الفصل 15 | من 31 فصل

رواية توليب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سلمي سعيد

المشاهدات
19
كلمة
7,592
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

بسرعة الريح كان أسر داخل غرفة توليب ليطمئن عليها بعدما سمح له ماهر. ركض اتجاهها بالهفة عندما وجدها مستلقية كما هي، ولكن وجهها باللون الأحمر وعيناها الخضراء تزرف الدموع بصمت. جلس على حافة الفراش والتقط يدها متحدثًا بلهفة: _توليب انتي كويسه، مالك بتعيطي ليه. رفع أنامله ليزيل دموعها، ولكن أدارت هي رأسها للجهة الأخرى وجذبت يدها الممسك بها بهدوء. شعر بالحزن الشديد من فعلتها، ولكن هو يعطيها كل الحق. تحدثت الطبيبة بعملية:

_انسه توليب حضرتك كويسه، ماهر بيه قال إنك اتكلمتي. نظرت توليب للطبيبة وابتسمت ببهوت وتحدثت بثقل وتلعثم: _انا..ك..كويسه. نهض أسر من جوارها، ابتسم باتساع عندما استمع لصوتها العذب الرقيق، ولكن شعر بالقلق لثقلها وتعلثمها في الحديث. اقتربت الطبيبة النفسية من توليب وتحدثت بابتسامة: _انسه توليب، حمد الله على السلامة. أومأت لها توليب بابتسامة باهته، لتتحدث الطبيبة برقة قائلة:

_أنا محتاجة أقعد معاكي لوحدنا نتكلم شوية عشان نطمن أكتر عليكي، بعد إذن ماهر بيه طبعًا. ماهر بجدية: _طبعًا يا دكتورة، خدي وقتك أنا أهم حاجة عندي توليب وصحتها. تحدث أسر ببرود قائلاً: _أنا هفضل معاكم. الطبيبة بعملية: _مينفعش يا أستاذ لازم أقعد مع المريضة لوحدنا. كاد يتحدث ولكن قاطعه صوت ماهر الحازم: _تعالا معايا برا يا أسر، وسيب الدكتورة تشوف شغلها.

اقترب ماهر من توليب وقبّل رأسها أمام أسر، الذي ضغط على أسنانه بغيظ وغيرة. وما أشعل غيرته أكثر هو إعطاء توليب ابتسامة أكثر من رائعة لماهر، رغم مرضها، ولكن ابتسامتها مازالت خلابة. خرج ماهر وخلفه أسر، الذي ظل ينظر لتوليب حتى أُغلق الباب. جلس ماهر على أحد المقاعد بغرفة الضيوف الموجودة بالجناح، وضع قدم فوق الأخرى، وبصرامة تحدث: _تعالى يا آسر اقعد. جلس أسر على الأريكة بجانبه وهو يهز قدمه بضيق وقلق. تحدث أسر بضيق:

_أنت خلتني أخرج ليه. ماهر بتهكم: _عشان الدكتورة تحاول تصلح اللي أنت خربته مثلاً. صمت أسر ولم يرد على حديث والده، قليلاً وتحدث بتساؤل مردفاً: _هي توليب اتكلمت إزاي، وكمان كانت بتعيط ليه، هو أنت قولتلها إيه بالظبط. ماهر ببرود: _ملكش دعوة، ومن النهاردة أي حاجة تخص توليب أنت ملكش دعوة بيها.. فاهم.

هم أسر بالحديث ولكن قاطعه صوت هاتفه معلنًا عن اتصال. أخرجه من جيب بنطاله وكاد يغلق، ظنًا منه أنه أحد من الصحافة أو أحد من رجال الأعمال الذي لم يتوقف هاتفه من أمس يصدح باتصالات منهم لتهنئته على الزواج. وكأن كان المتصل باسم. نهض وخطأ للخارج الجناح وهو يزفر بضيق. فتح الهاتف وتحدث بضيق: _أيوا يا باسم. باسم: _أنت فين يا أسير وايه اللي أنا قريته في الأخبار دا... أنت اتجوزت توليب فعلاً؟ أسر:

_أيوا اتجوزنا.. امبارح كتبنا الكتاب. باسم بحيرة: _إزاي يعني، فجأة كدا قررت تتجوزها. بدأ أسر بسرد كل شيء على باسم، بدأ من الحفلة التي أقامها ماهر وخبر زواجه من توليب الذي كان مفاجأة لهم هما الاثنين، حتى حديثه بمكتب والده، وأخيرًا وجود توليب بالمشفى. باسم بغضب: _أسر أنت حيوان وزبالة والله. أسر بحدة: _باسم احترم نفسك. باسم:

_لا مش هحترم نفسي، أنت عارف أنت قولت إيه ووصلت البنت الغلبانة لفين، أنت بجد إزاي قولت الكلام ده عليها. أسر بندم كبير: _أنا مكنتش أقصد، أنا كنت بس متعصب وأنت عارف لما بتعصب مبشوفش قدامي. زفر باسم ليهدأ واستطاع مساندة صديقه. باسم بهدوء: _طب إيه اتكلمت معاها ولا لسه. تحدث أسر وهو يراقب باب الجناح: _لسه الدكتورة مخرجتش من عندها. باسم بحزم:

_أسر ولا لآخر مرة بقولهالك، كفايا عناد وحاول تصلح اللي أنت عملته.. ويكون في علمك اللي أنت عملته ده مش هيتنسى بالساهل، ده محتاج وقت ومجهود لازم تخلي توليب تسمحك. باسم بحسم: _أما أول لما نروح هقعد معاها وأعتذر لها على كل اللي أنا قولته. صمت قليلاً ثم تحدث بابتسامة متأملة: _وهعترف لها بمشاعري ناحيتها، مهما كانت النتيجة.

أغلق أسر المكالمة بعدما أنهى حديثه مع باسم، ثم دلف للجناح بنفس الوقت الذي خرجت به الدكتورة من غرفة توليب. استقام ماهر واقفا متحدثًا باهتمام وقلق: _خير يا دكتورة، توليب كويسه. الطبيبة بابتسامة: _الحمد لله بالنسبة للتقارير والحالة أول لما جت هي دلوقتي أحسن بكتير. أسر بلهفة: _يعني هي كدا كويسه ومفيهاش حاجة. الطبيبة بعملية:

_جسديًا لا الحمد لله، هو بس عندها تقل في الكلام وده طبيعي جدًا في حالتها وخصوصًا إنها بنسبة كبيرة كان ممكن تفقد النطق بس الحمد لله ربنا ستر، والفضل لربنا ثم ماهر بيه طبعًا. نظر أسر لوالده بتساؤل عما قاله لتوليب لتتحسن هكذا سريعًا، ولكن لم يبدِ ماهر أي أهمية لنظراته بالتحدث باهتمام للطبيبة: _يعني هي كدا ممكن تخرج، أصلها مش بتحب المستشفيات خالص. الطبيبة:

_طبعًا ينفع تخرج ومن دلوقتي كمان، بس لازم تمشي على الأدوية اللي أنا كتبتهالها عشان نفسيتها وكمان النطق يتحسن بشكل أسرع. أسر بجدية: _متخفيش أنا هشوف على أدويتها بنفسي. نظر ماهر بطرف عينه على أسر ثم لوى زاوية فمه بسخرية، لاحظها أسر ولكن لم يعلق. ليجذبهم حديث الطبيبة التي تحدثت مرة أخرى بتأكيد:

_أنا قولتلكم إنها جسديًا كويسة بس محتاجة الأدوية، بس نفسيًا بقا حالتها وحشة ومحتاجة اهتمام كويس عشان متتعبش تاني وده طبعًا هيبقا معتمد على الناس اللي حواليها.. حاولوا تسعدوها وتقربوا منها أكتر وحسسوها إنكم محتوينها، ويا ريت تبعدوها عن أي ضغط نفسي لأنها مش هتستحمل خالص. تحدث ماهر وهو يطالع أسر بجانب عينه من أعلاه لأسفله: _إن شاء الله يا دكتورة، أنا مش هخلي حد يضايقها خالص مهما كان مين.

ذهبت الطبيبة بعدما ألقت بعض الإرشادات على علاج توليب وطريقة التعامل معها هذه الفترة لتكون بصحة أفضل. دلف ماهر وخلفه أسر، الذي ما إن دلف حتى أخذ يناظر لتوليب بتلك الابتسامة الحنونة التي لا تظهر إلا لها، ولكن تحولت تلك الابتسامة للغضب عندما وجد توليب تحتضن ماهر بشدة مخبئة رأسها بصدره وهو يمشط يده على خصلاتها متحدثًا بحنان:

_الممرضة جاية حالًا عشان تشيلك الكانولا من إيدك يا تولي، وكمان أنا بعت الحرس جابولك لبس من البيت عشان تجهزي ونخرج يا روحي. أنا عارف إنك مبتحبيش المستشفيات خالص. خرجت توليب من حضن ماهر عائدة بظهرها تستند على الوسائد وهي تبتسم له ببهوت، لتُرى أسر يقف عند الباب ويطالعها بأسف رغم غضبه من احتضانها لماهر، لتقابل هي نظراته بعينين متألمتين كان هو السبب الأساس في آلامها.

أشاحت بنظرها للجهة الأخرى حتى لا تراه أو تجعله يرى ما وصلت إليه من حاله مثيرة للشفقة، فما زالت كلماته تدوي بأذنها ولا تفارقه. بينما أسر كم ألمه هذا حقًا وجعله يختنق من الضيق والحزن من فعلتها تلك وابعاد عينيها الخضراء الجميلة بعيدًا عنه. طرق الباب ثم صاحبه دخول الممرضة للداخل وهي مبتسمة باحترام، تقدمت من توليب. الممرضة باحترام: _يلا يا آنسة توليب عشان هنشيل الكانولا.

أومات توليب بهدوء، لتبدأ الممرضة ببذل الكانولا من يد توليب بحرص. شهقت توليب بألم لتمسك بيد ماهر بقوة وعيناها تدمعان، ما إن رآها أسر حتى صاح بعنف بالممرضة: _إنتي بتعملي إيه... ما تخلي بالك. ارتبكت الممرضة من هدر أسر بها، لتنظر توليب للممرضة بابتسامة وبخفوت وتعلثم تحدثت: _ك..كملي.. أنا.. أنا كويسه. ابتسمت الممرضة لتوليب وأدت في تعقيم يدها بمكان الكانولا ووضع لاصق طبي يمنع الدم.

بينما نظر ماهر لابنه بنظرة غاضبة، ليزفر أسر بضيق وغضب للمرة التي لا يعلم عددها. انتهت الممرضة لتنظر لتوليب وتحدثت بابتسامة: _حضرتك تحبي أساعدك إنك تلبسي. نهض ماهر من جانب توليب وتحدث بهدوء: _يا ريت لو سمحتي. ثم نظر لتوليب وتحدث بابتسامة حنونة: _خليها تساعدك يا تولي عشان مش هتعرفي لوحدك، وإنتي لسه تعبانة كده. أومات توليب له، ليخطو ماهر للخارج جازبًا أسر من معصمه بغضب. بعد وقت...

كان أسر يجلس بجانب السائق وعيناه على المرآة يراقب توليب المستندة على كتف ماهر ومحتضنة ذراعه بيديها. عيناها الخضراء شاردة وحزينة ومتألمة للغاية وملامحها الجميلة باهتة، لعن نفسه للمرة المليون وهو يرى ما جعلها تصل له من حديثه السام لها. حسنًا أسر ما إن تعود للمنزل يجب عليك التحدث معها، والاعتذار.. نعم الاعتذار يجب أن تتخلى عن ذلك الغرور وتعتذر لها بل وتتوسل أيضًا حتى تعفو عنك أيها البارد.

كان هذا صوت قلبه يتحدث وينخره بشده. وصلوا أخيرًا للقصر، هبط أسر سريعًا من السيارة ليجد والده قد فتح باب السيارة ويساند توليب بالهبوط. اقترب منها أسر ليحملها فهي ما زالت مريضة، ولكن ما إن رأت توليب تقترب منه حتى رفعت يدها بخوف تمنعه من الاقتراب، بينما هي تقربت من ماهر أكثر متمسكة بذراعه بقوة وقد أشاحت نظرها عنه. سار بها ماهر يساندها للدخول تاركين أسر يقف مكانه. صدمة.. هذا ما تلبس أسر، فقط صدمة.. هل ما رآه هذا حقيقة؟

هل توليب نظرت له بخوف بل وتمسكت بماهر تحتمي به؟ هل هذا حقيقة أم أنه خياله اللعين؟ انتفض قلبه يصرخ بشدة معارضًا لما حدث. هل حقًا توليب أصبحت تخافه وتبتعد عنه؟ هل تلك نفس الفتاة التي كانت تتعلق بذراعيه لتشعر بالأمان؟ تتمسك بماهر خوفًا منه.. اللعنة عليك يا أسر إلى أي حالة أوصلت تلك توليب. دلف ماهر لغرفة توليب وهو يساندها ويسير ببطء مع خطواتها. تحدث ماهر بحنان وهو يسير بها للفراش: _نورتي أوضتك يا تولي هانم.

ابتسمت له توليب بملامح مبهمة، توقفت مكانها بصدمة وهي ترى صورة والدها ملقاة أرضًا بجانب الفراش وإطارها محطم. لتحاول أن تخطو سريعا لأخذها ولكن ماهر منعها سريعًا متحدثًا بلهفة: _بتعملي إيه يا تولي، متتحركيش بسرعة كده إنتي لسه تعبانة. أشارت توليب على الصورة الملقاة أرضًا وقد امتلأت عيناها بالدموع لتتحدث بثقل وتعلثم: _ال..الصورة بتاعة بابا... و..وقعت في الأرض..و مكسورة.

نظر ماهر لما تشير ليجد بالفعل الإطار، أجلس توليب على الفراش بحذر بعيدًا عن حطام الإطار وتحدث للخدمة التي تقف خلفه: _تعالي نظفي الإطار ده، وحطي الصورة في برواز تاني بسرعة وهاتيها. أومات الخادمة باحترام وشرعت بإزالة الزجاج بينما توليب تنظر للإطار بحزن. تحدث ماهر بحنان وهو يمسد على خصلاتها: _متزعليش يا روحي خمس دقايق وتبقى الصورة في برواز أحلى. ابتسمت له توليب ليكمل حديثه قائلاً:

_ممكن ترتاحي شوية بقى لحد ما يجهزوا العشاء، إنتي محتاجة تاكلي كويس وكمان تاخدي الأدوية في معادها. خضعت توليب لحديث ماهر واستلقت على الفراش تنام قليلاً بعدما ساعدتها الخادمة بتبديل ملابسها. هبط ماهر الدرج ليجد أسر يجلس على أحد المقاعد بالبهو وشارد، ليتقدم منه وهو يتحدث بسخرية: _سرحان في إيه يا آسر باشا.

نظر أسر لوالده بضيق ولكنه لم يتحدث بل ظل ينظر له بضيق.. وماهر يبادله النظرة بأخرى ساخرة.. كانت حرب نظرات قائلا بينهم ليقطعها صوت أحد الحرس الذي دلف للتو، متحدثًا بعملية واحترام: _ماهر باشا فيه واحدة عايزة تقابلك. ماهر باستغراب: _مين دي. الحارس: _واحدة اسمها جيلان بتقول إنها والدة الانسة توليب. نهض أسر بعنف وهو ينظر لماهر بتساؤل وريبة، ليجد ماهر يقف بثبات. تحدث ماهر بجمود: _خليها تدخل.

وقف أسر بجانب والده ليتحدث ماهر بجدية وهو ينظر لعيون أسر بنظرة فهمها أسر جيدًا: _أنا مخلف راجل مش كداب. تحدث أسر لتأكيد وجدية: _ومش أي راجل، أنا ابن ماهر البارون. نظروا للباب الداخلي منتظرين دخول تلك المرأة الملقبة بوالدة توليب.. وخصوصًا أسر الذي دب القلق بقلبه دون سبب.

وجد امرأة تبدو في أواخر الأربعينيات تسير باتجاه ماهر بخطوات غاضبة، ترتدي بدلة نسائية سوداء لو عينيها وتضع الكثير من مستحضرات التجميل ورائحة عطرها النفازة تسبقها. تحدث ماهر بجمود وهو يراها تقف أمامه: _أهلًا يا جيلان. تحدثت بغضب عارم: _فين بنتي يا ماهر، فين توليب. ماهر بحدة: _صوتك ميعلاش يا جيلان، متنسيش نفسك. جيلان بغضب: _فين بنتي يا ماهر، فين بنتي اللي ضحكت عليها وجوزتها ابنك. هنا تحدث أسر بحدة قائلاً:

_إيه اللي بتقوليه ده، ضحك عليها إيه وبتاع إيه.. إنتي سمعة إنتي بتقولي إيه يا ست انتي. نظرت جيلان لماهر بعينين تطلق شرار، قابله هو ببرود وهو يضع يديه بجيب بنطاله. تحدثت جيلان بابتسامة ساخرة وهي تطالع ماهر: _أنا عارفة بقول إيه كويس أوي، بس بجد يا ماهر خطتك دي تحفة عمرها ما جت على بالي تصدق، لا أستاذ.. أستاذ ولازم أسقف لك على خطتك العبقرية دي. ماهر ببرود: _خطة إيه وهبل إيه، إيه الجنان اللي بتقوليه ده يا جيلان.

جيلان بتهكم: _الخطة اللي عملتها عشان تسرق فلوس توليب اللي فريد كاتبها باسمها يا... يا ماهر بيه. ثم أكملت بغضب: _بعد ما عرفت إنك الوصي على أملاك وفلوس توليب جيت بسرعة، وطلبت إنها تعيش معاك متحججًا بزواج وأنك مش عايز توليب تعيش مع جوز أمها وكمان عشان هي من ريحة المرحوم صاحبك، وأنا زي الهبلة صدقتك وأديتك البنت... أثرك عامل كل ده عشان تجوزها لابنك لما يرجع وتكوش على فلوسها... بس خلاص أنا جاية أنقذ بنتي منك ومن ألاعيبك.

ماهر بتهكم: _حلو السيناريو ده يا جيلان، يا ترى مين اللي ألفه، أكيد جوزك عادل بيه المحترم. جيلان: _ملكش دعوة بجوزي يا ماهر. أسر بترقب: _طب بعد كل ده حضرتك جاية عايزة إيه معلش؟؟ جيلان بثبات: _أنا جاية آخد بنتي، جاية آخد توليب. ماهر بصرامة: _توليب مش صغيرة عشان تيجي وتأخديها يا جيلان، توليب دلوقتي بقت على ذمة راجل.. أسر ابني. جيلان بترقب: _يعني إيه، أنا عايزة بنتي يا ماهر. بثبات عكس تلك النيران بقلبه الخائف تحدث

أسر بنبرة متوحشة حادة: _توليب مين دي اللي إنتي عايزة تاخديها، توليب مراتي مش هتخرج من البيت ده أبدًا. كان حديثه ناهي. رفع ماهر رأسه بفخر وابتسامة واثقة، كان واثقًا من قول السر لهذا الحديث. تحولت جيلان بنظرها الكارهة بين ماهر وأسر اللذين يقفان مثل الملوك. بثقة وثبات. رفعت هي سبابتها أمام وجه ماهر وتحدثت بغل: _أنا مش هسكت يا ماهر، توليب هاخدها منك إنت وابنك غصبًا عنكم ومش هخليكم تتهنوا على فلوسها يا ماهر.

أنهت حديثها ثم سارت للخارج بخطوات غاضبة مثلما دخلت، متوعدة لماهر وابنه. التفت أسر لوالده وتحدث بحدة: _أنا مش فاهم حاجة ممكن تفهمني. جلس ماهر على أحد المقاعد واضعًا قدم فوق الأخرى وبثبات تحدث: _أنا كنت عارف إن جيلان هتيجي بعد ما هتشوف الخبر في المجلات والسوشيال ميديا، وأكيد عادل هو اللي قالها على الكلام الفارغ ده وطلب منها تيجي تعمل كل ده عشان تاخد توليب في صفه. تحدث أسر بثقة ليطمئن قلبه:

_توليب مستحيل تقف في صف الست دي ومستحيل تسيب القصر. تحدث ماهر بمكر يقصدها جيدًا: _وانت واثق كده ليه يا أسر مش ممكن بعد اللي انت عملته توليب تكرهنا وتسيب البيت وترجع عند أمها. نجح وبمهارة بدب هذا الخوف بقلب أسر، هل من الممكن أن تذهب توليب حقًا وتتركه.. لا لا مستحيل لن يحدث هذا.

ترك أسر والده وصعد بخطوات غاضبة سريعة لغرفته، ليبتسم ماهر بثقة ها هو استطاع ببراعة وبكلمات صغيرة بأن يخلق فجوة من الخوف بقلب ابنه العنيد.. بينما توليب كان القدر بصفها ولم تسمع صوت جيلان لأنها كانت بغرفة الملابس الخاصة بها ومغلقة الباب بإحكام. كانت تقف أمام المرآة تتأمل نفسها بحزن على ما وصلت إليه من حاله... لتقرر بداخلها أن تمحي كل ما يؤذيها حتى وإن كانت روحها معلقة بهذا الشيء.

_وقف أسر أسفل المرش، والحياة تتساقط فوقه بسلاسة ليريح جسده، بينما يفكر عقله.. هل جيلان تستطيع أن تأخذ توليب.. وترى ماذا ستفعل توليب إذا علمت بعودة والدتها ومطالبتها بها.. أفكار كثيرة متضاربة بعقله، بينما قلبه ما زال ينبض بعنف منذ نظراتها الخائفة له. خرج من المرحاض مرتديًا ملابس منزلية مريحة وخصلاته الكثيفة تتساقط منها قطرات الماء، كاد يرتمي على الفراش بتعب. طرقات خافتة على باب غرفته جذبت انتباهه ليتحدث بصوت أجش:

_نعم. أتاه صوت توليب الرقيق: _مم.. ممكن.. أدخل. وبسرعة البرق كان أسر يفتح باب غرفته، ليجد توليب تقف أمامه وهي تبتسم ابتسامة مرتبكة، كانت ترتدي منامة طويلة باللون الأزرق، وبين يديها تحمل حاسوبها وفوقه صندوق متوسط الحجم باللون الأبيض. تحدث بلهفة قائلاً: _خير يا توليب إنتي كويسه. توليب بارتباك: _ممكن... أتكلم معاك لو سمحت.

أومأ بتأكيد لها ثم وقف جانبًا لتدلف هي للداخل بخطوات مرتعشة وقلبها الصغير يخبرها بأن تعود أدراجها ولا تفعل هذا، بينما عقلها ينهرها بشدة على خوفها هذا.. وقفت بمنتصف الغرفة وهي تنظر حولها تتأمل غرفته الذي يكتسحها لونها الأسود المميز. أغلق أسر الباب ثم سار حتى وقف خلفها تمامًا وباشتياق لقربها مال على رأسها يستنشق رائحتها الخلابة، لتبتعد توليب سريعًا عندما شعرت به...

التفتت له تناظره بخوف ليبادلها النظرة بأخرى متألمة.. آسف.. عاشقة حد الهلاك. نظرت هي بالأرض وتحدثت هي بارتباك: _أنا كنت…. عايزة أديك... حاجة. اقترب أسر منها وتحدث باهتمام: _طب اقعدي يا تولي، إنتي لسه تعبانة وهاتي الحاجة اللي في إيدك دي. عادت هي خطوة للوراء.. ونظرت له متحدثة بجدية: _لا أنا كويسه… مدت يدها باللابتوب والصندوق له لينظر لها باستفهام، لتتحدث هي بجدية رقيقة: _الحاجات دي تخصك.

أخذهم من يدها وهو قاطب حاجبيه باستغراب. أسر باستغراب: _إيه دول؟؟ أخذت توليب نفسًا عميقًا تشجع نفسها على الحديث لتبدأ بالتحدث بهدوء وهي تنظر بعين أسر: _دول ست سنين... ست سنين حب، ست سنين أمل وانتظار... ست سنين طوال أوي… كل حاجة تخص.. الست سنين دول في الصندوق ده وفي اللابتوب كمان. صمتت لتأخذ نفسًا آخر محاولة قدر الإمكان عدم التلعثم بحديثها، بينما أسر دب الرعب بقلبها من حديثها هذا وقد شعر بشيء سيئ قادم بالحديث.

أكملت توليب حديثها وقد بدأت الدموع تتجمع بعينيها الخضراء: _أنا بقالي ست سنين متابعة كل حاجة تخصك، سفرك.. شغلك.. كل حاجة، أنا من ساعة ما دخلت البيت ده يا أسر وأنا مبسمعش غير اسمك بيتقال في كل حاجة.. أسر نجح في الجامعة.. أسر عمل شركة... وكان بابا على طول يكلمني عنك.. وعن شخصيتك القوية والعنيدة، كان بيفرجني على صورك ويقعد يتكلم عنك... بس أنا مكنتش بسمع الكلام اللي وهو كان بيقوله...

عارف ليه، عشان في الوقت اللي كان بيتكلم فيه عنك أنا كنت بقع في حبك. رفعت رأسها وهي تتنفس بقوة محاولة أن تهدأ تلك الغصة المملوءة بالبكاء، نظرت له لتجده متجمدًا وملامحه الوسيمة مصدومة، لتكمل حديثها وهي تشهق ببكاء:

_أيوا أنا بحبك، أنا قعدت ست سنين بحبك، أنا كنت حابسة نفسي بين أربع حيطان.. بس كنت بحس وانت بتعمل كل مغامرة مجنونة إن أنا اللي بعملها مش إنت، لما كنت بتنط من الطيارات، وتعوم بين سمك القرش، وتسوق بشكل مجنون وخطير... أنا كنت عايشة معاك كل ده.. كنت بحس إني أنا اللي عملت كده وكنت ببقى مبسوطة أوي... كل ده بس من حبي فيك يا أسر...

ولما رجعت كانت كل أمنياتي بس إنك تحس بحبي ليك ولما أنت بقيت مهتم بيا فجأة قلت خلاص أسر بدأ يحبني زي ما بحبه، ولما سافرنا سوا ولما بوستني ولما قولتلي إنك عمرك ما هتسبني وهنفضل جنبي على طول.. كل ده كان بيخليني أحبك أكتر وكان بيخلق جوايا أمل إنك بتحبني... ولما رجعنا من السفر وجه وقت الحفلة واتفاجأت بكلام بابا ماهر عن جوازنا.. قلبي الساذج قال إنك عارف واكيد عملتهالي مفاجأة وبعدها هتعترفلي بحبك. بضعف وبكاء أكملت:

_بس للأسف كل ده كان شفقة، وكل حاجة كانت كذب، وكل الأحلام اللي أنا بنيتها كانت سراب ملوش وجود، إنت قولت كلام وحش أوي أوي في حقي يا أسر... كلام مهما كنت بحبك عمري ما هقدر أسامحك عليه... أنا كنت بحبك جدًا لدرجة إني ممكن أموت عشانك.. بس للأسف أنت متستحقش كل الحب ده مني.. عشان كده أنا خدت قرار مهم أوي... من النهارده أنا مش هحبك تاني ولا حتى هكرهك أنا هعملك زي ما بعامل أي حد غريب عني. اقتربت منه وهي تنتفض من شدة البكاء

وتحدثت بابتسامة مهزوزة: _أنا من النهارده مش هحبك تاني يا أسر وده قرار أنا خدته، والصندوق ده فيه كل مذكراتي اللي كنت بكتبها عنك في الست سنين، واللابتوب ده فيه كل صورك وفيديوهاتك... خديهم أنا مش محتاجة الحاجات دي تاني.. عشان خلاص مبقتش تلزمني. بقلب يخفق بجنون كان أسر يستمع لتوليب بعدم تصديق... ماذا هل توليب تحبه.. حسنًا لقد قال ماهر هذا له لكنه لم يصدق، مع حديثها كان جسده وعروقه تتشنج بقوة...

بينما مشاعره كانت متخبطة.. بين الفرح بحبها له والغضب من نفسه على ما قاله... وأخيرًا الخوف الذي تملكه مع حديثها أنها ستنسى ذلك الحب لأنه لا يستحق. همت هي بالخروج بعدما انتهت من حديثها، وهي لا تريد حتى أن تستمع لرد على حديثها، همت بفتح الباب لكن شهقت بزعر عندما جذبها أسر من معصمها بشدة، صادمًا جسدها خلف الباب.. مغلقًا بعنف.

كانت عيناه تطلق شرارًا ويتنفس بقوة، ضغط على معصمها بعنف لتئن هي بألم، كانت نظراته متوحشة جعلت قلبها ينتفض بخوف شديد. أسند جبهته على جبهتها لتغلق توليب عينيها بقوة حتى لا تضعف أمامه خصوصًا وأنفاسه الحارة تلفح بشرتها. تحدث أسر بأنفاس مضطربة وهو مغلق الأعين أيضًا: _توليب، أرجوكي اسمعيني.. إنتي قولتي كل اللي عندك بس مسمعتيش الكلام اللي أنا عايز أقوله يا توليب. ألصق جسده بجسدها اللين ليرتجف جسدها توليب.

تحدث هو بهمس متوسل: _إنتي متعرفيش مشاعري من ناحيتك عاملة إزاي، أرجوكي اسمعيني وبعدين احكمي عليّ، أرجوك. مال على شفتيها يقبلهما بقوة وعنف، لينصهر قليلاً تلك العاشقة توليب، احتضن أسر خصرها بقوة وأصبح يقبلها بشغف وجنون حتى يهدأ قلبه المرتعد خوفًا من بعدها عنه. كانت توليب مستسلمة لتلك القبلة التي استحوذت على وجدانها، وجسدها يرتجف بين يديه.. ولكن ضرب جرس الإنذار بأذنها سريعًا.

لتبعده عنها بعنف وغضب، ابتعد أسر قليلاً عنها ونظر لها وهو يلهث بقوة.. نظرت له بغضب شديد ونفور مصطنع، لتفتح الباب وتركض للخارج سريعًا هاربة منه. بينما أسر كان ينظر لأثرها وهو يشعر بالذنب والندم ينهشان قلبه الذي ينتفض خوفًا من ابتعاد توليب عنه... _العاشرة صباحًا بأسوان..

كانت صبا تجلس بفصلها وتنظر للمعلم الذي يتحدث ويشرح درس الكيمياء بتركيز ليقاطع تركيزها اهتزاز هاتفها الموضوع بدرج المكتب معلنًا عن رسالة، لتخرجه ببطء لترا الرسالة.. لتجده باسم. فتحت الرسالة وهي تناظر المدرس تارة والهاتف تارة. قرأت الرسالة لتجدها تحتوي على كلمات غزل وعشق جعلتها تبتسم ووجنتاها تتورد خجلًا. شهقت بفزع عندما وجدت المدرس قد جذب الهاتف من يدها بعنف. تحدث بغضب: _يلا على المديرة. تحدثت صبا بخوف:

_أنا آسفة يا مستر بس. تحدث بغضب هذا وهو ينظر لتلك الرسالة التي بعثها باسم: _مفيش بس أنا بشرح والهانم قاعدة بتحب في التليفون. حركت صبا رأسها سريعًا بالرفض، تحدثت إحدى صديقاتها مداعبة عنها: _يا مستر ده جوزها، وبعدين أنت متعرفش هو ممكن يعمل إيه لو عرف إنك بتعمل كده. التفت لها وتحدث بغضب: _قومي إنتي كمان يا ست شهد المحامية، هتروحي مع صحبتك عند المديرة وهناك هنعرف يبقى مين البيه.

أخذ المعلم صبا وصديقتها أمام مكتب المديرة ليدلف هو ويتركهم بالخارج. كانت صبا ترتجف بخوف من القادم، بينما أمسكت صديقتها يدها وتحدثت بتشجيع: _متخافيش يا بت، إنتي مكنتيش بتعملي حاجة غلط. صبا بهمس: _أنا خايفة أوي الموضوع يوصل لبابا يا شهد. شهد بثقة: _مش هيوصلوا. صبا: _إزاي بس، أكيد المديرة هتقولي اتصلي بولي أمرك يجي. أخرجت شهد من جيبها هاتفًا صغيرًا لتضعه بيد صبا وهي تقول: _خدي. صبا بعدم فهم: _إيه.. أعمل إيه. شهد ببساطة:

_اتصلي بولي أمرك. تحدثت صبا بغضب وهمس: _إنتي هبلة يا بت. شوفي أنا بقولك إيه وإنتي بتقولي إيه، عايزاني أكلم بابا بنفسي. تحدثت شهد بتوضيح: _أنا مش قصدي أبوكي، أنا قصدي ولي أمرك الحالي جوزك... باسم. صبا بذهول: _وهو باسم يبقى ولي أمري. شهد بضيق: _مش جوزك يا بت أكيد يبقى ولي أمرك، يخرب بيت غبائك. صبا بارتباك: _طب هتصل أقوله إيه، لا لا أنا أتكسف أكلمه. ضربت شهد مؤخرة رأس صبا وتحدثت بغضب هامس:

_إنتي معاقة في دماغك يا بت ده جوزك، وبعدين لو مكلمتيهوش يلحقك، المديرة هتخليكي تكلمي أبوكي وساعتها هتشوفي يوم أسود. واحتمال يمنعك تيجي المدرسة تاني. خافت صبا من حديث صديقتها، وفكرت قليلًا إذا علم عوني سيمنعها من المدرسة، هو بالأساس ينتظر خطأ صغير منها حتى لا يجعلها تكمل تعليمها. تحدثت بتردد قائلًا: _طب داري عليا عشان الكاميرات والسكرتيرة.

وقفت شهد وصبا تختبئ وراء ظهرها، وضعت الهاتف على أذنها تنظر للرد، حمدت الله كثيرًا بداخلها أنها حفظت رقم باسم وإلا كانت الآن في مأزق كبير. كان باسم يجلس بأحد المجالس الحيوية الخاصة بهم ومعه مجموعة من السياح يتحدث معهم بمرح، ليصدح هاتفه معلنًا عن اتصال، أخرحه من جيبه ليجده رقمًا غريبًا.. لكن فتح الهاتف وتحدث بصوته القوي: _الو. أتاه صوته لتتحدث هي بلهفة: _باسم، أنا صبا.

أبعد باسم الهاتف عن أذنه ونظر للرقم باستغراب، ولكن الصوت صوت صبا. ليعيد الهاتف مرة أخرى وتحدث باستغراب وقلق: _صبا، إنتي بتتكلمي منين وفين تليفونك.. إنتي كويسه. صبا بهمس وخوف: _باسم الحقني. تحدث باسم بقلق وهو يهب من جلسته: _صبا في إيه إنتي كويسه. دلف صبا وشهد للمديرة ليتحدث المعلم بغضب شديد وهو يشير على الفتاتين: _الهانم كانت بتحب في التليفون وأنا بشرح، والهانم التانية بتدافع عنها ولا كأنها المحامية بتاعتها.

تحدثت شهد بثقة: _أنا بدافع عنها عشان هي مش غلطانة يا مستر. المديرة بحدة: _متردين على الأستاذ يا قليلة الأدب وإلا هفصلك من المدرسة كلها إنتي فاهمة. خافت صبا من تهور صديقتها لتتحدث بهدوء: _إحنا آسفين، حضرتك هي متقصدش ترد على حضرتك أبدًا. المدرس بسخرية: _اللي يشوفك وإنتي بتتكلمي يا صبا هانم باحترام كده، مشافش قلة أدبك وإنتي قاعدة بتحبي في الحصة.

مع نهاية حديثه كان باب الغرفة يفتح بعنف ويطل منه باسم وعيناه لا تبشر بالخير. تحدثت المديرة بحدة: _إنت مين وإزاي تدخل كده من غير استئذان. لم يعرها باسم اهتمام بل ذهب واحتضن صبا التي كانت عيناها ممتلئة بالدموع. تحدث بحدة وهو يطالع المديرة: _أنا أبقى باسم المهران وجوز الطالبة اللي الأستاذ قليل الأدب ده تطاول عليها. تحدث المدرس بغضب: _هو إنت بقى الأستاذ اللي كنت بتبعت رسائل حب للهانم ومخليها متنطش الحصة.

ابتعدت صبا عن حضن باسم وتحدثت بصوت مختنق بالبكاء: _والله أنا شفت الرسالة بس حتى مردتش، وكنت هقفل التليفون خالص.. بس المستر خده مني. تحدثت المديرة بهدوء بعدما علمت هوية باسم: _أهدي يا صبا، ده سوء تفاهم بسيط خالص هيتحل حالا، ولو على التليفون ف التليفون أهو. مدت يدها بالهاتف لباسم لياخذه من يدها بعنف، بينما عيناه لا تفارق ذلك الرجل الواقف أمامه. تحدث المدرس بغضب:

_حضرتك إزاي تصلها التليفون، البنت دي لازم يتعمل لها استدعاء ولي أمر ووالدها يجي يشوف قلة أدبها. هنا انتهى الصبر الذي حاول باسم جاهداً السيطرة عليه حتى لا يفعل ما يغضب صبا لاحقًا، ولكن لحديث ذلك الرجل الوقح انتهى كل شيء، ليبعد صبا عنه بهدوء.. ثم ذهب باتجاه ذلك الرجل الوقح بنظرات شيطانية جعلت الخوف يدب قلب ذلك المدرس. أمسك باسم بعنف من ياقة قميصه وتحدث بهمس مخيف:

_إنت قولت إيه… إنت عارف إن أنا ممكن أقتلك دلوقتي حالًا ومش هاخد فيك يوم سجن، أنا طول عمري بحترم المحترم بس باردو ببقى قليل الأدب مع النوعية اللي زيك كده... عارف لو كنت راجل محترم وبتتكلم باحترام كان الوضع اختلف بس للأسف إنت ضيعت. عض على الاحترام بقله أدبك في الكلام كده وأنا بقا بحب أربي قليل الأدب.

أنهى حديثه ثم لكم المدرس بقوة هشمت عظام وجهه جعلته ينزف دماء، لم يصمت ليعيد الكرة أكثر من مرة أمام أعين صبا وصديقتها المنزهلين والخائفين أيضًا. بينما طلبت المديرة الأمن الذي حضروا سريعًا ينجدون ذلك الرجل من أسفل يد باسم. ابتعد باسم عن المدرس وهو يلهث بعدما أعطاه درسًا عنيفًا. تحدث باسم بغضب وهو يشير له:

_اعمل حسابك إنك هتتفصل من وزارة التربية والتعليم كلها هقولك من المدرسة، الأشكال قليلة الأدب اللي زيك دي مينفعش تدرس ولاد ناس متربيين أبدًا. التقط يد صبا المذعورة وصار بها للخارج دون التفوه بكلمة أخرى، توقف عندما استمع لصوت فتاة تنادي صبا. وقفت شهد أمام صبا ومدت يدها بحقيبتها متحدثة بخوف وهي تناظر باسم: _نسيتي شنطتك يا صبا.

أخذ باسم الحقيبة منها دون أن يتحدث أو حتى صبا، ليكمل طريقه للسيارة ليجعل صبا تدلف لها ثم صعد هو وهي يضع حقيبتها بالمقعد الخلفي بإهمال. نظر لها ليجدها تنظر له بفزع وعيناها تلمع بالخوف. تنفس بعمق محاولًا العودة لهدوئه، التفت لها وهو يبتسم بحنان قائلاً: _مالك يا صبا، اهدي محصلش حاجة لكل ده، ده راجل قليل الأدب وأنا ربيته. تحدثت هي بارتباك وخوف: _وإنت بتربي الناس بأنك تضربهم. باسم بهدوء: _لا.. بس ده حالة خاصة. صبا بترقب:

_وعزيز باردو حالة خاصة، إنت عملت معاه كده باردو. اشتعل غضبًا عندما نطقت باسم ذلك الحقير عزيز، ليختفي هدوئه فجأة وحل محله الغيرة العمياء. قبض على معصمها بقوة جعلها تئن بألم.. وقربها منه للغاية حتى اختلطت أنفاسهم معًا ليزيد ذعرها بينما هو تحدث بصوت خافت مرعب: _لو خايفة على نفسك، إياكي تنطقي اسم الحيوان ده تاني فاهمة. كانت تتنفس بسرعة وخوف منه، ليزيد غضبه من صمتها ليتحدث بحدة وهو يهزها بعنف: _فااااااهمة.

أومات برأسها سريعًا بخوف، ليترك يدها بعنف وبدأ في القيادة وملامحه متهجمة. بينما هي فركت معصمها وهي تبكي في صمت. بعد وقت توقف باسم أمام أحد الأماكن الخاصة به، لاستقبال السياح. نظر لصبا ليجد عيناه حمراء اللون وأنفه أيضًا وتبكي بصمت، انتفض قلبه على بكائها... من فرط غضبه لم ينظر لها طوال الطريق أو يرى ما أوصلها إليه من حاله. التقط هاتفها وتحدث بلهفة: _صبا.. إنتي كويسه. نظرت هي له بعتاب وتحدثت بشهقات قائلة:

_لو سمحت روحني. تحدث باسم بأسف شديد مردفًا: _صبا، أنا بجد آسف أنا بس... أنا بس كنت متعصب وإنتي عارفة وأنا متعصب مبشوفش قدامي. تحدثت هي بعتاب: _أنا معملتش حاجة عشان تتعصب عليا على فكرة. باسم: _أنا عارف.. خلاص حقك عليا.. بس بلاش عياط ونبي أنا آسف. هدأت صبا قليلاً، ليتحدث هو بترقب وحذر: _تحبي أروحك ولا تنزلي معايا تشوفي المكان. تحدثت هي بهدوء وهي تنظر للجهة الأخرى: _لا روحني مش عايزة أقعد معاك.

كلمة واحدة التقطها تلك الصغيرة، لتذل قلبه بشدة، بل جعلته يحترق ألمًا. لا تريد البقاء معه كلمة صغيرة ولكن بقلب ذلك العاشق سطت نزلت على قلبه بحدة.

_يومان قد مرا… وتوليب لا تخرج من غرفتها سوى للذهاب للمشتل فقط. تعتني بأزهارها، لا تحضر معهم الطعام بل تأكل بمفردها بالغرفة متحججة بأنها ما زالت مريضة، ولمن بالحقيقة هي تتهرب من أسر.. تحاول بشتى الطرق أن تنساه ولا تفكر به ولو لثواني فقط ولكن هذا مستحيل فقلبها ينبض باسمه ولا يجعلها تنساه أبدًا ولو حتى بأحلامها. بينما أسر يذهب بالصباح الباكر ويعود بمنتصف الليل، لسبب لا يعلمه أحد حتى ماهر.

كانت توليب جالسة بفراشها تقرأ أحد الكتب.. لتشعر بالخمول فجأة والنعاس يخيم عليها. أغلقت الكتاب ووضعته بجانب الفراش.. وتلتقط مكانه أحد علب الأدوية التي وصفتها لها الطبيبة لتساعدها بنوم مريح أكثر... لم تجد ماء لتزفر بضيق وهي تهبط من فوق الفراش قاصدة الأسفل وبيدها علبة الدواء. دلف للمطبخ المضيء ثم أخذت كوب الماء التي تريد، تناولت دوائها وهي تستند بيدها على الطاولة أمامها وظهرها لباب المطبخ.

بنفس الوقت كان أسر يدلف للبهو وعيناه ناعسة بشدة فهو لم ينم منذ يومين. كان يصعد الدرج ولكن سمع صوت ضوضاء من المطبخ، لينظر بتعجب لساعته ليجد الوقت تجاوز الثانية فجرًا. سار باتجاه المطبخ يرى من بالداخل، تصنم مكانه عندما وجد توليب تقف وتعطيه ظهرها. يا الله لم يراها منذ يومين، كلما سأل عنها الخدم يقولون إنها نائمة، لقد اشتاق لها كثيرًا بل اشتاق لها بجنون حقًا لا يعلم كيف استطاع أن يبتعد عنها ليومين كاملين.

كانت توليب واقفة تتناول الماء، وكانت ترتدي منامة بيضاء وعليها رسومات لفواكهة.. كانت عبارة عن هوت شورت وتيشيرت ذات حملات قصيرة وفتحة صدر واسعة. كان يتأمل جسدها بعشق، كما أنها تلك توليب مثيرة وجميلة حد الهلاك. دلف أسر للداخل بخطوات هادئة حتى وقف خلفها مباشرة. لتلتفت توليب بفزع وهي تشهق ليسقط من يدها كوب الماء على الأرض يتهشم أسفل قدمها العارية.

كادت تسقط هي الأخرى لمن احتضن أسر خصرها سريعًا، لتتمسك هي بقميصه بشدة وهي تتنفس بعنف. مسد هو على خصلاتها وبدأ يتحدث: _متخافيش يا تولي دا أنا... أسر. رفعت عينيها الخضراء تنظر وهي تحاول أن تتنفس بهدوء، تحدث هو بابتسامة جنونية: _اهدي يا روحي واتنفسي كويس، أنا جنبك. هدأت توليب وأسر ينظر لعيناها بعشق وحنان يحاول تهدئتها وبالفعل نجح في هذا.

حاولت توليب الابتعاد عنه وعن حصاره لجسدها.. لتشهق بعنف عندما حملها من خصرها يجلسها على الطاولة. متحدثًا بلهفة: _حسبي الأرض كلها إزاز وإنتي حافية. كانت توليب جالسة على الطاولة وأسر يقف بين قدميها، شعرت بدوار شديد يجتاحها.. بالطبع من تأثير الدواء الذي هو شبيه بالمنوم يجعل جسدها يرتجي بشدة. نظرت لاسر بعيون ناعسة للغاية ومالت بجسدها عليه ليحتضنها هو بحنان متحدثًا باستغراب وقلق: _توليب إنتي كويسه.

أومأت له توليب ثم رفعت ذراعيها محتضنة عنقه ورأسها على صدره العريض. وتحدثت بنعاس شديد: _أنا عايزة أنام. أنهت حديثها وهي تتنهد بنعاس شديد وبالفعل بثواني كانت ساقطة بالنوم. رفع أسر يده يمشط على خصلاتها بحنان وقد علم أنها تناولت الدواء، فهو من أحضر لها الأدوية بنفسه... يعلم إن الطبيبة تعطيها أدوية للنوم مضادات اكتئاب. أغمض عيناه بعنف وهو يشعر بأنفاسها الدافئة تلفح مقدمة صدره المكشوف بسبب فتحة لأول أزرار القميص.

يشعر بقلبه يرتجف بقوة وتلك توليب مستندة برأسها عليه، لف ذراعيه حول خصرها بقوة.. وجعل قدميها تحتضن خصره. ليحملها كما هي هكذا ويصعد بها لغرفتها، وهي متعلقة بعنقه ومستندة على رأسه نائمة براحة، بينما هو يقبل رأسها مرارًا وتكرارًا بعشق يشعر بالسعادة بذلك القرب الشديد بينهم. _بينما بأسوان كانت صبا جالسة بالسهل مع حصانها تتحدث معه كعادتها.

كانت تفكر باسم الذي يحدثها طوال الوقت ويرسل لها الكثير من رسائل الحب، بالإضافة إلى الكثير والكثير من رسائل الاعتذار عن ما حدث بالسيارة والمدرسة. ولم يتوقف حتى أخبرته أنها تسامحه وكم أسعده هذا... بل جعله يحلق بالسماء. كانت جالسة وشاردة ليجذب حواسها صوت باب الإسطبل يفتح. تهب واقفة تنظر لمن دلف، تصنمت بمحلها وهرب الدم من جسدها فجأة وهي ترى أمامها أبشع كوابيسها.. عزيز!! كان عزيز يقف بثقة نظر لها ابتسامة خبيثة قائلاً:

_إزيك يا بنت عمي. لم تجب صبا بل ظلت على صدمتها على وجوده هنا. ليتحدث مرة بابتسامة ماكرة: _وأخيرًا وقعتي تحت إيدي يا صبا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...