الفصل 5 | من 31 فصل

رواية توليب الفصل الخامس 5 - بقلم سلمي سعيد

المشاهدات
25
كلمة
3,848
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

يحتضن يدها الباردة بين كفيه ويتأمل ملامحها الباهتة. لا يعلم ماذا حدث حتى تسقط مغشياً عليها هكذا. تحدث لتلك الطبيبة بنبرة قلقة ظاهرة بصوته: –هي هتفوق امتى؟ لترد الطبيبة بعملية: –أنا حطت لها مهدئ في المحلول. أقل حاجة ساعتين على ما تفوق. الانهيار اللي عندها كان شديد شويه وهي محتاجة ترتاح.

أومأ للطبيبة وهو ما زال عيناه مسلطة على توليب محتضن يدها. لتخرج الطبيبة مستغربة ذلك الرجل العجيب. لم يترك يدي الفتاة أبداً ولم يوافق على معاينة طبيب رجل لها. حتى أنه لم يسمح لأحد بلمسها بتاتاً وكأنها قطعة من الزجاج الهش. وحتى عندما كانت تعلق المحلول كانت عيناه مسلطة على ما تفعله بالتفصيل.

بينما أسر جالس بجانب توليب والقلق ظاهر على ملامحه بوضوح. رفع إحدى يديه يبعد تلك الخصلة من على وجهها ليظهر وجهها الملائكي الجميل بوضوح. يتأملها ويفكر بالكثير من الأشياء. ترى لماذا أصابها ذلك الانهيار؟ هل بسبب ضربه للرجل خافت وأصيبت بذلك الانهيار أم هناك شيء آخر؟ تلك الفتاة يوماً بعد يوم تثير الفضول بداخله والذي لم يشعر به أبداً تجاه أي شخص كان. ترا لماذا هي فقط يشعر هكذا اتجاهها؟

مرر سبابته بهدوء على ملامحها الجميلة. عيناها و وجنتيها حتى وصل لعنقها ومقدمة صدرها. كانت ما زالت ترتدي ذلك الفستان الأحمر. ظلت سبابته ثابتة عند نهاية عنقها الناعم. لم يشعر بنفسه إلا وهو ينحني ببطء على عنقها يتنفس رائحتها المميزة والتي تتغلغل في أنفه ورئتيه بسلاسة. أتاه ذلك الشعور الملح بداخله يأمره بتقبيل عنقها النعام الظاهر مع بداية صدرها. لم يشعر بنفسه إلا وهو ينفذ تلك الرغبة الملحة ويقبل عنقها برقة متناهية وهو مغمض العينين وما زال يستنشق رائحتها. كانت قبلة مثل رفرفات الفرشات خفيفة ناعمة. ظل مثبت هكذا شفتيه على عنقها ومغمض العينين يشعر بقلبه ينبض بجنون وكأنه يركض لأميال. ابتعد عنها ببطء وعيناه مسلطة على وجهها الساكن. اقترب من أذنها وهمس

بكلمة واحدة يوصفها بها: –مهلكة. همس بها وهو يشعر بوجدانه يتأثر بتلك التوليب. *** في المساء. تجلس أمام مرآتها تمشط خصلاتها الغجرية وهي شاردة حزينة. وجدت يد توضع بخفة على كتفها تنتشلها من أفكارها. لترا من خلال المرآة والدتها تقف بجوارها وتبتسم بحنان. التفتت سريعاً واحتضنت خصر والدتها بقوة مخبأة وجهها بجسد والدتها وتبدأ في بكائها المرير التي كانت تلجمه بداخلها. احتضنتها والدتها بقوة تبث لها الطمأنينة والأمان. تحدثت

محاولة التخفيف عن صغيرتها: –اهدي يا حبيبتي. اهدي يا قلب أمك. مفيش حاجة تستاهل اللي بتعملي في نفسك ده. طب وحياتي عندك تهدي. متوجعيش قلبي عليكي يا صبا. رفعت صبا رأسها تنظر لوالدتها وهي ما زالت محتضنة. وتحدثت بصوت يشوبه الألم: –عايزين يجوزوني يا ماما. وليه؟ لـ عزيز. عايزين يدخلوني جهنم على الأرض يا أمي. احتضنت والدتها وجنتيها بين راحتيها ونظرت في عينيها تتحدث بثقة وحنان:

–مش هيحصل يا قلب أمك. مستحيل أخلي اللي اسمه عزيز ده يلمس حتى شعراية منك. انتي غالية أوي والغالي يستاهل الغالي اللي زيه. وعزيز ده رخيص ميستهلكيش. أزالت تلك الدموع من على وجنتي وحيدتها وتحدثت بهدوء: –يلا يا عيوني قومي اغسلي وشك كدا وبلاش زعل وأفكار وحشة. أنا هنزل أجهز العشاء علشان في ضيوف جايين. تحدثت صبا بخوف: –ضيوف مين دول يا ماما؟ ليكون عزيز وعمي مصطفى. ردت والدتها تطمئنها:

–لا متخافيش. مش مصطفى وابنه. أصلاً هما في مصر اليومين دول. تنهدت صبا بارتياح. قبلت منال والدتها رأسها ثم ذهبت لتشرف على الطعام. تنهدت صبا بارتياح من عدم وجود ذلك الفاسد عزيز هنا. كم تكره وتشامئز منه. لا يمتلك شيئاً يسمى أخلاق أو ضمير أبداً. إنسان مستغل وأنان لأبعد الحدود. لا تعلم لماذا يريد والدها رميها ضحية له.

بينما بتلقائية تذكرت ذلك الرجل الذي أنقذها من فوق الحصان. باسم نعم تعلم من يكون ومن لا يعرف باسم مهران. الرجل الذي يحلف الجميع بأخلاقه وشجاعته وأمانته وكرمه أيضاً. لا يوجد منزل بأسوان لا يدعو له. ابتسامة صغيرة شقت ثغرها وهي تتذكر المرات القليلة التي رأته بها وهي تركض بحصانها فجراً وهو عائد إلى منزله. سمعت طرقات على باب غرفتها. قالت بصوتها الهادئ: –ادخل. تدلف إحدى الخادمات وتحدثت باستعجال:

–ست صبا. الست منال بتقولك البسي حجابك وانزلي عشان عايزاكي. استغربت صبا فسألت الخادمة: –خير؟ في حاجة ولا إيه؟ ماما عايزاني تحت ليه؟ –معرفش. هي قالتلي خلي ست صبا تلبس حجابها وتنزل. تحدثت صبا بطاعة: –حاضر. خمس دقايق ونازلة. بمجلس الضيوف. دلف الحاج بكر بهيبته وهو يرتدي جلبابه باللون الرمادي وعمته البيضاء. وخلفه باسم بنفس هيبة والده وكان يرتدي بدلة كاجوال باللون الكحلي وأسفلها تي شيرت أبيض.

رحب بهم عوني والد صبا بحرارة شديدة. لا يصدق أن بكر المهران هنا بمنزله. جلس بكر وبجانبه باسم. بينما عوني يقف ويرا رجال بكر يدلفون حاملين الكثير من الزيارات والهدايا. فزاد ترحيبه بهم أكثر. تحدث الحاج بكر يقطع تلك الترحيبات المبالغ بها: –إحنا كنا عايزينك في موضوع مهم يا عوني. تحدث عوني بفضول: –أنت تأمر يا حاج بكر. خير؟ ليتحدث بكر في الموضوع مباشرة:

–إحنا جايين عايزين نناسبك يا عوني. طالبين إيد صبا بنتك لابني باسم على سنة الله ورسوله. صُدم عوني بشدة. ولكن لمعت عيناه بطمع. رأى بكر بوضوح. ليفكر عوني قليلاً قبل الرد وهذا جعل أعصاب باسم تشتد متوقعاً رفض الآخر. تحدث عوني وهو يقول بأسف مصطنع: –ده شرف ليا نسبك يا حاج بكر. بس للأسف بنتي صبا مقري فتحتها على عزيز ابن عمها. ليتحدث باسم وهو يصك على أسنانه بغضب مكبوت: –دي قراية فتحة بس. يعني ممكن تتفشكل عادي مش حوار.

ليرد عوني بصرامة مصطنعة: –بس أنا كلمتي سيف. وبعدين أنا مش هقدر أخسر أخويا الوحيد عشان حضرتك عايز تتجوز بنتيه. باسم بالتحدث ولكن أوقفه بكر الذي وضع كفه أمام ابنه يمنعه من الحديث. ليتحدث هو برزانة: –طبعاً عارفين إن كلمتك سيف يا عوني. بس إحنا مش أي حد عشان نترفض. لو على عزيز معتقدش إنك تحب بنتك تتجوز راجل بالأخلاق دي. ولا إيه؟ مش أنا اللي هقولك على عزيز. هو ابن أخوك وأنت أدرى بعميله. انحرج عوني من حديث بكر عن عزيز.

ليتحدث بقلة حيلة مصطنعة: –والله أنا مش عارف أقولك إيه يا حاج بكر. تحدث بكر بوقاره وهيبته ينهي هذا الحديث: –نقول نقرأ الفاتحة ونبقى نسايب وبينا عيش وملح. وأضمن إن بنتك هتبقى في إيد أمينة ومع راجل بحق يشيلها جوه عينيه. كان عوني يفكر. عائلة مهران أغنى بكثير منهم وسيكون ربحه من خلف ذلك الزواج أكبر بكثير من زواج صبا من عزيز ابن أخيه. لم يتخذ قراره ويتحدث بابتسامة طامعة: –والله عندك حق يا حاج. هو أنا هلقي زي باسم فين؟

على خير الله. تحدث باسم بصوته الرجولي القوي: –يبقى نقرأ الفاتحة وكتب الكتاب الأسبوع الجاي بإذن الله. ليرد عوني بتلعثم: –بس في شوية تفاصيل متكلمناش فيها. يعني... قاطعه بكر وهو يعلم ما يريد قوله: –إحنا بنفهم في الأصول يا عوني متخافش. إحنا هندفع خمسة مليون جنيه مهر للعروسة. ده غير الدهب اللي هتطلبه هنجبهولها. دي مش أي حد. دي هتبقى مرات ابني الكبير وكبير عيلة مهران من بعدي. يعني مقامها هيبقى عالي أوي عندي.

برقت عينا عوني بالطمع. هذا الزواج سيكون منجم من الذهب بالنسبة له. ليرد سريعاً: –على خيرة الله. نقرأ الفاتحة والجمعة الجاية كتب الكتاب. والفرح بعدها بأسبوع كمان. تحدث بكر برزانة وهدوء: –يبقى اتفقنا على خيرة الله. نقرأ الفاتحة. رفع باسم وبكر أيديهم يقرأون الفاتحة وقلب باسم يقرع مثل الطبل وابتسامة وسيمة للغاية ارتسمت على وجهه. وأخيراً أصبحت له. لا لا سيكتب الكتاب أولاً ثم تصبح له بالكامل.

بينما عوني يفكر بالربح الذي سيطاله من خلف تلك الزيجة. انتهوا من قراءة الفاتحة. اعتدل بكر وقفا ومعه باسم. ليتحدث عوني باستغراب: –على فين يا جماعة؟ مش هنشرب القهوة الأول ولا إيه؟ ليرد باسم: –معلش المرة الجاية بإذن. –والله أبداً. طب حتى نقعد نتعشى سوا عشان يبقى عيش وملح. ليتحدث بكر بجمود:

–خلاص يا عوني. إحنا قرينا الفاتحة وبقينا أهل. ولو على العشاء فده وجبنا إحنا. وهنستناكم يوم الخميس عندنا نتعشى سوا وكمان العروسة تشوف بيت أهل جوزها. ليتحدث عوني بنفس الطمع اللامع بعينه: –طبعاً يا حاج. لازم تشوف بيتها وأهل البيت كمان. ليرد باسم بابتسامته الوسيمة: –يبقى على خيرة الله. مستنينكم الخميس بإذن الله. في ذلك الوقت هبطت صبا للأسفل لتلبية نداء والدتها. دلفت للمطبخ وتحدثت بتسأل: –نعم يا ماما؟ تحدثت منال بارتباك:

–خدي القهوة طلعيها للضيوف يا صبا. صبا باستغراب: –ما تخلي أي حد يطلعها يا ماما. أنا من امتى بطلع قهوة للضيوف؟ –معلش يا حبيبتي الكل مشغول وأنا واقفة بشرف على الأكل. تنهدت صبا بقلة حيلة. أخذت القهوة من والدتها وذهبت لتقدم للضيوف. وصلت أمام المجلس وهمت بالدلوف ولكن صُدمت مما رأت. والدها يخرج من المجلس بصحبة باسم وولده. ظلت واقفة تنظر بصدمة وجسدها مرتعش. بينما باسم عندما رآها زادت ابتسامته تلقائياً. تحدث عوني موجهاً

حديثه لصبا: –كويس إنك جيتي يا صبا. تعالي سلمي على عريسك وابوكي الحاج بكر. صُعقت. نعم صُعقت. باسم هنا يقف أمامها بمنزلهم. وماذا قال والدها؟ عريسها؟ عن أي عريس يتحدث؟ لم تشعر إلا ويدها ترتعش بقوة لتسقط من بين يديها القهوة وتفر راكضة للأعلى سريعاً. اختفت ابتسامة باسم وحل محلها نظرة مليئة بالألم أخفاها سريعاً. ليتحدث عوني مبرراً موقف ابنته الخرقاء: –معلش يا جماعة اعذروها. لسه مكسوفة. ابتسم باسم بتهكم وهو

ينظر للدرج الذي صعدت إليه: –لا عادي. ولا يهمك. خرج عوني مع باسم وولده للخارج يودعهم بنفس الحرارة. صعد باسم للسيارة بعد أن ساعد والده بالصعود. قاد السيارة وهو شارد بفعلة صبا التي ركضت فور أن سمعت كلمات والدها وكأن ثعباناً قد لدغها. شعر بالاختناق من مجرد تخيله أنها فعلت هذا رفضاً له وليس خجلاً مثلما قال والدها. شعر بيد والده توضع على كتفه ويتحدث بتعقل: –خايفة. التفت له باسم وتحدث بتعجب: –هي مين دي يا بابا؟

–صبا يا ابني. أنا عارف أنت بتفكر في إيه. اعذرها. هي خايفة وده طبيعي. ليتحدث باسم بابتسامة متألمة: –أنت شفت جريت إزاي يا بابا؟ كأنها شافت عفريت. أكيد رفضة الجوازة دي. ليرد بكر بخبث: –يبقى أقنعها. ثم ربت على كتف ابنه ببعض العنف وتحدث بنبرة ذات مغزى: –وريني شطارتك يا ابن بلاد برة. هتعرف تقنعها ولا هتطلع أي كلام. ابتسم باسم على حديث والده الخبيث. فكر قليلاً ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وقد أتت له فكرة فعزم على تنفيذها.

بينما صبا تأخذ غرفتها ذهاباً وإياباً. لا تصدق ما سمعته أذنها. باسم عريسها؟ كيف؟ تشعر برأسها تكاد تنفجر من التفكير. ولكن قلبها ينبض بجنون بسعادة لا تعلم سببها. وجدت باب غرفتها يفتح ووالدتها تدلف للداخل. ركضت بلهفة تغلق الباب ثم التفتت لوالدتها وتحدثت بسرعة شديدة: –ماما وحياة أغلى حاجة عندك فهميني إيه اللي حصل تحت ده؟ وباسم المهران عريسي إزاي؟ طب وعزيز؟ أنا مش فاهمة حاجة. نبي فهميني. ابتسمت منال بحنان. ثم احتضنت ابنتها

وتحدثت براحة وسعادة: –ربنا بعتلنا منقذ يا صبا. الحمد لله ربنا مبيكسرش خاطر حد. رفع إيده ولجأ له يا بنتي. الحمد لله. ابتعدت قليلاً تنظر لوجه ابنتها المتسائل: –اقعدي يا صبا أنا هفهمك كل حاجة حصلت. لتجلس منال على أحد المقاعد بالغرفة بينما صبا جلست أسفل قدمي والدتها كما كانت تفعل بطفولتها ووضعت رأسها على فخذ والدتها تمشط لها شعرها بأناملها. وتبدأ في سرد كل شيء لها. ***

يقف أسر أمام غرفة توليب بالمشفى. ينتظر والده الذي أخبره أحد الحرس بما حدث. دقائق ووجد أسر والده يسير بخطوات راكضة باتجاه. وقف ماهر أمام ابنه وتحدث بلهفة: –توليب مالها يا أسر؟ إيه اللي حصل؟ ليرد أسر بهدوء وبرود يخفي خلفه قلقه: –مفيش يا بابا. هو بس... سرد له ما حدث بالمول. وما أن انتهى هدر به ماهر بعنف: –وأنت إيه مبتفكرش؟ مفكرتش إنها معاك وممكن يحصلها حاجة؟ وأنت عارف إنها بتخاف. غضب أسر من طريقة حديث والده

ليرد وهو يحاول لجم غضبه: –وأنا هعرف منين إنها هتخاف كدا من مجرد خناقة؟ مش ذنبي إنها جبانة وبتخاف من كل حاجة. أنا كنت بدافع عنها. مسح ماهر على وجهه بعنف محاولاً الهدوء. تنفس بعمق. ثم تحدث بهدوء هذه المرة: –يا ابني توليب مرت بحاجات خلتها تخاف من خيالها. مش تخاف من خناقة بس. أنت لو شفت توليب دي من ست سنين كنت فهمت أنا بقول إيه دلوقتي. عقد جبينه من حديث والده الغامض. ليتحدث باستغراب وتسائل: –هتكون مرت بإيه يعني؟

ليرد ماهر مغيراً الحديث: –مش وقته يا أسر. وسع عشان أدخلها. ليوقفه أسر سريعاً قائلاً: –استني يا بابا. الدكتورة قالت متسيبهاش ترتاح وبلاش دوشة حواليها. نظر ماهر بعيني ابنه ليجد بهم قلق ولهفة ظاهرة بوضوح. أومأ برأسه وجلس على أحد المقاعد وجلس بجانبه أسر وعينا الاثنين مسلطة على غرفة توليب. بينما توليب نائمة، وغارقة بأحد كوابيسها المخيفة.

جالسة بأحد زوايا غرفتها محتضنة قدمها وترتعش خوفاً. انتفض جسدها فزعاً عندما فتح باب غرفتها بعنف ودلف منه شاب بالعشرين من عمره. يمشط بعينيه الغرفة باحثاً عن تلك الطفلة ذات الثانية عشر عام. ابتسم بشر عندما وجدها بأحد زوايا الغرفة منكمشة على نفسها بخوف. أصبح يقترب منها ببطء مخيف جعلها ترتجف أكثر خوفاً من القادم. وصل إليها ثم انحنى ليصبح في مواجهتها. تأمل ملامحها الجميلة المذعورة وعينها الخضراء التي تزرف الدموع بصمت. رفع سبابته لينتشل تلك الدمعة من على وجنتيها ثم وضع إصبعه في فمه يتذوق ملوحتها بتلذذ. بينما تلك الطفلة المسكينة

تحدثت بتلعثم وخوف: –والله ماما هي اللي قالتلي. روحي العبي مع أصحابك. نظر لها بابتسامة شيطانية. ثم على حين غرة قبض على خصلاتها الطويلة جعلها تصرخ بألم. وضعت يدها سريعاً تكتم صوتها حتى لا يغضب أكثر. تحدث هو بهدوء مخيف وهو يقبض على خصلاتها بعنف أكبر: –بس أنا قولت متلعبيش مع حد صح ولا لا؟ هزت رأسها سريعاً بالرفض.

فتحت عينيها على وسعهاَ وهي تراه يخرج البرجل الخاص بها من جيب بنطاله وهو يبتسم بشر. مرر الجزء الحاد من البرجل على قدمها الظاهرة من ذلك البنطال القصير. وتحدث بحزن مصطنع: –أنا هسامحك المرة دي عشان انتي عارفة أنا بحبك قد إيه. بس ده ميمنعش إنّي أعاقبك عقاب صغير يفكرك بغلطك.

كانت تبكي بخوف لا تعلم ماذا سيفعل ذلك المجنون هذه المرة. صرخة قاتلة كتمها هو سريعاً بكفه. عندما غرز ذلك الجزء الحاد من البرجل بقدمها. كانت قدمها تنزف بغزارة والدماء أصبحت تغرق الأرضية من أسفلها. وذلك الحقير ينظر للدماء وعلى وجهه علامات الانتصار. بينما تلك الطفلة فقدت وعيها من شدة الذعر والألم.

انتفضت توليب من نومتها تصرخ بشدة. سمع أسر وماهر صرخها ليركض أسر سريعاً يقتحم الغرفة بقلق ليجدها محتضنة نفسها وتصرخ بشدة. ركض إليها واحتضنها بقوة لتتشبث به بقوة أكبر وهي تهذي ببعض الكلمات. توليب بزعر: –مش هلعب تاني... أنا مليش دعوا... ماما هي اللي قالتلي... ونبي خلاص... خلاص كفاية... كان ماهر يقف يراقب حالتها وقلبه يتمزق عليها. حتى أن عينيه أدمعتا. بينما أسر كان يحضنها بقوة شديدة ويتحدث بجانب

أذنها بحنان يحاول تهدئتها: –اهدي يا توليب. اهدي. أنا جنبك. متخفيش. أنتِ في حضني. توليب اهدي يا ماما. أنا هنام. تمسكت به أكثر وتحدثت ببكاء شديد: –أسر.. أنا خايفة أوي. تحدث بحنان وهو يبعد شعرها عن عنقها وبحنان تحدث قائلاً: –اهدي خالص. متخفيش. أنا هنا. أنا عايزك بس تتنفسي كويس واهدي. أنتِ في حضني ومحدش يقدر يكلمك.

وبالفعل فعلت توليب ما قاله أسر لتهدأ وتعود لرشدها. أبعدها أسر عنه بهدوء ليرا وجهها الذي أصبح منتفخاً من أثر البكاء. رفع سبابته يمسح تلك الدموع بحنان. وتوليب ساكنة للغاية لا تفعل شيئاً سوى التنفس كما أمرها أسر. كان أسر يتنفس معها حتى يجعلها تهدأ وهي تراقبه وتتنفس معه بهدوء. اقترب ماهر من توليب واحتضنها بحب كبير وتحدث قائلاً: –إيه يا روحي؟ أحسن؟ احتضنته توليب هي الأخرى متحدثة بإرهاق:

–الحمد لله يا بابا. هو إيه اللي حصل؟ كان أسر ما زال جالساً على طرف الفراش. فحدث بهدوء قائلاً: –أنتِ أغمي عليكي واحنا في محل اللبس. أنتِ مش فاكرة؟ تذكرت توليب ما حدث وضرب أسر لذلك الرجل ليرتعش جسدها بقوة وتتمسك بذراع ماهر. ثم تحدثت موجهة حديثها لماهر: –بابا. –نعم يا روحي؟ –أنا عايزة أروح. –حاضر يا حبيبتي. تحدث أسر وهو يعتدل واقفاً وينظر لها: –هنادي الدكتورة تطمن عليكي الأول.

خرج أسر وأمر أحد الحرس أن يحضر الطبيبة. وبالفعل أتت الطبيبة لتطمئن على توليب. انتهوا لتخرج توليب من المشفى وهي ترتدي جاكيت البدلة الخاصة بأسر بعد إصراره على ذلك. ساعدها بصعود السيارة وجلس هو في الأمام بجانب السائق بينما توليب تجلس بالخلف تضع رأسها على كتف ماهر ويبدو عليها الإرهاق الشديد. ظل طوال الطريق مسلطاً عيناه عليها من خلال المرآة أمامه. وجدها تغمض عينيها بنعاس.

وصلا أخيراً للقصر. وقف. هبط أسر من السيارة ثم فتح الباب الخلفي ليجد ماهر يشير له بالهدوء وهو يعدل من رأس توليب على كتفه وكان على وشك إيقاظها. ولكن هذه المرة أسر أشار له بالهدوء. اقترب أسر منها بجزئه العلوي لف أحد ذراعيه على خصرها والآخر أسفل ركبتيها ليحملها باحتضانه بخفة. صُدم ماهر من فعلة ابنه. لم يتوقع ذلك. دلف أسر للقصر وتوليب باحتضانه نائمة. صعد بها للأعلى ثم لغرفتها.

دلف للغرفة وهو يحملها. وضعها بفراشها بهدوء وحذر خاشياً أن يوقظها. دثرها جيداً بالغطاء. ثم وقف أمام الفراش يتأملها قليلاً. وهو يفكر بحديثها في المشفى وخوفها الشديد. تنهد بتعب. ثم خطى في طريقه للخارج وقبل أن يطفئ إضاءة الغرفة التفت ليلقي نظرة أخيرة عليها وعلى طلتها الجميلة رغم تعبها الشديد. جاءته إحدى أفكاره الوقحة في تقبيلها. أغلق الضوء سريعاً وأغلق باب الغرفة خلفه. وتحدث ينهي نفسه بعنف قائلاً:

–أنت اتجننت يا بني آدم أنت. حتى وهي متعبة. ده أنت بقيت مجنون خالص. بس بقى كفاية الأفكار الزبالة دي. سار بخطوات قوية للأسفل يبحث عن والده. وجده يقف بمنتصف البهو ينتظره. وقف أسر أمام والده وتحدث بجمود: –بابا إحنا محتاجين نتكلم في موضوع توليب. في حاجات أنا عايز أعرفها. ليرد عليه ماهر بتأييد: –عندك حق. تعالي ورايا على المكتب. ليخطى ماهر للمكتب وخلفه أسر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...