر بتنميل دخل رأسه، كأنه ضرب ضربة قوية فوقها. تجمد مكانه بخيبة أمل عندما شعر أنه قد تمكن من إقناعها وتأثرها بكل كلامه، لكن أخيراً وجدها تفعل كل ما حذرها منه، ووعدته أنها لم تفعله.
كور قبضة يده بعصبية مفرطة جعلت الدماء تهرب منها، واستعد أن يذهب لها، لكن وقف سريعاً. أغمض عينيه وهو يزفر أنفاسه، يفكر في كم الفضيحة التي سيكون هو سبب فيها لها.
مسح وجهه وهو يلجم غضبه، وقرر يتمهل حتى أن ينتهي يومها الدراسي. جلس بمقعد سيارته، وبعث رسالة لعمله يعتذر عن عدم الحضور اليوم.
في العاشرة صباحاً يركب "ريان" سيارته. رأى "تولاي" تتبختر في الشارع، كانت ترتدي فستاناً واسعاً لون السماء الفاتح وفوق رأسها حجاب يزينها باللون الأبيض.
أخرج رأسه من نافذة السيارة:
"يا حلاوة مغلفة، تحبين أوصلك؟"
رمقته بقرف واردفت بسخرية:
"انت مين عشان توصلني؟"
قهقه عالياً وقال بثقة وهو يمسد على شعره المصفف كعكة أعلى رأسه:
"مش ممكن أكون فارس أحلامك؟"
وقفت عن سيرها وتمعنت به النظر حتى أن انفرجت شفتيها بابتسامة عريضة، فوجدته غمز لها بابتسامة جانبية أظهرت غمازته اليمنى. فأومأت له بفرحة وشكر:
"بجد مش عارفة الفكرة دي كانت تايه عني فين، انت صح!!"
اتغر في نفسه، لكن سريعاً فاق على جملتها الحادة:
"انت فارسني أنا شخصياً، إزاي مش هتفرس أحلامي بلا هم."
بحلق عينه بصدمة على مقصدها اللعين وقال بحده:
"لعلمك انتي نسيتي إني مديرك في الشغل؟"
وقفت مكانها تتأفف ثم وضعت كف يدها على خصرها ورمقته بابتسامة صفراء:
"بقولك إيه، مش معنى وافقت أشتغل معاك تتعرض ليا كل شوية وتفتكرني بتسهل. لااا يا حبيبي أنا مش زي البنات السيكي ميكي اللي بتروح وتيجي."
نظر في جميع الاتجاهات حتى يتأكد من لا يستمع أحد لهوائيتها:
"بس بس هتفضحينا، انتي فقدتي الذاكرة، لكن لسانك مكمل معاكي واخد شهادة ضمان عمره ما يتخلى عنك."
ظلت تحرك كف يدها بحركات عشوائية وهي تجيبه:
"اديك عرفت، فكر بقى تتعرض ليا تاني."
بثق عليها وتحرك سريعاً بالعربة ورفع صوت المسجل، نادماً على ما أوصل ذاته له.
ظلت تضحك بحماس على أخذ حقها منه، لكن سريعاً نظرت حولها وما زالت لم تجد وسيلة توصلها لمكان العمل. دعت على نفسها وأكملت سير.
"أنا مني لله، أنا حسبي الله ونعم الوكيل فيا، أنا لساني ده عايز يتشد ويتبطط زي البفتيك، كان فيها إيه لما استغله وبعد كده أمسح بكرامته الأرض... أخ منك يا لساني."
في مقر الشركة كان "زين وكارما" قد أتيا باكراً.
"زين مش عايز تبقى الزين وأنا الزينة؟"
"لا."
أجابها وهو يأكل بكل برود. انكمش وجهها ونكزته على صدره بضيق:
"ليه ياللي منك لله... نفسي نتجوز وأفرح بقى؟"
"هو أنا قصرت... كل يوم بفرحك وبعملك مفاجأة."
"يووو بقى ما انت عشان ضمني جنبك، بس خلي بالك مدة الصلاحية بتاعتي قربت تبقى إكس باير."
"ياروحي انتي صلاحيتك العمر كله مش هتبعدي عني."
"بقى كده؟"
"آه كده."
"طيب أنا هوريك."
قامت أمسكت كوب ماء وسكبته عليه قبل أن تركض. شهق من الصدمة وأبعد قميصه الرياضي عن صدره، حتى استوعب ما حدث وقام سريعاً لكي يمسك بها. ظلت تضحك وهي تقف أمام المكتب، وهو يقف من الجنب المقابل لها. كلما تحرك هي تتحرك في الجهة المقابلة حتى صرخ في وجهها:
"كوكي بطلي شغل عيال وتعالي هنا."
دخل "ريان" تفاجأ بأفعالهما الصبيانية:
"انتوا مش بتكبروا أبداً؟"
"لا سيبنا ليك العقل."
قالتها "كارما" وهي تركض تمسك قميصه الرياضي وتقف خلف ظهره. اردف بعصبية:
"سيبي هدومي."
"لو مسكني مش هيرحمني."
"وأنا مالي ولعوا في بعض."
قالها "ريان" بضيق واضح، حتى ألقى "زين" علبة صغيرة على "كارما" لكن أتت على "ريان"، تعصب منهما. أمسك بيد "كارما" ملقيها بعيداً عنه وركض خلف "زين". جلست "كارما" تصفر وتشجع بحماس.
قطع مشاجراتهم دخول "تولاي"، التي استقبل رأسها حذاء "ريان" الذي ألقاه دون قصد عليها. جلس "ريان" وأدعى انشغاله بالأوراق التي أمامه. أما "زين وكارما" تعجبا من مجيئها مرة ثانية.
اقتربت منها وهمست بجانب أذنها:
"مش انتي اترفدتي من قبل ما تشتغلي؟"
تقدمت من مكتب "ريان" بابتسامة باردة وجلست على الكرسي المقابل واردفت بثقة وهي تنظر لـ "ريان" بتحدي:
"الكلام ده كان إمبارح الصبح."
"أمال حصل إيه النهارده؟"
سألت "كارما" باستفسار. لفت رأسها ناظرة عليها وهي تجيب ببرائة ذئب:
"ريان جالي البيت وفضل يعتذر ويتحايل عليا."
كاد "ريان" ينفي بأصبعه السبابة من خلف مكتبه، حتى أدارت "تولاي" رأسها عليه ورمقته بتحدي:
"مش صح يا ريان؟"
تحمحم ادعى التعب ووضع يده على صدره لكي يتهرب من الإجابة. ضربت "تولاي" كف يدها على المكتب الخشبي بقوة بعصبية مما يفعله:
"إنجز يا تطلع... يا نتفق على المر."
"هي إيه دي اللي تطلع؟"
"روحك."
ابتسمت بخبث وهي تجيبه. تشدق من بين أسنانه في انزعاج واضح، ثم طلب وهو يكبح غضبه الذي بدأ يعتري:
"ممكن حضرتك تقول لحضرتك تخف على حضرتي؟"
قهقهت في تهكم واجابته بهدوء:
"والله حضرتي خايفة، انت بس اللي واخد في صدرك وكاتم."
عندما يلتقي إبليس مع شيطان فيكون كل الحاضرون لا يفقهون شيئاً عن ما يتحدثوا، ومهما حاولوا استيعاب أي شيء.
قبض على يده وهو يصك على فكيه محاولاً الجام غضبه الذي استحوذ عليه، لم تهتم لملامحه المستشاطة واكملت بلامبالاة:
"ورقة وقلم بقى واكتب ورايا طلباتي."
عض على شفته السفلية بغيظ وهو يحاول كبح غضبه وحاول مجاراتها:
"آه طبعاً اعرضي براحتك... ليكي يوم."
"اشتغل خمس ساعات."
"نعم وده من إيه؟!"
علا صوته الغاضب في تهكم. فأجابته وهي تقوم مستعدة على الرحيل بخبث:
"الموضوع عرض وطلب... هتقبل العرض ولا أروح أعرض على طنط إيمان."
شعر "ريان" ستأتيه جلطة من أسلوبها الشيطاني، فلوح لها بعصبية:
"انتي أصلاً هيبقى وجودك زي عدمه، اللي بعده."
رفعت حاجبها الأيسر وهي ترسل له ضحكة ماكرة:
"تمام أوي أنا أروح وهستنى مرتبى كل أول الشهر."
قام من مكانه وتوجهه نحو حذائه الملقي بجوار الباب الزجاجي ومال بجسده يلبسه وأبلغها بعصبية:
"تحبي تمسكي إيه في الشغل؟"
رجعت للخلف بعيداً عنه عندما وجدته يقترب منها بطوله، هنا شعرت أنها عصفور أمام جسده، واردفت بخوف:
"اكيد انت عارف؟"
"لا مش عارف؟!"
بعدت خطوات بعيداً عنه محاولة أن تكمل استعراض عضلتها المزيفة:
"همسك أعصابي... لساني... وكمان مرة أعصابي."
سقف بكف يده بقوة وهو يضحك بصوت عالٍ ثم رمقها:
"لا بتبذلي جهد كبير معانا ماشاء الله، خايف أحسدك، طموحة أوي."
"مرتبى بقى هيبقى..."
قطعها بلامبالة وهو يجلس على مقعد مكتبه من قبل أن تحدد لنفسها:
"٢٠٠٠ وهيزيد لما تثبتي نفسك."
"تمام هروح أثبت نفسي الأول عند طنط إيمان."
قالت جملتها وحملت حقيبتها وتوجهت للباب. وقف سريعاً وأخبرها بصوت يشبه الصراخ:
"اصبري هنا رايحة فين؟!"
فقد وصل لآخر مرحلة في التحمل، فقالت مكملة تهديد:
"أثبت نفسي بسرعة لأن المرتب مش عاجبني."
أغمض عينيه وظل يمسح وجهه بغضب ظاهر داخل عينيه وقال من تحت أسنانه:
"طيب ليه القفش ده خليكي استرتش، تحبي تاخدي كام؟"
"٥٠٠٠ جنيه!!"
ذم شفتيه حتى يخلص من تأمرها عليه:
"أوامرك."
"تمام همشي بقى، هبدأ من بكرة شغل."
ابتسم لها ابتسامة صفراء تحمل كره وأبلغها:
"بس ياريت تيجي بدري."
ردت بلامبالة:
"إن عشنا لبكرة."
وهنا لم يتحمل بعد أن وافق على كل طلباتها وما زالت تبيع وتشتري به، فقد أعصابه وقال بصوت بعصبية:
"حتى بقى لو موتي تعالي بدري عشان ألحق دفنتك من أولها... وإيمان اللي بتذليني بيها أنا هكلمها حالا أقولها."
أمسك هاتفه واتصل بها، انتظر ثواني حتى أتى صوتها. لطمت "تولاي" على خدها وحاولت أن تهدأه برعب من انفعاله، لكن أغلق مكبر الصوت وقال:
"إيمان أنا امبارح كنت بتسرمح وتولاي دي ولا أعرفها ولا يشرفني إني أكلمها ولا تبقى من أصحابي."
أنهى اعترافه وأغلق الهاتف ورمقها بنظرات مشتعلة:
"ارتاحتي كده... تتعدلي بقى وإلا وديني أسويكي بالأرض."
"الله كده مش أخلاق يا أبو الصحاب."
"صحاب مين يا جزمة، ومافيش مشيان ادخلي اعملي شاي."
"اللي يريحك انت تأمر، بس اهدى أعصابك حرام انت لسه صغير، ولازم الفرد يضحي من أجل الجماعة وانت الفرد وأنا الجماعة."
"دي يا بت ولا في أحلامك تبقي حتى جماعتي."
أخيراً تدخلت "كارما" التي كانت مذهولة ولا تعي ماذا يحدث من بداية الأمر:
"خلاص يا جماعة صلوا على النبي المشاريب اللي اتكبت دي على حسابي."
قالت كلامها وأخذت "تولاي" لغرفة داخلية. وقف "زين" بجواره "ريان" وقال بعدم فهم:
"هو إيه الموضوع؟"
"بنت المبقعه فاكرة نفسها هتجيب مناخيري الأرض متعرفش أنا مين بنت قوم شكاير البصل..."
ثم صرخ بصوته كله وهو يبلغها:
"يا بت ده أنا لو صباعي تحت درس حد بقط."
وقبل أن ينهي حديثه وجد "إيمان" تفتح الباب. ابتلع "ريان" ريقه الذي جف فجأة، واقترب منها على الفور بملامح عصفور وديع:
"إيمو منورة مش تقولي إنك جاية؟"
"حبيبي تسلم... صوتك كان عالي من شوية... في حاجة؟"
تنحنح نظف حلقه وأجابها بهدوء:
"لا أبداً أنا كنت بشرح إزاي هنشتغل."
خرجت "تولاي" بإحراج وانكماش وكانت خائفة من كذبتها الذي كشفها "ريان" ببساطة ووقاحة. تفاجأت "إيمان" بوجود "تولاي"، ابتسمت بسعادة واضحة:
"ما شاء الله انتي بتشتغلي هنا مع ريان، والله قلبي ارتاح إنكم مع بعض."
"طبعاً طبعاً يا إيمو ما أنا لازم أعمل معاها واجب دي بنت أعز أصحاب أمي الغالية."
نطق "ريان" حتى يغطي على أي حديث، فرمقته "تولاي" بغيظ. ثم اقتربت من "إيمان" متحدثة باعتذار:
"بعتذر يا طنط على اللي حصل."
زوت "إيمان" حاجبها بعدم فهم:
"حصل إيه؟"
حاول "ريان" تغيير الموضوع بذكاء شيطاني:
"محصلش حاجة، دي قصدها على قلقك عليا امبارح."
وهنا كانت "تولاي" قد أدمعت عينيها فهي لم تكذب من قبل، فحاولت أن توضح ما حدث جعلها تكذب عليها:
"والله يا طنط هو اللي اتحايل عليا امبارح عشان أقول..."
قطعها بسرعة البرق وأكمل هو:
"طبعاً لازم كنت أتحايل عليكي يا تولاي، عشان توافقي وتشتغلي معانا؛ ده انتي على راسنا كلنا."
رمقته "تولاي" نظرات حادة وقد كشفت خدعته من قليل فقد اتصل بها بالفعل وعندما ردت بدل أن يغلق مكبر الصوت أغلق المكالمة وتحدث بحرية، يا له من لعين؟ قالتها بسرها وهي تجز على أسنانها مصوبة نحوه نظرات نارية.
شعرت "إيمان" بتوتر الجميع ظنت بسبب دراسة عملهم الجديد، فباركت لهم جميعاً ومشيت حتى لا تعطلهم. رجع "ريان" عدت خطوات للخلف وقال بمزاح:
"بحذرك من أي انفعال."
ظلت تقترب وتجز على أسنانها. ابتسم وأبلغها بمشاكسة:
"أحب أقولك كده حياتنا هتبقى هباب في هباب وهتخلص عند المؤذن."
"انت شخص مستفز."
ابتسم وغمزه بعينه اليسرى جعل ثقب برز على جانب خده:
"مش انتي قولتي أنك الجماعة بتاعتي؟"
"بص عشان منهدرش بنزين كتير، يلا قول أنا آسف وأنا أسامحك على طول."
رسم ملامح طفل وديع:
"بس أنا اللي زعلان."
وقبل أن ينهي حديثه دخلت "إيمان" مرة أخرى وابتعدت "تولاي" سريعاً وركض "ريان" بجوار أمه، التي تعجبت من ما فعله فقالت:
"نسيت أديك الهدية دي."
"تسلمي يا ست الكل."
ونظر خلفه باستهزاء "لتولاي":
"تبقي خلصي مسيح المكتب واقفلي وراكي."
وانصرف مع "إيمان" على الفور، قبل أن يسمع صوت الكوب الذي وقع على الأرض من كثرة غيظها.
كان يقف كاليث ينتظر خروجها بتوعد، لم يرحمها ولا يثق بها مرة ثانية. لمحها تمشي مع "سيف"، الدم تدفق بقوة داخل عروقه لم يتحمل هذا المرة كبح غضبه الذي تملك منه. تقدم منها بخطوات مشتعلة.
رأته يقترب منها، هلعت وشهقت وظل قلبها يدق بقوة بخوف. لم يتحدث مع أي أحد فيهما اكتفى بمسك يدها وسحبها خلفه، لكن تدخل "سيف" وسحبها منه. فلكمه "عمر" بغل وقع "سيف"، لكن وقف سريعاً وقال:
"انت هتعمل فيها دكر وولي عليها، انت واحد همجي."
"شكلك فاهم الرجولة غلط، وهند أوعي تفكري في لحظة إنها تبقى ليك، انت واحد زبالة وهي تستحق أحسن منك."
"والأحسن ده يبقى انت...؟"
تحرك وسحبها خلفه، فقال "سيف" بحقد ونار تشعل داخل صدره من الغيرة:
"لو مشيتي معاه تنسي إنك عرفتيني؟"
"شخص مريض."
نطقها "عمر" وهو يدخلها العربة. نظرت على "سيف" بضعف وقلب يتمزق وهي تضع يدها على النافذة تستنجد به. أغمض عينيه بقوة وضرب الحائط بجانبه بقوة. رمق الجميع اللذين كانوا يقفون يشاهدون ما حدث. تحرك وهو يمسح الدم الذي نزف من فمه. وجد بنت تنادي عليه تعطي حقيبته، أخذها وذهب لسيارته.
رواية طوق نجاتي الفصل العاشر 10 - بقلم ابتسام محمود
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
____________________
الفصل العاشر
رواية طوق نجاتي
للكاتبه ابتسام محمود الصيري
لايك قبل ما تقرأ🙈
في السيارة كان "سيف" يشتعل غضبا من هذا العمر الذي يعطي لذاته حق ليس من حقه، واقسم أن يلقنه درسا قويا حتى لا ينساه باقي عمره.
تحرك "عمر" بالعربه بوجه عابس، يريد أن يحطم كل شيء أمامه، هيئته جعلت "هند" ترتعب وظلت أسنانها ترتطم ببعضهما بقوه، وجسدها يرتعش كأنها هاجرت في لحظه لبلده درجه حرارتها تحت الصفر.
شدة الازدحام بالشوارع كانت تزيد غضب "عمر"، وضع يده على الآلة التنبيه ولم يرفعها طوال الطريق، كان يسير بسرعة جنونيه يمسك عجلة القيادة بقوه يكاد ان يكسرها، فكانت "هند" خائفه من سرعته وملامحه المتشنجه التى لا تبشر بخير، انكمشت أكثر في زوايا السيارة كاتمه شهقاتها بخوف تسرق النظر عليه برعب، حتى أن وصل اسفل البناية ترجلت مسرعة وركضت على درج السلم بهلع، فخوفها جعلها تقع اكثر من مره، حتى أن وصلت أمام باب المنزل فتحت سريعا بمفتاحها الخاص و تركت الباب مفتوحا وجريت سريعا حتى وصلت لغرفتها تحتمى بها، لكن لم تلحق تغلق باب الغرفه بسبب يده التي وضعها بين الباب الخشبي، نظرة إلى الأسفل بكسوف قاتل وهي تشبك يدها ببعضها، بينما هو ارتفع صوته بغضب في تشنج و عصبية بالغة:
- وصل بيكي الحال يا هانم تسجديني وتريحيني وتنزلي تعملي اللي انتي عايزه.
حاولت "هند" تخرج حروفها من وسط شهقاتها:
- عمر افهمني....
قاطعها بنبره حاده، وصاح بها مستنكراً:
- افهم ايه يا محترمه، انا تقرطسيني، وتخليني انزل وتلفي على حل شعرك.
صدمت من حديثه واخبرته بتلجلج حتى تدافع عن نفسها:
- عمر لو سمحت بلاش الكلام ده انت فاهم غلط.
رفع كتفيه احتجاجا و ضيقا في الصدر:
- أنا خلاص فقط الثقه فيكي .
زادت في البكاء وقالت بحروف متقطعه لم تقوى على اخذ انفاسها:
- يا عمر والله كنت هقولك كل حاجه لما ارجع.
وهمت بالحديث لتخبره ما حدث:
- والله يا عمر اللي حصل .....
قاطعها بضجر والدم يغلي في عروقه ويكاد أن ينفجر من كثرة احمرار عينه التى برزت للخارج:
- ولسه ليكي عين تكذبي.
مسحت مقلتيها بكف يدها بضعف وابلغته:
- خلاص يا عمر ماتصدقنيش، لو شايف اني سيئه للدرجه، وأنا هريحك مني خالص وهمشي من البيت ده.
اشعلت بركان غضبه الذي يحاول أن يكبحه:
- تمشي تروحي فين انتي اتجننتي فعلا.
رفعت نبرة صوتها الباكيه قليلا واصبحت كالنمره من كثرة اتهماته لها:
- اه اتجننت... ولو سمحت ملكش دعوه بيا.
امسح وجهه ليلين من غضبه المفرط:
- تعرفي لو صافي اللي كانت قالت ليا عايزه امشي، كنت بنفسي فتحت ليها الباب عشان عارف و واثق انها تقدر تتعامل مع العالم اللي بره.
شحب وجهها وبحلقت عينها بصدمه، وكأن اتهمها في شرفها:
- انت كمان بتغلط فيا، وسع ياعمر عديني.
كانت تحاول ان تدفعه لتخرج من الشقه، لكن مسكها من معصم يدها بقوه وتكلم بنبرة حنونه:
- يا بنتي اقصد انك شخصية جميلة ورومانسيه متقدريش تميزي بين الناس، الناس بره وحوش.
انهى كلماته بتنهيدة خوف صادقه، لكنها استقبلت حديثه كالماء المغلي، جعلها تصرخ وتصيح بأصرار:
- طيب ايه رأيك بقى همشي يعني همشي.
تعصب من اصرارها وعندها فأبلغها بحده وأمر:
- قلت مش هتمشي انتي هنا أمانه معايا لحد ما ياجى يستلمك عريسك.
- وأنا قلت همشي... ودلوقتي.
تطاير الشرار من عينه وتصلبت عضلات وجهه وصاح بصوت جهوري حاد:
- وريني بقى هتمشى ازاي.
انهى حديثه ودفعها دخل الغرفه وسحب المفتاح من الداخل واغلق الباب جيدا من الخارج، توجه إلى غرفته يحمل داخل صدره الكثير من القهر والخذلان وقف بجانب النافذة ونظر للسماء وهو يشعر بأختناق داخل صدره وضع يده على صدره واخرج تنهيده وهو يتمنى وجود "صافي" معه في هذه اللحظه، اغمض عينه ثواني ثم توجه بخطى بطيئة لفراشه واضع يده فوق رأسه بعدما تسطح بجسده بالكامل.
وها هو الليل يأتي حزين، يوزع تذاكر الدمع على الذين فقدوا أحبتهم بدون سابق انذار.
اما هي كانت تحدق على باب الغرفة بصدمه كيف يحبسها، احست أن قدمها لم تقوى على حملها، نزلت بجسدها ببطى على الارض واجهشت بالبكاء بضعف وغيظ.
★*****★
شعرت "تولاي" بملل داخل غرفتها نهضت من على فراشها لبست حجابها واخذت مدونه وقلم تدون بها خواطرها، وتوجهت إلى الحديقة وهي تستنشق الهواء براحه ثم جلست على الارجوحه وعلى وجهها ابتسامه هائمه، فتحت صفحه بيضاء واغمضت عينها بضع لحظات ثم افتحتها برضا وبدأت تدون حروفها....
كان يتلصص عليها "ريان" وتعجب لشرودها وابتسامتها البلهاء، اقترب منها بخطى خفيفه حتى أن وصل إليها وسرق من بين يدها المدونه، قامت فازعه ورفعت يدها سريعا لتلحق المدونه، لكن خبأها خلف ظهر ورمقها بنظرات مستفزه، تشنجت اعصابها ونحرته بقوه:
- ريان هات النوت بوك ده ما فيهوش هزار.
- شكل النوت ده مهم جدا عندك؟
سأل ببرود، فأجابته سريعا بعين يتوقد منها الشرار:
- صح هاتها بقى لو سمحت.
ضحك بصوت عال وعاد اخر جمله قالتها:
- لو سمحت!!
قالها بتعجب ثم اكمل بتريقه:
- يااا على الإنسان لما يحترم اخوه الانسان كده لله وبدون مقابل.
حاولت كبح غضبها وأبلغته من بين اسنانها:
- يا ريان هات النوت بوك واللي انت عايزه هعمله.
- امممم اللي أنا عايزه، لا كده بتثبتي الموضوع كبير.... طيب كنت الصبح كده سمعت جمله من حد سخيف اعتذر وانا هتقبل اسف على طول.
لم تفكر ثانيه واعتذرت على الفور:
- أنا اسفه.
- لا أنا مطلبتش تعتذري... بقولك بس على جمله عجبتني.
بدأ الغضب يستخوذها ونطقت إسمه بصراخ:
- ريااان.
- عيونه.
كانت تلف حوله وهو يلف بجسده حتى لا تتمكن من أخذ ما تريد، حتى أن رفع يده لأعلى وهو يحمله بين أطراف أصابعه، لم تستطع كبح جماح غضبها، صرخت بعصبيه وهي تقفز وتمد يدها لأعلى:
- هات الزفت.
- ولو قلت لا.
سيطرة على نفسها و وقفت تقضم اظافرها بحيره وتوتر والدموع بدأت تلمع داخل عينها، اروى قلبه بشماته منها، فأنزل يده وافتح المدونه، اشتعل بركان غضبها وظلت تصرخ ب
لا لا لا
رمقها وابتسم وقرأ بصوت عالي أول صفحة:
يامن حين اسمع رنين صوته؛ يجعل قلبي ينبض بالحياة ..
فكيف لي أن لا احبك يا محتل كل خلايا وجداني ..
فحبك جعلني اسرد حروف الحب والهوى ..
نعم أحبك ولم انطقها إلا لك، يا من ملكني وجعلني اتخلى عن كل ما مضى ..
اقولها بيني وبين نفسي.. والآن اسردها على طيات أوراقي، واصرخ بها عاليًا واقولها..
احبك يا من ملكت فؤادي ..
جحظت عينها واحمرت وجنتها بخجل وتلعثمت حروفها هاتفه:
- ريان كفاية كده هات..
- تؤتؤ تؤتؤ مش كفايه وقرأ صفحه في المنتصف ..
ما زالت هائمه بك منذ ان تركتني على حالتي؛ استنشق عبير عطرك
الفواح المعلق بيدي..
فعطرك مازال متعلقا بها وبدواخلي..
عند هذه اللحظه ركضت "تولاي" بكسوف، اغلق المدونه ووضع يده الثانيه داخل جيب بنطاله، وهو يقف يتابع ركضها حتى أن اختفت من امامه، ابتسم بتشفي ولف ظهره وتوجه إلى مسكنه، عندما لمحته يدخل من باب الفيلا "ايمان" نادت عليه لتسأله ماذا تطبخ اليوم، لكن اقترب منها وقبل رأسها ولم يعطيها فرصه للتحدث، وصعد على الفور غرفته، تعجبت منه ثم قالت:
- طيب تبقى تقولي فين الغدا ؟
دخل غرفته وألقى المدونه بأهمال على مكتبه وجلس على المقعد ضم يده على بعضهما ووضعها أسفل ذقنه، وشعور انتابه من ستكون "تولاي"، ولماذا هي تناطحه بغير البنات الاخريات اللاتي تهتم به وتدلله، نهض وقف في منتصف الغرفه ووضع كف يده الايمن بخصره والثانيه حرر شعره وطوح رأسه يمينا ويسارا، ثم ارجع شعره بكف يده وهو يزفر أنفاسه، عينه وقعت على المدونه نعم هي الاجابه على اسئلته المتطفله، انزل كف يده واقترب من المدونه واخذها وجلس بجور نور خافت وأكمل الخاطره الذي كان يقرأها...
كم اردت أن اعترف لك حبيبي؛ بكم عدد المرات التي ضميت بها كفي محتضنه اياها،
وكأنك انت ؟!
أجل لا تتعجب سيدي
وأمير زماني ؟!
فأنا اشعر انك توغلت داخل صدري، وضميتك لأحضاني بكل قوتي وملاذي ..
وحلمت معك وعشت
أجمل حكاياتي..
نسجتها مخيلتي من نياط عشقي وشوقي لك؛ فكان أجمل حُلم راودني وسعدت بكل احاسيسه وتفاصيله ..
اسعدتك ونثرتك بقُبولاتي التي لا حصر لها في كل انش على تفاصيلك تركت أثرها عليك ..
آآآه من شوقي الذي جرفني إليك ..
آآآه من حبي المجنون لك..
آآآه ثم آآآه من شدة تعلقي بحبال هواك ..
أحببتك !!
لا بل وصل هوسي بك حد الجنون ..
عشقتك !!
نعم وتحديت بك كل المعقول واللامعقول ..
فهيا حبيبي .. هيا اركض نحوي وحلق معي في عالمي المجنون ..
وأحيا معي داخل عالمي وتعلم تعزف على اوتار حبي ترنيمه عشق لا يسمع صداها إلا ايانا ..
تعلم كيف يكون للعشق عنوان نحن من كتبنا حروفه بحبر الحب لا بحبر اقلامنا ..
لو تعلم لغتي؛ ستجيد معي العزف حبيبي ..
فلا تصمت، وأجب وانهض لتشاركني حفله عزف جنوني ..
وابدأ من حيث انا انتهي، لتكمل انشودتنا الغالية ..
ثم نختمها تحت ستار ضوء نجمتنا العالية ..
لتشهد على قصة حبنا الرائعة ..
دق قلب "ريان" بقوه وتحرك بداخله مشاعر طمسها من سنين، اغمض عينه بنشوه غريبه، يا لها من عاشقه، لكن للحظه تعجب كيف تكون "تولاي" فرع بولاق، نفس هذه "تولاي" الرومانسيه، تشتت اكثر ولم يجد اجابه سؤاله، من هي تولاي؟، كيف تتنقل من بين هذا شخصيتين، هي حقا رومانسيه وعاشقه لا مثيل لها، وهوجائيه وبيئة حتى اللعنه.
ابتسم لحظه وحقد على من يمتلك قلبها.
★*****★
كانت "تولاي" داخل غرفتها تنوح وتضرب وجهها كلما تتذكر ماذا سردت داخل المدونه وهو الان يقرأه، لعنة نفسها الف مره، تريد أن الارض تبتلعها يا تبتلعه هو حتى لا تتقابل اعينهما مره ثانيه، شعرها بالاحراج كان يمزقها من الداخل، ابكت بصوت مكتوم وهي لم تعرف كيف ستقابله بعد ذلك.
★******★
اغلق "ريان" المدونة بأنزعاج بسبب صوت ضجيج هاتفه لف برأسه يبحث عنه بعينه حتى وجده بالقرب من مكان مجلسه مال بجسده سحبه بيده، وجد المتصل "زين"، رد بضيق:
- يا خير .
- ايه يا عم مالك ؟
- ماليش انجز .
تعالى اسهرك سهره كنت بتحلم بيها من زمان.
- زين مش طالبه اقفل .
- دي طلعه سفاري مع شوية مزز في الجول.
للحظه تشجع للذهاب لكن سريعا رمق المدونه شعر أنه لم يشبع منها، فقال:
- لا يا زين مش هنزل يا برو معايا هنا اللي اتسلى بيه .
- براحتك مترجعش تزن وتقولي عايز طلعت سفاري .
- ساعتها ابقى عاقبني واحرمني من المصروف يا خفه.
ضحك "زين" واغلق الهاتف واستعد لرحلته.
★******★
كانت "هند" تحبس أنفاسها من كثرة شهقاتها، وتكتم صرخاتها التى تود تعبر عن عجزها، شعرت برجفة خوف تقطع فؤادها وتمزق احشائها عندنا طرق على عقلها فكره مخيفه، نهضت ببطى وبدأت تحملق على النافذه والمسافة بينها وبين الارض برعب وخوف، بدأت وصلت بكاء جديده بشهقات عاليه، عزمت على عدم الاستسلام والرجوع عن فكرتها سحبت حقيبه فيها كل ما تحتاجه ووضعتها على ظهرها، ثم تقدمت من النافذة ورفعت قدمها اعلاها، تجمد الدم في شريانها وازدادت دقات قلبها التى يكاد يخرج من بين اضلوعها، بلعت ريقها وهي تغلق عينها تشجع نفسها حتى أن وضعت قدمها الثانية على النافذة وامسكت ماسوره حديدية ونزلت عليها بحظر إلى أن وصلت للأرض، ابتسمت بأنتصار ورددت:
- أنا هوريك الضعيفه الهبله دي تقدر تعمل ايه يا عمر.
★**********★
لم يكحل النعاس عين "ريان" في تلك الليلة، كلماتها خلقت من جديد داخله بهجه دفنها من سنين، كانت عينه تلمع تاره من شدة العشق، وتاره قلبه يقفز بين اضلعه من شدة الاشتياق لهذا الحب الافلاطوني...
دخلت عليه "ايمان" الغرفه ليستيقظ، تفاجأت أنه لم ينم من الأساس، تعجبت أنه سهر داخل غرفته، فكيف فعلها وهو من وقت مر يدخل هذه الغرفه للنوم فقط، لم يعد يحب الجلوس داخلها، اقتربت منه بقلق، اغلف هو المدونه ورفع رأسه بابتسامة تحمل انشراح على صفحة وجهه،جعلتها لا اراديا تبتسم، فقال بصوت هادئ حنون:
- صباح الفل.
- يسعد صباحك يا عمري.
القت عليه الصباح التي كانت تحلم به من وقت مر، ثم احتضنت وجهه، كم افتقدت هذه الابتسامة والصوت الهادي الذي يحمل طاقة بها مشاعر جميله.
- مش هسأل عن ايه الجديد، كفاية شايفه أنك مبسوط، وحاسه قريب اوي هترجع ريان.
ضحك "ريان" بصوت عالي وانزل امه من مركبه تخيلاتها بقوله:
- لا لا لا خيالك اوعى يروح لبعيد، أنا كنت بقرأ بس حاجه وسرحت.
اشتعلت نظرة عينيها بفرحه ناطقة:
- يكفي أنك سرحت، البدايات هي كده بتبدأ بسرحت.
انبسطتت اسارير وجهه:
- يا ايمووو اصطبحي.
- يوه ما أنا مصطبحه اهو يا واد.
قالتها بمشاكسه وغمزه من عينها اليمنه، حرر ضحكته بأحراج:
والله ما اللي في بالك خاالص.
- طيب خلاص سبني في اللي في بالي وخليك في اللي في بالك، حلو كده صح.
- امممم صح، تفطري؟
- افطر طبعا هو حد يطول يا واد يفطر معاك.
- لا يا قمري تطولي ده أنا اللي بحسد نفسي أنك مامتي.
انهى حديثه وهو يحتضنها ويقبلها فوق رأسها، ونزلا سويا للأسفل وهما يشاكسون في بعضهما، حتى أن وصلا إلى المطبخ جلست "إيمان" على مقعد، وهم هو بعمل الفطور بمزاج وهو يدندن بعض الاغاني، وكانت تراقب صوته المشتعل بالطاقة، ابتسامته المرسومه بمهاره على وجهه، وبعد دقائق ابتسمت وهي تقول:
- ها مش هتقولي السر.
وضع الطعام امامها ثم وضع شريحة جبن داخل فمها وأجابها بعدما ظفر الهواء الذي ملأ به رئته براحه:
- عارفه احساس تدخلي سينما في الشتا وتتفرجي على رومانسي وبرغم التلج اللي بره انتي متدفيه.
هزت رأسها بملامح سعيده:
- امممممممممم عارفه.
قبل يدها وغمز لها وهو يبلغها:
- هو ده بالظبط اللي حاسس بيه، يلا بقى اسيبك واطلع اخد دش عشان الحق الشغل.
دعت له من قلبها، وحمدت ربها على بداية رجوع مشاعر ابنها....
★*****★
كانت "هند" مازالت تمشي في الشوارع بلا هدف، ترفرف الدموع من عينيها كنيب، فهي اتصلت على "سيف" كثيرا وكثيرا، لكنه لم يرد عليها، فقدت الأمل أن يجيبها، جلست في احدى الشوارع تفكر كيف تصالحه وتعتذر له.
★******★
نهض "عمر" الذي لم يذوق طعم النوم بتاتاً، فتح باب غرفته ونظر على باب غرفت "هند" امسح وجهه وهو يستغفر ربه فهو مسؤول عنها ويجب أن يحافظ عليها، لم يعرف كيف يفهمها انها أمانه وعليه أن يحميها حتى من نفسها، عزم الذهاب لها ليحدثها بهدوء فأكيد ستفهمه، فهي ذكيه ومطيعه، طرق باب غرفتها وانتظر منها اجابه لم تجيب، تكلم بهدوء:
- هند ممكن نتكلم؟
لم تعطي رد، فقال بأسف واضح:
- هند طيب أنا آسف على اللي حصل، فعلا كنت سخيف معاكي حبتين.
ثم طرق الباب بقوه اكثر حتى تسمعه لو نائمه، لكن بدون فائدة، وضع اذنه على الباب لم يسمع حتى آنينها، بث داخله القلق، فتح الباب بالمفتاح، ثم فتح الباب نص فتحه ونده عليها بصوت عالى:
هند.... هند ....
استحوذه الرعب عليها ففتح الباب على الاخر ونظر بتمعا داخل أرجاء الغرفه لم يجيدها، لن رأى النافذة مفتوحه ركض سريعا نظر منها يمينا ويسارا لكن دون فائدة، اختنقت العبارات في حلقه وارتجف قلبه بين اضلعه خيفه كأرتجاف اوراق الأشجار في مهب الريح، ركض على غرفته امسك هاتفه واتصل عليها، وجدها وضعت رقمه في القائمة السوداء، تلون وجهه على الفور بلون القطن ناصع البياض من شدة الخوف من المجهول...
ياترى ريان هيعامل تولاي بعد كده بذوق ولا هيفضل يرازي فيها؟
ياترى توتلاي هتتعامل ازاي مع ربان بعد ما عرف الجانب الرومانسي في شخصيتها؟
ياترى سيف هيكلم هند ولا هيتخلى عنها؟
ياترى عمر هيعمل ايه وهيتصرف ازاي؟ وياترى هيعرف يرجعها؟
توقعاتكم ❤️