توليب باستغراب وهي تشير أمام عيناه بيدها: _أسر.. أسر؟ فاق أسر من شروده لينظر لتوليب قليلاً بحيرة ثم تحدث بضيق: _نعم؟ تحدثت توليب برقة: _أنا بناديك بقالي دقيقتين وأنت سرحان. ليتحدث بجدية شديدة: _معلش، مأخذتش بالي.. يلا بينا. أنهى حديثه وسار أمامها بخطوات سريعة وكأنه يهرب منها. صارت توليب خلفه وهي متعجبة من جموده هذا، ترى ماذا به؟
قاد أسر السيارة وهو شارد، بينما توليب جالسة بجانبه تنظر له تارة وتنظر من النافذة تارة أخرى. كانت تفرك يدها بتوتر، لا تعلم لما هو صامت هكذا. في العادة يتجاذب معها أطراف الحديث. كان أسر يشعر بالضيق من نفسه. لا يصدق أنه تخيل أنه يطلب الزواج منها. لما بالأساس تخيل هذا؟ كان عقله يعمل بحيرة، بينما قلبه يعلم الإجابة ولكن العقل يخرسه وينهره بشدة.
توقفت سيارة أسر أمام منزل عوني، ليترجل من السيارة مغلقاً الباب خلفه بقوة وغضب. لِتنتفض توليب مكانها. التفت أسر لها وفتح لها الباب. أمسك يدها يساعدها بالهبوط وملامحه ما زالت جامدة. ترك يدها وهم بالدلوف من البوابة الكبيرة، ولكن التفت سريعاً عندما استمع لشهقة توليب التي كادت تسقط بسبب ذلك الحذاء ذي الكعب العالي التي ترتديه. تقدم أسر منها بلهفة لتقع في أحضانه متمسكة بقميصه بقوة، خائفة أن تسقط. ربط أسر على ظهرها متحدثاً
بقلق: _أنتي كويسة؟ اعتدلت توليب مبتعدة عنه بخجل: _أيوا كويسة، شكراً. التقط أسر يدها فجأة، جاعلاً إياها تتباطأ ذراعه، لتخجل توليب وبداخلها يزيد يقينها أن أسر أصبح يحبها، وهذا يظهر بقوة بأفعاله. وقفوا أمام الباب الداخلي للمنزل، ليجد أسر باسم يقف منتظراً. ترك أسر يد توليب ليقترب من صديقه محتضناً بقوة، ليحتضنه باسم أيضاً. تحدث أسر بحب صادق: _ألف مبروك يا صحبي. ليتحدث باسم بسعادة غامرة:
_الله يبارك فيك يا أسر، عقبالك يا صحبي. تحدثت توليب بخجل ورقة من خلف أسر: _ألف مبروك. ابتسم باسم لها قائلاً: _الله يبارك فيكي.. عقبالك. أشار باسم لهم بالدلوف مرحباً بهم. توقف أمام غرفة الجلوس التي بها النساء، موجهاً حديثه لتوليب: _اتفضلي يا توليب.. ادخلي عند الحريم. باللحظة كانت توليب متعلقة بذراع أسر متحدثة بارتباك: _لا، أنا هفضل مع أسر. نظر باسم لها بحاجب مرفوع متعجباً، بينما أسر تحدث بهدوء وهو يبعدها عنه برقة:
_توليب مينفعش.. هنا ميصحش. الستات تقعد مع الرجالة. تحدثت توليب وهي تعض شفتيها بخوف: _بس أنا معرفش حد هنا.. هقعد معاهم إزاي؟ ابتسم أسر لها بدفء قائلاً: _متخفيش يا توليب، أنا هبقى هنا بس قاعد مع الرجالة.. وبعدين أنتي هتقعدي مع ستات وبع.ين أنتي أول لما تشوفي الست إسعاد هتحبيها أوي ومش هتحسي إنك غريبة عنهم أبداً.. مش كده يا باسم؟ تحدث باسم مؤكداً حديثه: _آه طبعاً.. حتى ثواني أجيبها تتعرفي عليها.
طرق باسم على باب غرفة الجلوس. ثوانٍ وفتحت والدته الباب متحدثة بتساؤل: _إيه يا باسم عايز حاجة... باسم أنت يا ولا؟ لم يكن باسم ينظر لها بل لا يسمعها أيضاً. كل ما يسمعه هي تلك الضحكة الرنانة الأنثوية التي أطلقتها صبا وهي تحدث أخته. لأول مرة يستمع لضحكتها وكم أسرته تلك الضحكة التي هي مزيج بين الأنوثة والرقة الطفولية بها. بالكاد استطاع إزاحة عينيه عنها، ليتحدث لوالدته بخفوت: _فيه ضيفة عايزك تقابلها يا أمي.
بينما توليب محتضنة ذراع أسر بارتباك، خائفة من الجلوس مع الغرباء. كان أسر ينظر ليدها الصغيرة المحتضنة ذراعه. لا يعلم لما شعر بكل تلك السعادة عندما وجدها محتمية به. يشعر بالتناقض.. جزء سعيد بهذا وجزء مغتاظ من خوفها غير المبرر. تقدمت إسعاد بجانب باسم متحدثة بفرحة شديدة وهي تحتضن أسر: _يا أدي النور يادي النور.. أسر بنفسه عندنا! احتضنها أسر بود متحدثاً بابتسامة: _إزيك يا أمي عاملة إيه؟ ابتعدت عنه متحدثة بابتسامة بشوشة:
_بخير يا ابني في نعمة. نظرت خلف ظهره لتجد توليب متعلقة بملابسه مثل الطفلة، بالكاد ترى عيناها. تحدثت إسعاد بحنان: _تعالي يا قمر.. مستخبية كدا ليه؟ شعرت توليب بالحرج لتبتعد عن أسر متحدثة بارتباك: _أنا مش مستخبية، أنا واقفة أهو. جذبتها إسعاد لأحضانها فجأة لتتصلب توليب محلها: _الله أكبر.. إيه الحلاوة دي يا واد يا آسر خطيبتك دي ولا إيه؟ هم أسر بالحديث ليقاطعه باسم متحدثاً سريعاً: _أيوا يا أمي، خطبته.
زاد زهول توليب، بينما أسر نظر لباسم بعيون تطلق شرار. قابله باسم بابتسامة ماكرة قرأها أسر جيداً. ربطت إسعاد على ظهر توليب وتحدثت بحنان وهي تنظر لملامحها الهادئة الخجولة: _الله أكبر، زي القمر.. يا زين ما اخترت يا آسر. نظرت توليب لأسر بترقب، منتظرة حديثه وإخبار إسعاد أنها ليست خطيبته، لكنه لم يفعل شيئاً. جذبت إسعاد توليب من يدها خلفها متحدثة بفرحة: _تعالي يا قمر، انتي أعرفك على عروسة الواد باسم وكمان أعرفك على بناتي.
ما إن دخلا لغرفة الجلوس وأغلق الباب حتى انقض أسر على باسم ممسكاً به من ياقة قميصه وتحدث بغضب: _هي مين دي اللي خطيبتي يا حيوان! وضع باسم يده على يد أسر متحدثاً ببراءة: _إيه يا أسر، مش أسلوب دا يا جدع.. وبعدين فيها إيه؟ هو أنا قولت مراتك.. دا أنا لسه قايل خطيبتك. اغتاظ أسر من باسم ليتحدث بغضب مكبوت: _وليه تكدب أصلاً يا حيوان؟ نفض باسم يد الآخر وتحدث بجدية مصطنعة:
_أسر عيب إيه حيوان دي.. أنا النهاردة فرحي، مينفعش تشتمني.. كدا الكاريزما تضيع. أسر بتهكم: _كاريزما.. كاريزما إيه يا أبو كاريزما.. دا أنت كنت بتركب الحمار وتقول فين البدال يالا.. أنت هتنسى نفسك ولا إيه يا معفن؟ تحدث باسم وهو ينظر بقرف: _حمار وبدال.. أنت بقيت بيئة أوي يا أسر. تغيرت ملامح باسم لأخرى جادة وتحدث قائلاً: _في إيه بقي.. مالك؟ أسر باستغراب وهو يحرك منكبيه: _مالي في إيه؟ باسم بصراحة:
_أسر ياريت نبطل نلف وندور على بعض.. مالك يا صحبي؟ زفر أسر بضيق وتعب، ليبتسم باسم له ثم تحدث مردفاً: _تعالي ندخل للرجالة وبعد كتب الكتاب نقعد سوا.. يلا. بينما توليب جالسة بجانب إسعاد وتفرك يدها بتوتر شديد وقدمها أيضاً تهزها بشدة. والجميع يحاول جذب انتباهها للحديث. تحدثت سمر، أخت باسم: _أنتي اسمك إيه؟ نظرت لها توليب قليلاً ثم تحدثت بصوت رقيق: _توليب.. اسمي توليب. ربطت إسعاد على ظهرها متحدثة بحنان:
_اسمك حلو أوي يا توليب. ابتسمت لها توليب بخفوت. ركض باسم الصغير ذو الخمس سنوات يقف أمامها متحدثاً بإعجاب: _أنتي حلوة أوي.. أنا عايز أتوزجك. ابتسمت توليب له وكادت تتحدث، ولكن سبقتها صبا التي تحدثت بشهقة كوميدية: _بتخوني يا باسم؟ مش أنت قولتلي من يومين إنك عايز تتجوزني أنا.. وأنا وفقت. تحدث باسم بطفولة:
_ما هو خالو قالي إنك بتاعتو وإن هو اللي هيتجوزك وقالي لو قربت لها هرميك للتمساح ياكلك.. فخلاص أنا عايز أتوزجها هي مش أنتي. ابتسمت صبا على حديث باسم. نظرت لتوليب وتحدثت بابتسامة هادئة: _خلاص يا ست توليب، إحنا طالبين إيدك لباسم الصغير عشان أنا هتجوز خالو. ضحكت توليب بخفوت متحدثة بطفولة لباسم: _هو أنا أطول أتوزج القمر دا. قفز باسم جالساً بجانبها ومسك يدها متحدثاً بجدية: _خلاص بعد الفرح هروح لجدو أنا وأنتي عشان يجوزنا.
*** بمجلس الرجال جلس باسم وهو يحرك قدمه بعصبية شديدة وعيناه مسلطة على ذلك المصطفى التي يجلس بجانب عوني. وضع أسر يده على فخذ صديقه وهو ينظر لمصطفى أيضاً متحدثاً بتساؤل: _في إيه.. مين دا؟ باسم بغضب مكبوت: _أبو عزيز. أومأ أسر له وقد فهم لما صديقه غاضب هكذا، ليتحدث بهدوء مردفاً: _أهدى، الليلة كتب كتابك، بلاش مشاكل. بعد ساعة…
كان المأذون جالساً بين باسم وعوني. وأسر يجلس بجانب صديقه، بينما بكر جالس على أحد المقاعد برزانة يشاهد مراسم عقد القران. بعد قليل كان المأذون يقول جملته الشهيرة، التي جعلت قلب باسم يتراقص فرحاً، معلناً أن تلك الصبا أصبحت زوجته أمام الله. احتضنها أسر بقوة متحدثاً بفرحة: _ألف مبروك يا باسم، عقبال الليلة الكبيرة. _الله يبارك فيك يا أسر، عقبالك.
وقف بكر ليهنئ باسم. ليلتقط باسم يد والده سريعاً مقبلاً إياها باحترام وحب، ليعتدل ويحتضنه بكر بحب متحدثاً: _ألف مبروك يا باسم.. ربنا يسعدك يا ابني. باسم بحب: _الله يبارك فيك يا حج بكر.. ربنا ما يحرمنا منك. تحدث عوني بفرحة غامرة: _ألف مبروك يا باسم.. خلاص كدا بقينا نسب. تحدث باسم بجمود: _الله يبارك فيك يا حج عوني.
بينما النساء يطلقن الزغاريد بالغرفة الجلوس، وصبا جالسة بخجل وقلبها يخفق بجنون، لا تصدق أنها أصبحت زوجة باسم. دعت بداخلها أن يحافظ باسم على وعده معها ولا يخذلها. تحدثت توليب بابتسامة ودودة: _ألف مبروك يا صبا، عقبال الفرح. _الله يبارك فيكي يا توليب. أتت منال الباكية بالشربات وهي تبكي بفرحة. وضعت الشربات على الطاولة، وذهبت سريعاً تحتضن ابنتها بسعادة متحدثة: _ألف مبروك يا نور عيني... عقبال الفستان الأبيض. صبا بعتاب
وهي تمسح دموع والدتها: _ليه العياط بس يا ماما.. ونبي بلاش كده، أما هزعل. جلست توليب بجانب إسعاد التي أزالت خوفها نهائياً. ولأول مرة تجلس توليب هكذا في تجمع به أشخاص لا تعرفهم، ولكن دلفوا لقلبها سريعاً، خصوصاً صبا، تلك الفتاة المقاربة لها بالعمر، الشبيهة لشخصيتها قليلاً، هادئة ولكن مجنونة وعفوية أيضاً. *** كان أسر وباسم يقفان أمام الباب الداخلي للمنزل، يتابعان الرجال وهم يوزعون لحم الذبائح الذي أمر بكر بذبحها.
تحدث باسم بجدية: _أنت بتحبها يا أسر. أسر باستنكار: _بحب مين يا باسم؟ توليب مستحيل. باسم بجدية وتعقل: _متقاوحش.. كل اللي أنت حكيتهولي دا بيقول إنك بتحبها. طب أقولك حاجة؟ سيبك من اللي أنت بتعمله معاها.. الخروج والنط من فوق البرج، وحتى يا أخي سيبك من اللي أنت عملته الصبح واللي هو بالمناسبة أكبر دليل إنك بتحبها.. أنت مش واخد بالك إنك بتتشد لها وبتحس معاها بحاجات عمرك ما حسيتها؟
وكمان أنت قولت إن رجلك على طول بتوديك لعندها من غير ما تعرف السبب. أسر بضيق: _أيوا قلت. باسم وهو يربت على كتفه: _يبقى بتحبها بس أنت بتقاوح. تحدث أسر بحيرة من أمره: _أنا بجد مش عارف، أنا أول مرة في حياتي أبقى محتار كده. فيه اتنين بيتخانقوا جوايا، فيه حرب قايمة ما بين قلبي وعقلي.. وأنا مش عارف آخد برأي مين. باسم بشكل حاسم:
_خد بنصيحة قلبك طبعاً.. متخبيش مشاعرك جواك عشان سبب تافه زي الفترة اللي أنت جاي تساعد أبوك فيها. أسر الحب دا نعمة ربنا بينعم علينا بيها، مضيعش أنت النعمة دي من إيدك. أقولك سيب نفسك وشوف الدنيا هتوديك على فين. دلفا للداخل بعد أن انتهوا من توزيع الذبائح على أهل البلد جميعاً. باسم الصغير يركض. لينحني حاملاً إياه ثم رفعه في الهواء بقوة. صرخ الآخر من الحماس. تعلق الصغير بعنق خاله وتحدث بفرحة: _أنا لقيت عروسة ليا يا خالي.
تحدث باسم بتساؤل: _مين؟ أو عى تكون صبا.. هنفخك. حرك الصغير رأسه قائلاً: _لا، مش صبا.. دي واحدة تانية عيونها خضرا بس إيه حلوة أوي.. وخدودها طعمة أوي أوي يا خالو. باللحظة فقط، لحظة.. كان أسر حاملاً الصغير من ملابسه، جاعلاً إياه متعلقاً بالهواء. قطب جبينه وتحدث بملامح متوحشة: _هي مين دي اللي خدودها طعمة وعيونها خضرا يا ولا؟ تحدث الصغير وهو يركل بقدمه في الهواء: _سيبني.. سيبني. تحدث باسم وهو يكبت ضحكته: _إيه يا أسر؟
ما تسيب الواد يا جدع. تحدث باسم بغضب مشيراً بسبابته محذراً باسم: _أنت تخرس خالص. التفت برأسه ينظر لذلك الصغير وعيناه تطلق شرار ليتحدث بغضب: _هي مين دي اللي هتتجوزها يا ولا؟ تحدث الطفل بثقة وهو يرفع رأسه بشموخ كأنه غير معلق من ملابسه بيد أسر: _توليب.. أنا قولتلها تتجوزيني، قالت لي ماشي وكمان خلتني أبوسها من خدودها الحلوين وهي كمان باستني.
رغم أن هذا طفل صغير، إلا أن غضب أسر كثيراً من فعلت ذلك الطفل. كيف تجعل أحداً غيره يقبلها حتى وإن كان طفلاً.!!! تحدث بتحذير وصوت مخيف وهو يناظر الصغير: _أنت عارف يلا لو قربت منها تاني هعمل فيك إيه؟ تحدث الطفل بملل وهو يقلب عينيه: _عارف. أسر باستغراب: _عارف إيه؟ _إنك هتخدني وترميني للتماسيح زي ما خالو باسم عايز يعمل معايا. تحدث باسم بمكر: _إيه يا أسر؟ اتضايقت ليه؟ أو عى تكون غيران عليه؟
نظر أسر للطفل بغضب ثم استدار لباسم وألقى الصغير له وتحدث بصوت عالٍ غاضب للغاية: _تووووليب! فزعت توليب عند سماع صوت أسر، وكذلك البقية. ركضت للخارج بقلق وجسد يرتعش خوفاً. تحدث أسر بغضب وهو يمد يده لها: _يلا هنمشي. تحدث باسم بعدم تصديق: _تمشوا؟ أسر أنت بتهزر. التقط أسر يد توليب التي لا تفهم شيئاً أبداً. تحدثت إسعاد بحزن: _هو أنتوا لحقتوا يا أسر... لسه بدري يا ابني. تحدث أسر بابتسامة:
_معلش يا أمي.. اليوم كان طويل وأكيد توليب تعبت.. مش كده يا توليب؟ نظرت توليب له بعدم فهم، ليضغط على يدها بقوة آلمتها لتحرك رأسها مؤيدة حديثه. ودعت توليب إسعاد وباقي النساء ومن ضمنهم صبا التي خرجت لتودعها. أخذ أسر توليب وذهب، بينما باسم وجد فرصة ليتحدث مع تلك الصغيرة. أمسك يدها سريعاً قبل أن تذهب متحدثاً بجدية: _استني يا صبا عايزك. خجلت وارتبكت: _نعم؟
أخرج باسم من جاكت بدلته هاتفاً حديثاً أحدث طراز ومد يده لها، لتنظر صبا للهاتف بعدم فهم. _إيه ده؟ باسم بابتسامة: _دا تليفون أنا جايبهولك عشان أكلمك منه. ارتبكت أكثر وتحدثت برفض: _لا، مش هينفع أخده. تفهّم هو ارتباكها ليتحدث بجدية قائلاً: _متخافيش، أنا قايل للحج عوني إني هديتي التليفون. ذهب ارتباكها مهب الريح فور سماع أن والدها يعلم، فهو يمنع عنها تلك الأشياء مبرراً أن الهواتف تفسد أخلاق الفتيات.
مدت يدها بخجل تأخذ الهاتف، ليلتقط باسم يدها سريعاً بين يديه ورفع أحدهما يقبله بهيام وعشق، بينما صبا كتمت أنفاسها خجلاً. _مبروك يا قلب باسم. قالها باسم بهيام.. لتفر الأخرى راكضة من شدة خجلها. *** كان أسر يقود بوجه متهجم غاضب، بينما توليب تناظره بخوف، ترى لما هو غاضب؟ هل فعلت شيئاً خاطئاً أم ماذا؟ أوقف أسر السيارة فجأة وقوة حتى كادت توليب تصطدم بالزجاج الأمامي، لكن حمداً لله أنها ترتدي حزام الأمان.
التفت لها أسر وتحدث بغضب: _أنتي إزاي تسيبي الواد دا يبوسك؟ توليب لعدم فهم: _واد مين؟ _باسم. تحدثت توليب ببساطة: _عادي.. دا طفلك. وقبض يده بغيظ منها، بينما هي قد عقدت حاجبيها متعجبة منه. تحدث مرة أخرى بتحذير: _يا ريت الهبل دا ما يتكررش تاني.. أنتي مش عيلة صغيرة عشان تسيبيه يبوسك. توليب بتبرير: _بس هو صغير، يعني عادي.. وبعدين دا لطيف أوي. جذبها أسر من معصمها له لتشهق توليب بتفاجؤ. تحدث بهدوء وغيرة وهو يتطلع لعيناها:
_لا، مش عادي.. وهو مش لطيف على فكرة... وياريت متخليش حد تاني يبوسك ولا عيل صغير ولا راجل كبير.. ممنوع. ماشحت رأسها بلا وعي وخفضت عينيها خجلاً بسبب هذا القرب المهلك لقلبها. رفع أسر أصابعه يمسد على وجنتها الملتهبة دائماً.. متحدثاً بهيام: _لازم تعرفي إن أنا مبحبش حد يلمس حاجة بتاعتي يا تولي.. وأنتي ملكية خاصة. ماذا.!!! ماذا قال؟ هل ما سمعته صحيح أم هذا من وهم الحب؟
رفعت عينيها تنظر له لتجده يبتسم بحنان لها. ابتعد عنها، اعتدل في جلسته مرة أخرى يقود السيارة، ويفكر بتلك التوليب القابعة بجانبها. اعتدلت توليب بجلستها وهي في ذهول، لا تصدق ما سمعت، هل قال إنها ملكية خاصة أم أنها تتوهم؟ شعرت بقلبها يكاد يقفز فرحاً. حسناً، ستأخذ هذه الجملة دليلاً على أنه أصبح يحبها، فقط ستنتظر أن يخبرها بهذا.
بينما أسر استوعب أخيراً أن باسم على حق، وأنه يكن مشاعر قوية لتوليب، ولكن لا يأبى الاعتراف. زفر بضيق من نفسه. حسناً، سيترك كل شيء للقدر كما قال باسم، ويحدث ما يحدث. وصلا للفندق. نزل أسر من السيارة ثم ساعد توليب بالترجل أيضاً. كادوا يدلفون للفندق ليوقف أسر توليب فجأة قائلاً: _تعالي نتمشى شوية سوا. التفتت له توليب وهي مبتسمة بفرحة غامرة، هل يريد التجول معها؟
بالتأكيد سيلمح لها عن حبه أو شيئاً من هذا القبيل. أومأت برأسها موافقة. *** في منزل عوني.. بعد أن ذهب الجميع مساءً.. كان عوني جالساً بغرفة الجلوس ويطالع تلك الأسوار الذهبية التي أعطاها بكر هدية لصبا.
كاد قلبه يتوقف من الدهشة وهو يرى باسم يقدم لابنته طقماً كاملاً من الألماس الحر يساوي سعره الملايين. كانت صبا ومنال جالستين على الأريكة أمامه، ومنال تطالعه باشمئزاز من شخصيته الطامعة هذه. بينما صبا كانت عيناها على ذلك الطقم الذي أعطاها باسم إياه، لا تصدق، هل لهذة الدرجة يحبها ليحضر طقماً كاملاً من الألماس لها. ربتت منال على ظهر ابنتها متحدثة بحبور:
_يلا يا صبا قومي نامي يا حبيبتي.. لأحسن اليوم كان طويل أوي عليكي وأنتي صاحية من بدري.. مش كده يا عوني؟ أنهت حديثها وهي تطالعه من أسفل لأعلى بكره. أومأ عوني دون أن يرفع رأسه عن تلك الهدايا، أشار بذراعه لصبا: _روحي يا بت، روحي يلا نامي.
أومأت صبا بصمت ثم ذهبت لغرفتها سريعاً. وما إن دلفت للغرفة وأشعَلت الضوء حتى صَدح صوت الهاتف الذي أحضره باسم لها. ابتسمت بعدم تصديق عندما رأت صورته موضوعة على الهاتف. وضعت الهاتف على أذنها ليأتيها صوت باسم المرح: _يا إلهي، زوجتي قرة عيني بتكلمني، مش مصدق نفسي. تحدثت صبا برقة: _أنت اللي اتصلت على فكرة، مش أنا. باسم بهيام: _مش هتفرق.. المهم إني بكلمك دلوقتي وسامع صوتك. خفضت صبا رأسها وهي تعض شفتيها ليتحدث باسم مرة أخرى:
_صبا. _اممم. باسم بعشق: _أنا اتكلمت مع أبوكي في موضوع الفرح وقلت له هنأجل لحد ما تخلصي. صبا بلهفة: _وقال لك إيه؟ _قالي اللي تشوفه أنت صح اعمله، وأنا وعدك إننا مش هنتجوز إلا لما تخلصي المدرسة، بس لو كلمك في الموضوع اعملي نفسك مش عارفة. تحدثت صبا بامتنان: _شكراً يا باسم.. شكراً عشان وعدتني ووفيت بالوعد. تحدث باسم وهو يغمض عينيه بهيام: _إن اعمل أي حاجة عشان تبقي مبسوطة يا صبا. ابتسمت صبا بخجل وقلبها ينبض بشدة.
تحدث باسم فجأة بتحذير: _بس من النهاردة مفيش ركوب خيل الفجر. صبا بذهول: _إيه؟ ليه يعني؟ باسم بجدية: _عشان غلط تخرجي الفجر كدا لوحدك. صبا بصوت حزين: _بس أنا بحب كدا.. أنا وزاهي بنحب نجري سوا الفجر. أسر بحسم: _أنا قلت لا يا صبا، مينفعش. وشعرت صبا بالغضب الشديد من قراره هذا، لتغلق الهاتف بوجهه دون سماع أي حديث آخر يزعجها.
سك باسم على أسنانه بغضب عندما أغلقت الهاتف بوجهه. باسم المهران، طفلة لم تتجاوز الثامنة عشر تغلق الهاتف بوجهه وهو يتحدث. هو من تقف مجالس من الرجال احتراماً له، تأتي طفلة وتغلق الهاتف بوجهه.
كانت صبا جالسة على حافة بعدما أخذت حماماً دافئاً وارتدت ملابس النوم عبارة عن فستان منزلي قصير باللون البنفسجي ذات حمالات رفيعة وفتحة صدر كبيرة وقصير لمنتصف فخذيها. كانت ترسم جسدها ببراعة و خصلاتها الغجرية حرة. كانت جالسة بوجه عابس من حديث باسم. هو لا يعلم كم تعشق ركوب الخيل، فهي الهواية الوحيدة التي تعشقها. لا تستطيع التوقف عنها.
استلقت بالفراش وكادت تنام ولكن سمعت صوت باب الشرفة يفتح. فتحت عينيها على سعيها عندما رأت باسم يلف من الشرفة ببرود وكأنه يدلف لغرفته. شهقت بخضة واحتضنت الغطاء الذي يستر جسدها جيداً لا يظهر منها سوى رأسها. وقف باسم أمام الفراش وعيونه مثبتة على صبا دون حديث أو تعابير على وجهه. تحدثت صبا برعب وصوت منخفض متلعثم: _أنت بتعمل إيه هنا؟!!!! باسم ببرود: _جاي أتكلم معاكي. صبا باستنكار:
_هو أنت مبتحلالكش الكلام إلا في أوضتي ولا إيه؟ باسم بملل: _براحتي. صبا بخوف وتهديد: _لا، مش براحتك.. امشي من هنا قبل ما أصرخ وألم عليك البيت كله. جلس باسم على حافة الفراش.. لتنكمش صبا أكثر على حالها محتضنة الغطاء الذي يستر جسدها. تحدث باسم ببرود شديد وهو ينظر لها نظرة أرعبتها: _اصرخي.. اصرخي براحتك يا روحي ولا يهمني.
ابتلعت لعابها بخوف من برودة هذا ونظراته الحادة.. شهقت بفزع عندما باغتها باسم بحركة سريعة ساحباً قدمها إليه لتصبح فوق قدمه بثوانٍ ويداه تحتضنان خصرها والفراش ما زال يستر جسدها. ارتجف جسدها بقوة بين يديه وصدرها يعلو ويهبط من شدة الفزع. مال باسم على أذنها ليغمض عينيه يستنشق رائحتها بهيام وعشق، ولكن فاق على حاله سريعاً ليتحدث بصوت دب الخوف في قلبها: _اللي أنتِ عملتيه دا لو اتكرر تاني يا صبا، صدقيني هتتعاقبي جامد.
فهما. أومأت صبا برأسها سريعاً بخوف، بينما باسم أبعد خصلاتها عن عنقها بهدوء. تململت صبا من بين يديه محاولة فك حصاره على خصرها ليشعر هو بجسدها اللين يتمايل بأحضانها لينظر لها وتحديداً بداخل عينيها السوداء التي تأثر بها وكأنها ألقت أحد التعاويذ عليه. كان قلب صبا ينبض بجنون، لا تعلم هل هذا خوف أم شيء آخر، ولكن بالحالتين كادت تموت خجلاً.
تأمل باسم ملامحها الفاتنة حتى وصل إلى لعنته الأبدية شفتيها. لم يفكر مرتين ليميل عليهما مقبلاً إياهما بنعومة. فتحت صبا عينيها على مصرعيهما، ها هو يقبلها من جديد، ذلك الباسم. رفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدره محاولة إبعاده ولكن لم تستطع بسبب قبض باسم على يديها. أغمضت عينيها مستسلمة أخيراً لتلك القبلة ليتعمق باسم أكثر مقبلاً إياها بقوة وشغف.
طالت القبلة قليلاً حتى أصبحت صبا تضرب باسم بقوة على صدره تشعر بالاختناق، ليبتعد عنها باسم على مضض ويلهث. وضع جبينه على جبينها. فتحت صبا عينيها تنظر لباسم وهي تلهث بقوة، لِبادله باسم النظرة. تصلب جسده عندما رأى جسدها الذي سقط عنه الغطاء ليظهر بشرتها السمراء الناعمة ومقدمة صدرها بسخاء وذراعيها العاريين أيضاً.
حاولت صبا النهوض لكن باسم أطبق على جسدها بشكل أقوى يمنعها من الفرار وقد جن جنونه في تلك اللحظة ليقلب الوضع سريعاً لتكون صبا مستلقية على الفراش وهو فوقها. زعرت صبا من فعلته وزاد ذعرها وهي تراه يميل مقبلاً عنقها بنهم، ليرتجف جسدها بقوة وأعصابها قد انصهرت، لا تستطيع حتى أن تمنعه وضربات قلبها أصبح صوتها مسموع والخوف تملكها. لتتحدث بصوت ضعيف: _باسم...
ثم أغمضت عينيها مستسلمة لذلك الدوار الذي اجتاحها. قبل باسم عنقها بأكمله، لم يترك جزءاً إلا وقبله. بشرتها الناعمة.. راحتها الجميلة.. عشقه لها.. كل هذا جعل جنونه يجن ليقبلها بنهم شديد. *** في صباح يوم السبت… كان أسر وتوليب يدلفان للقصر بالسيارة، وتوليب تمزح مع أسر بعفوية والآخر يقهقه على مزاحها.
هبطا من السيارة ليجدا العاملين يزينون الحديقة، ودلفا لداخل القصر وما إن دخلا حتى وجدا أكيرا ينبح بقوة ويقفز على أسر باشتياق. داعبه أسر قليلاً وتوليب أيضاً قفز عليها فرحاً. تقدم منهم ماهر وعلى وجهه ابتسامة سعيدة للغاية، فتح ذراعيه مستقبل توليب التي ركضت مثل الطفلة لاحتضانه متعلقة به: _وحشتني أوي يا بابا. تحدث ماهر وهو يقبل رأسها: _قلبي بابا، أنتي وحشاني أكتر.
ابتعدت عنه وعلى وجهها ابتسامة مشرقة، بينما أسر كان يقبض على يده بغيظ. ألم يحذرها من أن يقترب أحد منها أو يقبلها؟ تحدث ماهر بمكر وهو يرى غيرة ابنه: _مش هتسلم عليا ولا إيه يا آسر باشا؟ تقدم أسر من والده محتضناً بحب واحترام: _إزيك يا بابا، وحشتني. فصل العناق وما زالت تلك الابتسامة الماكرة على وجهه، تنقل بنظره بين أسر وتوليب اللذين يبدوان وكأنهما عائدان من شهر عسل حديث.
دلفوا جميعاً لغرفة الجلوس ليجلس ماهر على أحد المقاعد وتوليب وأسر على الأريكة في مقابله، وأكيرا يجلس بجانب توليب يلاعب. تحدث ماهر بخبث قائلاً: _مش المفروض كنتم جيتوا امبارح يا أسر؟ انتبهت توليب للحديث لتنظر لأسر وتعض شفتيها بارتباك، بينما أسر تحدث بثبات: _أيوا يا بابا، بس توليب كانت عايزة تتفرج على أسوان عشان كدا جينا النهاردة.. مش كده يا توليب؟
قالها أسر بابتسامة ماكرة لتنظر له توليب بذهول ثم بغيظ من حديثه الذي لا يمت للواقع بصلة. ماهر بابتسامة خبيثة: _وحلوة أسوان بقا يا تولي، عجبتك؟ تحدثت توليب بارتباك: _أيوا.. أيوا حلوة أوي يا بابا. تبادلوا أطراف الحديث وحكت توليب عن جولتها في أسوان وعقد قران باسم وكم كانت العروسة جميلة. بعد بعض الوقت نهض ماهر متنهداً قائلاً: _يلا يا أولاد اطلعوا اجهزوا عشان الحفلة. ثم وجه حديثه لتوليب:
_إن أجيب لك فستان من أكبر بيت أزياء في فرنسا يا روحي، هتلاقيه على سريرك فوق. _هو أنا هحضر يا بابا؟ قالتها توليب بترقب وخوف. ماهر بجدية: _طبعاً هتحضري يا تولي. كادت تخبره أنها لا تريد ولكن قاطعها أسر قبل أن تتحدث: _طبعاً لازم تحضري يا تولي، وبعدين الحفلة معموله على شرفي فلازم تحضريها. ابتسمت توليب بعشق لذلك الأسر، بينما ماهر رفع حاجبه بابتسامة خبيثة.
صعدت توليب للأعلى هي وأسر. كادت تدلف لغرفتها ليوقفها أسر منادياً باسمها لتلتفت له سريعاً: _نعم يا آسر. اقترب منها أسر للغاية حتى اصطدم ظهرها بالباب خلفها، تحدث برقة قائلاً وهو يتطلع لعيناها: _أنا هعدي عليكِ بعد ما ألبس عشان ننزل سوا.. عشان متتوتريش. حركت توليب رأسها ببطء وهي تتأمل عيناه. ابتعد عنها أسر على مضض ثم دلف لغرفته ليتجهز. بينما توليب دلفت لغرفتها سريعاً، غلقت الباب خلفها بقوة، مستندة عليه وقلبها يقرع مثل
الطبل لتتحدث بهمس وهيام: _حرام عليك بقا يا أسر، هتعمل إيه في قلبي أكتر من كده. ركضت تلتقط ذلك الفستان المغلف الموضوع على الفراش، شهقت بفرحة وسعادة وهي تجد فستاناً من اللون الأحمر غاية في الجمال عليه تطريز من حبات الخرز الحمراء. ضيق من الخصر ثم بعده واسع للغاية. كان يشبه أحد فساتين الأميرات بطبقة من الشيفون. كان أكثر من رائع. تحدث بابتسامة عاشق: _أكيد هيعجب أسر.
ذهبت سريعاً للمرحاض لتأخذ حماماً دافئاً ثم تبدأ بالتجهيز. بعد مرور ساعة كانت تقف أمام مرآتها بغرفة الملابس تتأمل الفستان عليها. وضعت القليل من مساحيق التجميل وعملت تسريحة لشعرها. انتهى أسر من ارتداء ملابسه وتمشيط خصلاته السوداء الكثيفة. التقط زجاجة عطره يضع منه على عروقه النابضة ثم تحرك بعدما ألقى على نفسه نظرة أخيرة.
وقف أمام غرفة توليب يطرق الباب بخفة، لكن لم يأتِ رد. ظن أنها لا تسمعه لذلك.. بعد تفكير فتح الباب وتطلع من خلفه في أنحاء الغرفة يبحث عن توليب لكن لن يجدها ليعقد حاجبيه باستغراب. دلف لداخل الغرفة منادياً عليها.. ليأتيه صوتها من غرفة الملابس: _ثواني وجاية. تحدث أسر: _خدي وقتك، أنا مستني.
دار بعينيه بأنحاء الغرفة رغم دلوفه لها مرتين، إلا أنه لم يلاحظ ترتيبها أو ألوانها. ابتسم بإعجاب وهو يتطلع. الرجاء الغرفة كانت الألوان متناسقة للغاية.. جميع درجات اللون الأبيض ودرجات اللون الزهري الفاتح، الحوائط، الفراش، المكتب.. وهناك ذلك المصباح الكبير بأحد زوايا الغرفة وبه شموع. لفتت أنظاره تلك الصورة بجانب الفراش.. ليذهب ويلتقطها. كانت صورة لتوليب وهي صغيرة، تبدأ في الخامسة تقريباً، يحملها رجل يشبهها كثيراً بعيونه الخضراء وشعره البني، يبدو أنه والدها فريد. ترك الصورة ليهب للمكتب ليجد عليه دفاتر كثيرة باللون الزهري، حتى اللاب توب الخاص بها لونه زهري وعليه ملصقات فراشات باللون الأبيض. ساقه فضوله لفتحه وكاد يفتحه لكن أتاه صوت توليب من خلفه.
توليب برقة وخجل: _أنا جاهزة.
استدار أسر.. ليتصنم بمحله ما إن وقعت عيناه على تلك التوليب بهيئتها تلك التي أسرت قلبه. كانت تشبه أحد الأميرات. أخذ يتأملها من أسفلها صعوداً، يتأمل هذا الفستان الأحمر الذي يجعلها غاية في الجمال. نظر لوجهها وعينها الخضراء الجميلة ولشفتيها، وااااه من شفتيها، كانت تزينهم بلون بني جاعلاً شفتيها مرسومة بشكل يجذبه لتقبيلها بقوة وشغف. وشعرها التي عقدته على هيئة كعكة أنيقة للغاية وبعض الخصلات المتدلية منه. كانت مثل لوحة نادرة.
تقدمت توليب منه بخطوات هادئة حتى وقفت أمامه. أغمض عينيه مستمتعاً براحتها التي يعشقها وهي تملأ الغرفة. آآآه توليب، مهلكة، مهلكة.. هذا ما نطقه به قلب أسر وعقله، فهي حقاً مهلكة لأبعد الحدود التي تجعل قلب ذلك البارد يشتعل بسببها. تحدثت توليب بابتسامة خجلة: _إيه رأيك، حلو؟ أسر بهيام: _تجنني يا توليب. رفع يده يمسح على وجنتها بنعومة واقترب يحتضن خصرها بقوة، ارتجف قلب توليب عليها. تحدث بهيام ورقة وهو ينظر داخل عيناها:
_مهلكة.. مهلكة يا توليب.. مهلكة وهتجيبي أجلي قريب بعيونك دي. كانت توليب تنظر داخل عينيه بخجل وعشق، يخبرها قلبها للمرة المليون أن يعترف بعشقه لهذا الأسر ويخبره عن كل ما تحمل من مشاعر له. كان أسر يتفرس ملامحها بحيرة. كيف يكون هناك كل هذا الجمال من نصيب أنثى واحدة؟
أنثى مكتملة الأنوثة. كان يتنفس أنفاسها العطرة وحقاً لا يستطيع السيطرة على فيضان مشاعره. كاد يقبلها وتوليب مستسلمة للغاية، لكن.. صوت طرقات على الباب أيقظهم من سحر اللحظة، لتبتعد توليب عن أسر في خجل شديد، بينما أسر كاد ينفجر غضباً. ذهب ليفتح الباب ليجد الخادمة خافضة رأسها وباحترام تحدثت: _ماهر بيه بيقول لحضرتك الضيوف وصلوا. تحدث أسر بصوت حاول جعله قوياً: _احمم تمام.. ثواني وجايين.
أغلق الباب ليلتفت يناظر تلك الوردة الجميلة، ليقترب منها ملتقطاً يدها الصغيرة بكفه. رفع رأسها بسبابته جعلها تنظر له. تحدث بصوت حنون ولكن صارم أيضاً: _طول ما إحنا تحت، أوعي تسيبي إيدي، فهمت؟
أومأت توليب بخجل وهي لا تقوى على الحديث. سك أسر على أسنانه بغضب.. لا يريد أن تنزل هكذا، بالتأكيد ستلفت جميع الأنظار لها بجمالها هذا وبذلك الفستان الأحمر الذي خلق من أجلها هي فقط. ورغم أن الفستان لا يظهر أي جزء من جسدها إلا أنه يرسمه ببراعة. زفر بقوة محاولاً أن يهدئ من روعه. صار للخارج وهي تسير بجانبه وأيديهم متشابكة بقوة.
هبطوا للأسفل وما إن خرجوا للحديقة الكبيرة حتى تعلقت توليب بذراع أسر بيدها الحرة متحدثة بخوف وهي ترى حشداً هائلاً من الناس: _أسر، أنا عايزة أرجع أوضتي. ربت أسر على يدها بحنان: _لا... متخفيش يا توليب، أنتي معايا.
هي كلمته السحرية التي تجعلها تشعر بالأمان. دلفوا للحفلة يداً بيد لتجتمع جميع الأنظار عليهم معجبة وحاقدة. كان يبدون مثل الأمير وأميرته. عيون الرجال مسلطة على توليب بانبهار شديد وكأنها حورية من السماء، والنساء يطالعونها بحقد وغيرة من جمالها، ولكن نظرات الإعجاب كانت ملتهبة بعينهم وهم يراقبون ذلك الوسيم أسر البارون يسير بكل هيبة رافعاً رأسه كالملوك، بينما توليب خافضة رأسها بخجل وارتباك.
أخذ أسر توليب لأحد الطاولات ساحباً لها المقعد باحترام ويساعدها بالجلوس عليه وكأنها طفلة صغيرة. كان الاهتمام والعشق واضحين بشدة على وجهه، بينما توليب كانت خافضة رأسها بارتباك وتفرك بيديها. هي لا تحب تلك الحفلات أبداً. كان ماهر يقيم حفلة كل سنة احتفالاً بنشاطات الشركة وكان يلح عليها أن تحضر ولكن كانت تعترض متحججة بالتعب أو أحياناً كانت تمثل المرض أو النوم حتى تتهرب.
جلس أسر بجانبها والتقط يدها التي تفركها ضاغطاً عليها بدعم وأمان. رفعت رأسها تنظر له لتجده يناظر بابتسامة حنونة دافئة يخبرها من خلالها أنه بجانبها. ابتسمت له ابتسامة مرتعشة. قطع وصول نظراتهم أحد رجال الأعمال الذي اقترب من طاولتهم وعيناه لا تفارق توليب. ليتحدث لأسر برسمية قائلاً: _مساء الخير يا آسر باشا. نظر له أسر ليجده أحد عملائهم بالمشروع الجديد ليرد عليه وهو ما زال جالساً بغرور: _مساء النور يا شريف بيه.
جلس ذلك المدعو شريف بكل سماجة بجانب توليب ليرفع أسر حاجبه بتعجب، بينما توليب اقتربت من أسر أكثر بارتباك. تحدث شريف بابتسامة سمجة: _ممكن أتعرف بحضرتك؟ ماذا؟ هل سمع أحد حديث ذلك المجنون الذي يحفر قبره بيد؟
لم تجبه توليب، ولكن أسر لن يصمت. لينهض بقوقارة وهيبته ملتفاً من خلف توليب، وقفاً أمام ذلك الشريف. مال عليه متحدثاً بصوت لم يصل لمسامع توليب، ما إن اعتدل بوقفته وجدت توليب ذلك الرجل يهب واقفاً بفزع وكأن هناك عقرب لدغه ليهرب بخطوات سريعة من أمامهم. عاد أسر لمكانه وتوليب تراقب بتعجب. ازداد تعجبها عندما عاد ممسكاً بيدها مرة أخرى. تحدثت بفضول: _أنت قلت له إيه؟ اقترب برأسه منها وتحدث بمزاح: _سر.. سر مخيف شوية.
مالت برأسها متسائلة بتعجب: _سر إيه؟ _هبقى أقول لك بعدين يا تولي. نظرت حولها قليلاً لتتحدث باستفسار: _هو بابا فين؟ من ساعة ما قعدنا مشفتهوش. أسر باستغراب هو الآخر: _معرفش، أكيد بيسلم على الضيوف. بعد نصف ساعة… كان توليب وأسر يتجاذبون أطراف الحديث ليأتيهم فجأة صوت ماهر. كان ماهر يقف على منصة الرقص ويتحدث بصوت قوي وهيبة: _مساء الخير لكل الحضور. التفت الجميع لماهر بانتباه، بينما فيهم أسر وتوليب. ليتحدث
ماهر مرة أخرى بابتسامة: _أنا عايز أشكر كل الحضور اللي شرفوني النهاردة وبيشاركوني احتفالي برجوع ابني ووريث عيلة البارون من بعدي "آسر البارون". علت تصفيقات الحارة بالجو. كانت توليب تصفق بحرارة وسعادة، هي الأخرى. عض أسر سريعاً وذهب لوالده، بينما توليب تراقبهم بابتسامة متسعة. احتضن أسر والده ثم التقط يده يقبلها باحترام شديد أمام الجميع ووقف بجانب والده مثل الأسد وابنه. ليتحدث ماهر مرة أخرى بفرحة:
_وكمان عايزكم تشركونا المفاجأة الكبيرة والسبب الأساس لإقامة الحفلة دي. عقد أسر حاجبيه باستغراب وتعجب. نظر الجميع له باهتمام، وأيضاً توليب وأسر منتظرين معرفة ما هي تلك المفاجأة. ليلقي ماهر بالقنبلة الكبيرة: _كتب كتاب أسر وتوليب ولادي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!