الفصل 13 | من 31 فصل

رواية توليب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سلمي سعيد

المشاهدات
18
كلمة
5,130
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

صدمة احتلت كل من آسر وتوليب، بينما ماهر يقف بثبات وهيبة، وكأنه لم يفعل شيئًا. أكمل ماهر حديثه دون أن يعير صدمة أسر اهتمامًا. أشار باتجاه توليب وتحدث قائلاً: "توليب حبيبتي، تعالي يا روحي." اجتمعت جميع الأعين على توليب، وبدأت الهمسات بين النساء عليها. ترى من تكون؟ ومن أي عائلة؟ ومتى استطاعت أن توقع بأمير عائلة البارون بعشقها ليخطبها بعد شهر من عودته للوطن؟ أم أنها كانت معه بخارج البلاد؟

الكثير والكثير من الحديث والأسئلة في عقل هؤلاء النسوة حول توليب. بينما توليب كانت تناظر ماهر وهي لا تستوعب حديثه. عن أي زواج يتحدث؟ هل ما سمعته حقيقة أم أنها تتوهم؟ تعالت دقات قلبها، لتنتقل بعينيها لأسر، ترى تأثير تلك الكلمات من دهشة أو غضب عليه، لكن وجدته يقف بغرور كعادته، ولا يظهر على معالمه أي اعتراض على حديث ماهر. قطعت أنفاسها وأصبح قلبها يدوي مثل الرعد. هل أسر يعلم؟ هل هو يعلم بهذا الحديث؟

نفت بداخلها سريعًا، ولكن كان لقلبها رأي آخر، ليخبرها أن أسر بالتأكيد يعلم، ولذلك طلب أن يهبطا معًا. بخطوات مرتعشة، نهضت ذاهبة لماهر. مد ماهر يده لها لتتمسك بها، وعيناها لا تفارق أسر الذي كان ينظر لها بجمود. وقفت بجانب ماهر وهي تخفي عيناها بالأرض بخجل وارتباك من كل هذا الحضور. تحدث ماهر وهو رافعًا رأسه بهيبة: "أقدم لكم توليب فريد الشافعي، بنت صديق عمري.. والزوجة المستقبلية لـ أسر البارون.. ابني."

أسر.. يقف بجمود، بينما بداخله نار إذا أطلق سراحها ستحرق الأخضر واليابس، وستحرق أول شيء، تلك الوردة الحمراء الفاتنة "توليب". بدقائق معدودة، وما زال الجميع يتهامسون على توليب. النساء يتهامسون بغيرة وحقد، وكم تلك الفتاة محظوظة وستتزوج من أكبر عائلات مصر، وليس أي أحد، بل أسر البارون بنفسه، خاطف قلوب النساء. بينما الرجال يطالعونها بإعجاب شديد، حاسدين أسر على تلك الزيجة، وبتلك الفتاة الأكثر من فاتنة.

لا تعلم توليب كيف ومتى أصبحت جالسة بجانب ماهر على تلك الطاولة الكبيرة المزينة بشكل مبهر بجميع أنواع الأزهار. جلس ماهر وبجانبه المأذون، وبجانبه أسر، وبدون أي حديث أو حتى أي سؤال من توليب أو أسر، كان ماهر يعقد قرانهما. بينما الاثنان في حالة من الصدمة، ولكن كل منهم يفكر بشكل مختلف، كل الاختلاف عن الآخر. بعد عدة دقائق أخرى، كان المأذون ينزع المنديل الأبيض من فوق يد أسر وماهر المتشابكة، مردفًا جملته الشهيرة:

"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." علا صوت التصفيق من الحضور، بينما توليب جالسة وخافضة رأسها وصدرها يعلو ويهبط. لا تصدق ما حدث، هل هذا حقيقة؟ هل هي الآن زوجة أسر بحق؟ أم كل هذا كانت تحلم وستستيقظ الآن؟ كان جسدها يرتعش بقوة، وأنفاسها غير منتظمة. تشعر بالسعادة والدهشة والخجل، جميعهم متناغمين معًا بداخلها.

نهض أسر ليأخذه ماهر بالأحضان ويهنئه، بينما الآخر ما زالت ملامحه جامدة. ابتعد عن والده دون النطق بكلمة. ذهب لتوليب التي تخفض رأسها بخجل وتفرك يدها بقوة. مد يده ليلتقط يدها، لترفع توليب عيناها سريعًا تنظر له، ولكن زادت حيرتها وهي تراه ما زال بملامح جامدة لا تظهر شيئًا. نهضت توليب ليحتضن أسر خصرها بصمت، بينما هي شعرت أنها تموت من السعادة والخجل يغطي وجهها. اقترب منها ماهر متحدثًا بحنان وحب: "ألف مبروك يا روح بابا."

لترد بخجل وحيرة أيضًا: "الله يبارك فيك يا بابا." جاء ليحتضنها، ولكن أسر كان أسرع ليجذبها له أكثر حتى لا يستطيع والده احتضانها. تعجبت توليب من فعلة أسر. نظر ماهر لابنه ليجده ينظر له بهدوء، عكس ذلك البركان بداخله. فهم هو نظرات ابنه جيدًا، وعلم أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام.

تزاحم المدعوون على توليب وأسر ليهنئوهم. انكمشت توليب بحضن أسر ارتباكًا من كل هذا الحشد الكبير. كانت تنتظر أن يهدئها ويسمعها كلماته المطمئنة كالعادة، ولكن كانت المفاجأة أنه لم يفعل شيئًا. فقط كان يصافح يد أي أحد حاول أن يصافحها فقط.

كانت الأجواء بين ماهر وأسر وتوليب متوترة للغاية بالحفل، بالرغم من نجاحهم من عدم إظهار أي شيء أمام الحضور، إلا أن النظرات كانت تقول الكثير، وخصوصًا أسر وماهر. بينما توليب كانت تقف بجانب أسر تبتسم بارتباك وبداخلها حائرة، لا تفهم شيئًا. حل المساء وانتهى الحفل. كانت توليب تقف بمنتصف البهو وهي لا تعلم ماذا تفعل. هي الآن زوجة أسر، كيف ولماذا؟ كانت تقف منتظرة أسر لتسأله، ولكن..

دلف أسر للداخل كالإعصار والنيران تشتعل في عينيه البنيتين. وجد توليب تقف بالبهو وكادت تتحدث معه، لكن لم يعرها اهتمامًا وأكمل طريقه ذاهبًا لمكتب والده. دلف للمكتب كالبرق، مغلقًا الباب خلفه بقوة جعلت توليب تنتفض فزعًا. ضرب أسر بكفيه على المكتب متحدثًا بغضب عارم: "اللي حصل دا أسميه إيه يا ماهر باشا؟ انتفض ماهر من جلسته متحدثًا بغضب هو الآخر: "أسر، أنت اتجننت ولا إيه؟ أسر بغضب وصوت عالٍ:

"أيوه اتجننت، هو بعد اللي انت عملته دا بقا فيا دماغ؟ انت إزاي تعمل كده أصلًا؟ ماهر بغضب: "احترم نفسك يا ولد وصوتك ميعلاش، انت واقف قدام أبوك، وبعدين أنا عملت إيه يعني؟ أسر بغضب: "لا معملتش حاجة، دا يدوب بس خلتني أتجوز غصبن عني ولا كأني راجل وليا كلمة. بس أنا عارف انت عملت ده كله ليه، انت عايزني أفضل عايش هنا ومرجعش لندن، مش كده؟ ماهر بصوت صارم: "أسر، لآخر مرة بقولك صوتك ميعلاش. وبعدين إيه اللي حصل يعني؟

انت ليه محسسني إني مجوزك وحدة من الشارع؟ أنا مجوزك توليب، يعني أغلى حاجة عندي، وألف راجل يتمناها. بس أنا اخترتك انت خصوصًا بعد ما شفت اهتمامك بيها. وعلى فكرة، أنا لو عايزك تفضل في مصر مش محتاج أعمل كده." "اهتمامي اللي انت بتقول عليه ده، انت اللي طلبته مني. قولتلي ساعدها يا أسر، دي بتخاف من ظلها، وأنا قولت حاضر يا بابا هساعدها. تروح انت رايح مجوزهالي؟ ماهر بصرامة وهيبة:

"توليب هي الزوجة اللي تصلح لك يا أسر، انت بس متعصب بسبب إني حطيتك قدام الأمر الواقع." أسر بغضب مجنون: "أمر واقع؟ هو أنا عيل صغير عشان تحطني قدام الأمر الواقع؟ لولا إني عامل حساب الصحافة اللي موجودة في كل حتة، أنا كنت مشيت وسبت الدنيا كلها تولع. وبعدين مش حضرتك اللي هتقرر مين هي الزوجة اللي تصلح لي؟ المفروض إن ده يبقى اختياري أنا، لأنها هتبقى مراتي أنا، والمفروض أكون بحبها."

أخرج ماهر الجهاز اللوحي من الدرج ليضعه أمام أسر وهو مضيء بصور تلك القبلة التي قبلها أسر لتوليب بأسوان. تحدث ماهر بصرامة: "وأنا جوزتك اللي بتحبها. تقدر تقولي الصور دي إيه؟ أقول لك أنا يا أسر، اهتمامك بتوليب، وقرارك إنك تاخدها معاك أسوان، وخرجتكم سوا، حتى نظراتك ليها وطريقة كلامك، وأخيرًا الصور دي... كل ده يثبت إنك بتحب توليب، لا دا انت بتعشقها مش بتحبها بس." أكمل حديثه بنبرة هادئة:

"أسر، أنت بتحب توليب وهي كمان بتحبك. ليه بقى كل اللي انت بتعمله ده؟ كان الغضب مسيطر عليه بالكامل، ليتحدث بدون وعي وغضب:

"أنا مش بحبها وعمري ما هحب توليب، مش عشان بشفق عليها يبقى اسمي بحبها، لا أنا مش بحبها. أنا بس بحاول أسعدها زي ما بساعد أي حد غريب معرفوش. أنا بعمل كده عشان أخفف عنها رمي أمها ليها في الشارع. يعني كل ده شفقة مش أكتر. وكمان توليب عمرها ما كانت مناسبة ليا، وعمرها ما هتكون مراتي أنا. عمري ما أحب إن مراتي تكون جبانة وخوافة كده. ومش معنى إني بوستها أبقى أتجوزها، ما أنا ياما عرفت ستات من الشارع ودخلت معاهم كمان في علاقات كاملة. على كده بقى كنت جبتلك أي واحدة منهم وقلت لك دي مراتي، مش كده؟

مع نهاية حديثه، وجد صفعة عنيفة تهبط على وجهه من ماهر. نظر له ماهر وتحدث بغضب: "انت حيوان ومش متربي." ساد الصمت قليلاً، وأسر فقط ينظر لوالده بوجه خالي من التعابير، بينما ماهر يتنفس بغضب ويطالعه بنظرات حارقة. تحدث أسر بجمود وحدة: "إن طلقها. مستحيل تفضل على ذمتي." ضرب ماهر المكتب بيده وتحدث بصرامة وغضب: "ده مش هيحصل يا ابن البارون. ولو حصل، يبقى أنت لا ابني ولا أعرفك، وهتبرأ منك ليوم الدين يا أسر."

كانت نظراتهم متحدية، قوية، شرسة، عنيفة. الأب والابن نفس الشخصية، بل ونفس العند. استدار أسر بغضب متجهًا للباب، ولكن أوقفه حديث ماهر الصارم: "اعمل حسابك يا أسر، أنت هتتحاسب على كل كلمة قلتها دلوقتي، وبكرة تقول ماهر البارون قال، بس أنا مسمعتش منه." أغمض عينيه وصك على أسنانه بغضب يلجمه بقوة. فتح باب المكتب وهم بالخروج، ولكن.. تصنم مكانه وهو يرى توليب واقفة أمامه، ويبدو أنها استمعت لكل شيء.

كانت توليب تنظر له بعين متحجرة، لا تبكي ولا تفعل شيئًا، فقط تنظر له نظرة جعلته يتألم بشدة. كانت تناظره بأعين مؤلمة، ألم لم يراه بأعين أحد بحياته. ظلت تنظر له قليلاً ثم تحركت بخطوات هادئة باتجاه الدرج لتصعده بهدوء، وكأنها لم تسمع شيئًا أبدًا. مما جعل قلب أسر، رغم غضبه، ينتفض فزعًا عليها، حتى أنه قرر الصعود خلفها، ولكن تراجع عن قراره سريعًا، هادرًا نفسه بعنف. ليخطو بخطوات واسعة غاضبة للخارج.

دلف المرآب الخاص بالسيارات. دار بعينيه يبحث عن ضالته حتى وجدها. نزع جاكت بدلته ورماه أرضًا بإهمال، ثم ذهب ليصعد بدراجته النارية وانطلق بها بسرعة جنونية. "بيني وبينك حدود وبلاد وبحور وسفر بيني وبينك شقوق وغياب وسكون وقدر بيني وبيني وبينك مراكب كانت سيرة بينا بيني وبينك أنا ظالم وعدلت فينا"

بخطوات هادئة وبطيئة، دلفت لغرفتها، مغلقة الباب خلفها بهدوء، ومغلقاه بالمفتاح. وقفت بمنتصف الغرفة تنظر حولها، لا تعلم ماذا تفعل. كانت تقف مثل الطفل الذي تاه من والديه ولا يعلم بأي اتجاه يذهب. نظرت باتجاه المرحاض لتقرر أخذ حمام بارد يهدي تلك النيران المشتعلة بقلبها. نزعت الفستان عن جسدها وحررت خصلاتها لتدلى حتى آخر خصرها. أسقطت جسدها بحوض الاستحمام التي ملأته بمياه باردة، علّ وعسى أن تريحها.

ظلت هكذا جالسة بالحوض ولا تفعل شيئًا آخر. كانت عيناها متحجرة بالدموع التي أبت أن تسقط، ولكن هي منعتها لتظل الدموع حبيسة خضرواتها المتألمة. بعد القليل من الوقت، خرجت من المرحاض مرتدية الروب الأبيض موضوع على جسدها بإهمال، ليس لديها طاقة أن تغلقه جيدًا حتى.

دلت لغرفة الملابس باحثة عن أي شيء ترتديه، ليأتي أسفل يدها منامة سوداء مكونة من هوت شورت باللون الأسود بالكاد يصل لأول فخذها، وتوب أسود ذو حمالات رفيعة ويظهر صدرها بسخاء يصل لمنتصف بطنها. ما إن انتهت من ارتداء الملابس حتى خرجت باتجاه فراشها، ولم تجفف شعرها حتى أو تمشطه. بهدوء، جلست على حافة الفراش بالمنتصف وتنظر للاشيء. عيونها شاردة، لا تستطيع أن تغمضهم حتى. غصة مؤلمة، بل مثل الجمر بحلقها، لا تستطيع ابتلاعها أبدًا.

رفعت إحدى قدميها من على الأرض تضمها لها، مستندة برأسها عليها، وهي ما زالت شاردة وحديث أسر يدوي بأذنها مثل الرعد: "أنا بشفق عليها مش أكتر." "أنا بحاول أخفف عنها رمي أمها ليها في الشارع." "على كده بقى أجيب لك أي واحدة من الشارع بوستها وأقولك دي مراتي، مش كده؟ الكثير والكثير من الحديث يتكرر بأذنها، ولكنها كما هي، مثل الصنم تجلس، لا تستطيع البكاء حتى.

ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغرها وهي تفكر بداخلها، كم أنها حقًا فتاة مثيرة للشفقة. وهمت نفسها بأنه يحبها من مجرد بعض الحديث الودود بينهم، وبعض القبل الذي كان يسرقها من ثغرها، وحتى احتضانه لها، ونظرة عينيه الحنونة، كل هذا عبارة عن شفقة ليس أكثر. آه يا توليب، كم أنتِ ساذجة! هل فكرتي حقًا بأن أسر سيحبك أو يفكر بكِ من الأساس؟ من تكونين أنتِ ليتأثر بكِ ويحبك؟

أنتِ مجرد فتاة يتيمة تركتها أمها مقابل المال، حتى أنها لم تسأل عليكي يومًا، ولو من أجل الاستغلال حتى. يا لكِ من فتاة حمقاء! هل فكرتي حقًا أنكِ ستكونين سعيدة بحياتك ومستعشقة تلك القصة التي رسمتيها برأسك مع فارس أحلامك ذي الحصان الأبيض؟ أي فارس سيحب فتاة مثلك تخاف من ظلها؟ حسنًا، هم لا يعلمون، فقط لو يعلمون ما عنته هي وما تحملته، لنحنُ لها بذهول على تلك الروح المثابرة بداخلها.

شهقة عالية متألمة هربت من ثغرها، شهقة تحمل البكاء الذي لا يأبى التحرر من مقلتيها، وكأن دموعها أيضًا تعاندها. تراجعت بظهرها حتى أصبحت مستلقية بكامل جسدها على الفراش. جذبت الغطاء على جسدها، واستندت على ظهر الفراش. نظرت بجانب فراشها لتجد أجمل شيء يداوي جراحها، صورتها مع والدها. مدت يدها ملتقطة تلك الصورة العزيزة على قلبها. بألم وحزن دفين يجعل الشيطان يبكي حزنًا على تلك الصغيرة، تحدثت هي بداخلها وهي تتأمل

تلك الصورة وتلمسها بحنان: "وحشتني أوي يا بابا، وحشتني لدرجة إني عايزة أموت عشان أقبلك وتاخدني في حضنك زي زمان. وحشتني أوي يا حبيبي، وحشتني حنيتك عليا ولعبك في شعري، وحشتني إني أقعد أحكيلك على كل حاجة حصلت في يومي، وحشتني أوي أوي. لما مشيت كل الناس آزتني يا بابا، حتى... بلعت تلك الغصة بداخلها، لا تستطيع حتى أن تذكر اسمها بداخلها حتى. "حتى هي اتجوزت ومفكرتش فيا يا بابا، ومفكرتش أنا ممكن أتأذى قد إيه."

أغمضت عيناها تحاول التغاضي عن باقي ذكرياتها المؤلمة هناك. بقهر كبيرة أكملت حديثها الداخلي مع الصورة:

"حتى هو يا بابا مطلعش بيحبني، طلع بيشفق عليا وشايفني جاية من الشارع. عشان هي خرجتني من حياتها وسابتني لبابا ماهر، انت لو كنت هنا مكنش هيحصل حاجة من دي أبدًا يا بابا، انت مكنتش هتخلي حد يأذيني أو يعملي حاجة وحشة. لما انت مت، مات معاك الأمان اللي لما اختفى من حياتي خلق مني واحدة تانية أنا معرفهاش. خلق مني روح بتخاف من كل حاجة، حتى ساعات بخاف من نفسي يا بابا. أنا تعبت أوي يا بابا، تعبت أوي. نفسي تحضنني عشان أطمن، نفسي أوي أحس بحضنك الحنين يا بابا."

دمعة واحدة حارة سقطت من بين جفونها، دمعة واحدة سقطت بسلاسة على وجنتها، دمعة واحدة ولكن تحمل الكثير بداخلها. انخفضت بجسدها على الفراش لتحتضن صورتها مع والدها، ثم أخذت وضعية الجنين، مغمضة عيناها بألم لو وُضع فوق جبل لانهار. "آسر" يقود الدراجة بسرعة كبيرة وكأنه يسابق الريح، يشعر بالاختناق ويتمنى الموت لأنه سيجن حقًا.

مظهرها المصدوم والدموع المتحجرة بعينيها يجعلان قلبه يئن من الألم. لا يعلم كيف قال ما قاله، ولكنه بالحقيقة كان يكذب. هذا الحديث معارض لما بقلبه وهو يعلم هذا، ولكن ماهر وضع له أمام الأمر الواقع، جعله يجن ويبدأ في قول أشياء لم يقصدها أبدًا، ويجرح توليب التي ما إن رآها أمامه حتى كُتمت أنفاسه خوفًا من أن تكون سمعته. كان يقود ولا يعلم إلى أين يذهب، ولكن ما يعلمه أنه يريد الهرب إلى نقطة بعيدة للغاية، بعيدًا عنها.

"بتلك الغرفة المظلمة... ساقطًا أرضًا على ركبتيه، محتضنًا بيديه صورة كبيرة رسمها لها بالفحم، يتأمل تلك الصورة بأعين حمراء كالجمر. وبصوت مهووس متملك أردف: "مستحيل تعملي كده، مستحيل تتجوزي واحد غيري يا توليب. أنا لعنتك وأنتي لعنتي ومستحيل حد فينا يبعد." أكمل حديثه بغضب عارم وهو ينظر للصورة: "أنتي بتاعتي أنا، طول عمرك بتاعتي أنا، مستحيل حد ياخدك مني، مستحيل."

ذهب لأحد الأدراج واخرج منها مادة حادة صغيرة للغاية، وبجنون بدأ بحفر اسمها على كف يده لتنزف يده بغزارة، لكنه لم يبدي أي اهتمام سوى لتلك الكلمة الذي يحفرها والمهووس بها: "توليب." توعد بداخلها معلنًا عن بدء حرب للفوز بها، حتى وإن قتلها، حتى لا تكون لأحد غيره. "بقيت خايف وأنا لوحدي ووجعي قصادي مد الشوق كأني طفل في إيديكي وسبتيه تاه في وسط الخوف"

بالسابعة صباحًا، دلف أسر للداخل القصر بخطوات ثقيلة متعبة، ليجد ماهر جالسًا على أحد المقاعد منتظرًا. ليمر بجانبه دون حديث، ليوقفه صوت ماهر الحاد: "استنى عندك." وقف أسر مكانه وما زال معطيًا ظهره لوالده. وقف ماهر أمامه وتحدث بحدة: "كنت فين يا بيه لحد دلوقتي؟ بإرهاق تحدث أسر: "بابا لو سمحت كفاية لحد هنا، أنا محتاج أرتاح شوية. تصبح على خير."

تحرك من أمام والده قاصدًا الدرج، ليجد الخادمة تهبط بنفس الوقت. صعد أول درجة ليتشج جسده فجأة عندما استمع لحديث الخادمة: "ماهر باشا، توليب هانم مبتردش عليا، ولما حاولت أفتح الباب لقيته مقفول." رفع عينيه ينظر للأعلى بلهفة وخوف، وصدره أصبح يعلو ويهبط. بثوانٍ كان يأخذ الدرج سريعًا راكضًا للأعلى، وخلفه ماهر والخادمة. طرق على بابها بعنف شديد متحدثًا بصوته الحاد القوي: "توليب... توليب افتحي الباب... توليب."

لم يجد ردًا، لم يفكر مرتين ليبتعد قليلاً بجسده، ثم بجذعه القوي كسر باب الغرفة، وبلحظة كان بالداخل يبحث عنها بلهفة. وقعت عيناه عليها وهي نائمة بوضعية الجنين، ليزيد الخوف بداخله، ليقترب منها جاثيًا على ركبتيه بلهفة، محتضن وجهها بين كفيه، لينصدم هنا. وجهها أحمر قاتم وحرارتها عالية للغاية. بفزع تحدث وهو يعتدل على الفراش محتضن وجهها بين يديه: "توليب... توليب.. توليب حبيبتي، أنتي سمعاني؟

لا رد أو أي حركة. انخفض بفمه بمستوى أنفاسها ليجدها مضطربة. دلف ماهر للداخل ليتحدث بلهفة وهو يرى وجه توليب: "مالها يا أسر؟ "لازم نروح المستشفى حالًا." قالها أسر بلهفة، وهو يهم بحملها، ولكن توقف فجأة عندما لاحظ ما ترتديه، ليضع الغطاء سريعًا عليها وتحدث للخادمة بأمر وحدة: "هاتي لها حاجة تلبسها بسرعة."

ركضت الخادمة لغرفة الملابس لتجد الأسدال الخاص بتوليب على الطاولة، لتأخذه سريعًا. بخطوات سريعة تقدمت من أسر بالأسدال ليأخذه منها سريعًا. وقبل أن يزيح الغطاء من أجل الباسها، التفت لوالده وتحدث بجدية: "بابا، لو سمحت دور وشك." رغم ذهول ماهر، إلا أنه استدار باستسلام. ليُزيح أسر الغطاء وبدأ في الباسها الأسدال على تلك المنامة التي بالكاد تستر مفاتنها.

انتهى أخيرًا ليحملها سريعًا بين ضلوعه بحرص، ليجد شيئًا تدنس بالأرض، لكن لم يعره اهتمامًا، فقط سار بتوليب بخطى سريعة جدًا للخارج، وخلفه ماهر. صعد أسر بتوليب بالمقعد الخلفي، بينما ماهر من شدة خوفه جلس بجانب السائق لينطلقوا سريعًا لأقرب مستشفى، وخلفه سيارات الحرس. كان أسر يتأمل ملامحها الساكنة بفزع، يشعر وكأن هناك يدًا من حديد تعتصر قلبه. وصلوا للمستشفى ليدلف بها أسر، هادرًا بالجميع ليأتي جميع الأطباء إليه،

ليهدر بحدة وشراسة: "أنا عايز دكتورة... بسرعة يا حيوانات." بدقائق كان طقم كامل من الطبيبات والممرضات يقفون بالجناح الكبير الخاص بالشخصيات الهامة، يفحصون توليب بتركيز عالٍ. بينما بغرفة الجلوس الموجودة بداخل الجناح، يقف أسر أمام غرفة توليب ويأخذ الطريق ذهابًا وإيابًا بجسد متشنج من شدة الذعر. بينما ماهر يجلس خافضًا رأسه وهو يشعر بالذنب وعدم المسؤولية تجاه توليب، ليحدث نفسه بتأنيب وحزن: "هي دي الأمانة يا ماهر؟

سامحني يا فريد، سامحني يا أخويا." بلهفة، اقترب أسر من الطبيبة التي خرجت من غرفة توليب تو. تحدث بلهفة قائلًا: "مالها؟ فيها إيه... ما تنطقيه؟ يهدر بها بعنف. لتتحدث الطبيبة بخوف من أسر: "اهدأ يا أستاذ، مش كده." أسر بغضب: "إنتي لسه هترغي؟ طمنيني عليها، هي كويسة؟ الطبيبة بعملية وخوف: "هي عندها انهيار شديد جدًا وواصل لمرحلة وحشة أوي... بس ااا... شعر بقلبه يكاد يتوقف من خوفه عليها، ليجن جنونه من صمت تلك الطبيبة،

ليهدر بغضب حارق: "إنتي هتغطينا ما تنطقي بس إيه؟ تحدث ماهر بهدوء: "اهدأ يا أسر، اهدأ وهي هتتكلم بس انت اهدأ." ثم وجه حديثه للطبيبة: "يعني وصل لمرحلة وحشة إزاي يا دكتورة؟ الطبيبة بارتباك وخوف من أسر: "للأسف شكلها زعلت أوي لدرجة إن المشكلة بقت عضوية." وقع قلبه بين قدميه، وبأنفاس متقطعة يسأل بريبة: "عضوية إزاي يعني؟ الطبيبة بعملية:

"يعني احتمال كبير يكون الانهيار الشديد ده والزعل أثر عليها بشكل عضوي، يعني ممكن جزء من أطرافها يتشل بشكل مؤقت زي رجليها مثلاً، واحتمال يكون أثر على عيونها أو الكلام عندها... للأسف لسه مش عارفين دلوقتي، مستنيينها تفوق عشان نعرف المشكلة فين."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...