سأصنع لك أولاً كل طُرق الفرار والتسلل، لا أريد الاعتقاد بأنك تبقى معي فقط لأنك لا تستطيع المغادرة. يقف أمام مدرستها منتظر خروجها على أحر من جمر، يريد رؤيتها، بل الأصح يريد رؤية عينيها السوداء الفاتنة التي تسحره بنظرة واحدة. ينبض قلبه بجنون محتج بسبب بعده عن تلك الصبا بعدما أصبحت هي سيدته وأميرة عرشه. أصبحت الآن بعيدة عنه بسبب فقدانه لجام مشاعره نحوها.
تهللت أساريره عندما رآها تخرج برفقة بعض من أصدقائها وكانت تضحك بمرح. هبط هو من سيارته بهيبة مرتدياً ملابس كاجوال أنيقة للغاية، عبارة تيشرت باللون الأصفر الفاتح يحدد قوامه الرجولي القوي وبنطال من الجينز الفاتح ونظارات شمسية سوداء زادته وسامة فوق وسامته. اجتمعت أنظار الفتيات حوله بما فيهم أصدقاء صبا، اللواتي ما إن رأوه حتى لمعت أعينهم بالإعجاب الشديد، عكس صبا التي ما إن رأته حتى تجمدت الدماء في عروقها خوفاً.
وقف أمامها مباشرة، نازعاً نظارته ليظهر عيناه السوداء الحادة، متحدثاً بابتسامة وسيمة: _مساء الخير يا بنات. نظر لصبا التي تطالعه بخوف، مهتماً ولكن تحدث بنفس الابتسامة: _ممكن أخطف منكم صبا. نظرن جميعاً لصبا ليجدوها صنماً لا تتحرك وكأنها جمدت، أومأن له ليتحركوا مبتعدين عن باسم وصبا وهم يتهامسون عن وسامة باسم وكم أن صبا محظوظة به. اقترب باسم منها لترجع هي خطوة للوراء سريعاً، ليتحدث بهدوء مردفاً: _أهدي أهدي.. في إيه؟
أنا جاي أروحك مش أكتر. تحدثت بارتباك وتعلثم: _وأنت تروحني ليه؟ أنا هروح مع السواق. أجابها بحزن مصطنع: _للأسف السواق مش جاي. صبا بارتباك: _لا هيجي، هو بس اتأخر شوية. تحدث بابتسامة واثقة: _لا مش هيجي، لأن أنا بلغت للحج عوني إني هجيبك النهاردة من المدرسة بنفسي وهو معترضش. شهقت بذهول ليبتسم لها باتساع. حاولت الثبات لتتحدث بقوة: _وأنا مش هروح معاك في أي حتة، أنا هاروح مشي. تحدث بحاجب مرفوع: _تروحي مشي إزاي لامؤاخذة؟
ده الطريق بياخد نص ساعة بالعربية، انتي كده هتوصلي المغرب. رفعت كتفيها بلا مبالاة: _عادي. زفر بضيق منها، فيبدو أنها رغم شخصيتها الهادئة عنيدة أيضاً. ليتحدث بمهاودة: _صبا لو سمحتي بلاش عند، أنا واقفين في الشارع والناس بتبص علينا. التفتت حولها لتجد فتيات المدرسة جميعاً يتطلعون لباسم، لتشتعل شرارة غيرة بداخلها لا تعلم من أين أتت، لتنظر لباسم بوجه متهجم متحدثة بضيق:
_دول بيبصوا عليك انت مش عليا، عموما ماشي أنا موافقة تروحني. ابتسم لها ثم أفسح الطريق لتسير أمامه وهو خلفها. وصلوا للسيارة لتقطب صبا حاجبيها متسائلة بترقب: _إيه ده؟ _إيه العربية بتاعتك؟ قالتها باسم ببساطة. كانت سيارة جيب عليه سوداء اللون. لتتحدث صبا فزعاً: _لا دي مش عربيتك انت، عربيتك مفتوحة مش شكلها كدا. انت جايب العربية دي وجاي تاخدني عشان تغتصبني فيها زي ما عملت في الأوضة؟ اتقي الله بقى، إيه معندكش إخوات بنات؟
يرضيك حد يغتصب أختك؟ اتقي الله بقى. توقفت عن الحديث وهي تلهث بقوة وصدرها يعلو ويهبط وهي تطالع باسم بنظرات حارقة، بينما باسم يقف بذهول يستمع لحديثها الجنوني هذا. ليتحدث بذهول وهو يشير على نفسه: _أنا اغتصبتك؟ هزت رأسها بتأكيد: _أيوا عندي في الأوضة. ماذا؟ كيف تفكر تلك الفتاة؟ وعن أي اغتصاب تتحدث؟ هل هي ترى تلك القبلات اغتصاب!!!
فرك مؤخرة رأسه ببلاهة، لا يعلم ماذا يفعل مع تلك الفتاة، فيبدو أنها لا تعلم شيئاً بالحياة أبداً لدرجة أنها ترى تلك القبلات اغتصاب. باسم بتساؤل: _انتي إيه معلوماتك عن الاغتصاب بالظبط؟ صعقت صبا مكانها عندما سألها، لتصبح وجنتيها باللون الأحمر القادم من شدة خجلها لتتحدث بغضب هادئ: _أنت قليل الأدب. _بس يا هبلة.
قالها باسم بجدية وهو يفتح لها باب السيارة، لتصعد صبا للسيارة وهي خافضة رأسها أرضاً، صعد باسم بجوارها ليقول السيارة… -لعلّها عقوبة الإنسان الأزلية أنهُ لا يفهم قيمة الشيء في حياته إلا حين يخسرها. أسر.. جالساً على حافة فراش توليب ممسكاً يدها بين كفيه، وعيناه تسير على ملامحها الجميلة يتأملها بحزن ولهفة. يشعر أن بداخله يحترق بل ويأكله الذنب أيضاً، يتمنى لو قطع لسانه قبل أن يقول ذلك الحديث الذي جعلها طريحة الفراش.
يتمنى لو أن يعود الزمن لتلك اللحظة التي نطق بها بهذا الحديث السام الكاذب الذي لا يمت للواقع بصلة والذي نطقه في وقت كان معميّاً بالغضب. ماذا سيحدث لو كان اعترف بما يحمل من مشاعر ملتهبة عشقا لها؟ ماذا لو اعترف أنها أسرته وأوقعته بعشقها منذ أول لحظة رآها بالمشتل؟ ماذا لو اعترف بتلك المشاعر التي تتلبسه عندما يراها؟
يا الله لقد كان يشعر بالغيرة عليها منذ أول يوم رآها به، لم يكن يحب مزاحها مع ولده أو ارتداء ملابس تحدد مفاتنها. هل هذا طبيعي أن يشعر بشيء كهذا تجاه فتاة رآها توا؟
دنا منها مسنداً بجبهته على جبهتها ليغمض عينيه بألم وحزن وهو يتنفس أنفاسها العطرة الدافئة، ثم دنا من شفتيها يقبلهما بهدوء، قبلة سطحية ناعمة. ابتعد برأسه قليلاً حتى يستطيع رؤية ملامحها الفاتنة. يشعر بالألم يجتاح صدره بينما عضلاته لا تزال متشنجة منذ حديث تلك الطبيبة. تحدث بنبرة خافتة متوسلة وضعيفة: _توليب، وحياة أغلى حاجة عندك لتفوقي، أرجوكي اصحي وطمني قلبي إنك بخير ومحصكيش حاجة.
قرب يدها من فمه ليقبلها وهو يعصر عينيه بألم، ولاول مرة بحياته يكون ضعيفاً وخائفاً هكذا. إذا حدث لها شيء لن يسامح نفسه مهما طال العمر. صارت عيناه على جسدها الموصل بأسلاك المؤشرات الحيوية ويدها الأخرى المعلق بها المحلول، يلعن نفسه للمرة المليون بسبب ما أوصله لها غضبه وحديثه السام.
استمع للباب يفتح ليستدير ليرى ماهر يتقدم منهم، ليترك يد توليب بحذر. والتقط ذلك الغطاء الموضوع بإهمال على ساقيها ليستر به جذعها العلوي العاري، لا من ذلك الثوب الأسود الذي ترتديه. وضع ماهر يده على كتف أسر الذي ما زال ينظر لتوليب، وتحدث بحنان وهو ينظر لتلك الوردة الذابلة: _أسر قوم ارتاح شوية، هي مش هتفوق دلوقتي الدكتورة مديها منوم قوي. نفض رأسه سريعاً وما زالت عيناه مسلطة عليها ليتحدث بصوت مبحوح متألم:
_مستحيل، مستحيل أسيبها وأمشي، أنا هفضل هنا لحد ما تفوق وأطمن عليها وأطمن إنها سليمة ومفيهاش حاجة. نظر ماهر لابنه ليجد وجهه مجهد للغاية وعيناه بلون الدم، ليحرك رأسه بعدم رضا عما حدث. لو فكر أسر قبل رمي ذلك الحديث لكانوا يحتفلون الآن معاً، ولكن يشاء القدر أن يطلق أسر سهاماً سامة بقلب فتاة عشقته حد الموت. لم يعلم هو قيمتها إلا عندما سقطت مستسلمة لسهامه القاتلة.
مر أكثر من اثني عشر ساعة.. وأسر يجلس بجانب توليب لا يفارق مكانه، ويدعو الله بداخله أن تستيقظ بخير ولا يحدث أي شيء مما قالت عنه الطبيبة. شعر بأصابع يدها التي يمسك بها تتحرك، لينتفض من مكانه وبلهفة دنا منها: _توليب، توليب انتي سامعاني؟ توليب. اقترب ماهر بلهفة قائلاً: _في إيه يا أسر؟ _توليب فاقت. قالها بلهفة. ثم ضغط على أحد الأزرار بجانب الفراش ليجد بعد دقيقة الطبيبة والممرضات يركضون للداخل، ليحدث الطبيبة بلهفة:
_فاقت، حركت إيدها دلوقتي. تفحصت الطبيبة توليب، لتتحدث بعملية وهي تتفحصها: _لو سمحتم اطلعوا برا. _أنا مش هتفرق من هنا. قالها أسر بحسم، هو لن يتركها أبداً، سيموت ولكن لن يتحرك من هنا. دقائق كانت الطبيبة وطاقم التمريض متجمعين حول توليب يحاولون إيقاظها بشكل كامل، وأسر يقف وقلبه يرتعش خوفاً بينما جسده متشنج بقوة حتى أن عروق رقبته تكاد تنفجر.
ثواني وفتحت تلك الوردة الجميلة عينيها الخضراء بتثاقل، ليقترب منها أسر بلهفة متحدثاً: _توليب، انتي كويسة؟ أبعدته الطبيبة بعنف عن توليب وتحدثت باحترام وجدية: _أسر بيه مينفعش كدا، لو سمحت خليك بعيد عن المريضة خلينا نشوف شغلنا، وإلا هضطر أطلع حضرتك برا. أومأ برأسه سريعاً كالطفل الصغير، لتباشر الطبيبة عملها تحت أنظار ماهر وأسر القلقة.
كانت توليب لا تشعر بأي شيء، فقط ضوضاء تصدح بإذنها، ولكن التقطت أذنها صوت أسر الملهوف عليها. فتحت عيناها بالكامل لترا الطبيبة وهي تتفحص جسدها، لم تستطع رفع رأسها لأنها تشعر بثقل شديد. دنت الطبيبة منها عندما وجدت أنها تحاول النهوض، لتتحدث قائلاً: _آنسة توليب، انتي سامعاني؟ أومأت توليب برأسها للطبيبة، بينما أسر يقف متلهفاً يريد الذهاب لها لكن أمسك ماهر بيده مانعاً عن ذلك.
ساعدت الطبيبة والممرضات توليب بالاعتدال بجسدها ليضعوا لها بعض الوسائد. اقترب منها أسر بلهفة عندما ابتعدوا الممرضين، ليجلس على حافة الفراش ملتقطاً يدها بلهفة متحدثاً بفرحة غامرة: _توليب حبيبتي، انتي كويسة؟ نظرت له توليب بوهن ولم تجيبه، بينما الطبيبة باشرت عملها سريعاً لتعلم أي مكان بجسد توليب قد تأثر، لتتحدث بعملية: _آنسة توليب، لو سمحتي عايزة كِ تركزي معايا وتقوليلي حاسة بإيه؟
أومأت توليب ببطء، بينما بدأت الطبيبة بالسير على جسد توليب بإبرة طبية توخزها بأماكن متفرقة حتى وصلت لقدمها. كانت توليب تئن بألم من وخز الطبيبة لها، بينما أسر وماهر يراقبونها بلهفة. كان قلب أسر يئن بألم مع أنين توليب، ولكن كان سعيداً أيضاً بأنها تشعر بهذا وجسدها سليم ولم يتأثر. انتهت الطبيبة من الفحص لتقف أمام السرير متحدثة بابتسامة: _الحمد لله مفيش أي أضرار في الجسم، في أي حتة بتوجعك يا آنسة توليب؟
أرادت توليب أن تقول لها عن ألم رأسها الشديد ولكن لم تأبِ الكلمات أن تخرج من ثغرها وكأنها محبوسة بجوفها. لاحظ أسر هذا لينتفض قلبه بفزع: _توليب، في حاجة وجعاكي؟ ممكن تقولي للدكتورة. جاءت لتعود الكرة وتحاول الحديث لكن أيضاً لم تخرج أي حرف، لتنظر للطبيبة باستغاثة. تحدث أسر بصوت مهزوز للطبيبة: _هي مش بتتكلم ليه؟ هو في إيه؟ تحدثت الطبيبة بأسف وهي تتابع توليب: _للأسف شكلها فقدت النطق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!