تحميل رواية «طوق نجاتي» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في وسط دجى الليل، أناس كثيرون يتواجدون داخل ميناء في السعودية يصعدون على متن باخرة. منهم من أنهى عمرته، ومنهم من يقرر العودة بعد شهور وسنين عمل. أما "صافي"، فقد أنهت عملها بعد أسبوع في أحد المؤتمرات الصحفية. كانت تقف تنتظر دورها وهي تتأمل هذه الباخرة. كانت باخرة مليئة بالأنوار، بها لمسة من الفخامة والجمال، تكاد تكون مدينة كبيرة متحركة على سطح الماء بسبب ضخامتها. همت بالصعود عندما جاء دورها، وبدأ البشر يتفرقون كخلية من النحل، كل منهم يذهب إلى غرفته. دخلت "صافي" غرفتها وبدلت ثيابها وجلست على الفرا...
رواية طوق نجاتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ابتسام محمود
الفصل الواحد والعشرون
رواية طوق نجاتي
الكاتبه ابتسام محمود الصيري
رمقها بأعين هاربة لا تستطيع المواجهه، ليس لأنها ما زالت تحب؛ بل لعدم الاستطاعة للنظر كما كانت من زي قبل .. فقد كان "ريان" يشعر بأن الهواء قد فرغ من المكان .. يشعر انه يختنق وهي واقفه امامه .. عطرها الذي يفوح ويتسرب لرئته الذي كان يعشق استنشاقة سابقًا، هو ذاته العطر الذي تشمئز منه رئته وتطرده بقوة، لذا وجه حديثه لها بطريقة بها بجدية:
- بعد أذنك يا نيللي هروح اوصلها الوقت اتأخر.
- ريان لسه مخلصتش كلامي.
اعطاها كارت به عنوان الشركة ورقم هاتفه وابلغها بأقتضاب:
- نتقابل بكره في الشركة سلام.
يا لها من صدمة كبيرة ! لم ينتظر ردها حقا وتركها خلفه داخل دوامه تسحب روحها وانفاسها بدون رحمه... لم تصدق من نطق هو من احبته، وضعت يدها على رأسها تشعر بدوران، نعم هي رسمت اسوء السيناريوهات بعقلها لكن تلك الفعله غير متوقعة، كيف يتركها وهي تبلغه أنها بورطه؟ كيف لم يأخذها بحضانه كما سابق ويهدئها وهو يسمح دموعها، كيف هانت عليه؟ مائة كيف تدوي بعقلها، لكن ابتسمت بوجع وألم وهي تتذكر أنها هي من وضعته في خيار وضيع وهي من تخلت حتى تصل لاحلامها الرخيصة، كانت تظن أنه سينتظرها " يا لها من فتاة حمقاء"، تذكرت أيضاً جملته " هبقى أمنية ليكى صعب الوصول ليها"... مسحت دموعها بكف يدها سريعا وقالت لنفسها "مستحيل يكون كرهني هو بيحبني ومن حقه يقسى عليا هو عارف اني بحبه وكل تصرفاتي طايشه، أنا هعتذر ليه حتى لو الف مره لحد ما يرضى عني، عمري ما هيأس، ريان يستحق التعب للوصول ليه"
جحظت عينيها عندما زادت الفاجعة وجعاً، حين خبطت عائشة كتفها، متحدثه بأسلوب ساخر:
- بالله عليكي يا كوكي تبقي تبلغي الكافيه يجيبوا مبيد الحشرات، إلا الحشرات كترت واتوغلت في كل مكان.
شعرت بالإهانة ولم تنطق كأن احد سحب صوتها، دموعها تجمعت بعد أن مطت كوكي شفتيها وقالت مستنكرة:
- المبيد مش بيقصر في الاشكال دي، دي عايزه چركن جاز.
انكمشت ملامحها بصدمه لفظاظة حديثهما، فهم يتعمدان يجرحونها وكأن شغلهم الشاغل هو إيذاؤها النفسي، رمقتهما وقالت بداخلها: "كيف يفعلان ذلك وهم من كانوا بالأمس أعز أصحابها؟ كانوا؟! لا بل مازالوا جميعهم داخل عمق قلبها؟ لما لا يشعرون بحبها لهما؟!"
★*****★
لمعت الفرحة داخل عين "تولاي" بعد أن انتشى قلبها بالسرور أنه فضلها واصطفاها عن تلك الفتاة، اطلقت عنان ضحكتها الرنانه الساخرة وهي تخبر "ريان":
- بس لعلمك ذوقك طلع bad boy، البت طلعت خله ورشقه فوفها زتونه، بالذمة اللي مبيناهم دول رجلين ولا سيخ كفته فاضي... بس تصدق البت دي طلعت فاضيه من جوه وبره مافيش لحم ولا دم خالص.
لم يسمع "ريان" حرفا من حديثها بسبب الغرق داخل افكاره، يعتصر طارت السيارة بقبضة يده، يدمي وجهه من شدة جز اسنانة بقوة على بعضها، فهي تركت في روحه جرحاً عميقاً لا يندمل، كسرت قلبه كسر لا ينجبر، والندبة التي في روحه لا دواء لها... لعن نفسه كثيرا كيف اعتبرها في الماضي كل حياته؟!
لاحظت "تولاي" حالت الوجوم الذي عليها، صمتت هي أيضا وظلت تشاهد البحر الذي كان على يمينها، تتنفس الهواء بعمق... تريد أن تفهم الحاله الذي هو عليها؟ هل هي اشتياق لحبيبته وسيأخذ وقت ويسامحها، ولا هو يحترق من الداخل على ذكريات قاسية مرت عليه كما فهمت من كوكي... زوت حاجبيها باستغراب، عندما استوعبت فيما يفكر عقلها ولما يشغل باله به؟! ردت على نفسها بصوت خافت: " أنا كائن فضولي وبحب اشغل نفسي بأي حد غامض، عادي جدا.
اقتنعت تماما بهذا الرد الغير مقنع من الأساس.
كان عقل "ريان" لا يحتمل هذه الصدمة التي هي فاعلتها بقصد، ولا قلبه قادر على تحمل كم المآسي التي صدمته بها، أما عن روحه فهي مثقلة بهموم حبيب خانها وصدمها صدمة لا تنسى ولا تغفر، ستبقى ندبها إلى الأبد.
★*****★
استيقظت "هند" من نومها توجهت لخارج غرفتها لم تجد "سيف" مازال قابع داخل غرفته، تعجبت من امره ومن حاله، هل هو حزين أنه اعطاها بحثه الذي تعب فيه؟ نعم من حقه فهو كان يجاهد نفسه حتى يحصل على تلك المنحه، وقفت تائه داخل افكارها لحظات ثم توجهت على المطبخ واعدت لهما الطعام، بدأت بتقطيع الطماطم تذكرت "عمر" عندما جرحت اصبع يدها.... لم يأخذ منها قطعة الطماطم ويقطعها بدلا عنها؛ بل علمها كيف تمسك الطماطم بطريقة صحيحة وتبعد أصابعها عن سلاح السكين، ابتسمت عنوة على ذكرى جميلة وأكملت بنفس هذه الطريقة التى تعلمتها منه.... وبعدما انهت كل شيء طرقت على باب غرفة "سيف" فتح لها بوجه عابس، حاولت تمزح معه حتى تنتشله من هذه الحالة:
- عملالك شكشوك ولا يا ولا... تعالى دوق واياك تقول رأيك بجد، بقبل المجاملة في الحالات دي.
ذهب معاها بابتسامة باهته، وقال بعد وقت بصوت خافت:
- انتي طيبة اووي يا هند.
مضغت ما في فمها ورفعت رأسها تنظر عليه قائله بتسائل:
- ليه؟
أجابها بغموض:
- من غير ليه، حاجه حاستها فقولتها.
ردت عليه بتشتت وخوف:
- مش عارفه الطيبة دي صح ولا غلط، بس أنا فعلا مش بعرف اتعامل مع اي حد غير بطبعي، مش بعرف اتخابث ولا اكون بوشين، تعرف أن حتى صافي الله يرحمها كانت برغم تهورها واندفاعها والكل يفتكر أنها بلطجية في نفسها كانت طيبه مش بوشين.
ابتسم بأسى ليردف:
- الله يرحمها... الطيبه مش وحشه بس في الزمن ده بلاش.
ثم ترك ما في يده ونهض مكمل:
- الحمدلله... هعمل شاي تشربي؟
اومأت رأسها وهي تبلغه:
- اوكي، بس بلبن.
هز رأسه بالموافقة وتحرك بذهن شارد... وتركها خلفه لا تفهم عن ماذا يتحدث من الأساس.
★******★
اوصل "ريان" "تولاي" أمام فيلتها، مدت يدها تودعه بابتسامة عريضة بلهاء، مد يده يصافحها واخبرها بمذاح واضح وهو لم يترك كف يدها ويتعمد يضغط عليه:
- اوعي تكوني زي البنات المراهقه اللي تفضل تشم ايدها عشان اللي بتحبه سلم عليها، ولا تطلعي تنطي فوق السرير زي الهبله، المله مش هتستحملك هتتكسر و هتتزرعي زرع بصل، ولا تفتكري المخده لما تضربي نفسك بيها عشان تكتمي ضحكتك جواها ريش نعام، فوقي يا قطه هتاخدي خابطة منها تجيب اجلك وتبقي جندي مجند شهيد حب من طرف واحد.
عبست "تولاي" وجهها وزوت حاجبيها باستغراب وهي تحاول شد كف يدها وتستوعب ما يتفوه به، بعد ثواني قالت بتعجب تحول حالته ١٨٠ درجة:
- اللي يشوفك من شوية ميصدقش اللي بتعمله وتقوله دلوقتي؟
اطلق عنان ضحكته الرجولية الخشنه ووضع كف يده الاخر على نفس يدها اليمنى وحاوط كف يدها بين يديه وأخبرها بمشاكسه:
- سمعتي فيلم الدنيا على جناح يماما لما محمود عبد العزيز قال لسناء انا مبحبش النكد يا طماطم... أنا بحب اعدي على الهم طياري
مش كانت جملة كوميديا في فيلم كوميدي لكن دي الحقيقه الإنسان اللي بيعدي على الهم طياري ده اللي بيقدر يكمل الحياه وأنا ماليش في جو الاكتئاب والامراض النفسيه دي يا طماطم.
اذهلت من حديثه وأبلغته بتلعثم:
- انت سكران صح؟ هو أنا بسألك! ده أنا شوفتك بعيني اصلا بتسكر.
قلد طريقتها بقوله:
- اصلا...
ثم قهقه وأبلغها بغمزه من عينه اليسرى فيها خبث:
- اممممم انتي متابعاني بقى ؟!
احمر وجهها حمرت توتر وارتباك وخجل بآن واحد:
- سيب ايدي.
نظر عليها بعينه البنيه بخبث ثواني، جعلها تتوتر اكثر وتبلع ريقها، ثم نظر على كف يده بعدما ترك كف يدها المسكين الذي تصبب عرق وارجع يده الاثنتين للخلف وهو يبتسم، رمقت كف يدها كانت لا تشعر به كأن ثقب عليه مخدر قوي المفعول، لم تصدق أن كفها مازال مرتبط بذراعها ارجعته بجانبها بثقل بسبب شعورها بالتنميل به، فتحت باب العربة بيدها اليسرى بدل اليمنى ونزلت وهي تقبض على كف يدها وتمشي كأنها في عالم اخر لا تعلم هذا الشعور الذي اختلج صدرها ولا تعرف إلي اين هي ذهابه، نادى عليها واخبرها :
- ونسيت اقولك تركزي كده وتمسمي العقل، وتلمسي الواقع برجلك الا تتخبطي في عمود نور وانتي ماش....
وقبل أن يكمل دخلت في عمود نور، فاقت وهي تتوجع... وضعت كف يدها اليسرى على رأسها بألم ورمقته بغيظ وتحركت خطوات سريعة داخل الفيلا... تحرك وهو يضحك كأن صب همه في مشاكستها، فهو بعد تفكير كثير وهو في الطريق قرر لم يعطى ل "نيللي" مقدار اكبر من حجمها داخل قلبه وعقله، ونجح في اثبات لنفسه أنها أصبحت لا تفرق معه، لكن لخبط كيان المسكينة "تولاي" بطريقة اعتاد عليها من صغره يجعل الذي امامه يتصرف كيفما يشاء هو يجعل التي يحدثها لا تريد ولا تفعل إلا ما طلبه.
كانت "تولاي" تدخل يدها اليمنى داخل حقيبتها تذكرت كلام "ريان" وبالفعل اشتمت رائحتها لا إيراديا؛ ابتسمت بداخلها عندما ترك عطره المميز بكف يدها اغلقتها بقوه لتحتفظ بهذا العطر، وادخلت كف يدها اليسرى واخرجت مفتاحها.... دخلت وجدت والدتها تنتظرها بابتسامة قابلتها ولم تعطيها فرصه للحديث لأنها تعلم أن امها تعشق الثرثرة والحديث والأسئلة الكثيرة:
- فصله خااالص، Tomorrow نتكلم في كل حاجه ونجيب لب وسوداني ونرغي للصبح.
تعجب "يسرا" حالتها لكن صمتت وتركتها على راحتها وصعدت معاها تساعدها في اخراج ثياب نضيف ولم ملابسها المتسخه وقبلتها وخرجت على الفور ... تحركت "تولاي" على فراشها حاضنه كف يدها، تشعر بشعور يتخلل اوتار قلبها يجعله ينبض بحماس، كان شعور يسعدها كأنها امتلكت العالم... وقفت لا إيراديا على الفراش تقفز حتى وقعت وازداد صوت انفاسها العالية وضحكتها امسكت الوسادة وضعتها على رأسها وهي تضحك أكثر على توقع "ريان" لكل ما فعلته...
وبعد ثواني ابعدت الوساده وجلست تفكر بجدية... لما توقع أنها ستفعل هذا؟ هل يشعر بما تشعر به؟ ضربت رأسها وقالت: "وأنا اصلا مالي بيه.... بس أنا فعلا ببقى مبسوطة لما اشوفه؟ نظقت هذه الجملة بعيني لامعه وابتسامه واسعه، ثم عابست وجهها ونطقت بجدية: لا دي اوهام... ده شخص بطلع فيه كل طاقتي السلبية عشان كده بكون مرتاحة"
اقنعت نفسها بشيء وهمي ثم تمددت على الفراش نائمه براحه.
★********★
في الصباح الباكر استيقظت "هند" ولم تضيع وقت ذهبت إلى "سيف" تبلغه بنبرة خافته:
- سيف يالا عشان نلحق اليوم من اوله.
رد عليها بحزن يكسو عينه:
- خلاص زهقتي مني؟
تفوهت سريعا بنفي وحب يرتسم على ملامحها:
- متقولش كده انت عارف اني اتمنى اكون معاك العمر كله.
نظر داخل عينيها وهو يمد يده يمسك يدها:
- طيب ما تخليكي.
توردت وجنتيها بأحراج وردت بتلعثم وهي تسحب كف يدها:
- سيف بليز انت وعدتني هنسلم البحث وندور على شقه.
صمتت ثواني يطالعها ثم أبلغها بجدية:
- عايزك قبل ما تمشي تكوني مش زعلانه مني ولا من اي تصرف صدر مني بقصد او بدون.
اجبته وهي مازالت على خجلها:
- لا مش زعلانه منك.
ابتسم لها بحب و نزل معاها يبحثا عن شقه حتى وجدا بيت صغير عجبها جدا، وقف "سيف" يتفق مع صاحب المنزل نادت "هند" عليه برقه لتسأله:
- سيف قالك كام؟
ابتسم وهو يخبرها بجدية:
- متشغليش بالك، اهم حاجه تكون عجبتك.
ردت بفرحه وهي تطالع السكن:
- عجبتني جدا، بس معلش أنا اللي هدفع.
ظهر على وجهه علامات العبوس:
- انتي بتقلي مني كده؟
ردت سريعا وهي تمسك يده وعلى ثغرها ابتسامه:
- ابدا والله، بس معلش أنا وانت حاليا مافيش ارتباط رسمي يعني مش ملزوم تصرف عليا.
- بس أنا بعتبرك كل حاجه ليا.
- وده شيء يسعدني جدا، بس معلش سابني على راحتي وخليني احاسب، أنا كده كده معايا فلوس في الفيزا ورث بابا، خليك للكبيره.
رمقها بضيق على عنادها وتصميم رأيها، ورد باقتضاب:
- تمام اللي يريحك.
- طيب عايزه انزل اسحب فلوس.
- يالا يا مدوخاني.
نزلا يتفقدوا المنطقة عن ماكينه صرافه وجدوها بعيدا قليلا عن المسكن، سحبت مبلغ ورجعا للمستأجر اعطته المال، رحل المستأجر بعد توقيع العقود.
كانت نظرات "سيف" مليئة بالحزن والفقدان، عيناه تترجاه بالا تتركه وتعيش بمفردها، وفي ذات الوقت كانت تبادله هي بالحب والحنان، لكن كان هناك شيء داخلي ينخر برأسه وينغز نغزات متتالية في قلبه بأن تلك اللحظة ستكون الاخيرة .. خشى أن يحرم منها ومن وجودها بجواره، فكيف له أن يعود لمنزله وهي ليس بداخله .. فقد شعر بالونس والألفة وهي معه لانه مفتقد الجو الاسري من صغره .. تذوق طعم الحب خارجًا من انفاسها فمتلئ كل جدران الشقة به، فكيف ستكون حياته ووقته وهي ليس بجواره في الغرفة المجاورة ؟
لكن كان لابد عليه الرحيل مهما طال وقوفه ونظراته لها، ودعته "هند" بحزن واغلقت الباب وجلست متنهده بحرقه لرحيله، ثم رمقت المكان بأعين متفحصه، وقلعت حجابها براحه وطمأنينة ونامت بعمق دون قلق أو خوف من عقاب الله.
★******★
يدخل "ريان" شركة السياحة الخاصه به يمسك هاتفه يتحدث بثبات:
- خلاص تمام تعالي أنا هستناكي... سلام.
اغلق الهاتف ووقف لحظات على اعتاب الشركة وهو يقلع نظارته يرمق من تدعي الانشغال داخل جهاز الحاسوب، بربش عدة مرات يحاول يصدق أنها هي، رمقته مدعيه الاستغراب، ثم نظرت الجهه الثانيه، فسأل بتعجب:
- وده من ايه أن شاء الله؟!
ادعيت عدم الفهم وأجابت على سؤاله بطريقة اخرى وعي تنظر حولها:
- تقصد فين كوكي وزين؟ دول طلعوا مع الفوج السفاري.
- لا دول اعرف هما فين كويس اووي.... اقصد انتى.
وقفت ببرود ووجهت القلم الذي بيدها عليه:
- حضرتك عايز حاجه مني؟
اتكأ بأسنانها على شفته المسكينه يصب بها غضبه وسألها بوجوم:
- حضرتي مش عارف ايه اللي جايبك، مش كنتي استقلتي امبارح، وجيتلك بنفسي عشان ترجعي ورفضتي ؟
اومأت براسها مؤيدة حديثه وقالت وهي تلوح بيدها:
- الكلام ده كان امبارح اديك قلت.
وقف وضع كف يده على الاخرى يسيطر على غضبه المستحوذ منه بسبب شغل العيال التي تفعله:
- والله!! طيب والنهارده ايه؟!
ردت عليه بهدوء وهو ما زال على وجومه:
- اقتنعت بكلامك... وصعبت عليا اصل الشركة من غيري هتقع.
- والله!
تعصبت من رده الساخر، فقالت بحده وهي ترمقه بغضب:
- مش ده كان كلامك؟
هز هو رأسه هذه المره موافق على حديثها ومكمل ما قالته:
- بس ده كان امبارح...
صوبت نظرتها الصقريه عليه وأبلغته بحده بعدما رأت من خلفه تتبختر نحوه:
- على قلبك يا ريان.
نظر خلفه مكان ما نظرت وجد "نيللي" ابتسم بمجامله، لكن هي دخلت بحضنه وضمته بيدها بقوة... وهو كان يقف متصلب لم يتحرك، وعندما اطالت في عناقه رفع يده انزل يدها واخذها ودخل بها غرفة المكتب الثانيه....
صرخت "تولاي" بصوت خافت وامسكت الورق الذي امامها قطعته وكادت أن تأكله سعلت بقوة جعلت "ريان" يرمقها من خلف الحائط الزجاجي، بعدت الورق وضعته خلف ظهرها وقالت من بين أسنانها:
- ده ورق كان عايز يتعدم، متاخدش في بالك عدمته عقبال اللي في بالي.
وانهت حديثها مصوبه نظرها على "نيللي" التي تجلس بجوار "ريان" على اريكه سوداء، ترتدي تنورة قصيرة واضعه قدم على الاخرى متجه بقعدتها عليه...
وقفت تحترق من الغيظ حتى أن هاجم عقلها فكره تقطع بها حديثهما، دخلت تعد له فنجان قهوة، وضعته على الموقود ووقفت على باب المطبخ تتلصص عليهما، لكن بدون فائدة لم تسمع إلا صوت فوران القهوة وكب نصفها على الموقود، ركضت اغلقت النار وسكبت ما تبقى وذهبت تعطي له، دخلت دون اذن، وضعت الفنجان على الطاولة، ثم قالت ل "ريان" وهي تتطلع "نيللي" بقرف:
- عملتلك القهوة.
رمق "ريان" الفنجان الذي يوضع به اقل من النصف وقال:
- وجيتي على نفسك ليه ؟
رمقته بحده:
- بتقول ايه؟
اجابها بهدوء حتى يرحم نفسه من حواء التي تقبع داخلها:
- تسلم ايدك.
ردت بهوجائية:
- الله يسلمك يا ذوق... واعمل حسابك ده مكان اكل عيش... ها وورانا شغل كتير، يارب نحس على دمنا أنا ده وقت شغل ومال ناس بيضيع... احنا مش جاين ...
قاطعها "ريان" وعو يصوب إصبعه السبابه لخارج المكتب بأمر:
- بره.
صدمت من وقاحته:
- ايه.
لم يحرج وقرر كلمته بوجوم ظاهر داخل عينه:
- برره.
تضايقت من نظرات "نيللي" التى تطلعتها بها بشماته وقالت بلامبالاة لحفاظا على ماء الوجه:
- تماااام... أنا هطلع.
ارجع ريان يده وشبكها ببعضهما وأبلغها بهدوء:
- اطلعي.
كانت ترجع خطوات بطيئه بظهرها وهي تتمنى أن تنقض على هذه البلهاء:
- ايوه أنا هطلع.
حاول التماسك بهدوءه المزيف وأردف من لين أسنانه:
- اتفضلي.
- ما بطلع اهو.
قالتها وهي تشوح له بكف يده، جعلته يخرج من عابئة الهدوء وأبلغها بعصبية:
- تولاي انجزي.
طلعت سريعا، لكن وقفت تضع اصبعها داخل فمها تقضم أظافرها وهي تفكر في محاولة للدخول مره ثانيه، ابتسمت ابتسامه شيطانية وقالت لشياطين عقلها بغرور:
- لا داعي للتصفيق، ده اقل تفكير عندي.
ثم توجهت على عداد المبرد قللت درجة الحرارة، واصبح الجو بعد ثواني بارد ثلج.... ووقفت تنتظر ردت فعلهما بابتسامة تشفي...
مرر "ريان" يده على كتفه وهو يضم حاجبيه على بعضهما بسبب شعوره بالبرد... حضنت "نيللي" نفسها وهي تعبس وجهها مستغربة...
دخلت "تولاي" شدة مفرش الطاولة
وضعته على "نيللي" من اعلى رأسها وكتفيها وخبئت ساقيها العاريان، كان يتابعها "ريان" وهو يحك ذقنه بقلة صبر وأبلغها وهو على حافة الغضب من تصرفتها:
- ممكن تقفلي التكيف.
رمقته بعيون ضيقه بها شر وهي تمسك "نيللي" بقوه، رفع حاجبه ورجع للخلف، أبلغته بنبرة أفعى تنوي الغدر بفريستها:
- الريموت ضاع.
زفر أنفاسه بحنق:
- طيب شكرا اتفضلي انتي.
ردت عليه وهي تنظر على "نيللي" نظرات غير مطمئنة:
- ما أنا هتفضل، حد قالك اني زي ناس فاضية! و هطول هنا في مكان شغل، دي الدقيقة اهمال بنخسر كتير... كتييير.
كان يسمعها "ريان" وهو يربع يده من شدة البرد وأبلغها بحزم:
- خلصتي النصيحة؟
اومأت براسها، أكمل حديثه:
- يلا زي الشاطره جرجري رجلك واطلعي شوفي شغلك عشان منخسرش كتييير.
خرجت بظهرها وعينيها عليهما، تضايقت "نيللي" وقالت:
- مين دي؟
عادت "تولاي" سريعا لها لتجيب على سؤالها:
- أنا تولاي، تولاي ونصيحة متسأليش كتير عليا عشان بشغل اووي وبحرق.
رمقتها "نيللي" بقرف، وضع "ريان" على وجهه بسبب افعالها وأشار لها بإصبعه وهو يخبى عينه تطلع بره، اقتربت من "نيللي" بنظرات فهد، خافت "نيللي" ومالت للإمام على "ريان":
- ريان هي مالها دي؟
رفعت تولاي حاجبها الايسر وشفتها ووضعت يد على الاخرى:
- متخافيش يا سكر مش بعض بس اقعدي عدل كده وغضي رجلك كويس عشان البرد مش عاتق اللي زيك.
انهت حديثها وخرجت وعي تمصمص شفايها بصوت عالي، وتركت الباب مفتوح قائله بأسلوب همجي:
- عشان بس التكيف يسرب الهوا بره بدل النار اللي أنا فيها.
وبعد لحظات قامت من جديد ودخلت لهما:
- فيه واحد جاي يقدم على شغل.
أجابها بهدوء:
- طيب اتعاملي معاه.
- هو أنا كنت ال Hr بتاع الشركة ؟
- اتعاملي يا تولاي .
- وأنا ايه اللي عرفني في شغل المراكب، قوم ومتشغلش بالك بالسكر هي دي اللي هعرف اتعامل معاها.
نهض من مكانه ومال عليها ابلغها بتحذير:
- تولاي دي مش حملك... بشويش عليها.
- اتكل على الله.
- ايه ؟!
- زي ما سمعت.
أمسح طرف أنفه وهو يتأكد من داخله أن "تولاي" مش خسارة فيها... ثم خرج يجلس مع الرجل وكل لحظه يرمي رأسه عليهما حتى لا تتهور "تولاي" أكثر من اللزوم... وفجاه سمع صوت صراخ "نيللي" نهض دخل لهما سريعا، وجد "تولاي" تضربها بمضرب الذباب، ركضت عليه عندما لمحته وقالت بوجع:
- هي دي يتشتغل هنا ايه؟
جلست وضعت قدم على الاخرى وردت بعنجهيه:
- اضرب حشرات .
كان يضع كف يده يحاوط كتف "نيللي" بعدما رأى احمرار ذراعها:
- تولاي كفاية كده !!
نهضت بأندفاع وأبلغته بصوت عالي:
- يعني اسيب الحشرات تتوغل في المكتب ؟
ثم اقتربت منه ضربته على كتفه بكل قوتها، جعلته ينزل ذراعه من عليها، ورمقها بحده وأخبرها وهو يكتم المه:
- تولاي بره .
وقفت شامخه القت المضرب ارضا بقوه، وأردفت بغيره تنهشها :
- لعلمك ذوقك بلدي... وايه كمية الميك اب اللي حطاه ده!؟ دي لو بترسم لوحه مش هتلونها كده !!
وقبل أن يطردها شاورت له بيدها قائلة:
- من غير ما تقول أنا هطلع لوحدي!
خرجت تزفر أنفاسه بحنق حتى أن تذكرت خطيبها المزيف، امسكت الهاتف وجلست تتحدث بطريقة ملفتة:
- لا قول كلام غير ده ههههههه...... طيب وحشتك قد ايه.... لا لا انت الأول ههههههههههه .
لاحظ "ريان" صوتها المرتفع وضحكتها الخليعه، وقف مدعي يسمع "نيللي" وكل حواسه مع التي تتحدث بهنج مع شاب هاتفة:
- لازم تيجي عشان اشوف بنفسي يا بودي...
ههههه.
جحظت عينيه فما تريد أن تراه هذه البلهاء، اخرج رأسه من الغرفة وقال بأمر وجدية:
- تولاي.
رمقته بلا مبالاة، فقال وهو يحك مقدمة رأسه :
- تعالي لو سمحتي .
لوحت له بيدها وظلت تتكلم، تضايق من لامبالاتها وتجاهلها له، خرج بعصبية مقترب عليها وقبل أن يتحدث رن هاتفها وهو على اذنها جعلها تنتفض، ضحك "ريان" وهو يقترب منها يأخذ الهاتف ينظر على الاسم وأبلغها:
- تبقي تعمليه على وضع الصامت بعد كده ؟!
- على فاكره كنت بكلم خطيبي.
- ياما نفسي اشوف خطيبك يا بيرة.
لم ينتظر ردها تركها ورجع ل "نيللي"، تعصبت منه وقلدته وهو يعطيها ظهره.
وقفت "نيللي" سائله بضيق وغيره:
- ريان مين دي؟!
اجابها وهو يأخذ سيجارة من علبه سجائره:
- دي تولاي.
- في ايه بينكم؟
- ولا حاجه بتشتغل معايا.
- طيب ممكن نروح مكان بعيد عن هنا عشان تركز معايا.
- تمام.
ما ان لمحتهما "تولاي" خارجين سويًا،
وقفت امامهما واحمر وجهها بضيق متسائلة:
- انتوا رايحين فين ؟
رمقها باستغراب ولم يرد عليها،
فقالت بتوضيح:
- أنا بسأل بس عشان لو حد جه سأل عليك !!
اجابها بنفاذ صبر:
- هنروح ناكل.
رسمت الابتسامة على ثغرها وقالت بثقة:
- تصدق عندك حق يالا احنا نروح ناكل اكله حلوه وبعدها نجيب آيس كريم نحلي بيه.
كانت تلم متعلاقتها من على المكتب داخل حقيبتها، فرد بفظاظه:
- أنا ملاحظ انك رشقه حرف النون في كلامك... ليه مش عارف؟
وقفت أشارت على نفسها بملامح قطة بريئه: - ما أنا كمان جعانه.. يالا بسرعه .
زجه اوقفها مكانها وابلغها بأقتضاب:
- اعدي في المكتب هطلبلك اكل .
جلست وهي تسحب "نيللي" من ذراعها وهمست بصوت خافت لها:
- مش قلت السيقان دي تدارى؟!
وأكملت بعدما ابعدت "نيللي" يدها من عليها:
- فكره برضو اطلب لينا كلنا ناكل هنا.
أمسح وجهه بعصبية:
- برضو مصره تحطي نون الجمع ؟!
- بعشقها !!
عض شفته وتركها وانصرف دون أن ينتظر سماع اي رد اخر منها، فقد استنزفت كل طاقته، بينما هي جلست تأكلها نار الغيرة حتى احترقت بها وهو لا يشعر بمدى احتراقها، وتركها دون ان يحاول في اطفائها؛ بل زاد من لهيب توهجها واشتعالها ...
★******★
يصدح هاتف "عمر" ضجيج رناته يقوم يمد يده بكسل يأخذه، و يجيب بدون أمل في الحياة، حتى أن سمع صديقه في العمل يخبره:
- عمر... هند سحبت فلوس من منطقة ".." في"...".
رواية طوق نجاتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ابتسام محمود
يصدح هاتف "عمر" ضجيج رناته.
يقوم يمد يده بكسل يأخذه، ويجيب بدون أمل في الحياة.
حتى أنه سمع صديقه في العمل يخبره:
- عمر... هند سحبت فلوس من منطقة ".." في "...".
أخذ أنفاسه بعدما انقشع عنه الشعور بالهزيمة، وأصبح يشعر بالأمل من جديد.
كان يتحرك يمينًا ويسارًا بكل طاقة ليستعد لرؤيتها.
يا لها من مفاجأة سارة خلقت في نفسه البهجة، وتهلّلت أساريره واللمعت أعينه سرورًا.
أنهى ارتداء ملابسه وترجل سريعًا على السلم.
كاد قلبه يقفز من بين أضلعه من فرط سعادته.
- اتفضلي يا نيللي ادخلي في الموضوع على طول.
قال "ريان" جملته بعدما عكست عينه الضيق الذي اعتراه من "نيللي".
حينما وضعت يدها متمسكة بمعصمه بقوة راجية إياه أن يستمع لها.
فقد كانت ترمقه داخل عيناه بنظرات حب وهيام كما بادلته إياها في الماضي.
كم كانت تتمنى إعادة سريان الحب بداخله من جديد.
لكنها وجدت منه النفور والغضب حين سحب يده بقوة رافضًا ملمس كفيها الذي كان بمثابة نيران تحرقه اشتعالًا وغضبًا لم يستطع تحملها.
كم تعجب، أليس هي نفس الكف الذي كان يعشق ملمسه ويقبله في كل لحظة وهي بجواره؟
فماذا حدث الآن؟ لما كل هذا الغضب والنيران؟
عندما رأت تغير ملامحه؛ زفرت أنفاسها بحزن وعينان تفيضان بحورًا من الندم.
صمتت عندما لجم لسانها عن التفوه والتعبير عن مكنون ما بداخلها من الكلمات.
فقد شعرت بوخزة داخل قلبها آلمتها بشدة.
وهي كانت على يقين تام أنها المتسببة في تلك العاصفة التي هبت رياح الغضب عليها.
بل هي الجانية في حقه وتستحق ما عليه الآن.
ازداد شعورها بالحزن والانكسار.
فكانت دموعها تهطل بغزارة.
أرادت التحرر بحرية، لعلها تستغيث مطالبة منه الرحمة والرأفة لحالتها.
لكن مع نظراته الحادة جعلتها تشعر أن موتها محتوم في تلك اللحظة.
فلا نجاة ولا مفر منه.
فبعده عنها يعني الموت البطيء.
بلعت ريقها وحاولت إخراج صوتها المبحوح بهمس وترج:
- ريان ارجوك اديني فرصة واحدة بس!!
انكمشت ملامحه بغضب لإصرارها الخوض داخل حديث تم إغلاقه منذ زمن.
رد بهدوء عكس ما يدور بداخله من حمم بركانية، وهو يلملم متعلقاته:
- الواضح أن مافيش عندك كلام جديد تقوليه، بعد إذنك.
كانت تظن أنها تتمكن من العودة للوراء.
إلى حياة كثيرون كانوا يحسدونها عليها.
ولكنها نسيت أنها من أجرمت وباعت حب سنوات مضت.
كانت تعتقد بأقل الكلمات إعادة الحب والسعادة.
معتمدة على رصيد حبها بداخله.
لكنها غفلت أن الرصيد مع الجرح والأيام قد ينفذ.
ولم تدرك جرم ما فعلته، أنها بذلك حطمت قلب وعلمته الأسى والقسوة التي لم تذق منها قطرة من ذي قبل.
نهضت سريعًا بحزن حقيقي.
وقفت في مقابلته تمنعه من الرحيل بعيون دامعة:
- للدرجة دي خلاص مش طايقني؟
أغمض عينه بقوة، وهو يزفر أنفاسه الملتهبة.
رفعت يدها باستسلام لكي يهدأ ولو قليلاً قائلة:
- خلاص يا ريان هتكلم في الجديد... ممكن تقعد؟
ألقى كل متعلقاته على الطاولة بإهمال وقلة صبر.
ثم وضع يده تحت ذقنه منتظرًا حديثها.
فأبلغته على استحياء وبصوت هامس:
- هحكيلك بس أتمنى أنك متفهمنيش غلط... أنااااا مضيت على عقد عرض أزياء لـ فرد واحد...
اعتدل من جلسته، واتسع بؤبؤ عينه بذهول.
فقالت بتبرير وهي تطقطق أصابعها بتوتر:
- والله يا ريان قبل ما أمضي... خالد أكد ليا أنها في مكان مخصص للعرض... أصل بيكون في أمراء بيحبوا يقعدوا براحتهم من غير ما العين تكون عليهم.
فقد ثباته وأخرج كل ما بداخله ولم يراعي من يجلسون حوله:
- وصل بيك الحال عشان الفلوس والشهره تنزلي للرخص ده؟!
زفرت عينيها الدموع تلقائيًا.
حاولت إخراج صوتها المتحشرج:
- ريان انت فهمني غلط... انت تعرفني كويس.
ابتسم ابتسامة تحمل الكثير من الأوجاع.
وأبلغها بعيون بها سحابة من الدموع من القهر على من جعلها في يوم تملك قلبه:
- للأسف أنا كنت عارفك زمان... أو كنت فاكر إني عارفك... دلوقتي اتأكدت إني معرفكيش... نيللي اللي كنت أعرفها... وحبتها واللي كان نفسي أجبلها حتة من السما خلاص ماتت... اتقتلت جوايا... والنهارده بس يوم وفاتها... وانتي اللي كتبتي شهادة وفاتها بإيدك.
انجهشت بالبكاء وهي تحاول منع إخراج كلماته التي كانت بمثابة نصل خنجر مسموم يضعه داخل قلبها:
- لا لا لا اوعى تقول كده يا ريان... والله كنت واثقة فيه...
ضحك بسخرية وتحدث ببرود لوح ثلج:
- وياترى الثقة دي وصلت لحد فين ياااا.... نيللي... مش نيللي برضو ولا ده كمان غيره؟
شعرت بالإهانة الشديدة، كأن من يتفوه بتلك الرصاصات التي يصوبها بداخلها بكل قوته ينكر معرفة هويتها من تكون هي؟
جففت دموعها المنسابة على وجنتيها بهدوء.
وأبلغته وهي تنهض وقالت بوجع فشلت في إخفائه عنه:
- بعتذر لو كنت أخدت من وقتك كتير.
كان يجلس واضع قدم على الأخرى، ويرجع بظهره على مقعده مربع الأيدي.
لم يتحرك في جلسته، وأبلغها بحدة:
- لما تكوني مع راجل احترمي وجوده.
- خلاص أنا هتصرف.
- اقعدي.
جلست تجفف براحة يدها دموعها وانصعقت حين أكمل "ريان" بدلاً منها فيما حدث بعد الاتفاق:
- وطبعًا الاتفاق اتحول لغرفة خاصة...
- انت عرفت ازاي؟!
رد بهدوء ورجولية حتمت عليه التصرف بعقل:
- خلاص يا نيللي هتصرف، متشغليش بالك بالعقد اللي معاه... واقفلي تليفونك عشان ميوصلش ليكي... وأنا هحجزلك في فندق تقعدي فيه، واياكي حد يعرف العنوان مهما كان ولا كانت مين، تمام؟
هزت رأسها بضعف ونهضت معه وهي تشتاق إلى عودتها لطفولتها لتكون أكبر مخاوفها حرمانها من المصروف...
ولا تعيش معنى الحزن الحقيقي، ولا تدري ما هو التفكير، ولا تعرف معنى فقدان غالي...
كان "ريان" يسير أمامها بطوله الفارغ وهي خلفه.
أغمضت عينيها لذكرى هاجمت رأسها...
حينما كانا جالسين في مطعم ممسكًا بيدها بكل حب، وحين أتى موعد الذهاب لم يترك يدها وهو ينهض.
فضحكت بفرحة طفلة صغيرة:
- ايه يا عمري قوم وأنا هقوم وراك.
- استحالة اتحرك واسيب إيدك ثانية.
فاقت من شرود ذكرياتها على صوته الأجش:
- اركبي معايا وهبقى أجيب لك عربيتك بعدين.
هزت رأسها وهي تتحرك بروح مسلوبة فقدت لذة أي شيء.
وصل "عمر" أمام ماكينة السحب، وابتسم بتفاؤل برغم وجود الكثير من العقارات من حوله.
كان يثق أن هذه الماكينة بداية سحب الخيط الرفيع الذي سيصله إلى ما يبحث عنه.
أخرج صورتها من جيبه واتجه إلى كل محل في طريقه وإلى كل بناية يسألهم عنها.
والجميع نفوا أنهم رأوها في هذه المنطقة.
لم يفقد الأمل.
رمق عدة عقارات أخرى وسعى بكل طاقة.
بعدما أوصل "ريان" "نيللي" فندق ووصى عليها العاملين، ذهب إلى مقر شركته يدخل ببال مشغول يفكر كيف يتصرف مع هذا الوغد.
لكن فزع حين وجد ما يُحدف عليه من هذه الهوجائية.
رمقها بحدة وقبل أن ينطق أبلغته وهي تقف تضع يدها في خصرها وتتحدث بصوت عالٍ:
- ما الغلطة غلطتي، والخيبة خيبتي، وأنا اللي أستاهل إني رجعت اشتغل تاني... بص ادى إمضيتي أهي باستقالتي نهااائي..
أمسك الورقة التي رمتها على صدره ورجع خطوة للخلف من تهورها وقال بتعجب:
- إيه يا بنتي ما كنتي زي العسل الصبح... لسانك اتحول ليه وبقى أطول من برج إيفل؟
جزت بقوة على أسنانها وهي تغلق كف يدها بعصبية وأجابته من بين أسنانها:
- ربنا يكفيك شر لساني... لأنه هو السم في العسل.
ابتسم على تصرفاتها وأبلغها بمشاكسة وهو يمسك يدها حتى يجلسها بدون أي قصد.
صرخت بوجهه بقوة:
- هو انت فاكرني زي أم صرم بتاعتك كل اللي يعدي يمسك إيدي... فوووق وشوف بتتكلم مع مين؟
تركها وجلس على الأريكة وأبلغها وهو مازال يمازحها:
- خلاص يا ست عبله كامل...
ثم قال بجدية:
- أكلتي؟
ظبطت حجابها وهي تنفي برأسها بكل هدوء.
ثم تحولت في ثانية وقالت بعصبية:
- أكل إزاي؟! ما كل واحد جارر زعنفته وبيتسرمح معاها وأنا الفلبينية بتاعتكم شايلة الشغل كله لوحدي.
رمق المكان الفارغ من كل شيء تعجب أين هو العمل الذين يتركونها به بمفردها.
ضحك من داخله وأبلغها بتريث:
- شكلك غيرانة عشان زعنفتك مش معاكي... ما تتصلي عليه ييجي يطل عليكى بدل ما قاعدة تحقدي على خلق الله... واهو نشوفه بالمرة ونتعرف على الأسد اللي هيشيل الـ..
بلع آخر حروفه وهو يمسك هاتفه:
- جعااان جدا تحبي أطلب لك معايا طبق نكد على حقد وغل؟!
ألقت مفتاح الشركة بوجهه ثم توجهت إلى المكتب أخذت حقيبتها ورحلت عازمة لم ترجع هذا المكان مرة ثانية مهما يحدث.
بعد مرور شهر.
كان الجميع في صراع مع النفس كل منهم يحارب نفسه في إرغام نفسه على البعد وكتم ما بداخله.
منهم من يريد الاعتراف بالندم ومنهم يحارب حبًا يهاجمه ومنهم يريد الوصول إلى ما يريد.
فالكل كان يصارع ويجاهد نفسه بدون توقف أو فقدان الأمل في الوصول إلى هدفه.
يدخل مدير البنك إلى مكتب "عمر" وعلى وجهه الغضب:
- شكلك يا أفندي نسيت انت بتشتغل فين وفي أي مكانه وبتتعامل مع أي فئة؟!
وقف "عمر" احترامًا له وأبلغه بكل احترام:
- والله يا فندم فقدت أعصابي غصب عني.
رد عليه بعصبية مفرطة:
- تبريرك ده في بيتكم.
تمالك "عمر" أعصابه؛ لأنه قبل أن يكون مديره فهو رجل كبير في السن:
- يا فندم اسمعني.
لوح له بيده بحدة:
- ولا عايز أسمع، ولا أفهم حتى اللي حصل حصل ليه... انت تعرف اللي تطاولت عليها وخلتها تمشي بالشكل ده دي مرات مين في البلد؟
خرج "عمر" من عباءة هدوءه وقال بقوة:
- يا فندم دي كانت بتغويني.
رد عليه بقوة وبدون نقاش قائلاً بأمر:
- عمر قلت مش عايز أسمع أي تبرير، وتتصل حالًا تعتذر ليها.
انصدم "عمر" من طلبه فقال بفقدان عقله:
- أعتذر لواحدة معندهاش شرف؟!
أجابه بهدوء:
- تحب أقولك ممكن تعمل فيك إيه بمكالمة متسويش؟
ضحك بقهر من بلد تمشي بالواسطة والظهر:
- من غير ما تقول لأن أنا كمان مش عايز أسمع ولا أعرف... اعتبرني مستقيل واهو أريحتك من مسؤولية رفضك ليا.
- يا عمر انت شخص مجتهد وبعتبرك زي ابني ومش عايز أخسرك.
- وترضاها برضو لابنك يكمل بالطريقة دي؟
صمت المدير فهو حقًا في وضع سيء لم يجعل "عمر" له أي خيار.
جلس المدير على أقرب مقعد بخزي وهو يشد ربطة عنقه.
ابتسم "عمر" له وأبلغه بابتسامة بشوشة:
- ربك كريم متقلقش عليا.
ثم تركه ورحل ببال مشغول أكثر ما هو مشغول.
جلس على مقعد سيارته يفكر في كل شيء يحدث له منذ موت زوجته صافي.
حزن اليوم عليها أكثر من أي يوم.
لو كانت على قيد الحياة كان لم يتحمل كل هذا العائق بمفرده.
استغفر ربه ووضع المفتاح ليدير العربة.
سمع صوت رنين هاتفه رد سريعًا عندما لمح اسم المتصل المسجل بسمسار:
- عندي لك خبر حلو.
- يبقى لقيتها؟
- حصل يا باشا تعالى وهوصلك لحد باب الشقة كمان بس اوعى تنسى الحلوة اللي وعدتني بيها؟
- يا سيدي واكتر كمان، انت مش عارف المعروف اللي عملته ليا دلوقتي.
أغلق الخط وتحرك بسرعة كبيرة بعدما تهلل وجهه سرورًا واهتز قلبه طربًا وسارت نشوة بالغة في نفسه، ونسى ما حدث له من قليل بعدما حلقت روحه في سماء السعادة.
فالآن الدنيا أصبحت لا تسعه من فرط فرحته.
وصل "عمر" أخيرًا لكنزه السمين كانت قدمه تتسابق الثواني يركض حتى يراها أمام عينه من جديد.
في هذا ذات الوقت استيقظت "هند" من نومها بكسل.
مسكت هاتفها تفتح موقع خاص بكلياتها.
وما أن وقع عيناها لما منشور؛ في خلال ثوانٍ اتسع بؤبؤ عينيها بصدمة وهي تقرأ المكتوب.
ألقت الهاتف بفزع وذهول غير مصدقة ما رأت منذ لحظات.
تجلت الصدمة على ملامحها.
نهضت من على فراشها تجوب غرفتها كالمجنونة تلطم على وجهها لتفيق من حالتها.
تمنت أنها تكون مازالت نائمة وتفيق من هذا الكابوس المزعج.
شعرت بهروب الدماء من جسدها.
لا تعلم ولا تعرف كيف تتصرف.
شعرت أنها كالعصفور الذي وقع في فخ صياده وطالته رصاصة بندقيته ووقع مذبوحًا على الأرض.
لا يتركها تموت وترتاح، ولا يأخذها ليضمد جراحها ويشفيها.
جلست تبكي بحرقة على مصابها.
وفي لحظة خطر على عقلها آخر شخص كانت تتمنى اللجوء له مرة ثانية.
أمسكت الهاتف وبحثت عنه واتصلت عليه.
حين صدح صوت رنين هاتفه، كانت هي أيضًا تسمع صوت رنين باب منزلها.
ركضت حتى ترى الطارق من العين السحرية وجدته هو!
نعم هو "عمر" الذي فكرت به منذ ثوانٍ.
نبض قلبها فرحًا وفتحت الباب وألقت بنفسها داخل صدره وقالت وهي تصرخ من شدة البكاء:
- الحقني... الحقني يا عمر.
تنفس الصعداء رعبًا على حالتها وفي نفس الوقت حمد ربه أنه أرسله لها في الوقت المناسب وأبلغها بلطف وهو يربت على شعرها:
- اهدي يا هند كل حاجة هتتحل طول ما أنا جنبك.