تحميل رواية «طوق نجاتي» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في وسط دجى الليل، أناس كثيرون يتواجدون داخل ميناء في السعودية يصعدون على متن باخرة. منهم من أنهى عمرته، ومنهم من يقرر العودة بعد شهور وسنين عمل. أما "صافي"، فقد أنهت عملها بعد أسبوع في أحد المؤتمرات الصحفية. كانت تقف تنتظر دورها وهي تتأمل هذه الباخرة. كانت باخرة مليئة بالأنوار، بها لمسة من الفخامة والجمال، تكاد تكون مدينة كبيرة متحركة على سطح الماء بسبب ضخامتها. همت بالصعود عندما جاء دورها، وبدأ البشر يتفرقون كخلية من النحل، كل منهم يذهب إلى غرفته. دخلت "صافي" غرفتها وبدلت ثيابها وجلست على الفرا...
رواية طوق نجاتي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ابتسام محمود
ارتجف قلبه بين أضلعه خيفة كارتجاف أوراق الشجر في مهب الريح.
ركض إلى غرفته، أمسك هاتفه واتصل عليها.
كانت الثواني التي ينتظر فيها سماع صوت الرنين بمثابة سنين.
حتى أنه تفاجأ أنها وضعت رقمه في القائمة السوداء.
تلون وجهه على الفور بلون القطن ناصع البياض من شدة الخوف من المجهول.
شعر بهبوط ودوران رأسه بقوة.
جلس على أقرب مقعد يحاول تنظيم أنفاسه.
كانت تجلس "هند" على أحد الأرصفة.
لم تعرف كيف تتصرف لتنال رضا "سيف" حتى لا يتخلى عنها بعد هذا الحب الذي أحبته له.
فكرت في أفكار كثيرة وأدمعت عينيها غيظًا من تصرف "عمر" معهما.
فأسوأ مراحل الحب؛ مرحلة الخوف من الفراق.
ومن وسط حزنها وجدت "سيف" يتصل عليها.
تسارعت دقات قلبها في تلاحق فرح وسعادة.
ضغطت سريعًا على سهم الإجابة متحدثة بلهفة:
"سيف أخيرًا رديت!"
أجابها ببرود مخيف:
"التليفون كان صامت ولسه صاحي، في حاجة؟"
عقدت حاجبيها بضيق قائلة باستفهام:
"سيف أنت بتكلمني كده ليه؟!"
زوم شفته وانتفخت أوداجه، ثم تحدث والشرار يتطاير من عينه قائلاً:
"هند أنا على آخري وبلاش أصبحت عليكِ، بلاش تدعي الغباء."
سيطرت على الاضطراب الشديد الذي استحوذها، وأبلغته بصوت باكي:
"سيف أنا سبت البيت لعمر."
نهض سريعًا من على الفراش ومسح وجهه ليخفي آثار النوم:
"أنتي فين دلوقتي؟"
لم ترد على سؤاله، واعتذرت على ما حدث أمس:
"أنا آسفة يا سيف على اللي حص..."
قاطعها سريعًا بقلق وخوف:
"سيبك من أي حاجة دلوقتي، أنتي فين؟"
"أنا في..."
ارتدى ملابسه على عجل، وهو يحدثها بخوف ليبث بداخلها الطمأنينة قائلاً بحنو:
"اهدّي يا هند، أنا جايلك على طول، وهفضل معاكي لحد ما أوصلك يا حبيبتي."
أخذ مفتاح سيارته ونزل سريعًا، واستطرد متسائلاً:
"أنتي سبتي البيت من امتى؟"
"من الفجر."
أجابته بنبرة يكسوها البكاء، وأكملت بحزن:
"سيف مش عايزّاك تزعل مني."
دفن غضبه في أعماق نفسه، وأبلغها باعتذار:
"حبيبتي أنا اللي آسف إني قفلت صوت الفون، أنا خلاص قربت عليكي..."
تقف "تولاي" في منتصف غرفتها تمسك شعرها بقوة ترجعه للخلف.
تعيد التفكير للمرة الألف للذهاب إلى عملها.
وحدثت نفسها هامسة:
"إيه يعني هيعمل دي خواطر، مفيهاش حاجة يعني، اتشجعي كده وانزلي ولا كأن في حاجة حصلت؟"
ابتلعت لعابها وصمتت، ثم تحركت نحو خزانتها لتختار منها ما سوف ترتديه بذهن شارد ومشوش.
لكنها تركت الثياب على سريرها وأمسكت شفتها السفلى وظلت تمطها وهي تجوب بالغرفة ذهابًا وإيابًا.
وبعد حرب دامت ساعات مع نفسها قررت "تولاي" الذهاب إلى الشركة.
وأقنعت نفسها أنها مجرد كلمات كتبت على طيات أوراقها لا أكثر.
صف سيارته ووقف يبحث عنها بعين قلقة، حتى لمحها تقف منكمشة بنفسها سانده على جذع شجرة مولية ظهرها له.
أقترب إليها راكضًا.
استدارت "هند" بجسدها عندما شعرت به لتكشف عن عينين محمرتين ووجه منتفخ من كثرة البكاء.
حدق بها "سيف"، وهتف في هلع:
"هند حصل إيه طمنيني؟"
تمسكت يدها بيده بقوة، ولم تجبه، ربما لم تكن قادرة على أي شيء غير أن تطمئن بوجوده بجانبها والبكاء.
سألها بخوف:
"عمر مد إيده عليكي؟"
هزت رأسها بنفي، فتحدث بعصبية:
"طيب اتكلمي بتعيطي كده ليه، في إيه يا بنتي؟"
أطرقت رأسها في حزن وأجابته بصوت متقطع من العبرات:
"سيف أنا مبقاش ليا حد غيرك، أوعى تتخلى عني."
اشتد على يدها بحب، موصلًا لها رده أنه بجانبها لآخر العمر.
ثم رفع إبهامه ومسح دموعها وأبلغها:
"متقلقيش يا حبيبي أنا جنبك."
حروفه البسيطة جعلتها رغماً عنها تنبسط أسارير وجهها، وشعرت بفيض من السعادة.
توجهًا سوياً للسيارة وذهب إلى كافيه حتى يفطرا ويفهم منها كل ما حدث.
دخلت المكتب لكن غير العادة هذه المرة يكسو وجهها الخجل.
دخلت مطأطئة الرأس وتعبث بأصابعها بهدوء قاتل، تعجب كل من في الداخل.
إلا "ريان" كان يعرف جيدًا سر هذا الخجل.
ابتسم ولا يعلم لماذا عجبه هذا الخجل والهدوء.
دمج بين خواطرها الذي قرأها وملامحها الهادئة.
تأكد الآن أنها هي من كتبت كل هذه الحروف.
تأكد الآن بداخل هذه الفتاة الهوجائية فتاة رقيقة تفيض بمشاعر حساسة تخرجها فقط مع من امتلك قلبها.
حسد من تحبه أو حقد عليه أنه امتلك فتاة كل شيء والعكس.
قاطعت تفكير "ريان" صوت كوكي القائلة لتولاي:
"صباحوا يا قطة."
ردت بصوت منخفض:
"تعالي جوه عايزّاكي."
استجابت كوكي وذهبت معها، وشرد عقل "ريان" مع حياء هذه المرأة، الذي اتضح أنه أشد جاذبية من جمالها.
أوقفتها "كوكي" وعلامات التعجب على وجهها متسائلة:
"إيه يا بنتي فيه إيه؟"
"مافيش... مش حابة أقعد بره، خلينا هنا."
"طيب والشغل؟"
"روحي هات الورق وتعالي نخلصه هنا."
كانت تتحدث بتوتر وهي تمط أكمام بلوزتها على كف يدها.
لوت "كوكي" شفتيها وتوجهت للخارج لتجلب الأوراق، لكن يد "ريان" منعتها وسأل بحاجب مرفوع:
"هتروحي بيه فين؟"
"هنشتغل جوه."
نهض من مكانه وأخذ بالأوراق ومشى خطوات واثقة وهو يبلغهما:
"يالا يا شباب جوه عشان نشتغل."
دخل الغرفة التي تجلس بها "تولاي" وجدها تقضم أظافرها بضيق.
وضع الأوراق على المكتب ثم وضع يده بجيبه ورمقها بخبث:
"قلت نيجي نشتغل عشان ننجز من شغل الدلع ده."
جلست معتدلة وابتسمت مجاملة بغيظ، فجلس الجميع وبدأوا عملهم وكل منهم يقول أفكار لعمل عروض تجذب السياح لهم.
كانت تشاركهم في التفكير والآراء برغم كسوفها، وكانت كل أفكارها خارج الصندوق ومشوقة جدًا.
وبعد أن أنهوا العمل أمسك "ريان" رأسه ونظر "لتولاي" بعد أن تحمحم:
"تولاي."
ردت بخجل وهي تنظر بعيدًا:
"نعم."
"عايز قهوة."
رمشت بعينها عدة مرات لتستوعب طلبه، فزوى بين حاجبيه عندما تأخرت في الرد.
هز رأسه بتعجب لعدم ردها.
نظراته أشعلت بركانها الخامد من الخجل وتحدثت بفظاظة:
"وده من إيه إن شاء الله، هو أنت فاكرني الفلبينية بتاعتك، لا اصحى وفوق كده وشوف نفسك بتتكلم مع مين؟"
ثم رفعت قدمها ركلة قدمه الموضوعة على ساقه الأخرى ومصوبة اتجاه وجهها:
"ورجلك دي تلزم أختها وتخلي عندك ذوق شوية مع الناس."
كانت تتحدث بصوت عالٍ من فرط العصبية.
نهض بكل هدوء واقترب منها ثم وضع يده أمام شفتيها.
سكتت بإحراج من قربه وحركته المفاجئة، ورجعت للوراء سريعًا.
ضحك بصوت عالٍ قوي ونطق من بين ضحكاته:
"والله ولقيت اللي يخرسك يا بنت عزمي."
عضت على شفتها السفلية بغيظ وقالت بنبرة متعبة هادئة:
"ممكن الدفتر، وأعملك قهوة."
"لا."
جلس يطالعها بخبث، فنطقت من بين أسنانها:
"ريان لو سمحت كفاية، واحدة قصاد واحدة وبلاش الأسلوب ده."
نفى بإصبعه قولها وقال وهو يمسك بدفترها:
"تؤتؤتؤ، كده واحدة قصاد ألف، أصل الأخير..."
ثم أكمل وهو يشير على نفسه ثم فتح الدفتر وظل يقلب فيه:
"هو اللي بيضحك في الآخر."
قفلت معصم يدها بقوة وعضت شفتيها بعصبية:
"ممكن متقرأش حاجة... دي حاجات خاصة يا بني آدم."
نهض بهيبة وثقة واقترب خطوة منها وأنزل رأسه لمستواها ناظر عليها بلا مبالاة:
"وعندي الخاص بيبقى عام، يالا اتفضلي اعملي كوباية قهوة مظبوط."
تحركت من أمامه قبل أن تحطم رأسه من كثرة العصبية التي وصلت لها، وبدل أن تعمل القهوة مظبوط كما طلبها عملتها سادة.
قدمتها له وعلى ملامحها الغضب.
تناولها وهو مبتسم ثم تذوقها ولم تختفِ ابتسامته وسألها:
"دي سادة؟"
"عقبال ما أشربها سادة على روحك."
ضحكت وتحدثت بداخلها، ولم تعطي المنتظر رد، لكن بدل أن يتعصب عليها شربها بمزاج كان يستطعم مذاق القهوة لأول مرة، وهو يغلق عينه.
ثم قال لـ"زين" المتعجب:
"زينهم تحب أقرأ لك كم خاطرة من هنا في الجون... هتخليك تدوب يا جدع..."
"لا شكر أنا كده زي الفل."
"حب إيه اللي أنت بتحبه ده... الحب بتاعك ده، ميساويش حاجة جنب اللي هنا."
قام "زين" وهو يشعر بشيء غريب بينهما، ممسك يد "كوكي":
"سبنا ليك الحب، واحنا هنروح نشوف الشغل والحاجة اللي هنشتريها."
نهضت "كوكي" معه وهي ترمق "تولاي" فالكل يتعجب أنها مطيعة هادئة.
خرجت "تولاي" من أمامه وهي تسحق أسنانها بعصبية، وجلست على جهاز الكمبيوتر في المكتب بالخارج لتنهي عمل الدعاية والإعلان الذي كلفها به "ريان".
وبعد وقت قليل رأت "ريان" يأخذ متعلقاته ويتركها.
وقفت سريعًا منادية عليه:
"ريان."
التفت حوله يبحث عن مصدر الصوت بسخرية، لكن رعبها الذي سيطر عليها أنها ستظل بمفردها جعلها تكمل حديثها:
"انت هتسبني لوحدي؟"
تعجب من سؤالها وزوى بين حاجبيه باستفهام، فحاولت توضح:
"اصل يعني المكان غريب."
"غريب إزاي؟"
"أقصد يعني غريب عليا!!"
"أيوه أعملك إيه؟"
"يعني لو سمحت تستنى أخلص."
"نعم؟"
تعصبت من بروده فقالت:
"خلاص امشي."
وقف بصمت ينظر داخل عينها لم يفهم لما تريد بقاءه فأبلغها بعدما بلل شفتيه:
"بجد مش فاهم؟ أنتي خايفة يعني؟"
كبرياؤها جعلها تنفي سريعًا بارتباك هاتفة:
"لا طبعًا!!"
"امال؟"
"اصل.... يعني... ما قلتلك من شوية مكان غريب!!"
"آها لا تمام فهمت، خدي اللاب توب وكملي في البيت."
لمت في ثانية كل شيء وعلى ملامحها الخوف، وحين انتهت عرض عليها:
"لو تحبي أوصلك في طريقي تمام؟"
"لا لا مش للدرجة بعرف أروح."
"براحتك يا بيرة."
"إيه؟"
"إيه؟ أنت قلت إيه؟"
"براحتك."
"لا اللي بعدها؟"
"مقولتش."
"لا قولت."
"سلام يا تولاي أنا مصدع."
ثم تركها خلفه تحاول تفهم أو تفسر ما قاله:
"بيرة؟! إيه بيرة دي!!"
نفضت رأسها بتركيز:
"أكيد قالها من غير ما يقصد."
ثم همت بالرحيل.
بعدما أنهيا "هند" و"سيف" فطورهما كانت سردت كل شيء حدث معها.
ربت على كف يدها وأبلغها بحب:
"هند بطلي عياط، اللي عملتي هو الصح، وطول ما أنا جنبك مش عايزك تشيلي هم حاجة أبدًا."
أجابته في سعادة:
"ربنا ميحرمني منك يا سيف."
انفرجت شفتيه بابتسامة حب:
"ولا منك يا عيون سيف.."
ثم أكمل وهو ينهض:
"يالا عشان نلحق وانتي قمر كده."
"نلحق إيه؟"
"ندور على شقة ليكي."
"آه فعلًا يالا."
تحركا سوياً حتى وصلا إلى مكان قريب من الجامعة صف سيارته ونزلا يبحثون عن سمسار حتى أن وجده:
"فيه شقة هنا فاضية؟"
أجابه السمسار بعد تفكير:
"والله يا بيه ما في ده وقت الجامعة شغالة فيه والطلبة كلهم حجزوا من أول السنة."
"طيب حوليك تعرف أي شقة فاضية؟"
"والله ما أعرف."
أخرج "سيف" ورقة من المال أعطاها له:
"طيب رقمي معاك لو لقيت أي شقة كلمني."
"حاضر يا بيه."
وظل يبحث حتى آخر الليل ولم يجد أي شقة.
قطعت صوت الصمت "هند" المتسائلة:
"هنع
مل إيه دلوقتي؟"
أخبرها بعدما مسح وجهه من التعب:
"مافيش غير تيجي معايا وبكرة ربنا يحلها من عنده."
صدمة من رده، ضاقت عيناها في صمت، فأضاف بتوضيح:
"هند أديكي شايفة بعينك مافيش شقق فاضية، واكيد مش هنفضل في الشارع، وغير كده أنتي مش واثقة فيا؟"
رمشت عدة مرات بتفكير، ثم ردت بكسوف ظاهر في نبرتها:
"طبعًا واثقة فيك، أنا سبت الدنيا عشانك."
"طيب تمام يالا نروح وبإذن الله ربنا يحلها من عنده."
زفرت أنفاسها ولم تجد حلاً إلا هذا، أومأت رأسها بالقبول، فتحرك على الفور.
دخلت المنزل على استحياء نظرها متعلق بالأرض.
دخل خلفها أضاء المنزل وأبلغها:
"هتنامي في الأوضة دي واهو المفتاح ولو احتاجتي أي حاجة هتلاقيني في الأوضة اللي جنبك، خبطي أو نادني، نومي خفيف."
أخذت المفتاح وشنطتها من يده وتوجهت سريعًا على الغرفة وأغلقت على نفسها بالمفتاح.
ثم نظرت للغرفة بعينين مغلفة بالفرحة.
أغمضت مقلتيها وشردت بخيالها ونسجت من خيوط أحلامها خيالًا ذاب قلبها معه؛ وهي تتخيل أنها تدلف معه وهي مرتدية ثياب زفافها في أجمل ليلة في العمر.
فغذى إحساس البهجة بداخلها، فكم تمنت أن تحيا معه في نفس المكان، وأن تجمعهما أربع جدران يعيشان فيهما سويًا، وها هي الآن تعيش معه تحت سقف واحد، ولا يفصلهما عن بعض غير حائط.
تحركت نحو الفراش وتحسسته بأيدٍ مرتعشة ضمت بهما تلك الوسادة الموضوعة وهامت في هذا الحلم الجميل.
وإذا فجأة طرق عقلها باب قلبها ليفيقها من هذا الحلم وينبها على ما فعلت به من تصرف مخطأ في حق نفسها.
وإذا بصوت العقل يصدح عاليًا وكأن أجراس الناقوس أعلنت عليها الحرب قائلًا:
"إيه ياهند اللي عملتيه في نفسك ده؟ إزاي تسمحي لنفسك تعيشي مع شخص غريب مفيش صلة تربطكوا ببعض؟ وتسيبي اللي كان خايف عليكي ومحافظ عليكي زي أخته الصغيرة؟ إزاي تنساقي ورا عواطفك بالشكل ده؟"
وضعت كفيها على أذنيها كأنها تريد أن تخرس هذا الصوت القوي، هامسة معترضة حديثه هامسة:
"اسكت بقى، أنت متعرفش حاجة، سيف بيحبني، وبيخاف عليا، وعمره ما هيأذيني أبدًا، وكمان قعادي هنا مؤقت، وإن شاء الله ألاقي مكان أعيش فيه."
صمتت للتو تحاول أن تقنع نفسها بما قالته، وكأنها تريد إقناع نفسها بما تفوهت به، مبررة أن إقامتها مع "عمر" لا يصح وجودهما سويًا.
لكن في نفس ذات الوقت، عقلها أعاد عتابه، وهمس لها:
"وجلوسك مع سيف مش حرام؟"
دفنت رأسها في وسادتها، وتبدلت فرحتها وطمست، وظلت في حيرتها وتشتتها بين الصح والخطأ.
أنهت "تولاي" عمل التصميم أغلقت جفنها لتريح عينيها قليلًا.
ثم نهضت تبحث عن هاتفها لتخبر ريان بما وصلت إليه.
لم يرد عليها، أغلقت الجهاز وارجعت ظهرها للخلف على الأريكة بتعب.
ثم وقفت تبحث عن حجابها بعينيها، اقتربت من مكانه أخذته لبسته، ثم حملت الجهاز وذهبت إلى فيلا "ريان".
وقبل أن تدخل سمعت صوت والدته تنادي عليه بعصبية:
"يا ريان قلتلك معرفش المفتاح فين؟"
"وأنا واثق أنه معاكي."
"طالما واثق براحتك."
"يا إيمان فين المفتاح."
"مش هقولك على مكانه."
"يعني إيه مش هتقولي؟ أنا عايز أعرف فين مفتاح شقتي؟"
"انسى يا ريان."
"هو إيه ده اللي أنسى؟ دي شقتي ومن حقي لما أحب أروحها يكون مفتاحها في جيبي."
"تروح ليها عشان تتسرمح مش كده؟"
"والله براحتي، محدش ليه حاجة عندي."
"لا مش براحتك، أنا أمك والمفتاح مش هتلاقيه لو وقفت على شعرك المسمسم ده؟"
"بقى كده يا إيمان؟ ده آخر كلام عندك؟"
هزت رأسها بنعم، فدخلت تولاي تحمحم بإحراج قائلة:
"ريان خلصت ال...."
وقبل أن "تولاي" تكمل حديثها، رمق ريان والدته بغيظ ثم تركهما وصعد غرفته وبداخله الغضب وصل لمداه.
فقالت "تولاي" بابتسامة، بعد أن رحبت بها إيمان:
"شكل ريان معصبك؟"
"ريان الله يهدي محدش ياخد معاه حق ولا باطل."
أبلغتها بعد تفكير بشر:
"هو مضايقك... فرسك أوي؟"
"آه، جدًا جدًا."
"بصي أكتر حاجة تضايقه إيه؟"
"ده ميقدرش حد يهز شعرة فيه."
طرقت على عقلها فكرة وابلغتها بمكر:
"بقولك يا طنط سر جمال شعر ريان أكيد مش جاي من فراغ."
أجابتها بتأكيد:
"هو وراه حاجة غير أنه يهتم بشعره وكل شوية جايبله شامبو من بره."
تضحك وتوشوشها بأذنها وتنصرف إلى بيتها بسعادة.
وبعد وقت نزل "ريان" من غرفته وتعجب من الفوضوية في المكان فقال:
"إيه حملة النظافة دي اللي جت فجأة."
وفي لحظة يشم رائحة الشامبو الخاص به فقبض بين حاجبيه:
"الريحة دي مش غريبة عليا؟"
لم ترد عليه ورسمت على شفتيها ابتسامة لئيمة، فتوقع بمفرده.
ضرب مقدمة رأسه بكف يده وسألها ليتأكد:
"ماما هو اللي في بالي صح؟"
أومأت برأسها مؤكدة أسوأ توقعاته.
أغمض عينه ليتحكم في غضبه، وهو يعض شفتيه بعصبية.
"أنتي بتمسحي الأرض بالشامبو بتاعي؟"
عادة هزت رأسها وهي تدندن الأغاني القديمة.
تركها وركض للمرحاض وجد الشامبو حقًا لم يتبقى به شيء ألقى الزجاجة أرضًا.
رجع لوالدته بانزعاج وعصبية واضحة، قائلاً من بين أسنانه:
"أنا عرفت جبتي منين الفكرة بنت المجنونة دي؟"
أنهى جملته وانصرف.
تعجبت "إيمان" من هرولته لخارج الفيلا مسرعًا.
كان "ريان" اشتد به الغضب ولم يعد يتمالك نفسه.
اندفع لفيلتها وهو يتوعد لها فهي الوحيدة صاحبة الأفكار الماكرة.
رواية طوق نجاتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ابتسام محمود
دخل "ريان" الفيلا المقابلة يصك على أسنانه بقوة، يقبض كفه بشدة، يكاد الشر يتطاير من عينيه. وقبل أن يرفع يده، طرق الباب. فتح والدها، تعجب من ملامح "ريان" المتشنجة، زوى ما بين حاجبيه وسأله باستفهام:
خير يابني؟
أغلق جفونه محاولاً التحكم في ثباته، وقال بنبرة هادئة تخالف ما يدور بداخله:
عمو ممكن تولاي؟
هز رأسه بموافقة وعزم عليه بالدخول، فرد عليه "ريان" باحترام وابتسامة:
شكراً يا عمو، هستناها في الجنينة.
أومأ رأسه والدها وانسحب ليناديها. عندما أخبرها بوجود "ريان"، ابتسمت بخبث وانتصار أنها استطاعت إغاظة هذا الكائن الذي بلا مشاعر. هبت واقفة بشموخ وتبخترت بسعادة حتى وصلت إليه، ولم تفارق شفتيها ابتسامتها التي تزيد جمالها. عقدت يديها على صدرها قائلة ببرود:
نعم.
مال رأسه لليسار وهو يتفحصها بوجوم وتساءل بحاجب مرفوع، بينما يقترب منها بهدوء وحذر محاولاً ألا يفقد أعصابه:
ممكن أعرف ليه؟
ضاقت عيناها بتساؤل وعدم فهم:
ليه إيه؟
عكست عيناه الضيق الذي اعتراه وسائلها ساخراً:
إنتِ معندكيش عقل؟
انكمشت ملامحها بغضب لفظاظة كلماته وردت بعصبية:
عندي عقل غصب عنك.
دوت ضحكته الساخرة ليجيب:
سبحان الله، مع إنك مصّرة عندك عقل، برضه مصّرة تفكري بـ...
بدأ الغضب يستحوذ على عقلها، فقالت بغيظ:
ريان احترم نفسك، وتصدق إني غلطانة إني نزلت لواحد زيك.
وقبل أن تنصرف، رفع "ريان" عينه ليتأكد أن لم يوجد أحد يراهما، ثم أمسكها من معصمها، جذبها نحوه يمنعها من الانسحاب، ثم همس بنبرة جشعة بقرب أذنها بهدوء:
بصي، ولا تضايقيني ولا أضايقك، وده أحسن ليكي.
شعرت برجفة تسري بداخلها هزت أوتار أنوثتها، كان شعوراً جديداً عليها. أغلقت عينيها لا إرادياً. تغيرت ملامحها بسبب هذه الحالة. لمحها "ريان" وشعر بشيء غريب يسري بداخله، لم يقو على تفسيره، فقال هو بصوت هادئ ليفيقها ويفيق نفسه:
تمام.
فتحت عينيها ببطء، وجدت نفسها بالقرب من "ريان"، تورّدت وجنتاها خجلاً وهي تجيبه بنبرة ناعسة:
تمام.
نظر داخل عينيها بعمق، تجمد عقله من نظرة عينيها وملامحها الناعسة وصوتها الهادئ، فأخبرها بعقل شارد مع الطيور المهاجرة:
إحنا كده ننام.
صمتت ثوانٍ لترغم ذاتها على الابتعاد والرجوع إلى أرضها الصلبة، ثم قالت بغيظ وهي تحاول دفعه من خلفها:
انت بتقول إيه؟!
تحمحم، نظف حلقه وأجابها مدعي الجدية:
أقصد ننام على الاتفاق.
نظرت لغريمها بنظرات حية تنوي قتله:
إنت أهلك مربوكش.
حينما نظر، وجد وجنتيها محمرتين، فطِن أنها احمرّت خجلاً، تندمج مع كثرة غضبها الذي جعل الدماء تتدفق أكثر. ابتسم على تحول هذه الملامح الشرسه الجريئة إلى طفلة رقيقة مطيعة، فأجابها بمشاكسة وهو يجلس على يد مقعد بجواره:
سوري، أصل كانوا أهلي بيعملوا diving في البحر الأحمر، مش فاضيين يربوني.
في تلك اللحظة، عكست عيناها الضيق الذي اعترته، وتركته خلفها. تنهد بحرارة ونادى عليها بنبرة يتخللها الهدوء:
تولاي.
لم تسمع اسمها من قبل بهذه الطريقة، لفت جسدها بتوتر وهي تنظر لأسفل وأبلغته بتلعثم:
عايز إيه؟
تولاي، بعتذر لو قرأت في النوت بوك، بس بجد بحسد حبيبك على كل الحب اللي بتحبيه ليه.
كانت نبرته غير كل مرة، متغلفة بحزن، حتى ملامحه كساها الألم. بلعت ريقها، هنا تأكدت أنه قرأ كل ما كتبته. اتكأت على شفتيها بتوتر وخجل، ولم تتجرأ أن تقول إن الحب هذا في خيالها فقط وحبيبها من وحي خيال عقلها. اكتفت بأخذ الدفتر وترجلت لداخل الفيلا بسرعة، دقات قلبها تتسابق من شدة الكسوف.
وقف "ريان" مكانه ثوانٍ، واضعاً يده داخل جيب بنطاله، يتطلعها حتى اختفت. ثم تحرك هو الآخر لفيلته بقلب مفتوح، حزين، متألم، على حب عمره التي أحبها من كل قلبه وهي تركته برغم حبه الجم لها.
جلس على فراشه وبدأت ذكريات حاول طمسها تهجم على عقله. تجمع كل رماد الشوق في لحظة واحدة، حتى أن وصل إلى...
نيلي عملك مفاجأة !!
إيه ياترى ؟
وده كلام، هتبقى مفاجأة إزاي؟
أغمض عينيها بوشاح حتى أن وصل إلى عمارة، وضع يده حول كتفها وصعد درجة درجة على السلم. كانت تضع يدها حول خصره والثانية تحوط من الأمام، قائلة بخوف لتقع:
إحنا هنطلع كتير.
هو في أسانسير، بس حابب نطلع سلمه سلمه وإنتي في حضني لحد ما نوصل للمكان ده بالذات.
وضعت رأسها على صدره براحة وظلت تصعد بسعادة أنه معها. وعندما وصل إلى باب شقة، أخرج مفتاحاً وأمسك يدها لتساعده ويفتحا الباب سوياً. ثم أزاح الوشاح من على عينيها. فتحت مقلتيها بانبهار وفرحة في آن واحد، ولفت بجسدها سريعاً، أمسكت يده قائلة:
واوووو ده هيبقى بيتنا صح...؟ أنا مش مصدقة، أنا مبسوطة أوووي.
أومأ رأسه مؤكداً توقعها وعلى ثغره ابتسامة لا مثيل لها وأبلغها بحب:
البيت ده كل جنيه فيه عمري ما هنسى جبته إزاي عشان نتجمع تحت سقفه، البيت ده كل إنش فيه معمول باشتياق ليكي، أنا قلبي بقى يدق عشانك وبس يا نيلي.
قفزت بطفولية متعلقة برقبته:
حياتي، ربنا ميحرمني منك أبداً.
أنهت كلامها ووضعت قبلة رقيقة على وجنته. حضنها بقوة وهو يشعر أنه امتلك كنوز العالم عندما أسعدها.
فاق "ريان" على نفض جسده، بعدها ارتجف قلبه بقوة عنوة أثر الحب الذي شعر به للتو. أحس بكل شيء كأنه للتو. أغمض عينيه، والدمعتان ثم أمسك هاتفه وهو يحارب نفسه ألا يفتح صفحتها الشخصية على الفيسبوك. وبالفعل، بعد دقائق ألقى بالهاتف، وتذكر موقف ثاني.
تعالي بقى يا برنسيسه، أعملك أحلى نجرسكو عمرك ما هتاكليها غير من إيدي.
واووو، بحبها جدا.
عارف.
حلقت روحها كالطيور من كثرة سعادتها، فحبيبها يعرف كل تفاصيله فيها مهما كانت صغيرة. يقف في المطبخ يعطيها ظهره وبدأ أن يحضر، قامت بمعانقته من الخلف. ترك كل شيء واستدار، حضنها. قالت بنبرة شغوفة محبة:
ريان، أنا بحبك فوق ما تتصور، ومهما ألف الدنيا مش هألاقي حد بيحبني زيك، حتى أمي اللي هي أمي، عمري ما حسيت بحبها.
مسد شعرها بحنان:
نيلي، مش عايزك تفكري غير فيا، انسى كل حاجة، أنا اتخلقت في الدنيا دي لسعادك وبس.
عكست عيناها الحب الذي داخل عينيه:
حرفياً مش عارفة لو مكنتش ظهرت في حياتي كنت هبقى إزاي؟
وضع سبابته بمنتصف فمها:
هششش، مسمحش توقعي أي حاجة أكون بعيد عنك فيها، أنا وإنتي نفس واحد، لو مكنتش عرفتك أكيد كنت هموت.
بحبك.
حضنها بقوة حتى تستمد قوتها منه.
افتح "ريان" عينيه بنار داخل قلبه، يشعر بالتعب من حرقة ماضي حاول طمسه. نهض، أخرج علبة سجائره وتنفس واحدة تلو الأخرى حتى أن شق النهار ظلمة الليل الحزين الذي يوزّع تذاكِر الدّمع على الذين فقدوا أحبّتهم في لحظةِ كرب، فيسمح لهم بالدخول إلى عالمه الطويل، يبثون له شجونهم، يتألمون ويسردون له كل ما حدث، فيتألم معهم، ويدثر حزنهم بسواده.
بعدما بحث عنها في كل مكان، تسمر مكانه، لا يقوى على الحركة. يود يصرخ بعلو صوته باسمها. شعر داخل جسده برعشة من الخوف والهلع، كانت تضغط على صدره وتكاد تكتم أنفاسه.
أخرجه من مستنقع أفكاره صوت هاتفه. تناوله على الفور بلهفة:
هند.
تعجب المتصل وصحح له:
لا، معاك محمود من البنك.
ضرب مقدمة رأسه، عندما تذكر عمله، فهو نسي أن يأخذ إجازة. تحدث برسمية واعتذار:
آسف جداً، عندي ظروف منعتني أكون في الشغل.
ياريت تبلغ بعد كده من قبلها.
إن شاء الله.
ثم أغلق الهاتف واغمض عينيه بعدما وضع رأسه بكف يده، وبدأ القلق يساوره وتملكته الأفكار السيئة والوساوس البشعة. كان لم ينسَ فقط تبليغ جهة عمله بإجازة، فنسى أيضاً طعم النوم. نهض مرة أخرى بإعياء ليبحث عنها. طال الوقت في البحث، وفي النهاية هدّته كل تخيلاته بخيبة الأمل.
استيقظ "سيف" وجهز الفطور ثم طرق باب التي تبيت فيه "هند". أجابته وهي تقضم أظافرها برقة وخجل:
آه يا سيف.
هند، يلا الفطار.
مش عايزة آكل.
بطلي دلع وتعالي.
معلش، سيبني براحتي.
عارفة لو مفتحتِش إنتي حرة.
حدثها بمشاكسة لكي تفتح. فتحت بخجل، وكانت ترتدي نفس ثيابها وحجابها مازال على رأسها، فسألها بتعجب:
مغيرتيش ليه؟
ردت وهي تنظر لأسفل وتشد أكمام فستانها:
عادي.
هند، فكّي، اعتبري بيتك.
شكراً يا سيف، ممكن يلا عشان ننزل نشوف شقة.
رد عليها بنفس نبرتها مشاكسها:
ممكن نفطر ونروح بعد كده مكان ما تحبي.
أوكي.
جلست بعدم ارتياح منكمشة بنفسها، كل ثانية تعبث بحجابها. وضع الطعام وجلس بجوارها. تصبب جبينها حبيبات العرق من كثرة الخجل. كان يراها لم تأكل. رفع يده بالملعقة أمام فمها ليحثها على الطعام. تورّدت وجنتاها من شدة الكسوف وهي تقترب، تفتح فمها تأكل من يده ثم رجعت للخلف سريعاً. ابتسم على خجلها ولم يقل شيئاً احتراماً لوضعها. أنهيا الفطور ونزلا سوياً ليبحثا عن شقة. شعرت عندما نزلت إلى الشارع بالهواء يتدفق رئتيها وقلبها توقف من شدة نبضه. أحس أنها تأخذ الهواء كأنها حُرمت منه.
دخل "ريان" مكتبه، جميعهم جلسون يفطرون. عزمه "زين" لكن "ريان" كان غير العادة، ملامحه كساها الحزن، نبرته فاقدة الشغف:
تسلم، خلصوا وتعالوا جوه عشان نبدأ.
أنهى كلامه وأمسك الأوراق، وأخذ من يد "تولاي" جهاز الكمبيوتر المحمول بصمت. لاحظت "تولاي" تغيره، لكن لم تعلق وأكملت طعامها ونظرت إلى "زين" مط شفته بعدم معرفته شيئاً.
جلس "ريان" بالقرب منهم ينظر على التصميم وقال بعملية:
حلو جداً.
رفعت "تولاي" عينيها عليه وابتسمت.
وبعدما أنهوا الطعام جلسوا بجوار "ريان" النهمك في الأوراق والتصميم، فأبلغهم:
كده هنبدأ من النهارده بالعرض اللي قالت عليه تولاي.
سعدت "تولاي" أنه اختار عرضها، مع أنها كانت تظن أنه يقلل منها دائماً. وبعد لحظات نهض "ريان" سريعاً للمرحاض يفرغ ما تبقى داخل بطنه من ليلة أمس. قام خلفه "زين" بعلبة منديل. أنهى "ريان" كل شيء، اغتسل وجهه وأخذ عدة مناديل يمسح وجهه ودخل غرفة مقابلة من المكان الذين يجلسون فيه ومدد جسده. فقال "زين" بمزاح:
لولولي، نقول مبروك يا اختي.
ابتسم ابتسامة جانبية تحمل أوجاع الماضي:
بطل سخافة.
أنهى جملته وأغمض عينيه بتعب حقيقي ظهر في انكماش وجهه وقبض حاجبيه. قلق "زين" وقال بجدية:
مالك يا ريان؟
حاول أن ينطق بإيجاز:
ما فيش.
هي بعتت ليك رسالة تاني؟
افتح عينيه بإرهاق وأدعى الغباء:
مين؟
هتستهبل، إنت عارف بتكلم عن مين؟
زفر أنفاسه الملتهبة وأجابه بنفي:
لا، مبعتتش. وإنت عارف لو عملت إيه مش هرجع ليها بعد اللي حصل.
نفسي أعرف ليه متعملش بلوك ليها وتريح دماغك، بدل ما كل شوية نطة عندك تفكرك باللي فات.
لحظات صمت مرت عليهما، كان يفكر لماذا حقاً لا يفعلها، حتى أن نطق بقول أجبر عقله بتصديقه:
عادي، بحب أشوفها وهي بتتعذب إني مش معبرها.
نهض "زين" بطوله الفارع ورمقه من أعلى وهو يكذبه بتأكيد:
إنت بتكذب على نفسك، إنت بتبقى عايز تطمن عليها. سبحان الله، برغم عدى خمس سنين وإنت لسه قلبك بيدق ليها.
اتنفض من نومه وقال بصوت مرتفع أفزع الصبايا الجالسات بالخارج:
زين، لو سمحت كفاية بقى، وأنا على ما أظن راجل مش لعبة تلعب بيها وقت ما مزاجها يجيبها، ولو عدى ألف سنة عمري ما هنسى وجعها ليا.
احترم "زين" وضع صديقه وانهى الحديث وهو يضع كفه على كتف "ريان" ليهدئه:
خلاص يا صاحبي، حقك عليا.
جلس "ريان" بتعب حقيقي وقال:
خلاص يا زين، ياريت نركز في الشغل.
أومأ رأسه وتحرك خطوتين، وقبل أن ينصرف لف برأسه مشاكسة:
طيب، مش هتقولي مالك؟
زين، وبعدهالك؟
قالها وهو يلقي عليه وسادة صغيرة بعصبية. ضحك "زين":
خلاص، خلاص.
لفت "هند" كثيراً ولم تجد شقة، يأست. هون عليها "سيف" رادفاً:
يا روحي، لو حتى ملقناش شقة خالص ممكن تهدي؟ شقتي موجودة، ولو وجودي مضايقك، أسبلك البيت كله وأنام إن شاء الله على الرصيف.
لا طبعاً، ده بيتك، عايز راحتك.
خلاص يا سيف، لو ملقناش، إنت في أوضة وأنا في أوضة، بس توعدني.
قاطعها:
إنتي مش واثقة فيا؟
بثق طبعاً، بس...
من غير بس.
يا سيف، بلاش تزعل، أنا حاسة بلخبطة ومش عارفة أتصرف إزاي ولا أعمل إيه.
يبقى تسمعي الكلام؟
حاضر.
في بيت عائشة تصرخ في وجه زوجها باتهام:
متحاولش تتهرب، لازم أعرف مين البت القمر الملزقة اللي كانت بتكشف عندك النهارده.
مين فيهم؟
أجابها ببرود وهو يشاهد التلفاز. جلست على الأريكة بجانبه على ركبتها:
الله الله، هي فيها مين فيهم، دول كتير قوي بقى؟
أكل فشار وأجابها بعدم تركيز:
فوق ما تتصوري.
زجته بكتفه ليعترف شيئاً لم يتذكره حتى:
طيب قول.
أقول إيه؟
هي مين؟!
بصي، أنا عارف إن عندك نقص في الذكاء، ولو سمحت قوتك، أنا عارف وواثق والله إنك ملكيش يد فيها وإنتي مستلمة الجثة كده، بس ممكن تعملي أبديت تزودي رمات.
رمات إيه اللي بتتكلم عليها؟
غير الموضوع حتى إن تتركه بمفرده لوجه الله لو ثواني:
آه، نسيت أقولك إن ريان فتح أخيراً الشركة.
وجزته بكتفه بقوة:
عارفة، غير الموضوع.
صمت ثوانٍ وحاول يلهيها في أي شيء:
تعرفي كمان بدأ شغل.
جلست براحة وحضنت الوسادة متعجبة:
لا، من إمتى؟
من إمبارح، حتى النهارده الافتتاح.
مقلّيش الحيوان!!
وفي ثانية طرق على عقله فكرة تبعدها عنه وقت طويل:
متنزلي تساعدي وتشتغلي معاه.
هو مطلبش.
من غير ما يطلب، دي خطيبة زين وواحدة صاحبته اشتغلوا معاه.
تذكرت الخناقة وأبدأت تنوح من جديد:
الله الله، إنت كمان رحت وشوفت صاحبته.
قلبي، لو عايزة تشتغلي معاه، انزلي، احلّي مكان ليقولك ما فيش، خلاص بعد إيه.
نهضت من مكانها على الفور:
تصدق إنت صح.
وتوعدت لريان:
ماشي يا ريان، لما أشوفك.
ثم صرخت في أولادها منادية عليهم:
إنت يا زفت منك ليها، بطلوا خناق واتنيلوا البسوا.
سأل الأطفال بحماسة:
هنروح فين يا مامي؟
عند تيتا.
ظلا الاثنين يقفزان فرحاً:
ياس ياس ياس.
وفي خلال دقائق معدودة وصلت لبيت أمها بسبب قرب المسافة قالت لها:
والنبي يا ماما، خدي العيال دول خليهم عندك.
تعجبت "إيمان" وسألتها:
وإنتي رايحة فين؟
هشتغل مع ريان.
أجابتها وتركتها، وقبل أن تمشي قالت والدتها:
إنتي يا بلوة، هو أنا خلفتهم ونسيتهم.
رمقتها بشرارة وأبلغتها:
تصدقي بالله العيال دي عقاب ليكي عشان خلفتيني أنا زمان وخلتيني أتجوّز، اشربيهم بقى.
لا حول ولا قوة إلا بالله، عليه العوض ومنه العوض.
سلاموززز يا قطة.
رمت عليها السلام وركضت سريعاً إلى شركة "ريان".
فضول "تولاي" يمزقها من الداخل، تود تعرف ما به، فلابد أن "كوكي" تعرف شيئاً. حاولت تفتح الموضوع بابتسامة:
هو ريان ماله؟ أول مرة أشوفه بـ... لـ... لسانه.
ضحكت "كوكي" على تشبيهها له، فقامت "تولاي" بسرعة بالقرب منها، كتمت فمها، ثم رمت بصرها على الغرفة الجالس بها "ريان"، فهمست بصوت واطئ:
هتفضحينى، يخرب عقلك.
طيب مش هقولك.
جلبت "تولاي" مقعدها وجلست بالقرب منها تكلمها بنبرة منخفضة:
لا، قولي بس بشويش يا فضيحة.
تحمحمت كوكي وتطلعت المكان لتتأكد لم أحد يسمعها وبدأت بـ:
كان بيحب بنت حد الجنون، وهي كمان بتحبه. لقوا بعض في ظروف صعبة جداً ليهم هما الاتنين، كان بيحاول يسعدها بكل ما في وسعه، وهي كمان كانت ضحكته بالنسبة ليها يوم عيد، لحد....
كانت "تولاي" تسمعها وهي تفتح فمها من كثرة الحب حتى أن قالت "لحد"، قاطعتها بصدمة:
لا، استني، هي فيها "لحد"؟ بعد الحب ده كله من الطرفين توصل لـ "حد"....
كانت ستكمل باقي القصة لكن خروج "ريان" بملامحه الجامدة أخْرَسَهما.
رواية طوق نجاتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ابتسام محمود
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
الفصل الثالث عشر
بعتذر جدا إني منزلتش فصل امبارح كان عندي ظروف، ربنا وحده يعلم بيها، مقدرتش اراجع حرف.
***
ادعيا الفتاتان انهما يعملان، وقف تطلعهما وتعجب صمتهما المفاجأ حين رأه، لكن تركهما خلفه وخرج بالخارج يشعل سجارته ليزفر بها ما يحرق جوفه من ذكريات لاحقته على بغته ونشبت نيرانها واشتعلت على حب وأد قبل ان يولد ويحيا.
نظرت "تولاي" عليه كانت هيئته الحزينة مرسوم عليها، نزلت من عينيها دموع التأثر والشفقة واحست بعاطفة جياشه تدفعها أن تقدم له يد المساعدة، وبالفعل قامت واعدت له فنجان قهوة يزيح الصداع الذي يعتل رأسه ويكاد ان يفجرها منذ الصباح.
خرجت مقتربة منه وعلى محياها ابتسامة ساحرة، فقد كان "ريان" شاردًا واقفًا مستند قدمه اليسرى على الحائط خلفه، ويده داخل جيب بنطاله والثانيه يمسك بها سجارته.
مدت يدها بلطف:
اتفضل قهوة.
زفر هواء دخان سجائره بحرقة، وتناولها منها مغتصبًا ابتسامة ليبادلها ابتسامتها قائلا بامتنان:
تسلم ايدك جت في وقتها.
ارتشف أول رشفه، تلقائيا نظر عليها وابتسم ابتسامه جانبيه، وقال بمزاح وكأن تلك الرشفه كانت بمثابة مفعول السحر له وجعلته تحول من حالته الحزينة لمزاح من القلب:
ساده برضو؟
تعلثمت بأحراج وحاولت تتكلم بسرعة لتبرر:
والله ما اقصد... المره دي نسيت بجد.
قال:
طيب واللي فاتت؟!
سألها برأس مائله يتفحص ملامحها المرتبكه، فقالت بصراحة وهي تهز كتفيها:
كنت اقصد.
اخذ نفس من سجارته وزفره بالهواء ثم عاد النظر لها:
في وشي كده؟
ردت:
شعاري في الدنيا في وشه ولا تغشه.
ضحك على اسلوبها وارتشف مره ثانيه ونظر للإمام، كانت تتابع تفاحه ادم التي تتحرك وهو يبلع، بعدما طال صمته قالت بأحراج:
تحب اعملك غيرها؟
نفى برأسه وعلى ثغره ابتسامه راضيه:
تؤ... بالعكس عجبتني جدا من المرة اللي فاتت.
قالت بذهول:
بجد؟!
رد عليها بنفس أسلوبها:
بجد الجد.
تعصبت هي من رضائه التام ورد فعله:
وأنا اللي كنت فاكره....
صمتت وهي تضع يدها على خصرها.
أكمل هو مقصدها:
تعصبيني؟
ردت:
بصراحه اه.
قال:
لا عاش ولا كان يا قطه اللي يعصبني.
رده لها زاد من استفزازها وغضبها، وتحولت شفقتها عليه إلى اعادة الحرب والهجمات بينهما مرة ثانية، لترد في هجوم مماثل قائلة:
ما اهو عاش وكان اللي عصبك من الصبح وشقلب حالك.
رمقها بحده وأبلغها بثبات:
اسمعى مني دي خلقت ربنا مستلمها كده، وفعلا محدش معصبني.
قالت:
بس كوكي قالت بسبب..
كانت ستقص عليه، لولا أن تذكرت الاصول، مسكت فمها المتسرع وصمتت.
ضحك "ريان" من هوجائيتها:
لا انتي حالتك صعبه خالص ومحدش يأتمنك على سر.
ردت:
لا والله ابدا أنا بير، حتى قولي كده اللي معصبك وجرب.
قال:
امممممممممم طيب.
سألت:
طيب ايه؟
قال:
هقولك بس مش دلوقتي يالا نستعد.
رد وهو يقف مستقيم يأخذ اخر نفس من سجائره، تحركت سريعا وقفت امامه قائله:
خلي بالك انت وعدتني هتقول.
قال بضيق عين:
اعتبره اهتمام؟
ردت ببرود:
لا خالص فضول والله.
ضحك بصوت عالي وهو يعطيها الكوب وابلغها قبل ان يتركها خلفه:
الظاهر كده هدمن القهوة من ايدك.
وقفت "تولاي" كالحجر مكانها متعجبه من اللهجة المهذبة المخيفة.. أحيانا يكون التهذيب مرعبا أو يسبب التوتر أكثر من قلة الأدب بمراحل.
وقبل أن تتحرك تفاجأت بفتاة جميلة، ممشوقة القوام، ترتدي زي رياضي بنطال موف ومن فوق قميصا رياضيا اسود رافعه الاكمام لمنتصف يدها، فبكل المقايس "صاروخ مصرى".
راقبتها "تولاي" حتى رأسها التوحت وهي تتابع خطواتها السريعة، وقفت الفتاة امام "ريان" واحتضنته بقوة.
اغمضت عينيها وافتحتها بعدم تصديق، وظلت تفرك عينيها بكفيها، لتتأكد من المشهد، وحدثت روحها هاتفه:
اكيد البطل دي البنت اللي قالت عليها كوكي !!شوف البت قلة الربايه بوس واحضان.
ومن ثم رأتها تضرب "ريان" وهو يتفادى ركلتها، اقتربت منهما بدون وعي بملامح متقززه.
رأتها الفتاة فقالت بسعادة:
تولاي صح؟.... انتي مش فكراني؟
ردت:
لا.
قالت:
أنا اخت ريان.
استعاذت من الشيطان الرجيم بصوت واطي من ظنها السوء بها، واكملت بصوت عالٍ وهي ترفع يدها ترحب بها:
منوره والله.
ضحك "ريان" وهو يتطلعهما:
ماشاء الله انتوا الاتنين مع بعض تعملوا دماغ عنب.
وكاد أن ينصرف، ابلغته "عائشه":
استنى هنا مش هسيبك غير لما تقولي اشتغلتي.
قال:
تشتغلي مره واحده، طيب نصيحة بلاش طموحاتك تعلى اوي لترشق في مروحة سقف وتخلصنا منك.
ردت:
لا متقلقش، على قلبك.
قال:
جوزك خلص منك وأنا اللي هدبس يعني؟
ردت:
اسكت يا ريان متفكرنيش بيه، ده بيخبطني كف بيوقعلي وندوز وربنا... انجز يلا وافق مش هتبقى انت وهو عليا.
قال:
ليه بتحسسيني أنك ثانيه وهتبكي خلف الجدران وطريقك مسدودا مسدود.
ردت:
شكلي مصعبتش عليك.
قال:
لا صعبتي موافق.
اردف كلامه وتحرك ليتركهم، نادت عليه "عائشه":
انت رايح فين استنى هروح معاك.
قال:
لا خليكي أنا عندي مواعيد مهمه.
سألت:
مواعيد ايه؟
قال:
نستها بس لازم ارحها برضو، جهزوا نفسكم بليل في حفله افتتاح...
ثم قال ل "تولاي":
اعزمي خطيبك لو تحبي.... يالا سلام.
تنحنحت "تولاي" ولم تعرف كيف تتصرف، اقتربت منها "كوكي" اغلفت فمها المفتوح، وقالت:
اكيد هنشوفك مزه النهارده !!
سألت بعدم تركيز، اوضحت لها "كوكي":
عشان خطيبك جاي وكده.
ابتسمت "عائشة" بمكر وقالت:
سبيلي أنا الطلعه دي هظبطك.
ردت "تولاي" عليها بحاجب مرفوع من الارتباك:
تظبطيني؟! هو أنا كوتش عايز ظبط زوايا... أنا كده زي الفل متشغلوش بالكم بيا.
ضحكت "عائشة" وهي تصنع اجواء من السعادة تغمر كل من يتعامل معاها:
فكرك هتنازل عن قراري... شهلي يالا، أنا قتيل.
ردت:
شكلك عنيده شبه اخوكي.
قالت:
أنا عندي اصرار رهيب ولازم اعمل اي حاجه انوي عليها.
قالت:
لو كده يالا مستحيل ازعل اصرارك.
ذهبن البنات وهن يضحكان ويفكرون ماذا سيرتدون من ملابس مناسبة لتلك الافتتاح.
***
استبعدت "هند" فكرة تأجير منزل خاص بها هذه الأيام، وذلك بسبب ضيق الوقت للنزول والبحث عنها بسبب قرب موعد تسليم البحث الذي بناءا عليه سيحدد من سينال منحه لعمل الماجستير والدكتوراة في افضل جامعه في للخارج.
كانت "هند" تجلس بجوار "سيف" كل منهما يمسك الحاسوب الخاص بيه يشتغل على بحثه بجهد، حتى استقام "سيف" بتعب وترك حاسوبه على المنضدة وقال:
دماغي فصلت.
قالت:
طيب تحب اعملك حاجه تشربها تفوق.
رد:
لا كملي انتي هروح اعملك ساندوتشات وايس كوفي.
قالت:
شكرا يا سيف.
دخل المطبخ ووجد هاتفه يرن اخرجه من جيب بنطاله ووجد والدته، تأفف ثواني ثم اجابها:
ايه الاخبار.
قالت:
انت طمني عليك، وصلت لفين في بحثك.
رد:
الحمدلله، متشغليش بالك، انتي عارفه يخلص دايما على اخر وقت.
قالت:
سيف دي اخر فرصه ليك، أنا استكفيت من مصاريفك، حرام عليك بقى اعمل حاجه واعتمد على نفسك شوية.
رد:
لو سمحتي مش محتاج كل شوية تفكريني بالمعروف الكبير اللي بتعملي عشاني واشكريلي انكل حسام جوزك انه مكلف نفسه بمصاريف متخصهوش، وعارف لو بابا كان عايش كان كبر دماغه من تعليمي من زمان، حفظت الدرس كويس ولا تحبي تضيفي حاجه؟
قالت:
سيف اتريق براحتك بس متلومش غير نفسك.
رد:
حاضر باااي.
اغلق الهاتف والقاه بأهمال، كانت "هند" تتابع ما حدث تركت ما بيدها ونهضت اتوجهت له:
سيف ممكن تهدى؟
كان "سيف" يأكل شفتيه من كثرة عصبيته ويقبض على كف يده بقوة حتى هرب منها الدماء، ربتت عليه "هند" بحنو وابلغته بنبره ناعمه:
حبيبي... ممكن افهم في ايه؟
حاول كبت غضبه واظهار انه على ما يرام وبخير:
حبيبتى أنا كويس، مشاكل عادية، روحي كملي وأنا دقايق وهكون عندك بأحلى ايس كوفي بتحبيه.
تعجبت، لكن احترمت عدم الإفصاح بمشاكله، ابتسمت وجلست تعمل وتراقبه بعينيها حتى انهى عمل الساندوتشات والعصير الخاص بها، تركت الحاسوب وتناولت منه الطعام ووضعته على الطاولة واخذت واحد واعطته له بأبتسامه ثم اخذت هي ساندوتش، وظلا يتحدثا في اشياء تخص الجامعه حتى أن اشار "سيف" لها بالقرب من شفتيه بوجود صوص بالجانب.
وضعت يدها من الناحيه اليسار، هز بنفي برأسه وهو يبتلع ريقه ويقترب منها من الناحيه اليمنى حتى أن لمس جانب شفتيها وازال الصوص الذي كان عليه.
كانت "هند" في حالة لا يرثى لها كمن بنجت كل حواسها، عقد لسانها وذاب قلبها واصبح جسدها غير قادر على حملها، حتى أن اتتها صدمه كهربائيه افاقتها في أخر لحظة، زجته سريعا وركضت على غرفتها واغلقت على نفسها وظلت تبكى.
اضطربت وتسرب الهلع إلى فؤادها واصابها خوف وحيرة شديدة، ماذا كان سيحدث أن لم تفق، لطمت وجهها برعب ولوم كيف تستسلم له انهارت في البكاء بقهر من نفسها.
اغمض "سيف" عينه بلوم وعتاب، وسأل نفسه بضيق... كيف يتصرف بهذه الطريقة الصبيانيه؟
دقائق و قام خلفها طرق على الباب مبلغها بأسف:
هند بجد متأسف مش عارف ازاي عملت كده .... هند والله غصب عني ..... هند افتحى بلاش تخليني اضايق من نفسي.... هند عشان خاطري ردي عليا ..
ردت:
سيف امشي لو سمحت نتكلم بعدين.
تركها وجلس على الأريكة ببال مشغول، امسك حاسوبه ثم تركه وارجع رأسه للخلف بتفكير.
رواية طوق نجاتي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ابتسام محمود
دخلت كل من "تولاي"، "كوكي" و"عائشة" بشكل جذب جميع من في الحفل.
كانت "كوكي" ترتدي فستان طويل كاجوال بلون الزهري، و"عائشة" بنطال جينز وفوقه بلوزة بيضاء وبليزر وردي، أما "تولاي" ترتدي جيبة بيضاء وفوقها بلوزة بلون السماء الصافي وحجاب أبيض يزين وجهها وبعض مساحيق التجميل الرقيقة جدا.
كان "ريان" قد دعا مديري الفنادق الكبيرة حتى يعرض عليهم صفقة تعاقد مع الشركة السياحية الخاصة به.
اقترب "ريان" من الفتيات بشكل جديد، كانت المرة الأولى التي تراه "تولاي" يرتدي بدلة سوداء كلاسيك بدون ربطة العنق، فقد قام بفتح أول أزرار قميصه لتظهر السلسال الذي يرتديه دائمًا.
رمقته بأعين لامعة، والانبهار برونقه في اختيار بدلته، وبكل شيء يقوم بارتدائه يليق عليه.
أبلغهن سريعا وهو يناولهن بعض الورق:
- كل اللي هنا أصحاب فنادق، عايز أشوف همتكم في شغل السيلز، ولكل فندق هيتعاقد معانا ليكم نسبة.
- هنشرفك يا قمري انت.
قالت "عائشة" بحماس وأخذت من يده الورق الذي يخصها.
أكد "ريان" لها قبل أن تنصرف:
- ويا ريت نركز في الشغل وبلاش شغل الشغب.
- اشمعنى بتبصلي أنا؟
قالتها "عائشة" وهي تضع يدها بخصرها.
رمقها بعيون ضيقة:
- عشان عارفك يمكن.
- لا تقلق هشرفك.
أبلغته بحماس قبل رحيلها من أمامه.
ثم أخذت "كوكي" هي الأخرى الورق من يده وتركتهما.
نظر "ريان" نحو "تولاي" وأرجع يده بجانبها بالورق.
بلعت ريقها بكسوف قائلة:
- إيه وبتبصلي كده ليه؟
- مستغربك.
رفرفت بعينيها عدة مرات متتالية بارتباك:
- اشمعنى؟
أجابها بابتسامة وعيون ناعسة:
- حاسك محلوة.
توترت أكثر وأمسكت يدها تلعب بأصابعها بكسوف وتوتر:
- عشان خطيبي جاي.
ظهر على وجهه الضيق، ولا يعلم لماذا انتابه هذا التعصب، فرد بوجه عابس وشفة مرفوعة:
- طيب لعلمك أقصد محلوة.. بس كنت بجاملك.
أخذت من يده الورق بعصبية وتركته وهي تركل على الأرض.
ضحك على غضبها الطفولي بصوت عالٍ جعلها تنظر خلفها، أخرجت له لسانها ورحلت.
ذهب كل منهم يشرح للعميل فكرتهم وعروض الشركة السياحية.
بينما كانت "تولاي" مع عميل تتحدث بحماس وهو يتفحصها بعيون ذئب.
لم تلاحظ تلك النظرات المفترسة لمعالمها، واستمرت بالحديث بطريقة رقيقة.
فقال لها العميل:
- هو ريان مش محفظكم غير الكلام في الشغل.
ضحكت مجاملة وأكملت بجدية.
كان يتابعها "ريان" بعيون صقرية، وعندما شعر تطاول من هذا العميل تدخل على الفور قاطع الحديث:
- محمد باشا وحشني، معقول تكون هنا وتسمع العرض من حد غيري؟
ثم أشار لـ"تولاي" أن ترحل.
انصرفت من أمامهما، وجلست على إحدى المقاعد، ترتشف عصير.
بعد دقائق اقتحم خصوصيتها "ريان" بسؤاله:
- إلا هو فين خطيبك؟
تحمحمت وتحرك بؤبؤ عينيها بتوتر وارتباك ظاهر وردت بعد ثواني تفكير:
- عنده شغل مش هيقدر يجي.
وقف وضع يده على المقعد الذي أمامها ولوح رجل خلف رجل، وقال وهو يشار برأسه على ثيابها:
- هو سايبك كده على طول؟
زوت بين حاجبيها بعدم فهم:
- يعني إيه سايبني كده؟
- يعني لبسه ضيق وعلى حجاب وعين الناس مبترحمش.
جحظت عينيها لفظاظة كلامه وقامت أبلغته بوجوم:
- شكلك مش مركز في شغل الشركة اللي إحنا هنا عشانه.
أجابها ببرود وثقة:
- مين قال؟ مركز جدا..
قال حديثه وهو يتفحصها جيدا.
نظراته أثارت غضبها أكثر وظهر عليها علامات الضيق، وأبلغته بحده:
- شكلك فاضي..، بص عندي مشروع حلو لدماغك طالما سايبها فاضية اجرها لأي محل يعملها مخزن.
ضحك "ريان" وهي تمشي ثم ذهب يكمل عمله.
قابلت "كوكي" "تولاي" تمشي تتحدث مع نفسها بكلام غير مفهوم.
أوقفتها بسألها:
- مالك يا بنتي فيه إيه؟
- خلي زين لما يتعامل مع ريان يلبس ماسك.
- اشمعنى؟
ردت عليها من بين أسنانها ووجه غاضب:
- لأن ده واحد مريض معدي المفروض نتعامل معاه معاملة الكورونا.
- حصل إيه لكل ده؟
- ده دماغه فاضية لدرجة لو صرخت في ودانه هيطلع صدا صوت من كتر ما دماغه فاضية زي صحرا..
ضحكت "كوكي" مما جعلتها تتعصب أكثر وخشت أن تفقد أعصابها أمام كل الحضور، لذلك تركتها وجلست بعيدًا عن الجميع.
وقف "ريان" بمنتصف الحفل قائل بابتسامة بها طاقة وحماس:
- بشكر كل شخص قبل الدعوة ونورنا النهارده في افتتاح شركتنا r z t k.....
فرحت "كوكي" بوضع حرفها في الشركة وأمسكت يد "زين" بقوة الذي قال بعشق:
- مش حرف بس، أنا كاتب النص بتاعي باسمك واسمي.
شدد على كف يدها بفرحة:
- حبيبي يا زين ربنا ميحرمني منك أبدا.
وفي الجانب الآخر وقفت "تولاي" مذهولة لما وضع حرف اسمها ولماذا....؟
بعد مباركة الجميع لـ"زين" و"ريان"، تم فتح الأوبن بوفي.
لمح "ريان" "تولاي" لم تأخذ طبق، أخذ طبقه وتوجهه عندها سحب مقعد وجلس وهو يفتح جاكت بدلته.
كان ما زال مستحوذها الغضب عقدت يدها على صدرها ورمقته بوجوم وضيق.
ابتسم وأبلغها بلطف:
- بعتذر لو ضايقتك، بس والله دماغي مش فاضية ولا حاجة، الراجل كان بيبصلك نظرات معجبتنيش، هي دي كل الحكاية اللي خلتني أدخلت وأقول كلام سخيف.
- تمام حصل خير.
نطقت بجملتها وما زال علامات العبوس مخططة على وجهها.
فقال هو بمزاح حتى تضحك:
- لأ شكلك بيقول لسه مضايقة.
ابتسمت وأبلغته بثبات وثقة:
- لأ خلاص...
وأكملت بتساؤل وفضول وفرحة:
- بس ليه حطيت حرفي في شركتك؟
أجابها ببساطة وهو ينظر داخل عمق عينيها:
- لأن من غيرك مكنتش الشركة قامت، إنتي اللي عملتي فكرة الإعلانات والعروض كلها والدعاية... وأنا محبش أقلل من مجهود حد.
- شكرا.
- العفو... كلي معايا عشان أتأكد إنك مش زعلانة.
- لأ كل إنت، هقوم أعملي طبق.
قالت وهي تنهض.
أمسك "ريان" يدها ونظر داخل مقلتيها وأبلغها بنبرة هادئة:
- عامل حسابك معايا اقعدي.
سحبت يدها من بين كف يده، وجلست، وضع الطبق بالنصف وأقسم معها الخبز وكل شيء بينهما.
أنهت الطعام وظلت تتفحصه، فرمقها بتساؤل، فقالت:
- تعرف إني أعرف أحلل الشخصية؟
ترك ما بيده ورجع للخلف مهتمًا بحديثها:
- طيب ما تسمعينا.
- هقولك بس من غير عصبية ولا زعل.
- مش هتعصب، قولي.
ابتسمت وقالت بنبرة هادئة:
- عارف يا ريان يبان إنك تافه وعديم المسؤولية...
رمقها بشرارا، ابتسمت وأكملت:
- إنما إنت غير كده.
- والله أمال أنا إيه بقى يا فيلسوفة؟
- إنت خايف من حاجة معينة حصلت ليك وعشان تهرب من خوفك ده بتمثل إنك كده !!
- هو الخوف يخليني أهرب؟
- الخوف لو فضلت تهرب منه هيفضل الشبح المخيف اللي بيلاحق أي إنسان وبيفضل لازق فيه لحد ما يموتك.
- فيه مثل بيقول: الخوف هو العصا التي ماسكها الظالم على المظلوم.. وهنا إنت المظلوم وخايف من عصاية الظالم تتوجع منها تاني، عشان كده خايف تجرب تخاطر تاني.... إنت حد حنين أوي بتخاف على أهلك تتمنى الموت لو حد فيهم حصله حاجة، واكيد بتعمل كده مع أي حد قريب منك، ولعلمك طبعك ده هو اللي بيتحكم في أي علاقة... وعشان تهرب قررت تظهر أسوأ ما فيك وترمي نفسك في مستنقع السكر والنسوان خوفًا من أنك تواجه تجربة فشل مريت بيها.. لازم تواجه وتكون قوي عشان تقدر تتعافى من كل مخاوف حصلت ليك.... ولعلمك أنا معرفش إنت إيه اللي مخوفك ولا حصل معاك إيه في حياتك قبل كده، بتكلم في العموم واللي واضح من تصرفاتك.
كلامها جعل رماد الماضي يشتعل من جديد ويترك على عقله كأن حدث للتو، وتذكر أسوأ ذكرى مرت عليه.
كان يتناول الطعام مع "نيللي" في إحدى الكافيهات، وكانت "نيللي" تأكل وهي داخل أحضان "ريان".
- ريان تعرف إن جالي عرض النهاردة أكون موديل.
ترك معلقته وأمسك يدها قبلها بحب وهو يقربها منه أكثر، وأبلغها بحب وغيره:
- وأنا ما أحبش مراتي تكون موديل.
- بيبي ده شغل.
- ولو، العين كلها هتبقى عليكي وأنا أصلا بغير لما حد يبصلك من غير قصد، ما بالك بقى عيون الكل هتبقى عليكي؟
- حياتي بليز ده عرض كبير جدا وهاخد.....
قاطعه بابتسامة حب وهو يمسك أصابعها التي بها بقايا الطعام يضعها داخل فمه برقة يضيع أي أثر كانت بها:
- اللي تطلبي أنا أدهولك حتى لو هشتغل ليل ونهار عشان أراضيكي.
- إنت عارف الموضوع مش فلوس وبس.
قالتها وهي تعتدل في جلستها.
أغمض عينيه محاولًا أخذ نفسه وأبلغها:
- نيللي بلاش تبعدي عن حضني حتى لو بنتناقش.
- بس يا ريان...
كانت تحاول إقناعه بكل طريقة، فقاطعها بحزم:
- تعالي في حضني وكملي كلام.
لم تستمع لكلامه وتشنجت ملامحها بضيق قائلة:
- ريا....
أشار على أذنه وعينه وفمه لا يسمع لا يرى لا يتكلم طالما هي بعيد عنه.
اقتربت وهي متشنجة في الحديث، فقال بهدوء وهو يربت على شعرها المنسدل الطويل:
- أهدي يا نيللي بلاش تتعصبي كده، الموضوع مش مستاهل إنك تضايقي، إنتي عندي بالدنيا.
طلبت منه بنبرة تحمل الدلع والتمني:
- طيب وافق.
- طيب إيه رأيك نكمل أكل.
حاول أن يغير مجرى الحديث بدلًا من الدخول في نقاش كبير وهو غير مستعد له وفي هذا الوقت، لكن هي ترجمت كلامه بمعنى آخر واردفت:
- معنى كلامك إنك إنت يا الشغل؟
رمقها بوجوم وحاول كبت غضبه الذي بدأ يظهر على ملامحه وعينه:
- عمري ما أحط نفسي في مقارنة رخيصة زي دي ولا أنا زي الرجالة اللي عندها نقص عشان أفكر بالمنظور ده...؟ ده غير إني متأكد إنك عندك أغلى من أي حاجة.
- طيب كويس إنك عارف ممكن بقى توافق.
حاول الجام غضبه وقال بحزم:
- بقول نكمل أكل.
أخذت المعلقة مرة ثانية، لكن أخذها من يدها وقبلها بحب وأطعمها هو، بينما كانت "نيللي" حزينة على حلم عمرها، لكن بداخلها لم تفقد الأمل في فتح الموضوع مرة ثانية.
رواية طوق نجاتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ابتسام محمود
صمت "ريان" المفاجأة أذهل "تولاي"، فقد كان مغمض العينين بقوة حتى ظهرت خطوط بجانب عينيه من كثرة غلقهما، قابضًا على معصم يده الذي يضعه تحت مقدمة رأسه، فكان غارقًا داخل محيط لم يجد منه منجا ولا فرار، كل حواسه متجمدة، ومشاعره متجلطة، يتمنى يدًا تنتشله من هذه الهواجس التي بمثابة قضبان حديد صلبة مانعة الصوت المستغيث من الضياع، ذكرى واحدة كانت أقوى عليه من قطع رأسه، فالألم والحزن يظهران بوضوح على ملامحه العابسة المتشنجة.
شعرت "تولاي" بشيء غريب فيه عندما كسا وجهه الحزن والقهر، نهضت بتعجب وقلق من هذا الشخص متقلب المزاج، قابلها "زين" ومرسوم على وجهه السعادة، وكانت معه "كوكي"، فسألها بجدية وحماس:
- شوفتي ريان؟
أومأت برأسها وأشارت عليه:
- آه قاعد هناك.
تحرك نحوه "زين"، ووقفت "كوكي" معها وسألتها بتعجب:
- مالك انتي وريان؟ شوية تتخانقوا، وشوية ألاقيكم مع بعض تحت شجرة؟
شردت قليلاً في شخصيته وحالته التي تركته عليها وأخبرتها:
- بصي هو ريان طيب بس أحيانًا بيعصبني... تتخيلي أصر ياكل معايا من نفس طبقه، وبعد لحظات لقيته ساكت وفي عالم تاني؟
زوت "كوكي" بين حاجبيها متعجبة:
- غريبة!
- أنا كمان استغربت جدًا...
- إيه اللي غريب! ده من ساعة ما شوفته ملقتش حد غريب غيره.
- يا بنتي "ريان" بيقرف جدًا ومش بياكل مع حد في طبق واحد، الوحيدة اللي كان يسمح ليها كانت خطيبته.
أغمضت "تولاي" عينيها بتخبط بين جدران عقلها، تشعر أنها داخل دوامة مع هذا الريان! من هو حقًا، من يكون، لماذا يتعامل معها بهذه الطريقة، أسلوبه تعامله مع الناس، فعل أم رد فعل؟ أسئلة كثيرة طرقت باب عقلها.
عند "ريان"، كان صوت صاحبه طوق نجاة تعلق به من ذكرياته المهلكة، فتح عينيه ببطء وظهرت عليه علامات النعاس، قائلاً:
- خير يا زين...
- طالما قلت زين يبقى مش خير، مالك يا صاحبي بقالك يومين مش عاجبني.
- بنهار يا زينهم تعبان أوووي، الجرح لسه بيوجعني.
- عشان اتقفل على تلوث... ياما نصحتك تبعد خالص.
تنهد من نار قلبه وأبلغه بصوت مليء بالقهر:
- صدقني عدم بعدي نهائي عنها ده السبب اللي بيخليني منساش أبدًا اللي عملته، عشان عمري ما أحن ولا أضعف ليها. أنت عارف إنها بتحبني بجد، بس اللي عملته دبحني.
جلس بين قدم "ريان" وأمسك يده بقوة، تألم "ريان":
- الوجع بيروح مهما كان قوته، بس لازم نبعد عن مصدر الألم.
أنهى حديثه وأبعد يده عن "ريان" المتألم وأكمل بجدية:
- قوم يا صاحبي وخلينا منبصش ورا ضهرنا، قوم وشوف نجاح شركتنا، ابعد عن الماضي. الماضي مهما كان حلو وطعمه عجبك لازم تبعد وتجرب تدوق الحاضر عشان تتأكد أنه أحلى ويبقى ليك دافع للحياة. دوّق يا ريان وبلاش تدفن نفسك جوه أكلة expire وآخرها موتك اللي جاي بالبطيء.
تحركت تفاحة آدم بحلق "ريان"، أكدت لـ "تولاي" التي تراقبهما بأن به شيء كبير، وعليها أن تعرفه عاجلاً وليس آجلاً.
نهض "ريان" و"زين" سويًا، ومسح "ريان" وجهه، فحضنه "زين" بقوة وأبلغه بسعادة:
- مبروك يا صاحبي، بكرة اكتمل الحجز السفاري.
ابتعد "ريان" عنه بملامح فرحة وعيون ما زالت تحمل حزنًا من غدر حبيبته:
- مبروك علينا يا زين الرجال.
أنهى حديثه وعينه قابلت عين "تولاي" المليئة بالتساؤلات، اقترب منهما وقال لـ "تولاي" و"كوكي":
- استعدوا يا بنات، بكرة أول رحلة سفاري.
فرحت "تولاي" المتشوقة لرحلة تسترجع بها ذكرياتها التي تحدثها عنها والدتها كل ليلة، فرحتها كانت تشبه فرحة الأطفال، ظلت تقفز وتخبرهم بحيوية:
- واووو، نفسي أروح سفاري من زمان... أخيرًا.
- مش هحرمك من حاجة، كلنا هنطلع منه شغل وفسحة.
ثم قال وهو يصوب عينه العسلية عليها، ويهرش بذقنه البنية:
- واهو تفرجينا على مغامراتك على تسلق الجبال وصيد العقارب.
رفعت "تولاي" حاجبها الأيسر بصدمة وهلع وقالت عندما وجدت كل من يقف معهم متحمسًا لكلامه:
- واطي صوتك، إيه الفرح ده كله؟ أنت ليه محسسني إنها ليلة دخلتي على كبير العقارب.
اقترب منها خطوة وأخبرها بنبرة هامسة أمام مقلتيها التي تمتص نور المكان وزادت سواد بؤبؤها عينيها لمعة خاصة بها:
- أمّال فتحة صدرك علينا، وبتحكي مغامراتك ولا كأنك على ناشونال جيوغرافيك.
ارتبكت من وقوفه بمقابلتها وأجابته بتلعثم وتوتر:
- لا ما خلاص أنا كبرت على الكلام ده.
- إيه؟!
كان ارتباكها يشعل ثورة فرح بداخله ولا يعلم لماذا، فتعمد أنها تتحدث مرة أخرى حتى تشبع غزو قلبه، فقالت بتوتر بصوت منخفض وهي تعض على شفتيها:
- كبرت أنا... أنا كبرت.
تدخلت "عائشة" لتنقذ "تولاي" من أخيها، قائلة بحماس:
- إيه ده انتي بتصطادي عقارب؟
بحَلقت "تولاي" بها بصدمة على معرفتها هي أيضًا هذه المعلومة المشكوك في أمرها منه هي نفسها وقالت بصوت لا يسمعه إلا من كان قريبًا منها:
- الله يهدك يا ريان زي ما سوّت سمعتي.
- وتهديني ليه؟ يعني انتي تصطادي وأنا اللي أتهد؟
كسا ملامح وجهه الضيق، قائلة باقتضاب:
- لا خلاص يا عائشة، ربنا تاب عليّ.
- مستحيل تبطلي... يا بنتي يموت الزمار وصوابعه بتلعب، أنا كمان بحب أصطاد، هنشجع بعض، ونرجع الروح الشريرة بتاعة زمان.
ابتسمت لها وهي تدعي بداخلها على "ريان" وأبلغته بصوت واطئ:
- خاف مني.
ضحك بصوت مسموع تعجب منه الجميع والتف وهو يرفع سبابته يمسح مقدمة أنفه قائلاً:
- ليه ماشية بمسدس في إيدك... يا بيره.
رفعت سبابتها أمام وجهه عندما سمعت لقبه الجديد لها لثاني مرة، وهذه المرة لم تكذب سمعها لكن سألت لتفهم:
- قلت إيه؟!
رسم ابتسامة كاملة على محياه أظهرت غمزاته مجيبًا بكل تأكيد:
- بيره.
زوت ما بين حاجبيها باستغراب:
- إيه بيره دي؟!
لم يرد عليها والتف بجذعه، نظر للجميع، تعصبت من تجاهله لها وتحركت خطوات متشنجة، نادى عليها وقال بجدية:
- استني.
ثم نظر على "زين":
- يلا يا جماعة تصبحوا على خير، خد خطيبتك وصلها وأنا هوصل تولاي وعائشة في سكتي.
ردت "عائشة":
- لا شكر يا ذوق... أنا هروح مع جوزي أهو وصل، تصبحوا على خير.
أخذ "زين" خطيبته في جو مليء بالضحك والمشاكسات بينهما.
وانصرفت "عائشة" مع زوجها الذي كان يتمنى أن تظل معهم لكن حكم القوي بعدما اتصلت به وطلبت منه حضوره ليصلها هو، حتى تتيح الفرصة لـ "ريان" و"تولاي" الانفراد مع نفسه.
وجد "ريان" "تولاي" تقول بهمس وهي تتركه:
- وأنا هركب تاكسي.
استفزه حركتها فذهب خلفها وأمسكها من شنطتها الموضوعة على كتفها:
- امشي قدامي من غير ولا صوت. مش عارف خطيبك ده سايبك وهاجج فين. مش بعيد تكوني مغصوبة عليه وبيهرب من لسانك الطويل اللي زي القطر ولا بيقف ولا بيعمل حساب لحد.
عندما أنهى حديثه، نزع الجاكت وألقاه على كتفها، اندفعت قائلة بغيظ:
- مسمحلكش تغلط فيا. ومش هركب يعني مش هركب. وخد جاكتك ده. ولا أقولك خلي عشان سقعت فجأة.
أنهت حديثها وقالت بصوت عالٍ:
- تاكسي.
وقف السائق، لكن "ريان" أغلق الباب بكف يده وسحبها من حقيبتها بطريقة أخافتها، جعلها تجلس داخل سيارته بعدما أُغلق سقفها بعدما فتح الباب لها، وسند بكف يده على نافذة الباب بيده مبلغًا إياها من بين أسنانه بتهديد:
- مسمعش بقى صوتك لحد ما نوصل لأخلي دماغي الفاضية اللي انتي عرفاها تسيب عليكي كلاب سعرانة.
رجعت بجزعها للخلف من طريقته المخيفة:
- لا وعلى إيه أنا أصلًا فاقدة النطق من صغري.
- آآه الله ينور، استمري.
تحرك وصعد أمام عجلة القيادة، وقبل أن يتحرك بالعربة، حرر شعره ولوح رأسه لليسار واليمين وهو مغمض العين، ثم أرجعها للخلف، حركاته جعلتها تميل رأسها تتفحصه ولفت انتباهها تفاحة آدم التي تتحرك داخل حلقه، جعلتها تبتلع ريقها تلقائيًا، ثم رأت الغمازة التي تستقر بجنته اليمنى، ابتسمت بصمت ونظرت أمامها عندما وجدته مال بجذعه كله عليها حتى يربط لها حزام الأمان، كانت أنفاسه تحرقها، وتكاد أنفاسها في ذمة الله برغم دقات قلبها التي تتسابق لتقفز وترفع في صعود وهبوط صدرها بسرعة.
- الحزام تقيل في السحب، هعمله ليكي.
أنهى جملته ثم تقابلت عينه مع عينيها السوداء، غام عقله بسحابة بيضاء كثيفة، وامتلأت رئته بعطرها الذي لأول مرة يستنشقه من كثرة قربهما، كانت رائحته جديدة تشبه الفاكهة الطازجة.
كانت تكاد تشق المقعد من كثرة إرجاعها للخلف بجسد متصلب متجمد، وأبلغها بصوت هامس:
- عينك.
جحظت عينيها أكثر بتسائل بدلاً من لسانها المتحجر، فقال بهمس:
- خطيرة.
أفاقهما بوق التنبيه السيارة التي خلفهما، أكمل سحب الحزام وأدخله مكانه ورجع مكانه، زفر الهواء وأدار المفتاح وتحرك، ما زالت على وضعها لكن صدرها تسارع أكثر في الصعود عندما أخذت أنفاسها.
كانت مقلتيها كل ثواني تراقب تغير ملامحه، أخذ باله من عينيها الحائرة فقال بهدوء:
- مالك؟
ربشت عدة مرات وأخبرته بتوتر:
- لا مافيش.
ثم عزمت على قول ما يدور داخل عقلها:
- أول مرة أشوفك لابس بدلة وشعرك مفكوك.
ابتسم وهو يمرر يده على شعره وأبلغه:
- البدلة عشان الافتتاح. وبليل مش بحب أي حاجة تقيدني، بحب أكون حر.
أومأت رأسها بتفهم، وظلت صامتة حتى أن وصلت، قلعت جاكت البدلة وأعطته له في يده، وأبلغته بصوت ناعس:
- شكرًا.
أجابها بنفس النبرة من كثرة الصمت بينهما طوال الطريق:
- العفو. نامي على طول وبلاش تفكري.
ضاقت عينيها باستفهام:
- أفكر في مين؟
- في اللي هاجج منك.
قال جملته بخبث وأطلق ضحكته وتركها تشتعل غضبًا. يا له من كائن مفسد كل شيء ينسجه عقلها من تخيلات.
صعد غرفته وهو يمسك جاكت بدلته، وقبل أن يضعه، اشتم رائحتها المتعلقة به كما تعلقت برئته، ابتسم ابتسامة جانبية على المتطفلة التي تترك أثرًا في كل شيء يخصه.
دخلت "تولاي" الفيلا بشرود، قابلتها والدتها:
- حبيبتي اتأخرتي كده ليه؟
أمسكت يدها قبلتها وحضنتها بفرحة وابتسامة تزين وجهها:
- حقك عليا، الحفلة طولت وكنت لازم أستنى الكل يمشي.
ربتت عليها بحنان واطمئنان:
- المهم إنك بخير ومبسوطة يا ضي عيوني.
ابتسمت وهي تجلس هي و"يسرا":
- بحب أوي أسمع منك ضي عيوني.
- انتي كل حياتي يا تولاي. الحياة من غيرك مالهاش طعم.
وضعت رأسها على صدر أمها الحنونة المعطاءة الكثير من المشاعر والحب:
- أنا اللي من غيرك ولا حاجة يا روح الروح انتي.
ثم رفعت رأسها وأمسكت يدها:
- تعالي أغير وأحكيلك على اللي حصل.
وقفت معها وصعدوا ممسكين يد بعضهما بحب، حتى أن دخلت غرفتها وبدأت بتغيير ملابسها:
- مش ريان كتب أول حرف من اسمي في شركته.
- مبروك يا ضي عيوني. ريان ابن أصول مأصل.
- وكمان هنطلع بكرة سفاري، أنا مبسوطة أوي. أخيرًا هطلع أشوف النجوم والقمر من غير أي تدخل من البيئة على نورهم الطبيعي.
- حبيبتي ربنا يسعدك وأشوفك متهنية دايمًا.
ثم قبضت حاجبيها بتقزز وشمئزاز وجلست بجوارها:
- اسكتي، مش مُصر إني أصطاد عقارب!
- ما انتي طول عمرك بتحبي المغامرة دي. ومهما كنت أرفض تتحايلي على باباكِ ياخدك من ورايا الصحراء وتصطادي.
- ماما أكيد وقتها كان عندي adhd، مستحيل كنت أكون طفلة طبيعية.
زوت والدتها بتعجب:
- يطلع إيه ال adhd؟
ابتسمت وهي تضع رأسها على قدم والدتها التي بدأت تمسد على شعرها الأسود الطويل وقالت بتوضيح بسيط:
- ده مرض نفسي بيكون عند الأطفال، بيكون اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وغالبًا بيستمر في مرحلة البلوغ، والحمدلله مستمرش معايا، وبيكون من أسبابه نقص الانتباه زي مثلاً تحصيلي الدراسي مش قد كده مع أن كل اللي يشوفني أول مرة يقول دي ذكية، وكمان فرط النشاط بيكون عندي طاقة وبتحرك كتير جدًا، زي مثلاً بكون راجعة من التمرين ولسه جوايا بور، والتركيز بيكون في ذمة الله ومش بركز في أي كلام أو شرح بيتقال، وممكن أرد على حد بطريقة مش لطيفة وأحرجهم مع أن بيكون مش قصدي والرد بيطلع لوحده من غير قصد، ده غير بقى البوص بتاعهم السلوك الاندفاعي، يعني مثلاً أعدي شارع سريع بتهور ومن غير أدنى خطورة للي عملته، أصطاد عقارب سامة ممكن غلطة توديني في حتة تانية خالص.
فتحت "يسرا" عينيها على الآخر وتذكرت كل شيء مر وقالت:
- تصدقي انتي كنتي كل ده.
ضحكت "تولاي" على طفولتها التي حمدت ربها أنها نسيتها:
- أكيد لأن كل ده حاليًا مستحيل أعمله، والحمدلله التركيز والانتباه بقيت كويسة فيهم جدًا وأقدر أبْدِع، والسلوك الاندفاعي هو اللي بقى في ذمة الله وبقيت أحسبها صح.
شعرت "يسرا" بوجزة داخل صدرها وقامت بعدما رفعت "تولاي" رأسها وأبلغتها:
- ربنا يحفظك يا ضي عيوني. نامي يالا وارتاحي وأنا هحضر ليكي شنطتك اللي هتروحي بيها، هيكون فيها كل حاجة هتحتاجيها هناك.
- بجد كتر خيرك والله، أنقذتني لأن مش عارفة آخد معايا إيه.
- متشليش هم حاجة وأنا معاكي.
أنهت حديثها ثم قبلتها وخرجت ذاهبة لغرفتها بعدما اطمئنت على بنتها، دخلت لمحها زوجها بملامح تائه سألها:
- مالك يا يسرا؟
- مش عارفة، حاسة أن قلبي واجعني، حاسة فيه حاجة غلط، بس مش عارفة هي إيه.
- وحدي الله، أنا ما صدقت الحالة دي راحت بعد رجوع تولاي.
- لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قلعت حذائها ومددت جسدها بحضن زوجها وكل يوم تزيد الوجزة بصدرها، وضعت يدها مكان الألم بمنتصف صدرها ونامت.
رواية طوق نجاتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ابتسام محمود
كانت تجلس "تولاي" بالفراش تدلك فروة رأسها من كثرة عدد الساعات وهي مرتدية الحجاب لتجعله يتنفس، وإذا فجأة تتذكر حديث "ريان" عن خطيبها الهارب منها وتمنت أن يوجد حقًا بنفس المواصفات التي تتخيلها بعقلها، وهي ستكون جارية له وتحارب لإسعاد من يجعلها ملكه على قلب رجل قوي لكن حنون مصابر لأجلها، رومانسي لها يجن معها يحب ما تحبه حتى ترضى...
سعدت ودق قلبها لمجرد التفكير في ملك أحلامها، تركت شعرها منسدلاً، وطرق على عقلها ملامح "ريان" عندما كان بالقرب منها، ابتسمت ابتسامة لا تعرف معناها وخرجت الشرفة تتنفس بعض الهواء وجدت "ريان" يقف في الجانب الآخر في شرفته.
دخلت سريعا وأغلقت الشرفة، لكن لم تغلق الستارة للآخر تركت جزءًا لتتلصص على من يقف عاري الصدر محرر شعره واضعًا يده على السور الحديدي وناظرًا للسماء، يكاد ينتظر رسالة من القمر أو يرسل رسالة له.
ظلت تراقبه حتى أغمضت عينيها من كثرة تعب اليوم.
***
بعد ساعات مرت على "عمر" كالسحلفاء نظر على النافذة وجد شعاع الشمس الذهبي يخترق غرفته، نهض من فراشه الذي كان يتقلب عليه طول الليل يفكر أين يبحث عنها؟ أخرج بدلته بملل وربط ربطة عنقه بإهمال ولم يلبس ساعته ولم يضع عطره المفضل، لا يوجد له مزاج يفعل مثل كل يوم ويهندم ذاته.
رمق انعكاس نفسه بالمرآة ورفع يده مررها على ذقنه الذي كان يحلقها كل يوم نبتت قليلًا، أخذ مفتاح سيارته وترجل متجهًا للبنك الذي يعمل به، دخل على الفور للمدير يطلب منه إجازة تعجب المدير وقال:
- غريبة أنت عمرك ما أخذت إجازة غير في فرحك ومش بتحب الإجازات.
- بعد إذنك يا فندم موضوع مهم جدًا ولازم آخذ إجازة، إن شاء الله بدون مرتب.
حالة "عمر" لمست المدير وبرغم عدم الاستغناء عنه لأنه أكفأ موظف عنده، وافق على إعطائه إجازة أسبوع كما طلب.
انصرف "عمر" مهرولًا وأول شيء قام بفعله حرر رابطة عنقه بعصبية وقلع جاكت بدلته، وألقاه داخل سيارته بإهمال، وأخرج قميصه من داخل بنطاله، وتحرك بالسيارة ولم يعرف إلى أي وجهة سيذهب لها، فذهب لكل أقسام الشرطة والمستشفيات، حتى الطرقات تفحصها بدقة على أمل العثور عليها، لكنه تذكر أن اليوم لديها محاضرة، نظر ساعته وجد متبقي ثلاث ساعات حتى تنتهي المحاضرة، ظل يجوب بالشوارع بالعربة ليضيع الوقت حتى تنتهي من محاضراتها.
***
دخلت "إيمان" غرفة "ريان" تتعجب من إلقاء جاكت بدلته أرضًا، فهو منظم جدًا ولم يفعل هذه الحركة من قبل، ظنت أنه يريد غسله أخذته ونزلت بعدما نادت عليه ليستيقظ.
فتح "ريان" عينه بكسل ومد يده يجلب جاكته الذي بات بحضنه ليستنشق عطرها كأنه الأكسجين، لم يجده بجواره، مال بجسده يبحث عنه بالأرض لم يراه، نهض سريعًا ارتدى سروالًا يستر نفسه ونزل إلى أسفل:
- ماما شوفتي جاكت بدلتي؟
- ينفع كده نازل من غير تيشرت في البرد.
- هطلع ألبس، بس شوفتيه؟
- لقيته مرمي جنبك على السرير أخذته أغسله.
- لا مش محتاج هو فين؟
- خلاص هطلع أحطه مكان، اطلع أنت خد دشك.
- لا هاتِ محتاج من جيبه حاجة.
مدت يدها بالجاكت وقالت:
- خد الحاجة.
مد يده أخذه منها، لكن نظرات والدته مصوبة عليه، فسألها:
- فيه إيه بتبصيلي كده ليه؟
- مستنية تاخد الحاجة.
- أيوه هاخدها بس لما أطلع فوق.
أنهى حديثه وانصرف من أمامها، صعد غرفته وابتسم وهو يشم الجاكت ثم وضعه في خزانة ملابسه.
ثم دخل المرحاض وانهى كل شيء ولبس زي رياضي وعلى كتفه شال فلسطيني يخص السفاري، وهو ينزل قابل "إيمان" واقفة بابتسامة عريضة سائلة:
- لقيت الحاجة اللي بتدور عليها؟
أجابها باقتضاب وهو يهندم نفسه:
- آه لقيتها.
- عجيبة مع إني دورت فيه قبل ما أحطه في الغسالة ملقتش فيه حاجة. بس الغريب شميت فيه برفيم شوكولاتة كده تحس إنه مسكر متحطهوش غير واحدة ليدي.
رمقها بابتسامة واسعة على ذكائها وأبلغها بتهرب من الحديث:
- نفسي تريحي نفسك وتبطلي فضولك يا إيمي.
- مستحيل.
- طيب أسيبك مع تخيلاتك وألحق شغلي.
كان يبلغها وهو يأخذ حقيبة ظهره وانصرف، فنادت عليه بسخرية:
- رياااان... تبقى سلملي على الشغل.
قهقه بصوته الرجولي وتركها خلفه وهو يخرج هاتفه يرن على "تولاي" ويخبرها أنه ينتظرها، فردت عليه بتعجل:
- ريان روح أنت وأنا هاجي وراك.
- ليه؟
- عادي عشان معطلكش.
- انجزي يا تولاي أنا واقف تحت، كده كده مش هنتحرك من غيرك.
فكرت ثواني وهي ترتدي حذائها ثم قالت:
- تمام ثواني وهكون عندك.
دخلت السيارة بخجل وقالت بصوت ناعم جديد على أذنه منها:
- صباح الخير.
- صباح النور.
وصمت الاثنان دقائق وهو يتابعها وهي تحاول شد الحزام، فقال:
- تحبي أساعدك؟
ردت بتعتعة وكسوف:
- لا شكرًا، أنا عرفت أهو.
نظر أمامه وقال "ريان":
- ممكن أقولك حاجة محشورة جوايا ولو مقلتهاش هيحصلي حاجة؟
- اتفضل.
حرك سبابته على مقدمة أنفه وأبلغها:
- شوفتك امبارح لما طلعتي البلكونة، وبصراحة وشك زي القمر بشعرك... وشعرك حلو أوي.
توسع بؤبؤ عينيها وبدأ صدرها يعلو ويهبط وشعرت "تولاي" بالإحراج الشديد من قوله، وزاد حمرة وجنتها خجلًا، وقالت بصوت هامس:
- بس أنا مقفلتش غير ثانية.
- أنتي مستقلية بالثانية!! دي أم بتفوت وام بتمر.
- شكرًا.
- العفو.
وساد الصمت من جديد حتى أن وصلا وكان الجميع ينتظرهما، نزل "ريان" وبدأ بتجهيز كل شيء مع "زين" أما "عائشة" قالت لـ "كوكي":
- صاحبتك من ساعة ما وصلت ولا هي هنا، ما تيجي ننكشها؟
ضحكت "كوكي" وتحرك داخلها روح الشر، وتحركت معها، وقالت "عائشة" لـ "تولاي":
- ما تحكي لنا حصل إيه امبارح؟
ربشت "تولاي" وتحركت عينيها بعشوائية، فقالت "كوكي" بمشاكسة:
- سكتت يعني قلبها مال...
ضحكت "عائشة" قائلة:
- تفتكري خلاص السر اللي ما بينهم اتقال.
ضحكت الفتاتان وعبست "تولاي" من سخافتهما عليها رادفة:
- سكت عشان محصلش حاجة، ومافيش حاجة عشان تحصل، ولعلمك انتي وهي أنا مخطوبة.
تنحت الفتاتان وقالت "عائشة":
- وأنا اللي بوسع ليكم عشان تاخدوا راحتكم!!
- ما تبقيش توسعي تاني.
كان هذا رد "تولاي" فقالت "عائشة" بضحكة:
- على قلبكم بعد كده واستحالة أسيبكم.
ثم رمقتها بنظرة خبيثة وتحركت وهي تمسك حقيبة ظهرها بكف يدها واقفة بجوار "ريان" مشاكسة به وهو يعمل:
- وحشتني يا خويا.
- وانتي كمان.
أجابها بدون تركيز، ثم ردت:
- أنت ليه حلو يا أخويا؟
- بت انتي هبلة الناس واقفة وبعمل مراجعة على الأسماء.
- حسيت فجأة قلبي بيدق ونفسي أقولك بحبك يا خويا.
ترك ما بيده ووقف بطوله ورمقها بنظرات حادة، رجعت للخلف لتحتمي من ردة فعل غضبه، وقالت:
- بكرة تتمنى أقولها وساعتها هقولك مفيش شطبنا.
- يا بنت الـ... يا هبلة.
تحركت بعيدًا وكلما تقابلت أعينهم تقع على عيناه ترمي له قُبلة، هز رأسه يسارًا ويمينًا بضيق قائلًا بصوت واطئ:
- حسبي الله ونعم الوكيل.
ثم قال للجميع بجدية:
- كله يحضر بطاقته.
أخرج الجميع بطاقته إلا "تولاي".
قالت سائلة:
- ليه؟
- عشان أسجل بياناتك عشان تاخدي تصريح سفاري.
- لا مش لازم أكتب عندك أنا همليك.
- لا بقى مش هتبقوا انتوا الاتنين عليا على الصبح انجزي هاتي البطاقة.
قال كلامه بعصبية وهو يشير عليها وعلى أخته التي تضحك، زجتها "كوكي" حتى لا ترد وأخبرتها:
- طلعيها وخلينا نخلص.
- يا زفتة شكلي وحش جدًا عايزاني أدهاله عشان يفضل طول الرحلة يتنمر عليا؟!
فقالت "عائشة" بأسلوب يحمل سخرية:
- خلاص يا ريان هي هتقف جنبك هتملي البيانات كلها.
رمق "تولاي" بحدة وقال بتريقة:
- تلاقي عندك ٤٥ سنة، وخايفة أكتشف ده من البطاقة.
ردت بأندفاع:
- ٤٥ فرخة تربيهم فوق سطوح بيتكم.
- شايفة بتغلط أهو ولما بتعصب بتزعل؟
شهد عليها "كوكي" فقال "زين" حتى ينهي الحديث:
- يا بنتي طلعيها وخلصينا.
- خذ وقتك المراكب السايرة في وشك يا ريان.
مد يده يأخذها منها وأبلغها بنفس النبرة الهامسة:
- سمعتك.
نظر بصورتها في البطاقة رأى ملامحها سوداء، وتشبه المساجين، فضحك وقال متسائلًا:
- هو إنتي نسيتي البطاقة في الفرن؟
- عملوا على وشي صنية فراخ يا خفة!
ضحك الأربعة على جملتها وانصرف "زين" و"ريان" لينهيا كل شيء من الإجراءات.
طال انتظارهم فقالت "تولاي":
- درجة حرارة الشمس النهاردة لو في ثانوية عامة هدخلها طب. ما تنجز يا عم.
- خلاص خلصنا يالا كله على العربيات السفاري.
تحرك الجميع، وركب الخمسة بسيارة 4*4 بمفردهم والجميع توزعوا على عربيات دفع رباعي.
***
ذهب أخيرًا "عمر" أمام باب الجامعة انتظر دقائق موعد الخروج، لمح صديقتها، نزل سريعا من العربة وتوجه لها بكل احترام:
- من فضلك.
- أهلًا بحضرتك أستاذ عمر، فيه حاجة؟
- أهلًا بيكي، كنت بس بسألك عن هند، شوفتيها النهاردة؟
صمتت قليلًا لم تعرف بما تبلغه، أنها لم تأتِ الجامعة من الأساس، فتلوم عليها صديقتها بأنها أبلغته، لكن الغريب في الموضوع أنها ليست من طبعها أن تعلن ذهابها للجامعة، ثم بعد ذلك تذهب لمكان آخر، لكن ماذا ستقول، وفيم ترد؟ فهي حقًا لم تأتِ اليوم، وفي ثوانٍ أصابها الرعب عليها خشية أن يكون حدث لها شيء مكروه وهي آتية، فقالت بجدية:
- لا والله مجتش النهاردة.
- ممكن لو عرفتي عنها حاجة أو كلمتك تبلغيني، وبلاش تعرفيها أنك هتعرفيني.
تعجبت ضحى لقوله لكنها سألته:
- خير هو فيه إيه؟
رد عليها بأسى والحزن مرسوم على وجهه قائلًا:
- هند سابت البيت ومش عارف مكانها؟
- طيب كلمتيها على الفون؟
- كلمتها على كل حاجة، ومش عارف أوصل لها.
- متقلقش خير بإذن الله.
أرادت صديقتها أن تبث الطمأنينة بداخلها ولو قليلًا لتستطيع أن تصلها للذي واقفًا أمامها قلقًا بشدة، أومأ لها ثم أخرج من جيبه رقم هاتفه وقدمه لها قائلًا:
- ده رقم تليفوني، لو وصلتي لحاجة بالله عليكي طمنيني عليها.
ناولته منه ثم مشيت متعجبة من حالته، ومن تصرف صديقتها الغير متوقع منها، فكرت ثوانٍ ثم تذكرت "سيف" لم يحضر اليوم أيضًا، أمسكت هاتفها وقامت بمهاتفبته على الفور، وانتظرت حتى أتاها رده، فسألته:
- سيف تعرف هند فين؟
- لا.
- سيف لو هند جنبك اديهاني لو سمحت.
كانت تجلس بجواره وحين عرفت من المتصل، أخذت منه الهاتف وردت على صديقتها التي كان صوتها قلقًا عليها:
- انتي فين يا هند؟
- مشغولة شوية بنقل في شقة جديدة.
- ده عمر قالب عليكي الدنيا.
عقدت بين حاجبيها واستغربت لماذا يبحث عليها، انتبهت لصوتها:
- عمري ما شفته مبهدل زي النهاردة، شكله صدمني أنا معرفتهوش غير لما ركزت في ملامحه. مش مصدقة عمر المهندم الشيك اللي ريحة البرفيم بتاعه بتوصل قبل ما يفتح عربيته يكون ده حاله.
تعجبت "هند" أكثر مما قالته صديقتها، لأن "عمر" برغم حزنه وسوء الموقف الذي كان يشعر به أثناء عزاء أختها؛ كان الرجل الشيك الذي لم يتخل عن رونقه ومظهره، كيف يكون وصل لهذه الحالة؟
لاحظ "سيف" التوهان الذي انتبهته، فطقعها بسؤاله:
- فيه حاجة يا هند؟
- ثواني.
أكملت حديثها وردت:
- ضحى لو بتعزيني بجد أوعي تقولي مكاني لعمر، ولما أشوفك هحكيلك على كل حاجة.
- ماشي يا هند مع إن حاله صعبان عليا، قوليلي عنوانك عشان أجلك.
- لا بعدين بعدين، سلام.
أغلقت الخط ومازالت على حالتها التائهة، ثم قالت بدون إدراك:
- تصوري ضحى بتقولي عمر بيدور عليا وبتقول شكله مبهدل خالص. مع إن افتكر إن خناقاته كلها مع صافي بسبب مظهره اللي مهتم بيه أوي أكتر من أنه يشيل معاها المسئولية.
- أيوه وفيها إيه يعني؟
- أنت مش متخيل يا سيف عمر قد إيه شيك، وبيحب يحلق كل يوم أول ما يصحى وبيهتم بأدق تفاصيله.
ظهرت علامات الغضب على ملامحه، وقال بنبرة حادة:
- فيه إيه يا هند، أنتِ مش ملاحظة إنك زودتيها في إبهارك بيه؟
رمقته بتعجب، ثم ابتسمت وقالت متسائلة:
- أنت غيران من عمر؟
- آه غيران مش من حقي؟
- طيب خلاص يا سيف اعتبرني متكلمتش، أنا هقوم أعمل نسكافيه أعملك معايا؟
أرادت إنهاء الحوار معه، والهروب منه بتلك الحجة، فكان رده بأن شكرها بضيق، أومأت له وانصرفت داخل غرفتها بذهن شارد.
رواية طوق نجاتي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ابتسام محمود
شكر كل شخص كلمني اطمن عليا، وكان همه أنا قبل الرواية.
دعواتكم، مازلت تعبانة والصداع جوه عيني تعبني جدا، ومع ذلك كتبت الفصل.
يارب الفصل ينال إعجابكم.
ارادت "هند" إنهاء الحوار معه، والهروب منه بتلك الحجة، فكان رده بأن شكرها بضيق، أومأت له وانصرفت داخل غرفتها بذهن شارد في إصرار "عمر" أن يجدها.
شعر "سيف" ببركان يغلي داخل جسده من أسلوبها، وقف كالأسد المطعون لا يعرف كيف يتصرف، جلس بعصبية ثم أمسك الحاسوب وحاول التركيز في البحث، لكن كان عقله مشتت بقوة، نهض مرة ثانية وترك البيت بالكامل حتى يهدأ.
وصل "عمر" منزله، ألقى مفتاحه وجلس على أقرب مقعد، حاول إقناع نفسه أنها داخل غرفتها أو في أي مكان بالشقة، فهدوءها مازال يملأ البيت، رائحتها، مدحها في أبسط الأشياء الذي يعملها من أجلها، مناقشته معها التي تنتهي بإقناعها كل مرة، إلا هذا اليوم، أنب نفسه، فأكيد هذه المرة تصرف خطأ ولم يحتوها ليعرفها خطأها، حزن من داخله على فقدان أمانه، تعز عليه، أغمض عينه بعدما شعر بنغزة في صدره، وودع الله أن يعثر عليها في أقرب وقت، ولم يفقد الأمل مهما كلفه الأمر.
نهض، أبدل ثيابه بتعب وعدم تركيز، ثم إلى المطبخ، تذكر يكلم ضحى، وضع يده على جيب بنطاله القطني، لم يجد هاتفه ليكلم صديقه "هند".
وضع يده على رأسه محاولاً يتذكر أين وضعه؟ لم يذكر أين وضعه آخر مرة.
لكن تذكر ذكرى جميلة سحبته عنوة.
كان يقف يبحث في كل مكان عن هاتفه، وطلب من زوجته صافي:
- رني على تليفوني كده.
هزت رأسها وهي تأكل، أمسكت هاتفها ورنت عليه بدون أن تتحدث، تعصب من صمتها وقال بحده:
- مش بكلمك؟
ردت عليه بهدوء تام ومازالت على وضعيتها:
- أتكلم، حد مسكك؟ أنا وداني اللي بتسمع وبوقي اللي بياكل، وإيدي بترن أهي.
كانت "هند" في غرفتها تذاكر، أخذت بالها من الموقف، تركت كل شيء ونهضت قائلة:
- أكيد قافل صوته يا عمر، خلاص يا صوفي كملي أكل انتي وأنا هدور معاه.
- انتي بتوصيها على إيه، دي مش محتاجة حد يوصيها على بطنها.
- بصلي في اللقمة بقى.
قالت وهي تمضغ الطعام، فحاولت "هند" فض المشكلة بينهما قبل أن تقيم الحرب الدائمة بينهما:
- افتكر آخر مرة كنت فين عشان ندور؟
- كنت هنا، وفي الأوضة بتاعتي.
ذهبت تبحث معه حتى أن وجدته بين زوايا الأريكة في الصالة، أخذه منها وشكرها، فأخبرته بفكرة:
- بص يا عمر بما أنك بتقفل صوته كتير، إيه رأيك تفعل خاصية Siri. وأول ما هتقول Hey Siri هترد عليك حتى لو الصوت مقفول وهتعرف مكانه.
فتح الهاتف وأعطاها إياه:
- طيب خدي فعلي الخاصية ينوبك ثواب، أنا جاهل تكنولوجيا.
ثم رمق "صافي" الغارقة في الطعام والمسلسل التركي قائلاً:
- خليكي انتي كلي.
رمقته بغضب تمثيلي ونهضت حملت الأطباق:
- لا خلاص نفسي اتسدت.
ضحك "عمر" و"هند" على طريقتها، ثم فعلت "هند" الخاصية وأعطته الهاتف، فقالت "صافي" بمزاح:
- أوعي يا siri تردي على عمر هيفضل يقرفك طول النهار.
- ده أنا؟
- أيون.
- أنا!
- حصل.
صمت جميعهم ودخلوا في نوبة ضحك عندما ردت عليهم Siri:
- هل تريد خناقة بالسكاكين أم بالألفاظ؟
عاد من ذكريات جعلته يبتسم وهو يقول:
- Hey Siri.
ردت على الفور، أخذه واتصل على ضحى التي نفت أنها وصلت لهند، حتى أن تقابلها غداً وتناقشها في هذا الأمر.
وصلوا جميعهم مكان السفاري، واستقبلهم البدو بالترحيب وقدموا لهم الشاي العربي، وبعدها أخذهم "ريان وزين" وظلوا يحدثونهم عن أهم جبال وآبار في الصحراء، ثم بدأوا ركوب الجمال والبيتش باجي وعربيات السبيدر.
كل هذا وكانت بنت تتحرك خلف "ريان" أينما ذهب مثل ظله، كان هو يحاول كبت غضبه من هذه المتطفلة حتى رمق "كوكي" التي أبلغتها بموعد الرحلة، حاولت كتم ضحكاتها وهو يشير على رقبته أنه سوف يقتلها.
وقال لـ "نورا":
- روحي اتفرجي على الآبار، قربي مع الناس.
تحدقت عليه بنظرات بها تذلل:
- لا مبسوطة هنا.
ابتسم بملامح متقززة وتركها خلفه بعصبية، لكن تابعته، وقفت بالقرب منه، فنظر لـ "زين" بضيق ملحوظ وأشار عليها وعلى رقبته أنه سوف يفقد أعصابه ويقتلها.
تفهم "زين" وقال بصوت عالٍ للجميع:
- هنلعب لعبة الغمّيضة، مطلوب من اللي المتغمي يمسك أي حد ويتعرف على اللي مسكه.
قامت "كوكي" و"عائشة" وأمسكتا يد "تولاي" لتقوم تلعب معهم، ونادى "زين" على "نورا" وانضم لهم بعض من طلع معهم الرحلة، ثم لعبوا لعبة ليعرفوا من سيكون معصوم العين، وكانت "تولاي" هي التي ستبدأ، وقفت برفض، لكن ربطت "كوكي" عينيها.
فقالت "تولاي":
- يا جماعة بس اصبروا، أنا معرفش الكل.
- حددي هو مين، مش لازم اسمه.
ردت "عائشة"، فتحركت "تولاي" رافعة اليد وبدأ الجميع يبعد عنها حتى أن وصلت لشاب طويل لم يتحرك، اقتربت منه أكثر وبدأت بوضع يدها على وجهه بإحراج حتى أن لمست ذقنه الكثيفة ومن ثم شاربه.
شعرت أنها تعرف هذا الشخص، فأنه هو لا يحمل رجل هذه المواصفات غيره.
وبرغم معرفته لم تعرف لماذا تعمقت بلمس كل شبر في وجهه.
كان "ريان" مصدوماً، فهو يقف يتحدث مع شخص، ولا يلعب معهم من الأساس.
اقتربت منها "كوكي" قائلة:
- قدامك خمس ثواني وتقولي مين ده؟
بدأ الجميع بالعد، وجعلوها تقع من مسافة عليه، أخرج "ريان" يده من جيبه وأمسك يدها بلطف وهو يحمحم، اتحرجت من ما فعلته، تصبغت وجنتها باللون الأحمر القاني.
فأردفت "كوكي":
- يلا قولي مين؟
أنزلت عينيها بتوتر وارتباك وقالت وهي تنظر أرضاً:
- معرفش.
ثم تحركت بعيداً عنهم وهي تسب نفسها، لما أصبح عقلها يسلب بالقرب منه هكذا، فردت على ذاتها وهي تهز رأسها بنفي:
- لا مستحيل يكون ده اللي بحلم بيه طول عمري، مستحيل، ده واحد قليل الذوق ماجستير في الاستفزاز.
بسسسس أنا فعلاً عرفته وعارفة أنه مش في اللعبة، أنا ممكن.
لطمت على وجنتها وقررت بداخلها أنها تبعد عنه، تعامله بحزم فيما بعد، ولا تسمح له بقطع أي مسافة بينهما.
وقف "ريان" يحك بذقنه ويرمقها بنظرات متخبطة، لما نكرت معرفته مع أنها تفحصت منحنيات وجهه كلها.
أمسح وجهه، ثم رجع يتبادل الحديث من جديد مع الشخص الذي يقف معه.
كانت "تولاي" تتجنب أي مكان يجلس به "ريان"، حتى أن اختفت الشمس، تبدل لون السجادة الزرقاء للون الأسود القاتم، جلس الجميع بالقرب من بعضهم يشاهدون حفلة بدوية.
تعجبت "تولاي" الفتاة التي تلزق بـ "ريان"، فسألت "كوكي" بعد تفكير:
- هي مين دي؟
أجابتها "كوكي" بابتسامة عريضة أغظتها بها:
- دي نورا، واحدة صاحبتي كنت بشتغل معاها في الجيم، في حاجة؟
ردت عليها بضيق ظاهر:
- أصل عاملة زي خيال المآتة وراه.
- هي معجبة بيه جدا، وتتمنى ريان يرضى عنها.
- يعني بترمي نفسها عليه، إيه الكرامة ممرتش على طريقها، ياريت خليها تحترم نفسها شوية، الناس كلها عينها عليها.
نظرت يساراً ويميناً لم تجد أحداً ينظر عليهما، فنظرت عليها وجدتها تتابعهما وتراقبهما، فأخبرتها:
- غريبة، محدش عينه عليهم غيرك.
أنهت حديثها بضحكة:
- تصدقي إنك مستفزة.
قالت جملتها ونهضت لترحل، أردفت "كوكي" بتساؤل:
- تولاي، هو انتي مضايقة ليه؟
وقفت تجيبها بتلعثم ملحوظ:
- مش مضايقة... هو أنا مضايقة... ليه توقعتي كده؟
- مش عارفة بس حاسة.
- لا ماتحسيش، وأنا هروح أقعد بعيد لأن مش بيعجبني الحال المايل، خليكم كلكم على راحتكم.
تعجبت "كوكي" من طريقتها وذهبت تجلس بجوار "زين" الذي كان يصفق.
رجع "سيف" للمنزل بعد لف دام ساعتين، ومعه علبتين بيتزا، بحث عنها بعينه وجدها مازالت بالغرفة، طرق باب غرفتها بلطف:
- هند جبتلك البيتزا اللي بتحبيها.
- شكراً يا سيف، ماليش نفس.
- دي عليها صوص الرانشي اللي بتحبيه.
- سيف سيبني معلش.
- دي البيتزا بتاعت محل "..."
لم تقدر منع نفسها أكثر من هذا وقامت فتحت الباب بعدما نجح في إغراءها، فتحت مبتسمة له ومدت يدها، قدم لها علبتها وقال بآسف:
- مش عايزك تزعلي مني.
- يا سيف مش زعلانة بس انت مش فاهم ولا مقدر اللي بيني وبين عمر وبتغير منه.
تجمّع غضبه وقال بمشاكسة:
- ما قولنا خلاص، وانتي قمر حتى وإن كنتي مقموصة.
- أصلاً مش مقموصة.
- طيب يلا يا مش مقموصة، عشان نقفل البحث، بكرة التسليم.
خرجت، جلست بعيداً عنه بمسافة وهي تأكل، وكان هو يأكل ويركز في إنهاء آخر سطور في بحثه.
وبعد وقت ترك الحاسوب وقال بتعب من شدة التركيز:
- انتي هتروحي بكرة إزاي؟
- مش عارفة بس لازم أروح مهما يحصل.
- طيب وعمر؟
- لو اتعرضلي هوقفه عند حده.
- طيب عندي فكرة بدل الشوشرة.
- إيه؟
- تلبسي نقاب.
صدمت من اقتراحه وقالت بغيرة على دينها:
- إزاي ألبس نقاب؟ ربنا موصي بيه السترة والتعفف وأنا أستخدمه في التخفي والخداع، للدرجة دي النقاب سهل نلعب بيه ونقلل منه ومن اللي بيلبسوه؟
- يا حبيبتي انتي هتلبسيه بنية اجتناب المشاكل، والوسيلة دي هي اللي هتحميكي من عمر، والغاية تبرر الوسيلة.
صمتت وهي متأكدة أن النقاب ليس للخداع، لكن عقلها صدح رأيه بالموافقة بعدما اقتنعت بوجهة نظر "سيف"، ووافقت على مضض، وأخبرته:
- خلاص تمام وربنا يسامحني بقى، بس هنجيبه إزاي؟
فكر ثواني، لم يجد محل يفتح في الصباح الباكر، ولا يوجد وقت ينزل الآن لأن مازال لم ينهي بحثه، فقال بعد تفكير:
- هعملك الطرحة نقاب الصبح.
- هتعرف.
- متقلقيش. ولو خلصت قومي يالا نامي عشان هنصحى بدري.
ابتسمت له وشكرته على الطعام وقالت:
- اوكي، وبما أن هننزل بكرة وخلصنا من البحث ندور على شقة لحد ما نلاقي.
هز رأسه بموافقة ودخلت هي غرفتها، أمسك حاسوبها وضعه جانباً، ثم أمسك حاسوبه وبدأ العمل في بحثه حتى أن سمع صوت هاتفه وكانت والدته التي سمعته ما يكره ولا يرضى أن يسمعه.
كانت تجلس "تولاي" بعيداً عن الحفل بجوار حلقة من النار، كانت لون السماء يسحبها داخلها لتتعمق على كثرة النجوم بسبب عدم وجود أي إضاءة تقصر على ضيها.
لاحظ "ريان" أن "تولاي" لا تشاركهم، فتوجه نحوها وجلس بجوارها أرضاً بهدوء:
- غريبة قاعدة لوحدك.
أخفضت بصرها وردت بنبرة بها إحراج:
- القمر والنجوم حلوين أوي.
رمق ملامحها الهادئة التي تختلف عن الفتاة الذي يعرفها جيداً، فنطق بتخبط:
- سبحان الله في طبعك.
قبضت بين حاجبيها باستفهام:
- ماله؟
ابتلع ريقه، تحركت على الفور تفاحة آدم وأبلغها:
- ما يبانش إنك رومانسية خالص، بس أنا متأكد أنك رومانسية.
أنهى حديثه وهو يحاول وضع يده على وجنتها بلطف، ابتعدت سريعاً وهي تخبره بتلعثم:
- مين فهمك المعلومة الغلط دي، أنا فعلاً مش رومانسية.
كانت ستنهض، أمسك كف يدها عجزها عن الحركة ورمقها داخل عينيها بنظرات عميقة تحمل الكثير، خطفها داخل نهر عسل عينه.
- تولاي بكلمك؟
كان هذا صوت "عائشة" التي اقتحمت خلوتها، فأفاقا اثنين على صوت "عائشة" العائدة جملتها:
- يلا يا تولاي، بقولك لقيت مكان في عقارب.
بربشا هما الاثنين بتوتر، فأقترب من أذنها "ريان" وأبلغها:
- تمام يا بيره، روحي معاهم.
رمقته باستفهام بعيون ضيقة، لكنه قام على الفور ولم يجيب على سؤال عينيها.
أمسكت "عائشة" يد "تولاي" وسحبتها خلفها، كانت "تولاي" تسير معها لكن بذهن شارد بدون أدنى وعي، وعينيها متعلقة على "ريان" الذي بدأ يرقص مع البنات لكي يهرب من مشاعر هاجمته بطريقة أخافته، رقصه بهذه الطريقة عصبتها، كانت كل واحدة تضع يدها عليه من جانب وهو لم يمانع.
سمعت صوت "عائشة" قائلة بصراخ:
- حاسبي يا تولاي تحت رجلك عقرب.
نظرت سريعاً أسفل قدمها ووجدت عقرباً حقاً.
وقفت تصرخ بهلع والجميع ضحك عليها، إلا "ريان" ركض سريعاً رفعها من على الأرض بيده اليسرى بكل سهولة وأصبحت متعلقة برقبته.
رمقته من قرب بتوتر بأنفاس لهاثة لم تقوى على خروج حروفها:
- ن..ز..لني.
اقتربت منهما نورا ومسكت يده بغيرة ملحوظة:
- إيه الدلع ده كله، كل الصريخ ده من حتة عقرب؟
أنزل "ريان" "تولاي" التي بدأت ملامحها تختلط بحمرة الخجل والعصبية.
وبدأ الجميع يسخفون عليها، وصلت قمّة عصبيتها منهم جميعاً ومشيت بغضب ملحوظ مقتربة من "زين" قائلة بحدة:
- مشيني حالا.
- مش هاينفع.
- بقولك عايزة أمشي.
- يابنتي إزاي معانا، جست اصبري ساعة.
تركته بعين تحمل الكثير من الإصرار والعناد، وصعدت سيارة، كان يراقب تصرفاتها "ريان" ركض خلفها.
صعد قبل أن تتحرك وأبلغها بحدة:
- ممكن أفهم بتعملي إيه؟
لم تجبه، فقال بحزم:
- وقفي العربية، انتي كده بتعرضينا لخطر؟
حاول يتحكم بالسيارة لكن دون فائدة، كان الغضب أعماها وجعلها تضغط على البنزين بكل قوتها.
مشيت كثيراً عن مكان الجميع وبعد دقائق غرقت السيارة داخل رمال كثيفة في وسط الصحراء، وكان "ريان" كاد أن يجن من هذه المتهورة التي تصرفت تصرف جنوني دون داعي.
أخرج أنفاسه المشتعلة وحاول لا ينظر للتي تلصق بجانب الباب حتى تتفادى تهوره، فتح باب السيارة ونزل وضع يده في جيب بنطاله بغيظ شديد وظل ثواني يرمق ما حدث للعجلة الغارقة داخل الرمال الكثيفة ويرمق تولاي وجدها تضبط حجابها بالمرآة ولا تبالي ما حدث.
رواية طوق نجاتي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ابتسام محمود
رمق ما حدث للعجلة الغارسة داخل الرمال الكثيفة، ثم ألقى بصره نحو "تولاي". وجدها تهندم حجابها في المرآة ولا تبالي بما حدث. صفق لها وأبلغها بابتسامة واهية:
- شاطرة، أتمنى تكوني مبسوطة!
أومأت برأسها وعلى ملامحها ابتسامة. أكمل كلامه بضيق واضح من بين أسنانه:
- ممكن أعرف ليه عملتي كده؟ ولو ما كنتيش معايا، كنتي هتتصرفي إزاي؟
تطلعته بهاوجائية وأجابته:
- إيه يعني حصل؟ إنتوا كده يا رجالة، تحبوا تعظموا في نفسكم.
عض على شفته السفلية، كاد أن يمزقها، ثم ضرب السيارة بقدمه وأردف بعد أن ظفر أنفاسه التي تكاد أن تحرق مدينة بأكملها:
- لازم نخيم هنا، لحد ما حد يفكر يدور علينا.
ترجلت من العربة وأغلقت الباب خلفها بقوة، وقامت باتهامه وصب كل الجرم الذي فعلته عليه:
- ما تعملش فيها إنك متأثر ومضايق، وده كان مرادك من البداية.
اتك على ضروسه الخلفية بقوة حتى أصدرت صوتًا قويًا. رجعت للخلف بخوف من ملامحه وقالت كقطة بريئة:
- مش كنت بتقول إنك بتحب تبات في الصحراء؟ ادينا أهو ما عندناش خيار تاني. يلا افرش الخيمة بسرعة يا بيتنا.
اقترب منها وهو يربع يده ويتطلعها من فوق بسبب طول قامته بجانبها، وأردف بسخرية:
- أوعي كمان يكون ضميرك يكون حاسسك إني أنا اللي غلطان في اللي حصل.
هزت رأسها بنعم، وكأن ضميرها انصب عليه ماء مثلج جعلها لا تشعر بما حدث بسببها. وقالت بعين ذابلة بعدما تحولت ملامحه لذئب ذي أنياب وعينه تلمع وبشرته تحولت للون الأحمر القاني:
- افتكر إني بنت ولوحدي في صحرا طويلة عريضة ومحدش هينقذني. و و و إنت شاب مستقبلك قدامك وهتدخل السجن وتوجع قلب إيمان عليك.
مسح "ريان" وجهه وتركها قبل أن ينقض عليها بالفعل. توجه لحقيبة العربة وأخذ الخيمة من داخلها، ثم أغلق الباب بقوة وهو ينظر عليها. وجدها انتفضت رعبًا بعد أن صدح صوت قوي في الصحراء. ضحك بقوة وبدأ أن يغرس الحوامل داخل الأرض:
- إيدك معايا يا بيرة.
ركضت بقربه ورفعت سبابتها أمام وجهه لتأكد ما قاله:
- قلت أهو "بيرة"، إيه "بيرة" دي؟
- لما تكبري هبقى أقولك.
أجابها بسخرية واضحة. نهضت بلامبالاة تنفض يدها من أثر التراب، برغم فضولها لمعرفة سر هذا اللقب:
- طيب وبما إن لسه مكبرتش، يبقى ساعد نفسك بنفسك.
قبض يده بضيق وشعر أنها ستجلطه منها. أنهى وضع الخشب ثم وضع قماش الخيمة وهو ينهج. وبعد أن انتهى جلس على الأرض وتطلعها. كانت شاردة في السماء، كان القمر مستدير كبير جدًا يضيء العالم كله بدون أي مقابل، والنجوم كثيرة تزين السجادة السوداء. تأمل ملامحها الساكنة، ابتسم تلقائيًا وقال بصوت هامس قاطع شرودها:
- نفسك في إيه دلوقتي؟
وصل صوته لأذنها أشعرها بالدفء. اخفضت بصرها الذي كان متعلقًا بحلم بعيد وابتسمت له، ثم اقتربت منه وجلست بجواره وهي تأخذ نفسًا عميقًا وتجيبه وهي تخرج أنفاسها بطاقة إيجابية:
- نفسي أطير، نفسي أكون حرة.
تعجب من ردها، فضاق عينه استفهامًا:
- وإيه اللي منعك؟
- معرفش، حاسة بحاجة بتأيدني بس هي إيه؟ مش عارفة.
كان صوتها مخنوق. فرد عليها بصوت منخفض:
- لسانك.
- نعم؟
- حبيت أحطلك إيدك على اللي إنتِ بتدوري عليه. لسانك ده بيهدم أي حاجة حلوة بتعمليها.
رمقته بقرف وهي تقول:
- فصيل.
ضم قدمه بيده وأبلغها بثقة:
- ماشيها صريح.
- طيب قولي يا عم الصريح، إنت بقى نفسك في إيه؟
تذكر حلمه عندما كان في شرفته وقال بابتسامة:
- نفسي في بوسة، بوووووسه.
أُذهلت من بجاحته وطلبه، حلقت عيناها بعدم تصديق:
- نعم؟
- كل ما هتكلم هتقولي نعم. بصي، خليها حضن وأنا راضي.
- إنت بتقول إيه؟
قالت جملتها وهي تمسك على ثيابها وتنهض ببطء. شدها من معصمها، أرجعها مكانها وأردف:
- اتلهي، اقعدي. مش منك أقصد من أنثى. عارفة حضن المطارات اللي بيكسر الضلوع من شدته؟ نفسي فيه أوي... وحشني.
تركت كل ما قاله وامسكت في كلمة واحدة كفيلة تفتح عليه بابًا من جهنم:
- إنت تقصد إني مش أنثى؟
هز رأسه بنعم بكل برود. نهضت على الفور. نظرت حولها وجدت فأس الذي كان يحفر به. امسكته وصوبته أمام وجهه:
- إنت مدرك قلت إيه؟
رجع للخلف متفاديًا أي تهور منها وهز رأسه بنعم. اقتربت منه وأنزلّت الفأس بكل قوتها. رفع يده أمسكه ووقع للخلف ووقعت فوقه. حاولت ضربه لكن لفها على الأرض وأصبح يعتليها ممسكًا يدها بقوة أعلى رأسها، حتى أن شل حركتها بالكامل. اشتم رائحتها بسبب قربه منها، شعر بدوخة بسيطة جعلته يسألها بنبرة منخفضة تائهه وهو ينظر داخل عينيها:
- إنتي ليه قلتي إنك معرفتنيش وقت ما كنتوا بتلعبوا؟
حركت عينيها بثقل مرادفة بتلعثم:
- وسع يا ريان.
- تؤ.
كانت عينه مثبتة على كل ملامحها المتغيرة في الثانية، لكل التعبيرات. حاولت التحرك:
- ريـ...ـان واس...
- هشششش.
نطقها وهو يضع سبابته اليمنى على ثغرها، جعلها تتجمد. أغمضت عينيها لا إراديًا، كانت أنفاسه اللاهثة تحرق وجهها وهو يشم عبيرها الفواح. وبعد دقائق، وصلت عربة بها "زين". وقف بجانبهما، صدح صوت آلات التنبيه لينتشلهما من القوقعة التي دخلاها اثنانهم بدون وعي. هب "ريان" واقفًا وأمسك يد "تولاي" جعلها تنهض وكان جسدها متأرجحًا، لم تقو أن تزن جسدها. أدخلها "ريان" العربة من الباب الخلفي وصعد هو بجوار "زين" الذي رمقه بتساؤل. غمز له "ريان" أن يصمت، وظل يتابع "تولاي" التي بدأت عيناها بنزول عبراتها. وضعت يدها على فمها لتكتم شهقتها، تلعن نفسها على ضعفها أمامه. دموعها كانت تشق قلب "ريان"، فنظر لـ "زين" وأبلغه بهدوء:
- معلش، خلينا نروح مكان التجمع وأنزل أرجع معاهم وسيبلي العربية.
أرجع "زين" رأسه للخلف ليرى "تولاي"، لكن يد "ريان" منعته أن يشاهدها بهذه الحالة، فكانت على وضع لا يرضي له. فقال "زين" بقلق بصوت منخفض:
- ريان، إنت عملت فيها إيه؟
- زين، مش عايز صداع، انزل.
كان "زين" لا يعلم ينزل ويتركها معه، أو يظل رغماً عن صديقه. فـ "ريان" بعد صدمته لم يتوقعه أحد. كان بالبداية كتاب مفتوح سهل على أي شخص تخمين ما يريد، طيب القلب. لكن الآن، ماذا يريد منها؟ ماذا فعل ليجعلها هكذا؟
"ريان" اشتد على كتف صديقه ليطمئنه، فنزل بتردد. نزل أيضًا "ريان" وجلس خلف عجلة القيادة وتحرك على الفور.
اقتربت "كوكي" من "زين" بتعجب:
- هو فيه إيه؟
هرب من سؤالها بقوله:
- رجالة في عربية غرزت عند بير. هاخد أنا الجست وانتوا تبقوا اسحبوها.
أنهى حديثه وتحرك ليجمع الجميع وصعدوا داخل سيارتين. جميعهم، وكانت نورا مشتعلة غيظا من "تولاي". أما "عائشة" و"كوكي" متعجبان من صمت "زين".
كانت "تولاي" مازالت واضعة رأسها على النافذة تبكي. لم يتحدث "ريان" وكان يكتفي بخطف النظرات عليها بالمرآة. وعندما خرج من الصحراء وأصبح بمكان ملىء بالناس، ركن العربة ونزل بعد تفكير:
- بعتذر عن اللي حصل. ممكن ما أسمعش صوتك وتوديني البيت.
ردت عليه بصوت باكي منهار عال. رفع يده يهدأها ثم تحرك صعد مكانه، مسح وجهه بضيق ثم تحرك حتى وصل لفيلتها. نزلت على الفور. نزل خلفها مناديًا:
- تولاي، ممكن تهدي وتغسلي وشك؟
رمقته باشمئزاز وعصبية:
- ممكن ملكش دعوة بيا تاني.
كاد أن يقترب، صرخت به:
- إياك تقربلي تاني.
تجمد مكانه وظل يتابعها حتى اختفت. زفر أنفاسه بحنق وتحرك على فيلته بعد أن صف السيارة.
قبل أن تدخل تولاي، حاولت مسح عينيها ووجهها ودخلت بابتسامة مزيفة مقبلة والديها. ثم قالت والدتها بحماس لكي تسمع مغامرتها هذه المرة مثل كل مرة عندما ترجع:
- إيه أخبار رحلتك؟
ابتسمت وهي تبلغها بأرهاق:
- هحكيلك بكرة.
لمحت يسرا أثر الدموع داخل عين ابنتها فقالت بقلق وخضة:
- مالك يا ضي عيوني، فيكي إيه؟
- يا حبيبتي، أنا كويسة.
- أمال عينك حمرا ليه؟
- ده أثر التراب، اتمرمغنا النهارده. هطلع آخد دش وأنام دلوقتي وبكرة أحكيلك كل حاجة.
قبلت وجنتها وانصرفت على الفور داخل غرفتها. أخذت حمامًا ساخنًا تسيح به أفكارها لتنسى كل شيء حدث.
دخل "ريان" الفيلا. كانت تجلس "إيمان". لم يلق عليها السلام. صعد شرفة غرفته بدون أي حديث. كان ينتظر خروجها، نادمًا على ما بادر منه. فهو ليس هذا الشخص الذي يلعب بمشاعر الفتيات. متعجبًا لما فعل معها كل هذا، غضب من نفسه واندفاعه وتهوره.
دخلت "عائشة" بعد قليل فيلا أمها، فأشارت لها "إيمان":
- تعالي يا جلابة الأخبار، مال ريان راجع مش زي عوايده وأكل سد الحنك.
- مالهوش يا ست الكل، هو غريب عليكي، هو كده دايما غريب الأطوار.
قالت حديثها باقتضاب متجنبة أن تدخل في نقاش، ثم تركتها وصعدت غرفة "ريان". بحثت عنه، وجدته داخل الشرفة. أخذت جاكت ودخلت له، وضعته على كتفه. ابتسم لها وحاول يمازحها لكي يهرب من فضولها الذي يعرفه جيدا:
- إيه، ملكيش جوز يسأل عليكي؟
وضعت رأسها على كتفه وأبلغته بحب:
- ليا أخ حاله مش عاجبني..!!
ثم حركت كف يدها على ظهره بتساؤل:
- مالك يا خويا؟
صمت ثواني ونظر مرة أخرى على شرفتها. تلقائيًا، نظرت "عائشة" مكان ما نظر، وأبلغته بحيرة:
- مش عارف. حاسس بحاجة غريبة، صدري فيه نغزة... قلبي وجعني أوي.
كانت تسمع حديثه باهتمام واضح حتى قالت:
- بتحب؟
نفى برأسه وأبلغه بألم داخل صدره:
- لا خالص. الإحساس ده خوف مش حب. ومالهوش علاقة بـ اللي حصل مع تولاي النهارده عشان عقلك ما يروحش لبعيد.
ابتسمت له وردت بهدوء:
- ممكن خايف تحب تاني؟ سيب نفسك، القلب مش ملك صاحبه، القلب محدش ليه حكم عليه غير دقاته اللي بتختار تدق لمين.
شعر بعجز وصف مشاعره، تشوشت بأفكاره:
- عائشة، آه أنا مضايق إني ضايقت تولاي... بس اللي جوايا أكبر من تولاي... قلبي هيقف، حاسس إن فيه حاجة كبيرة هتحصل.
كان ينطق حرفه بصوت مرهق متعب. ربتت عليه بحنان وطلبت منه أن يستريح:
- طيب خش ريح واستعيذ من الشيطان الرجيم.
مال برأسه وضعها على صدر أخته وأخرج تنهيدة مليئة وجع. آهاته شقت قلبها وجعلت عينيها تدمع على حاله. حاولت كبح دموعها من النزول وأبلغته بقلق:
- ريان، بالله عليك ما تقلقنيش... مالك؟
لم يرد عليها. أغمض عينه بقوة يمتص آلامه النفسية التي تجلده بدون سابق إنذار.
أخذته على فراشه وظلت بجواره تمسد على شعره حتى غفى بالنوم. دعت الله أن يحميه ويحفظه، ثم تركته وذهبت غرفة والدتها نامت بجوارها، ببال مشغول عليه.
في الصباح الباكر، قام "ريان" من نومه وهو مازال يحمل داخل صدره نغزة. تحامل على نفسه ودخل يأخذ حمامًا باردًا، ثم نزل للأسفل وجد والدته وأخته. ألقى عليهما الصباح وأخبر "عائشة":
- خلصي فطار وتعالي ورايا، هستناكي بره.
- طيب، تعالى افطر معانا.
- بالف هنا، معدتي وجعاني، خلصي على مهلك.
خرج انتظرها بالسيارة، فأمسكت "إيمان" "عائشة":
- لسه يا "بير" أسراره، مش ناوية تقولي ماله؟
- مالهوش يا ست الكل، هو غريب عليكي، هو كده دايما غريب الأطوار.
قالت حديثها باقتضاب متجنبة أن تدخل في نقاش. ثم تركتها وصعدت غرفة "ريان". بحثت عنه، وجدته داخل الشرفة. أخذت جاكت ودخلت له، وضعته على كتفه. ابتسم لها وحاول يمازحها لكي يهرب من فضولها الذي يعرفه جيدا:
- إيه، ملكيش جوز يسأل عليكي؟
وضعت رأسها على كتفه وأبلغته بحب:
- ليا أخ حاله مش عاجبني..!!
ثم حركت كف يدها على ظهره بتساؤل:
- مالك يا خويا؟
صمت ثواني ونظر مرة أخرى على شرفتها. تلقائيًا، نظرت "عائشة" مكان ما نظر، وأبلغته بحيرة:
- مش عارف. حاسس بحاجة غريبة، صدري فيه نغزة... قلبي وجعني أوي.
كانت تسمع حديثه باهتمام واضح حتى قالت:
- بتحب؟
نفى برأسه وأبلغه بألم داخل صدره:
- لا خالص. الإحساس ده خوف مش حب. ومالهوش علاقة بـ اللي حصل مع تولاي النهارده عشان عقلك ما يروحش لبعيد.
ابتسمت له وردت بهدوء:
- ممكن خايف تحب تاني؟ سيب نفسك، القلب مش ملك صاحبه، القلب محدش ليه حكم عليه غير دقاته اللي بتختار تدق لمين.
شعر بعجز وصف مشاعره، تشوشت بأفكاره:
- عائشة، آه أنا مضايق إني ضايقت تولاي... بس اللي جوايا أكبر من تولاي... قلبي هيقف، حاسس إن فيه حاجة كبيرة هتحصل.
كان ينطق حرفه بصوت مرهق متعب. ربتت عليه بحنان وطلبت منه أن يستريح:
- طيب خش ريح واستعيذ من الشيطان الرجيم.
مال برأسه وضعها على صدر أخته وأخرج تنهيدة مليئة وجع. آهاته شقت قلبها وجعلت عينيها تدمع على حاله. حاولت كبح دموعها من النزول وأبلغته بقلق:
- ريان، بالله عليك ما تقلقنيش... مالك؟
لم يرد عليها. أغمض عينه بقوة يمتص آلامه النفسية التي تجلده بدون سابق إنذار.
أخذته على فراشه وظلت بجواره تمسد على شعره حتى غفى بالنوم. دعت الله أن يحميه ويحفظه، ثم تركته وذهبت غرفة والدتها نامت بجوارها، ببال مشغول عليه.
استيقظت "هند" وتوجهت على المطبخ أعدت الإفطار، ونادت على "سيف" الذي كان يظهر عليه عدم النوم جيدًا ليلته أمس. تناولوه في صمت، ثم نهضت "هند" أمسكت الحاسوب الخاص بها لتطبع البحث، لكن تفاجأت البرنامج المكتوب فيه البحث لم يوجد أثره. صرخت بهلع:
- يالهوي...
بصرها "سيف" بفزع قائل:
- مالك يا هند؟
أجابته بقلب ينبض بهلع وخوف ودموع تهطل من عينيها:
- الأبلكيشن يا سيف اللي فيه البحث اختفى خالص.
ظهر على ملامحه التعجب والقلق ونهض أخذ منها الحاسوب وظل يبحث عليه باسمه وفي سلة المهملات:
- إنتي مش عاملة ليه save غير في البرنامج ده بس؟
انهارت أكثر عندما شعرت من حديثه لا يوجد أمل في إرجاعه:
- لا ما عملتش، ما عملتش. العمل إيه دلوقتي؟ خلاص الفرصة اللي بستناها بقالي سنين راحت؟ راح تعب سنين في غمضة عين؟
ياترى إيه مغير ريان؟
ياترى تولاي هتعمل إيه فيما بعد؟
ياترى هند هتلاقي الأبلكيشن ولا هتتصرف إزاي؟
توقعاتكم ❤️
رواية طوق نجاتي
للكاتبة ابتسام محمود الصيري
•
رواية طوق نجاتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ابتسام محمود
الشَّفَقَةُ بـ"هند" بـ"سيف" لَمَّا رآها تَبْكِي بِانْهِيَارٍ عَلَى ضَيَاعِ فُرْصَةٍ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا. تَرَكَ الْحَاسُوبَ وَقَالَ لَهَا:
"أَهْدِي يَا هِنْد، هَتَّصَرَّف."
لَكِنَّهَا ظَلَّتْ تَبْكِي. فَقَالَ سَيْفٌ:
"هِنْد، خُدِي الْبَحْثَ بتاعي، أَنْتِ كِدَه كِدَه سَاعَدْتِينِي فِيه."
مَسَحَتْ عَبَرَاتِهَا بِكَفِّ يَدِهَا وَرَفَضَتْ بِشِدَّةٍ:
"سَيْف، أَنْتَ بِتَقُولَ إِيه، لَا طَبْعًا مُسْتَحِيلَ أَخُدَ تَعَبَكَ."
"لَوْ تَعِبْتُ فَأَنْتِ كَمَانَ اجْتَهَدْتِ فِيه."
"يَا سَيْف، بَسْ لَوْ سَمَحْتِ..."
"اسْمَعِي الْكَلَامَ بَقِي وَبَلَّاشْ نَشْفَانَ دِمَاغِك."
"طَيِّب، أَنْتَ هَتَعْمَلَ إِيه لَوْ أَخَدْتُهُ؟"
"هُوَصَّلَكِ الْجَامِعَةَ وَهَرُوحْ أَيِّ سَايْبِرْ قَرِيبٍ، أَكِيدْ فِيهِ أَبْحَاثْ مَضْرُوبَةٌ. أَهُوَّ أَعْمَلَ اللِّي عَلَيَّ وَأَخُدْ فُرْصَةً، يَا صَابَتْ يَا خَابَتْ."
"يَا سَيْف..."
أَسْكَتَهَا بِلُطْفٍ:
"مُمْكِنَ تَسْمَعِي الْكَلَامَ وَتُقُومِي تَلْبَسِي عشان أَلْحَقَ أَدْخَلَكِ الْجَامِعَةَ وَيَبْقَى مَعَايَا وَقْتَ أَدَوَّرُ."
قَامَتْ عَلَى مَضَضٍ، وَكَانَ هُوَ يَطْبَعُ الْوَرَقَ بَعْدَمَا غَيَّرَ اسْمَهُ لِاسْمِهَا. لَبِسَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَخَرَجَتْ لَهُ حَتَّى يُسَاعِدَهَا فِي عَمَلِ الْحِجَابِ. نِقَابٌ وَاسْتَعَدُّوا لِلنُّزُولِ. وَقَبْلَ أَنْ يَصِلُوا الْجَامِعَةَ، أَنْزَلَهَا بَعِيدًا حَتَّى لَا يَشُكَّ "عُمَرُ" فِيهَا وَهِيَ مَعَهُ. وَبِالْفِعْلِ نَزَلَتْ وَدَخَلَتِ الْجَامِعَةَ. وَلَمْ يَأْخُذْ "عُمَرُ" الْمُنْتَظَرُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ بَالًا مِنْهَا. وَتَحَرَّكَ "سَيْفٌ" بَعْدَمَا اطْمَأَنَّ عَلَيْهَا يَبْحَثُ عَنْ بَحْثٍ لِيُقَدِّمَهُ لِنَفْسِهِ.
***
وَتَرَجَّلَتْ "تُولَايُ" لِلْأَسْفَلِ، دَخَلَتِ الْمَطْبَخَ، جَلَسَتْ بِجِوَارِ طَبَقِ السَّلَطَةِ وَأَخَذَتْ شَرِيحَةً وَقَالَتْ بِمَزَاحٍ:
"الله الله عَلَى الْفِطَارِ الْمَلُوكِيِّ، تَسْلِمُ الْأَيْادِي."
"طَيِّبٌ، يَدَكِ مَعَايَا عشان تَشُوفِي الْفِطَارَ عَلَى حَقٍّ بَدَلَ مَا تَتَرَيَّقِي."
"يَا سَلَامَ عَلَى الْإِنْسَانِ لَمَّا يَسْتَغِلَّ ابْنَهُ الْإِنْسَانَ عشان يُسَاعِدُهُ، يَا يَا يَا بِجَد."
ضَحِكَتْ "يُسْرَى" عَلَيْهَا قَائِلَةً:
"طَيِّبٌ، جَرِّبِي سَاعِدِينِي، هُنَخْلَصْ بِسُرْعَةٍ."
"أَيُّوووو، أَنَا حَافِظَةُ الْبُوقَ ده كَوَيِّسٌ، وَيَدَكِ بِأَيْدِي نِسَوِّيهَا وَنَطْبُخُهَا... لَا لَا يَا يُويُو، مَا افْتَكَرْتِكِشْ مُسْتَغْلَّةٌ كده. أَرُوحْ أَهْرُبُ أَحْسَنُ لَحَدَّ مَا الْفِطَارُ الْمَلُوكِيُّ يَخْلَصُ."
قَالَتْ آخِرَ كَلَامِهَا وَهِيَ تَكْشِفُ عَنِ الطَّعَامِ وَلَمْ تَجِدْ إِلَّا مَاءً مَوْضُوعًا أَعْلَى الْمَوْقِدِ يَغْلِي وَبِجَانِبِهِ قَوَالِبُ ثَلْجٍ. ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِمُشَاكَسَةٍ:
"مَلُوكِيٌّ مَلُوكِيٌّ، مِشْ أَيِّ كَلَامٌ. مَتَنْسِيشْ تُزَوِّقِي الطَّبَقَ بِتَرْتِشَةِ مَاءٍ مُتَلَجَّةٍ، حَرَامٌ بَرْدُهُ، مِشْ كُلُّهُ غَلِي وَبُخَارٌ."
"مَاشِي يَا تُولَايُ."
نَطَقَتْ "يُسْرَى" كَلِمَاتِهَا بِأَحْرُفٍ مُتَقَطِّعَةٍ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ. ثُمَّ خَرَجَتْ "تُولَايُ" فَوَجَدَتْ وَالِدَهَا أَمَامَهَا قَائِلًا:
"بِشْوِيشَ عَلَى أُمِّكِ يَا لَمْظَةٌ."
"يَا حَجُّ، أُمِّي دي أَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّهَا الشِّيفُ الشِّرْبِينِيُّ، بَسْ فِي حَطِّ الْمَاءِ فِي الْحُلَلِ عَلَى النَّارِ... بُصْ، عشان أَثْبِتْلَكَ أَنَّكَ حَبِيبِي، تَعَالَى أَجَوِّزَكَ غَيْرَهَا."
نَفَى بِسَبَّابَتِهِ:
"لَااااا، بَعْدَ يُسْرَى مِشَ هَلَاقِي."
غَمَزَتْ لَهُ وَكَلَّمَتْهُ بِلَهْجَةٍ صَعِيدِيَّةٍ:
"عَتَنْدَمُ يَا بُوَيُّ."
"أَنْدَمُ لَوْ بَعُدْتُ عَنْهَا، أَنَا عُمْرِي كُلُّهُ مَعَ يُسْرَى، إِزَّايَ أَبْعُدُ عَنْ عُمْرِي."
"يَا لَا أَنْتَ الْخَسْرَانُ."
أَنْهَتْ جُمْلَتَهَا وَتَحَرَّكَتْ، فَسَأَلَهَا:
"رَايْحَةٍ فَيْنَ كده؟"
"أَدَوِّرُ عَلَى أَيِّ حَدٍّ أُرَازِيهِ، مِشْ قَادِرَةٌ أَقْعُدُ كده فِي حَالِي."
"رَبَّنَا مَعَاكِ."
رَجَعَتْ لَهُ لِتُشَاكِسَهُ:
"طَيِّبٌ، مَا تِعَالَى أُرَازِيهِ فِيكَ؟"
"لَا، رُوحِي دَوِّرِي عَلَى حَدٍّ يَسْتَحْمِلُ مَرَازِيتَكِ يَا شَقِيَّةٌ."
ضَحِكَتْ وَانْصَرَفَتْ تَجْلِسُ بِالْحَدِيقَةِ لِتُشَغِّلَ عَقْلَهَا مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَقْفِزُ بِهِ رَغْمَ عَنْهَا.
***
تَأَخَّرَ "سَيْفٌ" عَلَى تَسْلِيمِ الْبَحْثِ. كَانَتْ هِنْدٌ جَالِسَةً بِتَوَتُّرٍ، عَيْنَاهَا عَلَى الْبَابِ تَنْتَظِرُ دُخُولَهُ. وَإِذَا بِهِ يَأْتِي فِي آخِرِ لَحْظَةٍ. اسْتَأْذَنَ مِنَ الدُّكْتُورِ لِيَدْخُلَ. أَذِنَ لَهُ، سَلَّمَهُ بَحْثَهُ وَدَخَلَ، جَلَسَ بِجِوَارِ هِنْدٍ. فَهَمَسَتْ مُتَسَائِلَةً:
"عَمِلْتَ إِيه؟ طَمِّنِّي."
"الْحَمْدُ لله، لَقِيتُ بَحْثًا كَوَيِّسٌ."
"طَيِّبٌ، الْحَمْدُ لله. كَانَ نَفْسِي تِيجِي بَدْرِي عشان أَبْصَّ عَلَيْهِ وَأَطْمَئِنَّ."
"أَنْ شَاءَ الله خَيْرٌ يَا حَبِيبَتِي."
***
فِي الشَّرِكَةِ.
الْجَمِيعُ صَامِتٌ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَعْمَلُ عَلَى حَاسُوبِهِ. وَاضِحٌ أَنَّهُمْ غَيْرُ كُلِّ يَوْمٍ. كُلٌّ مِنْهُمْ بِدَاخِلِهِ فُضُولٌ يَسْأَلُ "رَيَّانَ" أَسْئِلَةً كَثِيرَةً. وَهُوَ يَعْلَمُ جَيِّدًا نَظَرَاتِهِمْ هَذِهِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَدَخَلَ الْغُرْفَةَ الثَّانِيَةَ بِمُفْرَدِهِ حَتَّى قَامَ أَبْلَغَهُمْ بِعَمَلِيَّةٍ:
"خَلِّي تُولَايُ تَكْتُبُ إِعْلَانًا، نَعَايِزُ نَاسَ يَشْتَغْلُوا مَعَانَا هِنَا فِي الْمَقَرِّ وَعَلَى اللَّانْشِ، عَايِزْ رَئِيسٌ وَحَدٌّ يُسَاعِدُ الْجِسْتْ فِي لَبْسِ بَدْلِ الْغَوْصِ وَتَغْيِيرِ الْأَنَابِيبِ."
رَدَّتْ "كُوكِي":
"تَمَامٌ، بَسْ تُولَايُ لِسَّهَ مَا جَتْشْ."
تَعَصَّبَ مِنْ هَذِهِ الْفَتَاةَ الَّتِي لَا تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ شَيْءٍ، وَرَحَلَ يُكَمِّلُ عَمَلَهُ.
وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، نَهَضَ قَائِلًا:
"خَلِّي تُولَايُ تَعْمِلِيلِي قَهْوَةً."
رَدَّتْ "عَائِشَةُ" هَذِهِ الْمَرَّةَ:
"هَعْمَلَكِ أَنَا."
"لِيه؟ هِيَ فَيْنَ؟"
"لِسَّهَ مَا جَتْشْ."
اشْتَدَّ بِهِ الْغَضَبُ وَأَبْلَغَ "كُوكِي":
"يَارِيتْ تَتَّصِلِي بِيَهَا وَخَلِّيهَا تَهْتَمَّ بِالشُّغْلِ شَوِيَّةً."
نَهَضَ "زَيْنٌ" مِنْ مَكَانِهِ وَدَخَلَ خَلْفَهُ مَكْتَبَهُ، قَائِلًا بِاسْتِفْسَارٍ:
"أَنْتَ مِشَ نَاوِيَ تِقُولِي حَصَلَ إِيه؟"
أَغْمَضَ عَيْنَهُ بِعَصَبِيَّةٍ وَأَبْلَغَهُ بِضِيقٍ:
"مَا حَصَلَشْ حَاجَةٌ، أَنْتَ تَعْرِفْ أَنَّهَا هَبَّةٌ مِنْهَا وَمَجْنُونَةٌ."
كَانَتْ "كُوكِي" تَتَّصِلُ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ عِنْدَمَا سَمِعَتْ صَوْتَهَا:
"أَنْتِ فَيْنَ؟ رَيَّانُ قَالِبٌ عَلَيْكِ الدُّنْيَا."
رَدَّتْ عَلَيْهَا بِهُدُوءٍ:
"يَارِيتْ تُبَلِّغِيهُ أَنِّي اسْتَقَلْتُ خَلَاصَ."
تَعَجَّبَتْ مِنْ رَدِّهَا غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ:
"بِتَهَزِّرِي صَحَّ؟"
أَتَاهَا صَوْتُهَا بِجِدِّيَّةٍ:
"لَا أَبَدًا، يَارِيتْ تُبَلِّغِيهُ بِقَرَارِي، سَلَامٌ."
أَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ مُقَاطِعَةً أَيَّ حَدِيثٍ وَأَلْقَتْ بِهِ، وَاقْتَرَبَتْ مِنْ وَالِدَيْهَا وَجَلَسَتْ بِجِوَارِهِمَا وَهَمَّتْ بِالْأَكْلِ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ هَلْ قَرَارُهَا هَذَا صَوَابٌ أَمْ خَطَأٌ؟ لَكِنَّ كُلَّ الَّذِي تَعْلَمُهُ جَيِّدًا أَنَّهَا تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنْ هَذَا الْقُرْبِ اللَّعِينِ، الَّذِي يَفْتِكُ بِكُلِّ مَشَاعِرِهَا، وَيَجْعَلُهَا تَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ التَّامَّةَ عَلَيْهِ. لِذَا، هَذَا أَسْلَمُ حَلٍّ لَهَا، الْبُعْدُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.
كَانَتْ تَدَّعِي تَنَاوُلَ الطَّعَامِ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ شُعُورِهَا بِالْجُوعِ الشَّدِيدِ، إِلَّا أَنَّ حَالَةَ الْجُوعِ الْعَاطِفِيِّ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ كَانَ أَشَدَّ بِكَثِيرٍ. فَقَدْ جَعَلَهَا تَسْحَبُ رُوحَهَا وَتُفَكِّرُ فِي الَّذِي سَرَقَ لَبَّهَا وَتَتَسَاءَلُ: هَلْ تَنَاوَلَ قَهْوَتَهُ الصَّبَاحِيَّةَ الْآنَ؟ وَمَنْ أَعَدَّهَا لَهُ؟ هَلْ نَالَتْ إِعْجَابَهُ مِثْلَمَا كَانَتْ تُرَوِّقُ مَذَاقَ قَهْوَتِهَا؟
ظَهَرَ الْعَبَثُ عَلَى وَجْهِهَا فَجْأَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا تَسَاءَلَتْ رُوحُهَا هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ، وَلَامَتْهَا وَقَالَتْ بِهَمْسٍ لَا يَصِلُ لِمَسْمَعِ وَالِدَيْهَا:
"أَنَا مَالِي أَصْلًا يَشْرَبُهَا وَلَا عَنْهُ مَا شَرِبَهَا، لِيهَ شُغْلَةٌ دِمَاغِي بِيهِ كده؟ إِيهَ الَّلِي حَصَلَكِ يَا تُولَايُ؟ فُوقِي كده وَاعْقِلِي."
تَرَكَتِ الْخُبْزَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَاحَةِ يَدِهَا، وَنَهَضَتْ مُسْتَأْذِنَةً مِنْهُمْ، فَسَأَلَتْهَا وَالِدَتُهَا:
"حَبِيبَتِي، أَنْتِ مَكَمَّلْتِشْ أَكْلَكِ، قُومَتِي لِيه؟"
ابْتَسَمَتْ لَهَا بِحُبٍّ وَقَالَتْ:
"الْحَمْدُ لله شَبِعْتُ، هَطْلَعَ أَسْتَرِيحُ فَوْقُ."
قَالَتْ قَوْلَهَا وَانْصَرَفَتْ رَاكِضَةً لِأَعْلَى، وَبِدَاخِلِهَا تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُذَكِّرُهَا وَلَوْ بِمَوْقِفٍ مَعَ مَنْ شَغَلَ الْبَالُ.
بَيْنَمَا "يُسْرَى" نَظَرَتْ لِزَوْجِهَا بِشُرُودٍ مِنْ تَعَجُّبِ حَالِ ابْنَتِهَا الَّتِي أَصْبَحَتْ لَا تَفْهَمُ حَالَتَهَا الْمُتَقَلِّبَةَ.
***
كَانَتْ "كُوكِي" مَذْهُولَةً مِنْ كَلَامِ "تُولَايُ". لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُبَلِّغُ "رَيَّانَ" الْمُشْتَغِلَ مِنَ الصَّبَاحِ، لَكِنْ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْهَرَبِ مِنَ الْحَقِيقَةِ. وَقَالَتْ لِـ"زَيْنٍ" وَ"عَائِشَةَ":
"تُولَايُ بِتَقُولُ اسْتَقَلْتْ!"
اِعْتَرَتِ الصَّدْمَةُ "عَائِشَةَ":
"بِتَقُولِي إِيه؟"
عَادَتْ كُوكِي الْكَلِمَةَ:
"اسْتَقَلَتْ!"
وَقَفَ "زَيْنٌ" بِلَا مُبَالَاةٍ:
"بَرَاحَتَهَا.. رُوحِي قُولِي لِرَيَّانَ."
نَطَقَتْ "كُوكِي" بِخَوْفٍ مِنْ رَدِّ فِعْلِ "رَيَّانَ" وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ:
"مَا تْرُوحْ تَقُولُهُ أَنْتَ."
"وَفِيهِ إِيهِ؟ مَا تَدْخُلِي قُولِيلُهُ يَا بُنْتِي."
نَظَرَتْ "كُوكِي" عَلَى "عَائِشَةَ":
"رُوحِي يَا عَائِشَةُ أَنْتِ."
صَفَّقَتْ بِجِوَارِ أُذُنِهَا وَلَوَّحَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهَا وَحَاوَلَتْ التَّحَدُّثَ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، بِمَعْنَى... لَا أَسْمَعُ، لَا أَرَى، لَا أَتَكَلَّمُ.
وَفَجْأَةً وَجَدُوا أَنَّفُسَهُمْ جَمِيعَهُمْ أَمَامَ "رَيَّانَ" الَّذِي آتَى بِنَفْسِهِ. سَأَلَ بِحَاجِبٍ مَرْفُوعٍ:
"لَعَلَّ الْمَانِعَ الَّلِي مَنَعَ الْهَانَمَ كَبِيرٌ."
وَقَفَتْ "عَائِشَةُ" لِتُمَهِّدَ لَهُ:
"بِالنِّسْبَةِ لِيكَ، مُمْكِنَ يَكُونُ إِيهِ أَكْبَرُ حَاجَةٍ تَمْنَعُهَا تِيجِي؟"
أَجَابَ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ:
"رُوحَهَا تُطْلَعُ وَتُرِيِّحُنَا."
بَلَعَتْ رِيقَهَا وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَقَبَتِهَا وَرَجَعَتْ مَكَانَهَا وَهِيَ تَقُولُ:
"عَنِيفٌ أَوِّي."
"أَنْجِزُوا، هِيَ فَيْنَ؟"
قَالَهَا وَهُوَ يُحَاوِلُ كَبْحَ غَضَبِهِ، فَقَالَتْ "كُوكِي" بِتَوَتُّرٍ:
"أَصْلُ تُولَ..."
أَكْمَلَ "زَيْنٌ" بِبَسَاطَةٍ:
"اسْتَقَلَتْ."
تَطَايَرَ الشَّرَرُ مِنْ عَيْنِهِ وَتَصَلَّبَتْ عَضَلَاتُ وَجْهِهِ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ جُهُورِيٍّ:
"أَنَا مِشَ فَاضِي لِشُغْلِ الْعِيَالِ ده، اللِّي شَايْفَة نَفْسَهَا مِشَ قَدَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ، بِتَشْتَغَلَ لِيهِ مِنْ الْبِدَايَةِ؟!"
وَقَفَ "زَيْنٌ" بِمُقَابَلَتِهِ وَأَبْلَغَهُ بِهُدُوءٍ:
"مُمْكِنَ تِهْدَأُ، وَلَوْ عَلَى الْإِعْلَانِ، أَنَا هَعْمَلُهُ."
الْتَقَطَ أَنْفَاسَهُ الْمُلْتَهَبَةَ وَتَمَالَكَ أَعْصَابَهُ وَسَأَلَهُ:
"هُوَ الْمَوْضُوعَ إِعْلَانٌ وَبَسْ؟"
رَفَعَ "زَيْنٌ" حَاجِبَهُ فِي اسْتِغْرَابٍ مَشُوبٍ بِضِيقٍ مِنْ أَفْعَالِ صَدِيقِهِ غَيْرِ الْمَفْهُومَةِ، وَسَأَلَهُ بِتَأَنٍّ:
"طَيِّبٌ، قُولْنَا الْمَوْضُوعَ إِيهِ كَمَانَ؟"
رَمَقَهُ "رَيَّانُ" بِحِدَّةٍ وَهُوَ يَجْزُّ عَلَى أَسْنَانِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ أَمَامِهِمْ دُونَ أَنْ يُجِيبَ. وَقَفَ دَقَائِقَ خَارِجَ الشَّرِكَةِ يَزْفِرُ هَوَاءَ سِيجَارَتِهِ الَّذِي كَانَ يَنْتَقِمُ مِنْهَا بَيْنَ شَفَتَيْهِ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ، وَأَلْقَاهَا أَرْضًا وَتَحَرَّكَ نَحْوَ سَيَّارَتِهِ وَذَهَبَ لِـ"تُولَايَ".
دَخَلَ الْفِيلَا وَجَدَهَا بِالْحَدِيقَةِ، تَوَجَّهَ نَحْوَهَا عَلَى الْفَوْرِ. رَأَتْهُ يَأْتِي عَلَيْهَا، حَلَّقَتْ عَيْنَاهَا بِذُهُولٍ، لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ تَرَاهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. بَلَعَتْ رِيقَهَا بِقَلَقٍ وَارْتِبَاكٍ، ثُمَّ أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ الْخَاصَّ بِهَا وَوَضَعَتْهُ أَسْفَلَهَا. لِيَأْخُذَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً. كَانَ قَلْبُهَا يَدُقُّ دَقَّاتٍ جَدِيدَةً عَلَيْهَا وَجَسَدُهَا بَدَا أَنْ يَرْتَعِشَ. رَسَمَتِ الْقُوَّةَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ مِنْهَا بِمَلَامِحِ غَاضِبَةٍ:
"مُمْكِنَ أَعْرِفُ مَا جِتِيشِ الشُّغْلَ لِيهِ؟"
نَظَرَتْ بَعِيدًا عَنْهُ حَتَّى لَا تُصِيبَهَا عَيْنُهُ بِالتَّوَتُّرِ:
"كُنْتِ مُمْكِنَ تَسْأَلِي كُوكِي وَكَانَتْ جَوَّبَتْكِ."
ابْتَلَعَ غَضَبَهُ الَّذِي كَسَا عَيْنَهُ وَأَبْلَغَهَا:
"وَأَنَا بَسْأَلُ صَاحِبَةَ الشَّأْنِ."
قَامَتْ وَهِيَ تَأْخُذُ الدَّفْتَرَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَالْتَفَتَتْ أَعْطَتْهُ ظَهْرَهَا مُجِيبَةً:
"بِتَسْأَلَ لِيه؟ وَلِيهَ جَايَ بِنَفْسِكَ لَحَدَّ هِنَا؟"
بَدَأَ التَّوَتُّرُ يُسَاوِرُهُ وَتَمَلَّكَهُ الِارْتِبَاكُ:
"عَشَانِ فِيهِ شُغْلٌ مُتَعَطِّلٌ."
الْتَفَتَ لَهُ بِنَظَرَاتٍ عَمِيقَةٍ مِثْلَ سُؤَالِهَا:
"وَيَا تَرَى أَيُّ حَدٍّ مِشَ هَيُرُوحُ الشُّغْلَ هَتْرُوحُ لِيهِ بِنَفْسِكَ تَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ غِيَابِهِ؟"
رَجَّتْ جُمْلَتُهَا ثَنَايَا عَقْلِهِ. ضَاقَ عَيْنَهُ لِيَسْتَرِدَّ أَنْفَاسَهُ:
"آآآأَكِيدَ لَا، بَسْ..."
وَلَدَ دَاخِلَهَا رَغْبَةٌ فِي مَعْرِفَةِ السَّبَبِ الَّذِي آتَى بِهِ لَهْنَا:
"بَسْ إِيهَ يَا رَيَّانُ؟"
"بَسْ أَنْتِ وَاحِدَةٌ مُهْمِلَةٌ وَمُدَلَّعَةٌ، وَأَنَا عَايِزُ أُنْجِزُ شُغْلِي، وَمِشَ هَخَلِّي وَاحِدَةً مُهْمِلَةٌ تُوقِعُ تَعَبِي فِي لَحْظَةٍ."
اِسْتَدْعَتْ مِنْ دَاخِلِهَا النَّمِرَةَ الشَّرِسَةَ مِنْ جَدِيدٍ:
"طَيِّبٌ، أَنَا اسْتَقَلْتُ، رُوحْ بَقِي شُوفْلَكِ وَاحْدَةً مِشَ مُدَلَّعَةٌ وَقَدَّ الْمَسْؤُولِيَّةِ."
"وَأَنْتِ مِينْ وَافَقَ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ دي؟"
"أَنَا، زَيَّمَا شَغَّلْتُ نَفْسِي، هَأُقِيلُ نَفْسِي، وَلَا نَسِيتُ اشْتَغَلْتُ إِزَّايَ؟"
أَمْسَحَ وَجْهَهُ لِيَتَحَكَّمَ بِأَعْصَابِهِ:
"تُولَايُ، بَلَّاشْ تَسَرُّعٌ، أَنْتِ سَبَبٌ فِي نَجَاحِ الشَّرِكَةِ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِكِ الشَّرِكَةُ هَتَخْسَرُ."
"وَأَنَا وَلَا حَمَامَةُ سَلَامٍ وَلَا سَفِيرَةُ إِصْلَاحِ الْأَرْضِ، وَاللِّي عَمَلْتُهُ أَلْفُ غَيْرِي يَقْدِرُ يَعْمَلُهُ."
"اللِّي عَمَلْتِيهُ مَا حَدٌّ غَيْرُكِ قَدَرَ يَعْمَلُهُ."
كَانَ صَوْتُ عَقْلِهِ الَّذِي نَطَقَهَا بَدَلَا مِنْ لِسَانِهِ الْمُتَمَرِّدُ بِالِاعْتِرَافِ بِهَذَا. فَقَالَ بِوُجُومٍ:
"جِيبِيهَا لِبُرُّ يَا تُولَايُ؟"
"وَاجِبُهَا لِبُرٍّ لِيهِ طَالَمَا مَبْسُوطَةٌ فِي الْبَحْرِ؟ تَحِبُّ أُجِيبْلَكَ عُوَّامَةٌ وَأُبَلْبِطُ جَنْبِي؟"
تَرَكَهَا "رَيَّانُ" لِيَتَجَنَّبَ سَخَافَاتِهَا، بَعْدَمَا نَجَحَتْ فِي قَذْفِ أَفْكَارٍ دَاخِلَ عَقْلِهِ. تَصَارَعَتْ أَنْفَاسُهُ وَخَشِيَ التَّفْكِيرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. اِسْتَقَلَّ سَيَّارَتَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ، صَدَحَ هَاتِفُهُ صَوْتَ رِسَالَةٍ أَخْرَجَهُ مِنْ جَيْبِ بِنْطَالِهِ، وَجَدَهَا رِسَالَةٌ بِالْـ"مَاسِنْجَر" مِنْ "نِيلِّي". شَعَرَ بِنَغْزَةٍ فِي قَلْبِهِ. أَلْقَى هَاتِفَهُ بِضِيقٍ وَهَجَمَ عَلَيْهِ كُلُّ شَعْرٍ أَمْسِ مِنْ جَدِيدٍ. أَغْمَضَ عَيْنَهُ بِأَلَمٍ وَمَرَارَةٍ فِي حَلْقِهِ... وَجَدَ نَفْسَهُ يَغْطِسُ دَاخِلَ ذِكْرَى مُؤْلِمَةٍ وَهُوَ كَاتِمٌ أَنْفَاسَهُ.
فِي كَافِيهٍ كَبِيرٍ، تَجْلِسُ "نِيلِّي" عَلَى طَاوِلَةٍ وَعَلَى مَلَامِحِهَا التَّوَتُّرُ. تُبْصِرُ سَاعَتَهَا بِقَلَقٍ. وَصَلَ أُذُنِهَا صَوْتُ عَزْفِ الْمُوسِيقَى الْمُحَبَّبَةِ لِقَلْبِهَا جَعَلَتْ تشنج جَسَدِهَا يَهْدَأُ. ثُمَّ شَرَدَتْ وَهِيَ تَسْمَعُهَا، وَكَانَ شَعْرُهَا يَتَطَايَرُ خَلْفَهَا. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، رَأَتِ النَّادِلَ يُمْسِكُ كَعْكَةً مُزَيَّنَةً بِطَرِيقَةٍ أَعْجَبَتْهَا وَلَفَتَتْ انْتِبَاهَهَا، وَظَلَّتْ تُتَابِعُ عَلَى أَيِّ طَاوِلَةٍ تُوضَعُ. لَكِنَّهَا تَفَاجَأَتْ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا هِيَ بِابْتِسَامَةٍ. وَفَجْأَةً ظَهَرَ مِنْ خَلْفِهِ "رَيَّانُ" يُمْسِكُ مِنْهُ قَالَبَ الْكَعْكِ الْكَبِيرَ الَّذِي صُمِّمَ خِصِّيصًا لَهَا بِالْوَنِ الرُّوزِ. أُنْبَهِرَتْ فِي فَرَحَتِهِ وَقَامَتْ، اقْتَرَبَتْ مِنْهُ، عَانَقَتْهُ بِقُوَّةٍ. أَبْعَدَهَا عَنْهُ صَوْتُ الْمُفَرِّقَاتِ الَّتِي دَوَّتْ بِالْمَكَانِ وَجَعَلَتِ الزِّينَةَ تَمْلَأُ السَّقْفَ وَنُزُولَهَا عَلَيْهِمَا، فَقَالَتْ مُعَبِّرَةً عَنْ سَعَادَتِهَا:
"مِشَ مُصَدِّقَةٌ كُلُّ ده عَمَلْتُهُ عِشَانِي أَنَا؟"
هَزَّ رَأْسَهُ بِحُبٍّ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِسَعَادَةٍ:
"بِمَا أَنَّنِي شَايْفَكِ بَقَالَكِ كَمْ يَوْمٍ مُتَوَتِّرَةٌ وَمِضَايِقَةٌ، قُلْتُ أَعْمَلَ أَيِّ حَاجَةٌ تُخَلِّيكِ تَكُونِي مَبْسُوطَةٌ."
اِنْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهَا وَاشْتَعَلَتْ نَظَرَاتُ عَيْنَيْهَا بِفَرَحَةٍ نَاطِقَةٍ:
"بُحِبَّكَ يَا رَيَّانُ."
ثُمَّ أَكْمَلَتْ بِقَلْبٍ يَنْبِضُ بِخَوْفٍ:
"أُوعِدْنِي مَهْمَا حَصَلَ مَاتَبْعَدْشْ عَنِّي."
حَاوَطَ كَتِفَهَا بِحُبٍّ وَقُوَّةٍ وَوَعَدَهَا:
"أُوعِدُكِ طُولَ مَا فِيهِ نَفْسٍ."
دَخَلَ جَمِيعُ أَصْدِقَائِهِمَا بِفَرَحَةٍ وَصُنْدُوقٍ كَبِيرٍ، تَعَجَّبَتْ "نِيلِّي" مِنْ حَجْمِهِ. قَبَّلَ "رَيَّانُ" يَدَهَا وَاقْتَرَبَ مِنَ الصُّنْدُوقِ، فَتَحَهُ وَهُوَ مُصَوِّبٌ نَظَرَاتِهِ عَلَيْهَا. وَإِذَا فَجْأَةً تَتَفَاجَأُ بِكَمِّيَّةِ هَدَايَا هِيَ تَعْشَقُهَا: حَقَائِبُ مِنْ مَارَكَاتٍ عَالَمِيَّةٍ، عِطْرُهَا الْغَالِي الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ بِكَثْرَةٍ، وَلَمْ يَنْسَ أَدَوَاتُ مَسَاحِيقِ التَّجْمِيلِ الَّتِي تُفَضِّلُهَا، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. رَكَضَتْ دَاخِلَ حِضْنِهِ كَطِفْلٍ صَغِيرٍ:
"مَا بَقَاشْ فِيهِ كَلَامٌ جَوَّايَا يَعْبِّرُ عَنْ حُبِّي لِيكَ."
"نَظْرَةُ عَيْنِكِ بِالْفَرْحَةِ دي عِنْدِي بِالدُّنْيَا."
ثُمَّ شَدَّدَ عَلَى مِعْصَمِهَا وَبَدَأُوا يَرْقُصُونَ سَوِيًّا. لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ سَعَادَتِهَا، شَعَرَ "رَيَّانُ" بِتَوَتُّرِهَا وَارْتِبَاكِهَا. ضَيَّقَ عَيْنَهُ وَسَأَلَهَا:
"مَالِكِ؟ وَمَا الْوَقْتَ؟"
سَارَتْ بِجَسَدِهَا رَعْشَةٌ بَسِيطَةٌ، وَأَجَابَتْهُ فِي تَلَعْثُمٍ:
"رَيَّانُ، بِأَعْتَذِرُ مِنْكَ جِدًّا، بَسْ لَازِمَ أُرُوحُ."
سَأَلَهَا فِي قَلَقٍ:
"مَالِكِ يَا نِيلِّي؟"
تَحَرَّكَتْ خُطْوَةً بَعِيدًا عَنْهُ قَائِلَةً بِهَرَبٍ:
"مَعَلِّشْ، سِيبْنِي أُرُوحُ دِلوَقْتِ."
كَانَتْ مَلَامِحُهَا كَافِيَةً لَا تُبَشِّرُ أَنَّهَا بِخَيْرٍ. اِسْتَأْذَنَ مِنَ الْجَمِيعِ وَأَخَذَ حَقِيبَتَهَا وَأَمَرَ شَخْصًا يَضَعُ كُلَّ مَا يَخُصُّهَا دَاخِلَ سَيَّارَتِهِ. لَكِنَّهَا رَفَضَتْ أَنْ يَصِلَهَا مَنْزِلُهَا:
"رَيَّانُ، لَا، خَلِّيكَ مَعَ النَّاسِ، هُرُوحُ لِوَحْدِي."
تَعَجَّبَ حَالَهَا غَيْرُ الْمُعْتَادِ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَهَا بِحُبٍّ وَقَلَقٍ:
"نِيلِّي، مِشَ هَسِيبَكِ، مَا يِهِمِّنِيشِ حَدٌّ غَيْرُكِ."
صَعِدَا سَيَّارَتَهُ، كَأَنَّ وَضَعَ لِقَلْبِهَا مَكْبَرَاتِ صَوْتٍ مِنْ قُوَّةِ دَقَّاتِهِ. وَكَانَتْ عَيْنُهَا تَظْهَرُ عَلَيْهَا الْخَوْفُ. أَمْسَكَ يَدَهَا بِحَنُوٍّ قَبَّلَهَا حَتَّى يَجْعَلَهَا تَهْدَأُ. ظَنَّ كُلَّ هَذَا، سَبَبَ حُلْمِهَا الَّذِي كَانَ بِمَثَابَةِ نَجْمَةٍ بَعِيدَةٍ تُوَدُّ أَنْ تَطُولَهَا، لَكِنَّهَا تَخَلَّتْ عَنْهَا لِأَجْلِهِ هُوَ فَقَطْ.
وَقَفَ صَفَّ الْعَرَبَةِ وَنَزَلَتْ هِيَ بِسُرْعَةٍ بِاعْتِرَاضِ أَنْ يَصْعَدَ مَعَهَا:
"شُكْرًا يَا رَيَّانُ عَلَى كُلِّ حَاجَةٍ، تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ."
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا وَسَحَبَهَا لِأَعْلَى قَائِلًا بِمَزَاحٍ:
"أَنْتِ بِتَتَكَسِّفِي مِنِّي يَا بَيْضَةٌ؟! مُسْتَحِيلَ هَسِيبَكِ غَيْرَ لَمَّا أَعْرِفَ إِيهَ الَّلِي مُشَقْلِبَ حَالِكِ."
بَدَأَ جَسَدُهَا يَسِيرُ بِهِ قَشْعَرِيرَةٌ مَعَ رَعْشَةٍ:
"رَيَّانُ، مِشَ بَاهَزَّرُ."
"وَلَا أَنَا بَاهَزَّرُ يَا عُمْرِي."
صَعَدَ مَعَهَا وَدَخَلَ بَيْتَهَا وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدٍ هَزَّازٍ بِأَرِيحِيَّةٍ وَبَدَأَ يَهْتَزُّ. لَكِنَّهَا وَقَفَتْ تُطَقْطِقُ أَصَابِعَهَا بِتَوَتُّرٍ وَلَمَعَانٍ بِعَيْنَيْهَا. لَاحَظَ زِيَادَةَ ارْتِبَاكِهَا، ثُمَّ عَيْنُهُ وَقَعَتْ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْحَقَائِبِ بِجِوَارِ غُرْفَةِ نَوْمِهَا:
"إِيهَ الشَّنَطِ دي كُلُّهَا؟ أَنْتِ نَاوِيَةَ تُهَاجِرِي؟"
قَالَهَا بِمَزَاحٍ وَاضِحٍ. لَمْ تُجِبْهُ، تَعَجَّبَ صَمْتَهَا وَنُزُولَ دُمُوعِهَا. هَبَّ وَاقِفًا وَلَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ هَذَا. رَكَضَتْ نَحْوَهُ، اِخْتَبَأَتْ بِأَحْضَانِهِ، شَعَرَ بِتَجَمُّدٍ فِي أَفْكَارِهِ، كَانَتْ تَشْتَدُّ عَلَى عِنَاقِهِ بِقُوَّةٍ تُرِيدُ أَنْ تَشُقَّهُ نِصْفَيْنِ وَتَدْخُلَ دَاخِلَ صَدْرِهِ تَخْتَبِئُ مِنْ مَوْجَةِ غَضَبِهِ الَّتِي تَعْرِفُهَا جَيِّدًا. حَاوَلَ اِسْتِيعَابَ أَيِّ شَيْءٍ، فَعَادَ سُؤَالُهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِجِدِّيَّةٍ بَالِغَةٍ:
"نِيلِّي، إِيهَ الشَّنَطِ دي؟"
أَجَابَتْهُ بِعَدَمِ النَّظَرِ لِعَيْنِهِ وَمَا زَالَتْ تَلْتَصِقُ بِهِ حَتَّى يَغْفِرَ لَهَا وَيَحِنَّ قَلْبُهُ عَلَيْهَا:
"رَيَّانُ، وَالله كُنْتُ هَأَقُولَكَ كُلَّ حَاجَةٍ."
وَقَفَ كَالْجَبَلِ وَهُوَ يُبْعِدُهَا عَنْهُ بِعُيُونٍ اِرْتَسَمَ دَاخِلَهَا الْغَضَبُ، قَائِلًا بَعْدَمَا فَسَّرَ هُوَ:
"أَنْتِ كُنْتِ هَتْسَافِرِي مِنْ غَيْرِ مَا أَعْرِفُ؟ وَيَا تَرَى كُنْتِ نَاوِيَةَ تُرُوحِي فَيْنَ؟ وَإِيهَ السِّرُّ أَنَّكِ تَخْبِّي عَلَيَّ؟"
حَاوَلَتْ أَنْ تُمْسِكَ يَدَهُ لِتُشْعِرَهُ بِالْأَمَانِ حِينَمَا تُبَلِّغُهُ، لَكِنَّهُ رَفَضَ وَأَبْعَدَ يَدَهُ عَنْهَا، وَأَشَارَ بِعَيْنِهِ أَنَّهَا تُجِيبُ عَلَى كُلِّ أَسْئِلَتِهِ. حَاوَلَتْ تَنْظِيمَ أَنْفَاسِهَا الْمُتَحَشْرِجَةِ وَقَالَتْ بِخَوْفٍ:
"أَنَا مَضَيْتُ عَقْدَ شَرِكَةِ الْمُودِلِ."
نُزُولُ كَلِمَاتِهَا عَلَيْهِ بِمَثَابَةِ صَارُوخٍ مُتَصَوِّبٌ عَلَيْهِ بِمَهَارَةٍ. تَأَرْجَحَ بِمَكَانِهِ فَأَغْمَضَ عَيْنَهُ لِيَتَحَكَّمَ بِثَبَاتِهِ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مَهُزُوزَةٍ تُشْبِهُ حَالَهُ:
"أَنْتِ قَعَدْتِ مَعَ نَفْسِكِ وَحَدَّدْتِ مِينْ فِينَا أَهَمُّ؟"
نَفَتْ بِسَبَّابَتِهَا وَرَأْسِهَا بِدُمُوعٍ وَانْهِيَارٍ:
"أَبَدًا وَالله... أَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّكَ هَتَغْفِرُ، بَسْ الْفُرْصَةُ مِشَ هَتَتْعَوَّضُ."
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُحَاوِلًا التَّمَاسُكَ بِحَسْرَةٍ وَخَيْبَةِ أَمَلٍ:
"أَنْتِ دَخَلْتِينِي فِي مُقَارَنَةٌ... وَكَمَانَ قَرَّرْتِ مِينْ الَّلِي هَيُتْعَوَّضُ وَمِينْ الَّلِي مِشَ هَيُتْعَوَّضُ؟"
وَقَفَتْ بِمُقَابَلَتِهِ تَتَرَجَّاهُ بِدُمُوعٍ:
"رَيَّانُ، افْهَمْنِي بَلِيزُ."
شُعُورُ "رَيَّانَ" أَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مُقَارَنَةٍ بِشَيْءٍ مِثْلِ هَذَا يُؤْلِمُهُ. لَمْ يُصَدِّقْ مَنْ أَحَبَّهَا وَأَحَبَّتْهُ تُضِعُهُ فِي خِيَارٍ وَضِيعٍ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَلَا ذُو قِيمَةٍ. هَلْ هِيَ تَرَاهُ بِهَذَا الْحَجْمِ؟ لَكِنَّهَا اخْتَارَتْ بَعْدَ مُقَارَنَةِ الْعَمَلِ، فَكَانَ هُوَ فِي كِفَّةِ الْمُقَارَنَةِ الْخَاسِرَةِ بِمَعْنَى قِيمَتُهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ كِفَّةِ الْخِيَارِ الرَّابِحَةِ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ يَأْخُذُ أَنْفَاسَهُ بِأَلَمٍ بَعْدَمَا صَعُبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ:
"أَنْتِ إِزَّايَ أَصْلًا تَحُطِّينِي فِي مُقَارَنَةٍ حَقِيرَةٍ زَيِّ دي؟"
"رَيَّانُ، افْهَمْنِي، أَدِينِي فُرْصَةً أَتَكَلَّمُ."
"أَفْهَمُ أَنَّكِ دَخَلْتِينِي فِي مُقَارَنَةٍ وَاخْتَيَرْتِ غَيْرِي كَمَانَ. وَلَا أَفْهَمُ أَنِّي قُلْتُ لِيكِ مِشَ حَابَّ أَنَّكِ تَتَعَرَّي وَتَبْقِي عُيُونُ النَّاسِ عَلَيْكِ كُلُّهَا. وَلَا أَفْهَمُ أَنَّكِ بَعَتِينِي بِالرَّخِيصِ أُوَوِي عِشَانِ عِايْزَةُ أَسْتُرَكِ وَأُلْبِسَكِ مُحْتَرَمٍ وَحِجَابٌ. وَلَا أَفْهَمُ أَنِّي عِشَانِ حَسِيتُ أَنَّكِ مِضَايِقَةٌ عَمَلْتُ لِيكِ حَفْلَةً فِي الْوَقْتِ الَّلِي أَنْتِ بَتُحَدِّدِي أَنَّكِ تُضَحِّي بِيَّا. أَفْهَمُ إِيهَ وَلَا إِيهَ يَا نِيلِّي؟"
حَاوَلَتْ أَنْ تَأْخُذَ أَنْفَاسَهَا مِنْ بَيْنِ شَهْقَاتِهَا، وَهِيَ تُخْبِرُهُ:
"رَيَّانُ، وَالله أَنَا بِحِبُّ..."
قَاطَعَ آخِرَ حَرْفٍ حَتَّى لَا يَسْمَعَ نِفَاقَهَا مِنْ جَدِيدٍ بِصَوْتٍ عَالٍ:
"آخِرَصِي خَالِصٌ، أَيَّاكِ أَسْمَعَكِ بِتَقُولِي الْكَلِمَةَ دي تانِي... أَنْتِ تَعْرِفِي إِيهَ عَنِ الْحُبِّ؟ الْحُبُّ أَفْعَالٌ قَبْلَ مَا يَبْقَى حُرُوفٌ بتتنطق.. أَنْتِ فِعْلُكِ كَانَ رَدٌّ عَلَى كَذْبِكِ السِّنينِ دي كُلُّهَا."
كَانَتْ مُنْهَارَةً تَبْكِي، تُحَاوِلُ الِاقْتِرَابَ مِنْهُ، اِبْتَعَدَ عَنْهَا كَأَنَّهَا صَاعِقٌ كَهْرَبِيٌّ، وَأَبْلَغَهَا بِحِدَّةٍ:
"مِنْ دِلْوَقْتِي أَنَا أُمْنِيَّةٌ هَتَبْقَى لِيكِ، بَسْ صَعْبٌ الْوُصُولُ لِيهَا."
أَنْهَى حَدِيثَهُ وَتَرَكَهَا بِقَلْبٍ مُمَزَّقٍ، لَكِنَّهُ انْتَظَرَهَا فِي مَكَانٍ يَجْمَعُهُمَا سَوِيًّا دَائِمًا. كَذَبَ كُلَّ مَشَاعِرِهِ وَأَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّهَا لَمْ تُسَافِرْ وَسَتَأْتِي لَهُ تَسْتَعْطِفُهُ وَتَطْلُبُ السَّمَاحَ عَلَى غَلَطَتِهَا. حَقًّا، الْخِيَارُ الَّذِي وَضَعَتْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُلْمِهَا كَانَ يُمَزِّقُهُ، لَكِنَّهُ سَيُسَامِحُهَا بَعْدَ عِقَابٍ حَتَّى لَا تَفْعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الطُّفُولِيَّةِ مِنْ بَعْدُ.
***
جَلَسَتْ "نِيلِّي" فِي تَخَبُّطٍ، لَمْ تَعْرِفْ مَا فَعَلَتْهُ حَقًّا خَطَأٌ، أَمْ هِيَ تَصَرَّفَتْ بِنُضْجٍ. لَمْ تَتَوَقَّعْ رَدَّةَ فِعْلِهِ. كَانَتْ تَظُنُّ سَيُوَافِقُ عِنْدَمَا يَرَى تَعَلُّقَهَا بِهَذَا الْحُلْمِ، لِأَنَّهُمَا الْتَقَيَا وَفَرِحَا مَعًا وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِهَذَا السَّبَبِ. فَهُمَا رَسَمَا طَرِيقَ حَيَاتِهِمَا سَوِيًّا. كَيْفَ يَتَخَلَّى عَنْهَا الْآنَ؟ حَقًّا، الْفِرَاقُ سَيُصْبِحُ قَدَرَهُمَا. هَلْ سَيُصْبِحَانِ تَائِهَيْنِ بَعْدَ أَنْ جَمَعَهُمَا الْقَدَرُ؟ بَدَأَ أَلَمُ الْفِرَاقِ يُمَزِّقُ كِيَانَهَا مِنْ مُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فَقَطْ. شَعَرَتْ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَشَدَّ قَسْوَةً.
سَمِعَتْ صَوْتَ طَرْقَاتِ الْمَنْزِلِ، نَهَضَتْ مُسْرِعَةً وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا ظَنًّا أَنَّهُ رَيَّانُ. لَكِنَّهَا وَجَدَتْهَا صَدِيقَتَهَا. أَخَذَتِ الدُّمُوعُ مَجْرَاهَا فِي الْهُطُولِ، وَأَخْبَرَتْهَا بِقَهْرٍ:
"رَيَّانُ عَرِفَ، مَكُنْتِشْ مُتَوَقِّعَةٌ يَعْرِفُ بِالسُّرْعَةِ دي؟"
"نِيلِّي، رَكِّزِي فِي حُلْمِكِ، الْفُرْصَةُ بِتِيجِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ عَلَى رَيَّانُ، الْكُلُّ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِشَ بِيَقْدِرُ يَتَنَفَّسُ بَعِيدٌ عَنْكِ."
"أَنَا خَايْفَةٌ أَوِّي."
"تَبْقِي عَبِيطَةٌ وَمِشَ عارِفَةٌ رَيَّانُ بِيُحِبَّكِ قَدِّ إِيهَ؟"
بَكَتْ أَكْثَرَ بِخَوْفٍ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ:
"الْمُشْكِلَةُ عارِفَةٌ، عشان كِدَه خَايْفَةٌ أَفْقِدُهُ. أَنَا مُمْكِنَ أَمُوتُ مِنْ غَيْرِهِ."
دَخَلَتْ أَخَذَتْ حَقِيبَتَهَا وَحَمَّسَتْهَا لِبَدْءِ رِحْلَتِهَا:
"اسْمَعِي بَسْ مِنِّي، وَاتُوَكَّلِي عَلَى الله، وَبُكْرَةَ هَتَقُولِي إِنِّي قُلْتِلَكِ هَيَرْجَعُ حَتَّى لَوْ حَاوَلَ يِبْعُدُ."
تَحَرَّكَتْ مَعَهَا بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ خَائِفَةٍ. نَزَلَتَا، رَكِبَا عَرَبَةَ أُجْرَةٍ وَذَهَبَا إِلَى الْمَطَارِ. بَعْدَمَا وَصَلَتْ صَالَةَ الْمَطَارِ، انْتَظَرَتْ لَحَظَاتٍ طَائِرَتَهَا، وَكَانَتْ تَنْظُرُ خَلْفَهَا تَبْحَثُ عَنْهُ، تَتَمَنَّى يَرِقُّ قَلْبُهُ وَيَأْتِي لِيُوَدِّعَهَا. كَانَتْ تُرِيدُ ابْتِسَامَتَهُ تَكُونُ آخِرَ شَيْءٍ يُحْفَرُ دَاخِلَ ذِكْرَيَاتِهَا. لَكِنْ دُونَ فَائِدَةٍ. وَصَلَتِ الطَّائِرَةُ وَتَحَرَّكَتْ مَعَ جَمِيعِ الرُّكَّابِ وَحَلَّقَتْ مَعَ حُلْمِهَا بَعِيدًا.
اخْتَفَى "رَيَّانُ" عَنِ الْجَمِيعِ، يَوْمٌ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ عَنْهُ شَيْئًا. كَانَتْ "كُوكِي" تَتَصَفَّحُ، رَأَتْ بُوسْتَ مِنْ "نِيلِّي" تَقُولُ إِنَّهَا الْتَحَقَتْ بِالْعَمَلِ فِي شَرِكَةِ مُودِلْزٍ عَالَمِيَّةٍ. تَعَجَّبَتْ جِدًّا لِأَنَّهَا تَعْرِفُ رَفْضَ "رَيَّانَ" لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَتْ "زَيْنَ"، أَذْهَلَ وَبَدَأَ الْبَحْثَ عَنْ "رَيَّانَ" الْمُخْتَفِي فِي كُلِّ مَكَانٍ يَعْرِفُ أَنْ يَذْهَبَ، حَتَّى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي مَكَانٍ فَارِغٍ بِهِ الْحَشَائِشُ كَثِيفَةٌ نَائِمٌ. اِقْتَرَبَ مِنْهُ مُنَادِيًا عَلَيْهِ، وَقَامَ بِهُزِّهِ، لَمْ يُجِبْ بِتَاتًا. اتَّصَلَ بِالْإِسْعَافِ وَذَهَبَ بِهِ أَقْرَبَ مُسْتَشْفًى. كُلُّ الْأَطِبَّاءِ أَكَّدُوا أَنَّ كُلَّ أَعْضَائِهِ تَعْمَلُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، لَكِنَّهُ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، اِسْتَمَرَّ فَاقِدَ الْوَعْيِ لِأَيَّامٍ. حِينَ فَاقَ، وَجَدَ أُمَّهُ مُنْهَارَةً وَمُعَلَّقَةً مَحَالِيلَ هِيَ أَيْضًا. نَهَضَ مِنْ عَلَى السَّرِيرِ وَادَّعَى الْقُوَّةَ وَلَا مُبَالَاةٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ بِخَيْرٍ. اِبْتَسَمَ وَهُوَ يُقَبِّلُ رَأْسَهَا وَأَدْخَلَهَا دَاخِلَ حِضْنِهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِبُرْكَانٍ يَحْرِقُ قَلْبَهُ. فَرِحَتْ جِدًّا عِنْدَمَا طَمْأَنَتْهُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا تَحَوَّلَ "رَيَّانُ" إِنْسَانًا جَدِيدًا غَيْرَ مَسْؤُولٍ، عَدِيمَ الذَّوْقِ، يَسْتَأْجِرُ بَنَاتٍ لِلْمُتْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكَانَ يُعَامِلُ جَمِيعَهُمْ أَنَّهَا هِيَ. يَسُبُّهُمْ وَيُعَنِّفُهُمْ لِكَيْ يَشْعُرَ أَنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهَا فِيهِمْ.
فَتَحَ عَيْنَهُ بِإِرْهَاقٍ مِنَ الْمَاضِي الَّذِي يَحْفُرُ دَاخِلَ عَقْلِهِ. شَعَرَ بِاخْتِنَاقِ أَنْفَاسِهِ وَأَلَمِ صَدْرِهِ يَزِيدُ. وَضَعَ كَفَّ يَدِهِ بِقُوَّةٍ عَلَيْهِ لِيُسَكِّنَهُ، لَكِنْ دُونَ فَائِدَةٍ. أَلْقَى هَاتِفَهُ وَذَهَبَ إِلَى الصَّالَةِ الرِّيَاضِيَّةِ لِيُخْرِجَ طَاقَةَ غَضَبِهِ فِيهَا. لَاحَظَتْ "نُورَا" غَضَبَهُ الَّذِي يُصِبُّهُ عَلَى التَّمَثُّلِ الَّذِي يَتَمَرَّنُ عَلَيْهِ، قَلِقَةٌ عَلَيْهِ وَاتَّصَلَتْ عَلَى "زَيْنٍ":
"الْحَقُّ يَا زَيْنُ، رَيَّانُ هِنَا وَبَيْلْعَبُ بُوكس بِطَرِيقَةٍ مُخِيفَةٍ وَشَكْلُهُ مِشَ مُطَمِّني."
شَكَرَهَا وَأَغْلَقَ الْهَاتِفَ وَتَحَرَّكَ لَهَا.
يَا تَرَى تُولَايُ تَصَرُّفُهَا صَحٌّ؟
يَا تَرَى إِيهَ سَبَبُ حَالَةِ رَيَّانُ الَّلِي فِيهَا؟
يَا تَرَى نِيلِّي صَحٌّ فِي اللِّي عَمَلَتْهُ؟
تَوَقُّعَاتُكُمْ.
رواية طوق نجاتي الفصل العشرون 20 - بقلم ابتسام محمود
توجه "زين" إلى الصالة الرياضية، وأخبرته "نورا" عن مكان "ريان" بالتحديد. دخل عليه وجده منهمكًا في ضرب التمثال المطاطي، وقطرات العرق تتطاير من سرعة حركاته. كل تركيزه ينصب فيما يفعله.
تقدم نحوه "زين" حتى وصل بجواره وقال بنبرة بها وجع على صديق عمره:
- إيه يا صاحبي، وبعدهالك؟
وقف "ريان" يلتقط أنفاسه اللاهثة وصدره يصعد ويهبط بقوة، ولم يرد عليه. فقال "زين" بوجه تتخططه علامات العبس:
- مش ناوي تتكلم؟
عكست عينه الضيق الذي يعتريه داخله، وقال بهدوء:
- سابني يا زين لوحدي.
انكمشت ملامحه بغضب وضيق:
- مش هسيبك يا ريان، اتكلم وطلع اللي جواك يا بني آدم، بلاش تحط جوه نفسك كل حاجة... بالشكل ده هتيجي مرة وهتنفجر من الكبت، انطق حرام عليك نفسك.
أنهار جبل عزيمته ولم يقو حقًا تحمل أي شيء. وبدأت الدموع تهدد بالنزول أسفل حشائش عينه الكثيفة:
- زين ابعد عني، مش حمل أي كلام.
شعر من صوته كم يحمل داخله. اقترب نحوه يمنعه من الانسحاب، ثم أبلغه بنبرة فكاهية ليخرجه من هذه الحالة:
- ريان مش هسيبك، متحولش...
وأكمل وهو يرقص كالعاهرات:
- أنا كنت بحب ٦، آه ٦. دلوقتي بحبك إنت. آآآه إنت.
برغم الألم الذي يختلج صدره من عنفوانه، عجز عن كبت ابتسامة جانبية، وألقى عليه وزنًا خفيفًا كان يمسكه بيده وتركه خلفه ودخل غرفة الاستحمام. دوت ضحكة "زين" المشاكسة ليقول:
- تحب أمرشلك ضهرك؟ خدامتك لبلبة، خمسة صنايع والبخت ضايع.
فتح "ريان" صنبور المياه المتدفقة بقوة، حاول يجيبه وهو يحاول يلجم حزنه القابع داخل قلبه:
- هو ضايع عند كله وجاي تدور عليه عندي؟
- طيب جربني؟
- لا، أحب تطرقني.
- لا إله إلا الله، ما قلت مستحيل أطرقك... تعالى نتغدى سوا.
خرج من الداخل بمنشفة صغيرة حول خصره، وجلس على مقعد استراحة كبير بمنتصف غرفة تبديل الثياب:
- ماليش نفس يا زينهم.
- تعالى برضه معايا نفتح نفس بعض.
وبدأ يرخم عليه بحركات صبيانية. تعصب "ريان" منه:
- اسكت يا أخي.
- مش هسيبك غير لما توافق تيجي معايا.
- خلاص يا زين موافق، لما أشوف آخرتها معاك.
- أيوه كده يا بيضة، الله عليكي لما تسمعي الكلام.
- أبو تقل دمك يا أخي.
قالها "ريان" وهو يستعد يبدل ثيابه، فقال "زين" بتحذير:
- هااا.
ضحك "ريان" بوجه شاحب:
- خلاص بقى قلت جاي.
***
كان يقف "عمر" ينوي فعل الكثير. قرر أنه يسامحها على فعلتها ويعاملها كطفلته الصغيرة التي لا تعرف الصواب من الخطأ، وينوي التحدث معها بهدوء مهما كانت ردودها سخيفة. قرر أنه سيحتويها لأبعد الحدود. كل هذا ينوي به وهو ينتظرها خارج الباب الجامعي. يرى واحدة ورا الثانية ورا مجموعة، حتى انتهت الجامعة من الجميع. وقف مذهولًا، أين هي؟ لماذا لا تحضر؟ تقدم بحثها الذي كانت تسهر عليه طوال السنين الماضية، كيف لا تسلم بحثها الذي كانت تحلم به كل ليلة أنه تم الموافقة عليه وسافرت إلى الخارج لكي تكمل مشوارها الدراسي في أكبر جامعات بأمريكا. جن جنونه وركض داخل الحرم الجامعي بهياج. أوقفه الأمن، لكنه كان غير مدرك لتصرفاته. وقف يصرخ يطلب مقابلة الدكتور محمد، الدكتور المسؤول عن البحث. رفض الأمن وشد معهما حتى أتت الشرطة وتم عمل له محضر بالواقعة وتولت النيابة التحقيق في ملابسات ما حدث، ثم أُفرِج عنه وكيل النيابة بعد التحقيقات ومراعاة شعوره باختفاء اخت زوجة مراته بضمان محل إقامته.
خرج من داخل القسم بوجه تتخططه علامات الكبر، فكان عجزه الداخلي نطح عليه. عينه بها حزن شديد. هنا تأكد أنه لم يرها مرة ثانية. تحامل على نفسه وذهب إلى منزله بقلب يحمل الكثير بجعبته.
***
طلبت "هند" من "سيف" يذهب معها ليبحث عن شقة كما وعدها. أجابها بوجه يظهر عليه التعب وعيون دابلة:
- هند تعبان جدًا، مش هقدر النهارده، خليها بكرة.
- مالك يا سيف؟
- مش عارف، بس حاسس إني تعبان.
- خلاص هكلم ضحى أقولها نخلي موضوع الشقة بعدين، وأروح معاك.
- لا، روحي معاها عشان ما تشكش إنك كل الوقت ده كنتي معايا.
- مش هقدر أسيبك وانت كده.
- تعب بسيط، روحي معاها وخلي بالك على نفسك.
- مش هسيبك.
- وضحى؟
- هعتذر ليها.
استقلا السيارة والصمت سائد بينهما. ظنت "هند" أن سكوته هذا بسبب مرضه، فالتزمت هي الأخرى الصمت حتى لا تجهده.
وحين وصلا لشقته، وما إن خطت قدامه بالداخل؛ هم راكضًا داخل غرفته، وأغلق الباب على نفسه وظل يبكي بحرقة. تعجبت تصرفه هذا، وانقبضت كل أوصالها. طرقت عليه الباب لتفهم ما به ولماذا يبكي بهذه الطريقة، لكنه لم يجبها وتركها واقفة بالخارج مشتتة الذهن.
***
تجلس "تولاي" بالحديقة مازالت شارده بين ثنايا العقل والقلب، حتى سمعت صوت "عائشة" التي تتقدم نحوها وبجوارها "كوكي":
- نجمتنا اللي بتتقل علينا.
فاقت "تولاي" من شرودها ونهضت تستقبلهما بوجه سعيد:
- إيه المفاجأة القمر دي؟
قالت "كوكي" بمشاكسة:
- قمر إيه بس! إنتي استقلتي ودبستينا لوحدنا.
بلعت ريقها بتوتر بعدما فشلت عيناه في إخفاء الضيق الذي تحمله داخلها:
- صدقوني كده أحسن.... لأن ما لقيتش نفسي في الشغل ده، وأهو ريان ما يلقيش حد ينكد عليه كل يوم.
وقفت في مقابلتها "عائشة" تبلغها بحب:
- بصي يا بأسه يا فقده الشغف، طالما عايشة وفيكي نفس اسمعي مني وأنا هجبلك الناهية، ريان شخص محترم ويتشال على الراس.
وسع بؤبؤ عين "تولاي" بصدمة من تلقيب هذا الشخص السافل بمحترم. أخذت قطعة بسكوت كبيرة تسد بها فمها حتى لا تتحدث بأي شيء، وقالت بصعوبة:
- لكن له ما له وعليه ما عليه.
فقالت "كوكي":
- سيبك من ريان وكلام في الشغل، تعالي نسهر.
قامت لكي تهرب منهما وهي تخبرهما:
- أسهر فين؟ أنا مش بتاعت الكلام ده.
- من النهارده هيبقى ليكي، يلا.
وأضافت "عائشة":
- والله هتبسطي جدًا، هنروح مكان جامد.
بعد محاولات قامت لبست فستان طويل كاجوال بلون الأسود وعليه جاكت جينز، وحجاب روز، وتوجهوا على الفور لمطعم بجوار البحر. دخلت الفتيات المطعم يضحكان بصوت عالٍ جعل كل من في المطعم ينظر عليهن. جلسوا على طاولة أمام البحر. وقفت "تولاي" تقلد "ريان"... مشيته، حركاته المعتاد عليها وهو يمشي، نظرات عينه وهو يبحث عن شيء، وهو يمسد يده على شعره، حركة تبليل شفتيه، وفتح عينه على أوسعها عندما يكون منبهرًا بشيء أحد عمله.
ضحكت "عائشة" و"كوكي"، وقالت أخته باستغراب:
- إيه ده، حركات ريان بالظبط، إنتي إزاي جبتيه كده؟!
ثم جلست بغرور بنفس طريقته وقدرت توصل لنبرة صوته:
- الشغل ده كله مش عاجبني، اعملي من جديد...
قالت "كوكي" بانبهار:
- تولاي إنتي بتعرفي تقلدي حلو أوي.
ردت من كثرة غيظها منه:
- ولا بعرف أقلد أصلًا، ده من غيظي منه....
ثم أكملت بملامح منكمشة بغضب:
- ريان ده شخص ما يعرفش يعمل حاجة غير الأمر والنهي... شخص الإيجو عنده عالي، فاكر نفسه محور الكون، ده شخص فاشل وشايف كل الناس زيه.
صمتت البنات وظهر على ملامحهما الارتباك وهما ينظران خلفها. قالت بتعجب:
- مالكم سكتوا ليه؟ إنتوا بتبصوا ورايا ليييه؟!
ثم أكملت بسخرية:
- هو ورايا؟
هز رأسهما بإحراج. اتكأت على شفتيها بتوتر وخجل، ثم وضعت يدها على عينها تخبئ وجهها والتفت ببطء. أنزلت يدها وفتحت عينيها كالينبوع قد انفجر للتو. وجدته يقف واضعًا يده في جيبه. قالت بوجه مصطبغ خجلًا:
- يا الله.... إنت هنا من إمتى؟!
- من ساعة ما كنتي بتقلدي مشيتي.
قالها بنبرة هادئة تخالف ما يدور بداخله. بلعت ريقها بكسوف:
- بجد.
- يلا كملي، طلعت إيه كمان؟ عرفيني على نفسي.
سأل بتهكم، فهتفت من بين أسنانها وهي تلف رأسها في محاولة تدعي بها الثبات:
- مالك مضايق أوي ليه؟ هو أنا قلت حاجة لاسمح الله مش فيك؟
وضح عليه الضيق وهو يعض شفته السفلى بقوة. قام "زين" أرجعه بهدوء لكي لا يفقد أعصابه. جلس "ريان" وبدأ يشرب من كثرة النار بداخله من هذه الهوجائية التي تنجح في إغضابه بدون أي مجهود منها. كان يرمقها بحدة ويقبض كف يده. لفت رأسها عليه، أخرجت لسانها له ورجعت مرة أخرى برأسها. توبخهما:
- مش تقولوا إنه كان ورايا.
"ضحكت عائشة":
- وانتي بلعتي لسانك لما شوفتيه قدامك... يا عيني عليك يا أخويا.
انكمشت ملامحها بغضب من مدحها الدائم بأخيها وردت بهدوء مخادع:
- بالله عليكي اسكتي لأنك واخدة مقلب في أخوكي، شوية تقولي محترم وشوية يا عيني عليك... شوية شوية تقولي بيغسل رجله قبل ما ينام وبيشرب اللبن.
ضحكا الاثنان عليها وقبل أن ترد "عائشة" تفاجأت بدخول فتاة ترتدي فستان قصير جدًا متجهة إلى "ريان" الذي وقف بذهول ومن بعده "زين". ركضت داخل أحضان "ريان" وظلت تبكي بحرقة.
تصلب جسد "ريان" شعر للحظة أن قلبه وقف عن أداء عمله، وعقله تركه وتخلى عنه بعدما شعر بدوخة جعلت جسده يتأرجح. سنده من الخلف "زين" المنصدم. وللحظة تقابلت عين "ريان" مع "تولاي" التي رمقته بحدة وغضب. فقالت "عائشة" بقهر:
- نيللي...!
ثم تحركت باندفاع قائلة وهي تجذبها من داخل حضن أخيها الذي يوضح عليه الشلل الدماغي:
- إنتي لسه ليكي عين تيجي لحد هنا؟!
- عائشة بلاش تظلميني.
زجتها "عائشة" بقوة وحدة:
- إنتي حيوانة، مش كفايكي اللي عملتيه فيه؟
بربش "ريان" بعينه وقد بدأ يستفيق من التنويم المغناطيسي، وسمع "زين" ينهرها:
- المرة دي عندك مسلسل جديد وجاية توهمي بيه؟
وقفت تبكي بقهر وحزن لا تقدر الدفاع عن نفسها، تنظر على "ريان" بتوسل لينقذها من براثنهم. فأفهمها "ريان" الذي يعرفها جيدًا. أسكتهم جميعًا بحركة من يده، والتف أمسك يدها سحبها خلفه وخرج بها خارج المطعم.
كانت "تولاي" تنظر عليهما حتى اختفيا من أمامها، فسألت:
- مين دي؟
جلست "عائشة" بضيق وعصبية، وردت "كوكي" بضيق:
- دي نيللي.
رمقتها بغيظ:
- أنا كده فهمت مين نيللي، ولا نيللي وأنا أكمل هي مين؟!
لم تجد أحدًا يرد عليها فقالت:
- ليه محسساني إنها مشهورة أوي... لتكون نيللي بتاعت الفوازير؟
- يا بنتي نيللي اللي حكيتلك عليها اللي بيحبها ريان.
تغيرت ملامح "تولاي" وردت بنبرة صادمة:
- بيحبها؟!
نهض "زين" بعصبية وترك المكان بأكمله بدلًا من أن يمسك "ريان" ويفتك برأسه.
***
وقف "ريان" في مكان مظلم هادئ جمعهما سويًا كثيرًا. كان مازال متجمد الوجه ناظرًا إليها بطرف عينه منتظرًا حديثها. كانت تبكي ترمقه بعينين دامعتين تشهق بحرقة. مسح "ريان" وجهه وزفر أنفاسه المتوهجة بالهواء، ثم قال بحده:
- هتفضلي تعيطي كتير؟
بدأ يرتجف جسدها من آثار البكاء ودرجة حرارة الجو المنخفضة. تعجبت جموده، فهو كان لم يتحمل يرى دموعها، كانت يده تسبق دموعها حتى لا تترك مقلتيها، كان حضنه يدفئها ويخبئها من أي شيء. تأفف "ريان" من صمتها وصوت بكائها:
- نيللي هتتكلمي ولا أدخل لأصحابي.
أمسكت يده وقالت بتلعثم:
- أن... أنا.... ممكن تهدى عشان أفهم بتقول إيه؟
حاولت تقترب أكثر منه، بعد خطوة أغمضت عينيها بألم واشتدت على كف يده الذي لم يغلق يده على يدها أصبح كالوح ثلج خالي من أي مشاعر. نطق بعد أن استغفر ربه وسألها والوجع يحتل صدره:
- مالك؟
حاولت تأخذ أنفاسها وهي تخبره:
- و... وو... وحشتني.
كاد أن يتحرك ويتركها، لكن أمسكت كتفه تمنعه وأخبرته بقهر حقيقي:
- أنا واقعة في مشكلة كبيرة، وعايزاك تقف جنبي، لأن مش هلاقي حد ينجدني غيرك.
ضحك بسخرية وأخبرها بحزن يشق قلبه:
- ومن إمتى مش بقف جنبك وبحل كل مشاكلك، من إمتى مش بحس بيكي قبل ما تنطقي....
ثم تحدث بنبرة يكسوها القهر:
- خدت إيه منك غير وجع وألم وأسى وبعد وتخلي.....
أغمض عينه استنشق أنفاسه بصعوبة وقال وهو يدعي القوة:
- أنا لو واقف معاكي دلوقتي عشان في بينا عيش وملح، وغير كده دي أخلاقي ورجولتي اللي بتحتم عليا.... اتفضلي قولي جايه وجايبة معاكي مشاكل إيه؟
رجفة تسري في أوصالها لم تقدر على الوقوف. تمسكت بيده تخبره بحزن:
- ريان طول عمرك في ضهري وسندي وحمايتي عشان كده جيتلك، بس قبل كل ده أنا لسه بحبك.
أغلق جفونه محاولًا التحكم في ثباته:
- ادخلي في الموضوع يا نيللي.
انكمشت ملامحها بغضب لفظاظة كلماته وردت:
- للدرجة دي مش طايق تقف معايا؟
أجابها بوجه شاحب وقلب ينتفض بذعر:
- وأكتر من كده، إنتي عارفة كويس إنتي عملتي إيه؟
حاولت الإقتراب منه أكثر ناظرة بعينه البعيدة عنها:
- أنا واثقة إنك شهم وراجل، أنا عارفة مرأتك هتخليك تقف جنبي برغم كل اللي حصل بينا..... وبصرف النظر عن المشكلة اللي أنا فيها، أنا مشتاقلك... أنا عمري ما نسيتك، أنا بحبك فعلًا، ومش أي حب، وإنت عارف بحبك قد إيه، والله يا ريان مش عايزة حاجة من الدنيا غير نرجع تاني لبعض، يمكن المشكلة اللي وقعت فيها تكون سبب نرجع تاني لبعض.
ثم توقفت عن الحديث وقالت بدموع وانهيار حقيقي:
- رياااان ريااان أنا معرفتش أنساك ولا أحب غيرك، أرجوك متتخليش عني متسبنيش، حتى إنت منستنيش، إنت كمان بتحبني وبتكذب على نفسك حتى لو أنكرت الحب اللي في عيونك، ريان أنا نيللي حبيبتك اللي بتمشي في دمك...
قالتها وهي تمشي بسبابتها على عروقه البارزة من شدة غضبه. أغمض عينه بقوة يكتم نغزة سارت داخل قلبه. فوضعت يدها على قلبه شعرت بنبضاته السريعة:
- قلبك أهو لسه بيدق ليا وعمره ما هيدق لغيري.
استكفى من صوتها وحركات يدها على جسده. أزاح يدها بقوة وعنف:
- الدق اللي فرحانة بيه ده مش حب بتاع زمان، الوجعة اللي في قلبي دي كره وغضب، ومصدوم ومش طايق أشوف وشك تاني، أنا حرفيًا مصدوم إنك رجعتي تاني ومش عارف بأي وش راجعة تقولي بتحبي! هو الحب عندك لسه كلمة وخلاص؟
ثم أكمل بصوت مخنوق وضعيف:
- اللي بيحب ما يوجعش.. ما يخونش.. ما يحطش حبيبه في خيار وضيع.
مسح وجهه بقوة وادعى القوة:
- لو سمحتي آخر مرة هقولهالك جايه ليه يا نيللي؟
وقبل أن تتحدث خرجت "تولاي" من الداخل واقتربت منهم وجدتها تتمسك بيده فقالت:
- وزارة الصحة تمنع لمس المواطنين لبعض لمنع انتشار الأمراض حفاظًا على الصحة العامة.
أنهت حديثها ودخلت في المنتصف تعدي قائلة:
- مش هتوصلني؟
رمقها باستغراب وهنا طرق على عقله فكرة:
- طبعًا هوصلك، اتفضلي.
ثم نظر لـ "نيللي":
- بعد إذنك يا نيللي هروح أوصلها، الوقت اتأخر.
- ريان لسه مخلصتش كلامي.
أعطاها كارت به عنوان الشركة ورقم هاتفه وابلغها:
- نتقابل بكرة في الشركة، سلام.