الفصل 29 | من 31 فصل

رواية توليب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلمي سعيد

المشاهدات
18
كلمة
2,866
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

جميعها تجولوا وتستطيع أن تقول إنها طائرة بين طيات السحاب، يغرقها هو بعشقه وحنانه وبكلمات غزله اللامتناهية أيضاً. ومجنونة التي تحاول مواكبته، كان كل شيء يسير على ما يرام حتى تلك اللحظة المجنونة. "يا نهار أسود ومنيل، هو أنت في حد مسلطك عليا يا ابني؟ أنا لو مرات أبوك مش هتعمل فيا كده بجد." قالتها وهي على وشك البكاء بعدما كانت ضحكتها تصدح بنغمات عالية للغاية.

تنهد أسر بصوت عالٍ، أجابها بهدوء وبرود أعصاب يثير دهشتها دائماً. "إيه بس يا تولي، ما إحنا كنا حلوين يا روح قلبي." نظرت له بحنق طفولي وهي تدب الأرض بقدمها في اعتراض مباشر، بينما تأهب هو لأي محاولة منها للفرار من المكان. وبالفعل باغتته بركضها السريع من جانبه هاربة من أفكاره المجنونة. ولكن لم يحالفها الحظ، فإذا بالحظة وجدت نفسها طائرة في الهواء نتيجة حمل أسر لها من خصرها سريعاً.

ضربت بقدمها في الهواء باعتراض وهي تصرخ به. "أسر لا يا أسر، ولا مش هقدر. أنا لو عملت كده هنزل للأرض جثة هامدة، سبني وحياة عيالك يا شيخ." أحكم قبضته عليها بأحد ذراعيه وبيده الأخرى أبعد خصلات شعرها عن وجهها متحدثاً بهدوء محاولاً إقناعها. "يا روحي متخافيش أنا معاكي، وبعدين ده إحنا هنط من الطيارة مش أكتر. متخافيش والله هتنبسطي أوي، وهتدعيلي كمان."

زاد هلعها وهي ترى أنهم اقتربوا أكثر من موقع الطائرات الرياضية التي من المفترض أن يقفزوا منها بسترات البراشوت. أدار جسدها لتكون في مواجهته وهو ما زال حاملاً إياها عن الأرض. تحدث بابتسامة مشجعة. "متخافيش بجد، دي حاجة سهلة خالص ومسلية جداً، وأنا متأكد إنك هتنبسطي جداً جداً أول لما تنزلي." نظرت بداخل عينيه وتحدثت ببوادر بكاء.

"مش هلحق أنزل عشان أتبسط يا أسر، أنا أول لما أنط من الطيارة. السر الإلهي هيطلع على طول قبل ما أوصل للأرض وصوت وردة بيرن في ودني.. وهطير وأرفرف في الفضاء وكفاية عمري كفاية عمري اللي انقضى." لم يستطع كبت ضحكاته على حديثها هذا، مجنونة وفكاهية للغاية. إنه يعلم أنها حزينة للغاية بسبب والدتها ومنذ تلك الزيارة لهم بالمستشفى، كانت تنتظر المزيد.. المزيد من الحديث والمزيد من الأعذار والمزيد من كل شيء كانت تقوله جيلان.

كانت تنتظر عناق مثلاً!! ولكن خوف جيلان من الرفض من اتجاه توليب جعلها تصمت. كانت ما زالت تنظر له برجاء وهي ترمش بأهدابها ورسمت تلك الابتسامة التي تسلبه عقله على وجهها. حسناً، لم يجد حلاً آخر بعد كل هذا. مال عليها وقبل وجنتها بعمق شديد. تحدثت بسعادة غامرة. "إيه خلاص، مفيش طيارة؟ "مفيش طيارة يا ستي، بس ده مؤقتاً." بساومات براسها سريعاً.

ثم غمرته بعناق حار، بادلها هو إياه وهو يستنشق رائحة خصلاتها الذهبية بهيام، ويشعر بخفقات قلبه تزداد عشقاً بها أكثر فأكثر ودون توقف. "تعالي، هوديكي مكان أحلى." *** نهض عوني متحدثاً بذهول وصدمة. "يعني إيه اتقبض عليهم في مخدرات؟ أجاب باسم بهدوء شارحاً الوضع.

"زي ما شرحت لحضرتك، والمحامي قال إن القاضية لبساهم لبساهم، وأول حاجة فيها ٢٥ سنة لأنهم ماسكين بكمية كبيرة وكمان آثار، يعني مفيش خروج منها. وكمان جم وفتشوا السفن بتاعتنا وأنا سمحتلهم وسكت لأني مش خايف من حاجة وشغلنا كله نضيف." جلس بذهول يحاول استيعاب الفعلة الشنيعة التي قام بها أخوه وابنه. لا يصدق أنه كان يريد تزويج ابنته لعزيز. حمد الله بسره لأن صبا لم تتزوج ذلك الإنسان ورزقها باسم.

كادت دمعة تفر من عينيه بسبب أفكاره المتزاحمة وإحساسه بالذنب اتجاه ابنته. فهم باسم ما يدور برأس ذلك الرجل. شيء واحد فقط جعله يريد مساعدته، إنه ابنة تلك الصغيرة التي أصبحت كل حياته وما يدور حولها. اقترح ببعض التردد. "إيه رأيك تسيبك من كل ده خلاص، كل واحد خد جزاته. خليك في اللي يخصك فعلاً. إيه رأيك تروح تجيب صبا من المدرسة وتراضيها بكلمتين حلوين كده، بس بلاش أحضان عشان بغير." أنهى حديثه مازحاً ليقلل من حرج الموقف.

أدار عوني الحديث برأسه قليلاً. بالفعل، يجب أن يصلح علاقته مع ابنته ولا يشغل عقله بشيء آخر حتى الماضي لأن التفكير به لن يفيد أبداً بأي شكل كان. كانت منال تراقب الموقف من على الدرج. لم تشعر بالذهول من خبر القبض على مصطفى وعزيز لأنهم أشخاص دون ضمير وهي تتوقع منهم دائماً الأسوأ من هذا. لكن حديث باسم هو ما جعلها تترقب إجابة عوني بانتباه شديد. تحدث عوني بابتسامة متأملة الكثير.

"عندك حق يا ابني، أنا هروح أجيبها، كفاية خصام لحد دلوقتي." *** وضع يديه على عينيها حاجبًا عنها الرؤية، ولكنها تشعر بذلك البرد والهدوء التام بالمكان. لا تسمع سوى صوت العصافير فقط ورائحة تعلمها جيداً. تحدثت متسائلة وهي تضع يدها على ظهر أسر. "إحنا فين يا أسر؟ لم تجد رداً. فقط توقف أسر عن السير بها. بهدوء أزال يده. لتفتح هي عينيها ببطء. ما لبثت حتى جحظت عيناها من الذهول.

حديقة كاملة من أزهار التوليب بجميع ألوانها الزاهية بشكل رائع الجمال. رغم أنها تهتم بالأزهار بمشتلها إلا أنها لم تر ذاك الكم من قبل وبذلك الشكل المبهر للأعين. ينبض قلبها بجنون من السعادة المبالغ بها. التفتت سريعاً لأسر ولكن كانت هنا الصدمة. أسر البارون جاثياً على ركبته. تحدث وهو ينظر لعيناها المذهولة. "حلو الورد صح؟ أومأت برأسها وبدأت الدموع تتجمع بهما. ليكمل هو.

"بس أنتِ أحلى، أحلى وردة توليب شفتها في حياتي وبقت من نصيبي أنا بس. ربنا أراد أرجع من آخر الدنيا عشان أقابلك أنتِ وتبقي بتاعتي لوحدي يا أحلى وردة توليب." نهض من جلسته ضاغطاً على يدها وأكمل بسلاسة وهو يتأمل عيونها الخضراء. "أوعدك يا تولي أنا هعمل كل حاجة عشان تبقي مبسوطة." ولم يكمل حديثه حتى قفزت متعلقة بعنقه محتضنة إياه بشدة من فرط سعادتها. ضمه هو أيضاً وأخذ يدور بها بسعادة بالغة. "أنا بحبك أوي." أجابها بغرور مؤكداً.

"ده أكيد." ابتعدت عنه ضاربة إياه بكتفها بقبضتها من غروره الذي لن يتخلى عنه يوماً. ضحك هو بصخب على ردة فعلها. لتزيد ابتسامتها أيضاً وتعود أدراجها تحتضنه. حقاً، كم هي سعيدة الآن. تجاهد حتى لا يتوقف قلبها من فرط السعادة تلك. أخذا يسيران بالمكان وكم صدحت ضحكاتها من السعادة البالغة ومن جمال ذلك المكان. ***

خرجت صباح من المدرسة بغضب شديد ووجه قاتم من الاحمرار، بعد أن أرسل لها باسم رسالة نصية بأنه لن يستطيع الذهاب لها لأخذها للمنزل بعد الامتحان لأنه مشغول. تكاد تنفجر غضباً بسببه وبسبب غيابه المستمر عنها وانشغاله. عندما كانت بمنزل والدها كانت تراه باستمرار، الآن هي معه بنفس المنزل وتراه صدفة!! نظرت حولها تبحث عن السائق الذي أرسله باسم. تيبست قدمها عندما وجدت عوني أمامها بهيبته التي طالما أخافتها منه.

تقدم منها بخطوات هادئة ومترددة أخفاها. وقف أمامها وابتسم لا بحنان كان يخفيه عنها دائماً خلف قناع القسوة. لم تخفِ دهشتها بابتسامة والدها فهي كانت تراه يبتسم فقط للمال وليس لها. كما أن وجوده هنا أمر غاية في الغرابة. هبطت على كتفها وتحدث بحنان. "عملتي إيه في الامتحان؟ حليتي كويس؟ رمشت بأهدابها في ذهول، ولم تستوعب الحديث. لتقول في ذهول وتقطع: "حضرتك.. حضرتك بتكلمني أنا؟

"أيوا يا حبيبتي، هو أنا عندي بنت غيرك هنا ولا إيه. المهم يلا نروح عشان متأخرش على الغداء ولا أنتِ بيتك مش وحشك؟ نظرت بذهول حولها لا تستوعب الموقف، وأن عوني بنفسه يقف أمامها ويتحدث بذلك الهدوء. وقبل أن تجيب لمحت باسم يقف بعيداً عنهم أمام سيارته يراقب الموقف بانتباه. وجدته ينظر لها مبتسماً. تنقلت بالنظر بينهما في حيرة، واحد لم تتوقع وجوده من الأساس والآخر قال إنه مشغول. والآن يقف يراقبها. إذا بالتأكيد كان يعلم بهذا.

حار عوني في حرج لأنها تتلفت هكذا حولها دون أن تجيبه. تحدثت باحترام شديد بعدما استوعبت الموقف. "لا طبعاً يا بابا البيت وحشني وانت و كمان." "باسم عارف أنا قولته." حسناً إذا فهمت لماذا باسم هنا وما يدور. ولكن ما زلت مترددة من تلك الأفكار حول والدها الذي أصبح فجأة ودود معها رغم أن لقاءهم لم يكن أفضل شيء. شعرت بغصة في حلقها من تذكرها ذاك. تنفست بعمق وابتسمت ابتسامة مهزوزة وأومأت بهدوء دون تعليق.

صعدت بجانب عوني في السيارة بينما السائق صار بطريق المنزل. صدح هاتفها برسالة لتفتحه سريعاً بعدما رأت اسم المرسل. "متخافيش الدنيا تمام وأنا موجود وراكي، بس لو في ضرب أنا أول واحد هيجري، معلش يعني بس أنا جدع والجاري نص الجدعنة." كتمت ابتسامتها بصعوبة من تلك الرسالة. حسناً، ستجاري ما سيحدث. وصلوا للمنزل في صمت، كل منهم يدور برأسه شيء ما ومخاوف من أي حركة قادمة. دلفت للمنزل باشتياق شديد لوالدتها.

استقبلتها منال استقبال حافل بالأحضان والقبلات المتفرقة على ثائر وجهها. تحدثت منال بلهفة. "نورتي بيتك يا روحي وحشتيني أوي." "أنتِ أكتر يا ماما والله، والبيت وحشني أوي وأكلك كمان." تدخل عوني بالحديث واضعاً يده على كتف صبا. "طب مش يلا عشان نتغدى كلنا بقى." استعجبت صباح من فعلته ولكن منال لم تستغرب أبداً بسبب ما ترى في عين عوني من محاولة للتقرب من صبا وإصلاح الأمور كما قال باسم. أجابت منال سريعاً.

"ادخلوا أوضة السفرة وثواني والأكل هيخلص." *** رغم سعادتها التي تخطت جميع الحدود إلا أن والدتها تشغل كل تفكيرها. لم تكن على ما يرام آخر مرة رأتها في المشفى وأيضاً لم يتسن لها الموقف أن تتحدث بأي شيء معها حتى وإن كان الحديث هو عتاب. هبطت من السيارة مع أسر بعدما قضوا يوماً من أجمل أيام حياتها بأسوان. ذهبوا لكل مكان وأمضوا ساعات طويلة بالحديقة آخر شيء حتى أصبحت الساعة التاسعة.

منذ الصباح الباكر وهم يتجولون في كل مكان مع التقاط الصور التي أخذوها معاً والذي أخذها أسر لتوليب بشكل مستمر دون توقف. كم أجواء أسوان ساحرة ومريحة بشكل لا يصدق أبداً. دلفوا لساحة الفندق في طريقهم للمصعد ولكن أوقفهم صوت ماهر من خلفهم. التفت الاثنين سريعاً لمصدر الصوت لتكن الصدمة من نصيب أسر وتوليب وهم يرون ماهر وجيلان بجانبه!! *** جلست على فراشها بغرفتها بعدما عادت للمنزل. كانت شاردة بما حدث على الغداء.

لأول مرة تعيش تلك الأجواء بداخل منزلها. كان عوني يتجاذب معها الحديث وكأنه صديق لها بينما منال كانت تمزح بارتياحية وبشكل حماسي للغاية. كان هناك جو من الألفة لم تراهم إلا بمنزل عائلة مهران ولكن لم الكذب. لقد كانت سعيدة بشكل لا يوصف أبداً وهي تشعر بالانسجام مع عائلتها لأول مرة بحياتها. استفاقت من شرودها على نافذة غرفتها تفتح على وسعها. ومن غيره يفعل هذا. كان باسم بهيبته ووسامته يقف أمامها وملامحه يعلوها الضيق.

قفزت من فوق فراشها تناظره بابتسامة بلهاء. اقتربت منه قائلة: "إنت بتعمل إيه هنا يا باسم؟ أجابها بضيق والانزعاج يتلبسه. "إنت مش بتردي على التليفون ليه يا هانم؟ نظرت له باستغراب. "عادي كنت تحت مع بابا وماما." "بابا وماما، اممم، طيب يلا بينا بقى." أجابت باستغراب. "يلا بينا فين؟ "هنخرج." "دلوقتي، وبعدين هو راح فين.. مش هينفع أخرج بابا وماما تحت." أجابت بابتسامة بلهاء.

ليرد الآخر ببساطة وهو يسير باتجاه الفراش مستلقياً فوقه بارتياحية. "يبقى خلاص لو مش هتخرجي، أبات أنا هنا." فتحت فمها في ذهول بنفس تلك اللحظة التي فتح فيها باب غرفتها. *** تحدث بغضب عارم ولم يستطع كبته أكثر من هذا. "يا بابا أنا مستحيل أوافق على ده، إنت ليه مصر تقنعني إن ده الصح لتوليب؟ أجاب ماهر بهدوء وهو جالس يتناول قهوته بارتياحية. "لأن ده الصح يا أسر." وقف أسر أمامه وقد برزت عروق جسده وتشنجت للغاية من فرط الغضب.

"لأ ده مش الصح أبداً يا بابا، إني أسيب توليب مع الست دي لوحدهم ده مش صح. توليب مش هتبقى مرتاحة والست دي هتخلي حالتها النفسية وحشة أوي واحتمال تدخل في انهيار تاني وأنا مستحيل أسمح بده، أنا جوزها وبقولك لأ." هب ماهر واقفاً وتحدث بغضب هو الآخر. "وأنا أبوها وعارف مصلحتها أكتر منك، والصح لتوليب إنها تقعد مع جيلان ويتحاسبوا سوا." "يتحاسبوا وهي توليب هتعرف تحاسب جيلان يا بابا، إحنا هنهزر...

مواجهة جيلان وتوليب مش هتجيب أي نتيجة غير الأذية لتوليب." نظر ماهر لابنه بتركيز عالٍ قبل أن يقول. "في فهد الألفي يا أسر." أجاب الآخر بضيق. "إحنا بنتكلم في إيه ولا إيه يا بابا." "أنا قولت كلمة يا آسر، فين فهد؟ تنهد أسر بعمق قبل أن يقول بضيق. "متخافش لسه عايش، أنا بس بربيه كويس قبل ما أخلص عليه." ابتسم ماهر في تهكم. "جدع والله، ونعم القرارات يا ابن البارون."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...