جالسه بجواره على الفراش، متمسكة بيده بقوة كما كان يفعل عندما يستشعر خوفها. ها هي الآن تفعل نفس الشيء، تحتضن يده تريد أن تشعره بالطمأنينة في سباته هذا، بل بالحقيقة تريد أن تطمئن قلبها أنه هنا بجانبها وقلبه ينبض وبخير. دائماً ما كانت تخاف أن يظهر هذا المجنون في طريقها يوماً، لذلك كانت تخاف الناس والخروج، حتى بالجامعة. ومن شدة خوفها كان الحرس يدخل معها لقاعة المحاضرات.
لكن عندما وجدت نفسها بين يدي فهد، كابوس حياتها وملك خوفها، لا تعلم كيف لم تخف منه، بل لا تعلم كيف استطاعت أن تصرخ به وتركله بقدمها. كان فقد الخوف الوحيد الذي كان يسيطر عليها هو فقدان سيد قلبها ومن ترعرعت على عشقه لسنوات. هذا هو ما كان يجعل كل خلية بجسدها تنتفض فزعاً. دمعة حارقة سقطت من عينها الخضراء الباهتة. تنتظره بلهفة أن يفتح عينيه البنية الحادة المليئة بالثقة والأمان، تريد أن تسمع صوته القوي يناديها.
ها هي مستيقظة منذ أكثر من 7 ساعات، تنتظره بلهفة ولكن هو لا يستيقظ. نظرت لماهر الجالس على المقعد بجوار الفراش، وجدته يقرأ بكتاب الله بخشوع وعينين مليئة بالحزن. نعم، وكيف لم تفكر بهذا. بهدوء تركت يد أسر على الفراش، ونهضت سريعا. ليرفع ماهر عينيه ينظر لها باستغراب. اقتربت توليب منه وبهمس تحدثت وهي تدني منه: "بابا، أنا عايزة إسدال ضروري." نظر لها ماهر بابتسامة حنونة وقد علم ما تريد فعله. أومأ برأسه وبنفس الهمس تحدث:
"حاضر يا روحي، اتوضي على ما أجبهولك." ذهبت توليب بخطوات هادئة للمرحاض، فهي ما زالت مرهقة وتلك الأدوية تجعل جسدها يترنح وغير متزن. بعد قليل من الوقت، وبعدما أمر ماهر أحد رجاله بشراء إسدال صلاة سريعاً بالإضافة لسجادة صلاة، ها هي توليب تقف بين يدي الله تصلي وتدعي من صميم قلبها أن يصبح أسر بخير. فيالا غبائها، جلست بجواره كل هذا الوقت وهي بيدها الحل لاستيقاظه بخير. الدعاء والصلاة والتضرع إلى الله بقلب خاشع متوسل.
ببكاء وحزن رفعت يديها تناجي الله أن يستيقظ، ليطمئن عليه قلبها الملتاع ألماً الآن. التفت سريعا وهب ماهر من جلسته وهم يستمعون لصوته يئن بألم حاد. اقتربت توليب منه وبلهفة تحدثت: "أسـ... بالكاد استطاع فتح عينيه وهو يشعر بالألم يفتك صدره ورأسه ستنفجر من شدة ثقلها. بتشوش نظر لتوليب التي نادت باسمه بلهفة. "توليب... مهلكته هذا صوتها. نظر لها ليجدها تبكي وتضحك في آن واحد، لا تصدق أنه استيقظ.
هرول ماهر للخارج ينادي الأطباء، بينما توليب أخذت يده وقبلتها بعمق. بينما هو تأملها بلهفة وهي هكذا بخير أمامه، جذبها من يدها رغم تعبه وآلامه. جبرها أن تقترب منه وبالفعل دنت منه حتى أصبحا يتشاركان الأنفاس. وضع يده خلف رأسها جاذبها تستند على جبينه، لتغمض توليب عينيها وهي ما زالت تبكي. بهمس وتعب تحدث أسر بعدما أغلق عينيه بقوة: "انتي كويسة؟ أومأت توليب سريعا وقد شقت ابتسامة جميلة ثغرها.
ليبتلع تلك الغصة المؤلمة مع ألم جسده. تحدث بصوت مبحوح: "أنا ما فيش حاجة تهمني غير إنك كويسة، والله أي حاجة تانية مش همني." فتحت عينيها ونظرت له باستغراب لحديثه. لتشهق بخفوت وهي ترى تلك الدمعة تسيل على وجنتيه. وضعت يدها على وجنته وبلهفة تحدثت: "أسر، مالك انت للدرجة دي تعبان؟ أنا هجبلك الدكتور بسرعة." كادت تبتعد ولكن جذب يدها مجدداً. قبل يدها بعمق وبنبرة مبحوحة متألمة تحدث: "أنا مش عايز دكتور، أنا عايزك انتي يا توليب."
وضعت يدها على وجنته بحنان وبسعادة غامرة تحدثت: "أنا هنا معاك، وجنبك على طول." دلف ماهر بلهفة وخلفه ثلاث أطباء رجال وطقم كامل من الممرضات. اقترب من أسر بعدما نهضت توليب. أخذ يدها وأعين دامعة تحدث: "ألف سلامة عليك يا أسد." ابتسم أسر ببهوت قائلاً: "الله يسلمك يا ماهر باشا، متخافش ابنك راجل ويستحمل."
بعد مرور ساعتين من فحص الأطباء لأسر تحت أعين ماهر وتوليب التي أخذت تفرك يدها بتوتر وخوف وأخذت تدعي الله وهي تراه أمامها يتألم هكذا. استطاع الاعتدال بجلسته بعدما أخذت حقنة كبيرة من المسكنات. التفت توليب سريعا عندما بدأت الممرضة بوضع الضمادة على ذلك الجرح. نظر أسر لها ليجدها ملتفة، بالتأكيد لن تتحمل ذلك المنظر البشع. التفت بلهفة عندما سمعت صوته يئن بألم. تحدثت سريعا للممرضة بلهفة: "بالراحة شوية." تحدثت الممرضة بصوت
ناعم وهي تناظر أسر بإعجاب: "متخافيش حضرتك، الباشا في عينيّا." رفعت توليب حاجبها وبوادر الغضب على وجهها. لتكمل تلك الممرضة حديثها بإعجاب واضح لأسر. الممرضة بمياعة ووقاحة: "حضرتك مشاء الله شكلك رياضي أوي، عضلات صدرك شديدة وحلوة." "نعم ياااختي." التف الجميع ينظر لتوليب الذي صرخت بتلك الكلمة. نظر لها أسر باستغراب، فهو كان يتأملها ويتأمل هيئتها بذلك الإسدال ولم يسمع حديث تلك الممرضة أبداً.
اقتربت توليب وجذبت تلك الممرضة من يدها أمام دهشة الجميع وأولهم أسر الذي تحدث بتعب: "في إيه يا تولـ... نظرت توليب للممرضة بغضب وغيره تتأجج بقلبها: "عضلاته إيه دي اللي مشدودة يا حاجة انتي؟ ردت الممرضة بمياعة وهي تنظر لأسر: "آه... سيبي إيدي، قول حاجة يا أسر باشا." قطب أسر حاجبيه وبتساؤل تحدث: "هو في إيه؟ صرخت توليب على أسنانها وبغضب عارم تحدثت: "دي بتقولك انت عضلاتك مشدودة وحلوة." أسر بذهول: "إيه؟!
اقترب أحد الأطباء وتحدث لتوليب محاولاً أن ينهي الموقف: "إحنا آسفين أوي يا آنسة، أكيد هي متقصدش." الممرضة سريعا: "أيوه أيوه، أنا مقصدتش حاجة حضرتك." تركت توليب يد الممرضة وهي تتنفس بغضب. نظر لها أسر بابتسامة باهتة لفعلتها، لكن لم تطل الابتسامة كثيراً لتتحول بعدها لنظرات تقتل وهو يرى ذلك الطبيب يتحدث لتوليب بود شديد وإعجاب. الطبيب:
"آنسة توليب، شكل شخصيتك انفعالية أوي، بس ده ميبانش خالص على ملامح حضرتك العادية والرقيقة." عضت توليب شفتيها ونظرت أرضاً من شدة خجلها وارتباكها. انتفضت من مكانها وهي تستمع لصوت أسر يرج أنحاء الغرفة فزعاً الجميع. "كلوووو طالع براااا." نطق بها أسر وعيناه على ذلك الطبيب، وقد بدأت عروقه تصبح زرقاء من شدة الانفعال والغضب. لو كان بكامل صحته الآن لكان لقن ذلك الطبيب درساً لن ينساه أبداً.
بالفعل خرج الجميع من فزعهم، ولكن ظل طبيب واحد كبير بالعمر يقف بجانب ماهر. كان يضحك على فعل أسر. اقترب من أسر وبابتسامة تحدث: "اهدأ يا ابني انت تعبان لسه." تنفس أسر بغضب شديد. نظر لتوليب ليجدها تناظره بخوف من غضبه. أغمض عينيه وتنفس بهدوء. حسناً، سيحاول إخماد نار غيرته الهوجاء. مد يده السليمة لتوليب لتمسكها سريعا. قربها منه وتحدث بجدية ونبرة حاول أن يجعلها هادئة: "تعالي اقعدي جنبي."
أومأت توليب بطاعة، وذهبت لتجلس لجانبه فوق الفراش رغم خجلها بوجود ماهر والطبيب. تقدم ماهر وبابتسامة خبيثة تحدث: "براحة يا أسر، متبقاش حمقي كده." أسر بغضب مكبوت: "انت شوفت قالها إيه يا بابا." تحدثت توليب باندفاع: "خالص يا أسر، هو مكنش يقصد حاجة." ناظرها أسر بنظرة جعلتها تنكمش على نفسها. كيف لم يفعل شيئاً؟ لقد كان يتغزل بها. هل تلك الفتاة حمقاء؟ تحدث ماهر كي يخفف الأجواء:
"مهظ يا أسر، انت عامل إيه دلوقتي يا حبيبي، حاسس بإيه؟ أجاب أسر ونزلت عيناه على توليب: "الحمد لله أحسن، بس آخد شاور عشان جسمي يفك شوية يا بابا." توليب بلهفة: "بس انت لسه تعبان." أيّاً الطبيب وهو يقول: "فعلاً، أنت لسه تعبان والحركة هتخلي الألم قوي أوي، غير إن الماية غلط على الجرح." أومأ لهم ثم نظر لماهر وتحدث بجدية: "بابا، ممكن تسيبني مع توليب شوية، عايزها لوحدها." تفهم ماهر، ليحدث الطبيب باحترام:
"طب لو سمحت ممكن نكمل كلام برا." أومأ الطبيب وخرج مع ماهر. وما إن أغلق الباب حتى شهقت توليب بفزع عندما جذبها أسر إليه بيده السليمة لتقع في أحضانه. لم يمهلها وقتاً ليتخذها في قبلة مملوءة بمشاعر خوفه وعشقه وإدمانه عليها. كان يبث عشقه بتلك القبلة. ابتعد عنها عندما وجدها يكاد يغمى عليها من ضيق التنفس. شهقت توليب وتأخذ نفسها بقوة ووجهها أصبح قاتم الحمرة. ارتشف أسر ملامحها تلك وبهيام وعشق تحدث: "توليب، أنا بعشقك."
توليب، أين توليب؟ فقد تصنمت بل صعقت عندما استمعت لتلك الكلمة. قلبها أصبح يقرع كالطبول بينما كانت أنفاسها بعدم تصديق. أسر... نعم نعم أسر، اعترف بعشقه توا لها. رغم أن أسر كان يخطط لأن يخبرها بتلك السهرة التي لم تبدأ حتى، ولكن فكرة أنه كاد يخسرها حتى دون الإفصاح لها عن مشاعره جعلت ألمه مضاعفاً. استفادت توليب من صدمتها عليه وهو يكمل حديثه.
أخذ يمرر يده على حجاب الإسدال حتى أزاله وأخذ يغلغل أصابعه بخصلاتها الحرارية التي انسابت بسلاسة حول وجهها جعلتها مهلكة أكثر مما هي. أسر بهيام: "أنا بحبك، لأ انت بعشقك وأنا آسف جداً عشان مقولتش ده قبل كده، بس كنت عايز أعمل حاجة مميزة وأنا بعترفلك بحبي يا توليب، كنت عايز أعمل حاجة مميزة زيك كده يا قلب أسر." اللمعت عيناها بالدموع. اعتدل أسر بتعب وباللهفة تحدث: "في إيه يا تولي، مالك يا حبيبتي؟
ارتمت توليب بحضنه وبكت بشدة، بل انهارت من البكاء. حاوطها أسر سريعا بيده السليمة وأخذ يقبل رأسها بحنان تاركها تبكي وتخرج كل ما بقلبها. دقائق وهي تبكي وهو يقبل رأسها مراراً وتكراراً. ابتعدت توليب عنه قليلاً. نظرت له ليتأمل هو عينيها الخضراء المليئة بالألم والخوف. تحدثت توليب بشهقات وتقطع وهي تنظر لعينيه: "أنا... أنا كنت خايفة أوي يا أسر... كنت فاكرة إن في حاجة وحشة حصلتلك، أنا كنت متأكدة إنك عايش... بس هو...
هو فضل يقولي إنك موت... بس أنا كنت بقوله إن كداب، أسر عمره ما هيسبني... واديك اهو قدامي بخير وبتقولي إنك بتحبني... أسر أنا... أنا بحبك أوي بجد، مكنتش هعرف أعيش لو كان في حاجة وحشة بجد حصلتلك." أزال أسر دموعها بأنامله وهو يتحدث بحنان شديد: "إششش، اهدى يا روحي، اهدى يا قلب أسر." جذبها لاحضانه، يسمعها نبضات قلبه التي تنبض باسمها. أغمضت هي عينيها براحة بعدما أخرجت تلك الطاقة المؤلمة من فوق صدرها.
قبل أسر رأسها ثم رفع رأسها تنظر له. نظرت له توليب ببراءة وعشق. تأمل هو بعينيها الخضراء نزولاً لشفتيها، ليدنو منها ببطء ويعود يقبلها بهدوء وتروّ. لا تعلم كيف فعلت ذلك ولكن بادلته قبلته وقلبها يكاد يتوقف من شدة نبضاته. لا تشعر بشيء سوا أن أسر هنا، أسر هنا وبجانبها معترفاً بعشقه لها وها هو يقبلها وهي بين أحضانه. قاصداً هو أن يتهرب أو ينسيها تلك الليلة المريعة مع ذلك الحقير فهد.
يقسم بداخله سيأتي به وسيقتله دون أن يرمش له جفن، فذلك المجنون كاد يقتله هو ويأخذ توليب منه، توليب التي أصبحت جزء لا يتجزأ منه، والتي لا يستطيع التنفس إلا وهي معه. تململت في نومها بارتياحية، تشعر براحة شديدة لا تعلم لها مصدراً. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تفتح عينيها. لحظة، ما هذا؟ إنها رائحته... رائحته تملأ رئتيها. إنها تعلمها جيداً، فهو ذات عطر مميز. انتفضت من فوق الفراش وعيناها ما زالت ناعسة بالكاد ترى بها.
رمشت عدة مرات حتى وضحت الرؤية أمامها. سارت بعينيها بجميع أنحاء الغرفة لتجدها فارغة. لا لا، بالتأكيد هو هنا، تشعر برائحته تملأ المكان. بل لحظة. أخذت حرف الكنزة واستنشقته. يا الله، حتى الكنزة بها رائحته وليست قديمة بل جديدة ونفاذة للغاية. نبض قلبها بقوة وتعالى صوت أنفاسها. سريعا أخذت إسدالها وارتدته على عجل. كادت ترفع حجابها لولا سماعها لصوته... نعم صوته.
ركضت للنافذة، يا الله، إنه هو باسم جالس بالحديقة ويحدث الخادمة بصوت عالٍ أن تحضر له قهوة. لم تفكر مرتين وأخذت تركض للخارج سريعا وقلبها ينبض بجنون وحماس. مشتاقة للغاية لأحضانه. وصلت الحديقة وهي تلهث، لتجده جالساً بهيبته مرتدي كنزة سوداء وبنطال جينز. كان مرتباً ووسيماً كعادته. نظر باسم لها ليجدها تقف وتتأمله بل تتفرس ملامحه بعين غير مصدقة. نهض من جلسته وهو ينظر لها هكذا.
بشعرها الحر وهيئتها السوداء تناظره وهي تلمع بإشراق. جميلة، ملاكه الصغير، بل قاتلة هي بعينيها السوداء. لم تشعر هي بنفسها إلا وهي تركض له قافزة بأحضانها بقوة. ارتد جسده على أثرها. حاولت عنقه بقوة ليضم هو خصرها بقوة أكبر إليه. لحظة الكمال، هكذا شعر كل منهم. أغمض باسم عينيه مستمتعاً بذلك القرب، يا الله كم اشتاق لها تلك الصغيرة واشتاق لاحتضانها ولرائحتها.
بينما هي أخذت تبكي وهي تحتضنه بقوة متعلقة به، فهي كم اشتاقت هي الأخرى وكم تمنت أن تعود لأحضانها الدافئة. ربت على ظهرها بحنان عندما سمع صوت بكائها الحاد. تحدث هي ببكاء: "انت هنا... انت رجعت." باسم بهمس: "أيوه... أنا رجعت." اشتد من احتضانه لها، لتقول هي باشتياق شديد: "وحشتني، وحشتني أوي يا باسم." فتح عينيه بعدم تصديق، ليبعدها عنه قليلاً حتى يرى وجهها: "انتي قولتي إيه؟ صبا ببكاء: "بقولك وحشاني أوي." عاد واخذها بأحضان
يغمرها بقوة وتحدث دون وعي: "وانتي يا روح باسم وحشتيني أوي." ابتعدت عنه وتحدثت بفرحة غامرة: "بجد؟ يعني سامحتني؟ كاد يقول نعم، ولكن... عفواً، فقد سيطر شيطان باسم على عقله وبدأ عقله يفكر بخبث شديد. أبعدها عنه ببطء حتى لمست قدماها الأرض. نظرت له بتأمل أن يكون سامحها، لكن وجدت ملامحه متهجمة عكس ما كان عليه منذ ثوانٍ. باسم بجمود: "لا... مسمحتكيش." ثم تركها ودلف للداخل وهو يبتسم بخبث، تاركاً إياها لا تفهم شيئاً.
ألم يكن يحتضنها بقوة الآن؟ ألم يخبرها أنه اشتاق لها؟ ما هذا الآن؟ التفتت سريعا لتجده قد دلف. حسناً، يبدو أنه يريد أن يسمعها اعتذارها بعدما هدأ. تنفست بعمق، والله دموعها... نظرت لطريقة ذهابه وتحدثت بإصرار وعزيمة: "متخافيش يا صبا، انتي قدها وتقدر تصلحيه، بس اهدي وخذي نفس وفكري." وضعت يدها على قلبها تحاول أن تهدأ من ضرباته. لا تصدق حتى الآن أنه عاد وأنها ارتمت بأحضانها الدافئة.
دخلت سريعا للداخل، لتسمع صوت ضحكاته العالية. بحثت عن مصدر الصوت حتى وجدته قادماً من غرفة الطعام، لتذهب هناك سريعاً. دخلت للداخل بهدوء، فهي تعلم أن بكر وإسعاد بالداخل. وجدته جالساً بجانب بكر ويمزح مع والدته. نظر لها بجانب عينيه وعلى وجهه ابتسامة خبيثة للغاية. التقطتها بكر سريعا، بينما إسعاد نظرت لها لتجدها واقفة وتفرك بيديها لتقول بلهفة: "تعالي يا صبا... تعالي يا ضنايا اقعدي افطري." ذهب صبا وجلست جوار إسعاد.
تحدثت إسعاد بسعادة: "شوفي يا صبا، اهو باسم رجع اهو." تحدث باسم بخبث مبطن: "ما عي عارفة يا أمي من امبارح من ساعة ما جيت." ماذا؟ هل عاد من أمس؟ فتحت عينيها على وسعهما وكتمت شهقتها سريعاً قبل أن يسمعها أحد. اللعنة، هي لم تكن تحلم أنه يقبلها... بل هو حقاً كان يقبلها. ابتسم لها باسم بخبث وهز رأسه يؤكد ما تفكر به... لتعض شفتيها سريعاً بخجل وجنون. يا الله. تحدث بكر وهو يوزع نظراته بينهم:
"هتفطروا ولا هتقعدوا تبصوا لبعض كده كتير." خفضت صبا رأسها سريعاً، بينما باسم نهض وتحدث قائلاً: "أنا هطلع أجيب حاجة من الأوضة يا حج عشان نتحرك على شركة السياحة، في ورق عايز توقيعك." أومأ له بكر، بينما باسم ذهب وعلى وجهه ابتسامته الخبيثة تلك، يعلم أنها ستأتي خلفه. كانت تريد النهوض، لكن... لا تعلم ماذا تقول. لينظر لها بكر وبابتسامة ماكرة تحدث: "صبا... ممكن تقولي لهم في المطبخ يعملوا لي فنجان قهوة مظبوط."
أومأت صبا سريعاً وكادت تقف، ولكن تحدثت إسعاد سريعا: "اقعدي يا بنتي، أنا هروح أقول لهم." تحدثت صبا سريعا بارتباك، توقفها: "لأ لأ... أنا هقول لهم وأرجع بسرعة." ثم ذهبت سريعا صاعدة للأعلى. كان باسم واقفاً وينظرها بفارغ الصبر. حسناً، لقد قرر اللعب معها قليلاً، تلك الصغيرة. وجدها تدلف للداخل ليمثل أنه يبحث عن شيء على مكتبه. تقدمت منه صبا ووقفت بجانبه وباللهفة ونظرات متوسلة تحدثت: "باسم، ارجوك... كفاية زعل وبعد. أنا آسفة."
نظر لها وببرود تحدث: "آسفة كده وبس." تقدمت منه أكثر حتى أصبحت أمامه مباشرة: "اطلب اللي انت عايزه وأنا هعمله، بس سامحني وحياتي عندك." باسم بخبث: "أي حاجة، أي حاجة." صبا سريعا: "أي حاجة... بس تسامحني." جلس على المقعد القريب منه واضعاً قدم فوق الأخرى، وبثبات وجدية تحدث: "عايزك ترقصيلي." صبا بذهول: "نعم... أرقص لك؟ باسم ببرود: "أيوه... انتي عايزاني أسامحك وأنا عايزك ترقصيلي... ووعد لو عملتي كده أسامحك."
عضت صبا شفتيها بخجل شديد: "بس إزاي؟ أنا مش هعرف أعمل كده أبداً." هب باسم واقفاً، اقترب منها للغاية، مال على أذنها وتحدث بهمس، جعلها تغمض عينيها بقوة: "لأ هتعرفي... وكله عشان تصلحيني يا صبا، فكري كويس." طبع قبلة عميقة بجانب ثغرها، ثم تحرك سريعا للخارج تاركاً إياها مغمضة العينين وقلبها يكاد يهرب من بين أضلعها. بمزرعة أغنام ملك عوني. دلف باسم لمكتب عوني بوجه متهجم.
هب عوني واقفاً، تراكا جميع الأوراق من يده ما إن رأى باسم. بترحيب حار تحدث: "أهلاً أهلاً يا باسم يا ابني، نورت الدنيا، انت رجعت إمتى؟ وضع باسم يده أمام وجه عوني، عيناه تناظره بغضب مكبوت، ليبلع عوني لعابه بتوتر شديد. قطع باسم الصمت وهو يتحدث بجدية شديدة: "مفيش داعي للسلامات دي يا حج عوني، أنا جاي لك في حاجة خاصة ومهمة تخص مراتي." عوني بتسرع وتوتر: "مت...
قبل ما تتكلم يا باسم، أنا متت، هموتها البت دي على عملتها، أنا مش عايزك تزعل منها... ومتخافش لو عملت حاجة تاني أنا هكسرلك رقبتها." ضرب باسم المكتب بغضب شديد وهدر بقوة وغضب: "حج عوني! صُدم عوني من غضب باسم. زفر باسم ليهدأ قليلاً. نظر لعوني وبجدية وهو يقصد كل حرف بدأ يتحدث:
"حج عوني، أنا جايلك عشان مراتي اللي انت ضربتها وكنت هتموتها، وجاي أقولك إن ضربك ليها ده إهانة ليا أنا شخصياً وأنا مسمحش بيها، وبعدين صبا مغلطتش، الغلط الحقيقي هو جاي مني ومنك عشان معرفناش نحميها كويس، لو سمحت يا حج عوني أنا مش هسمحلك تمد إيدك على مراتي تاني، أنا لما حسيت نفسي مش عارف أتحكم في غضبي سبت البلد كلها ومشيت عشان ما أذيهاش بالكلام بس، بس أنا اتفاجئت إنك ضربتها وكنت هتموتها لولا تدخل أهلي، فـ لا، أنا مش هسمح بكده أبداً يا حج عوني، أبداً."
عوني بتبرير: "أنا مكنتش أقدر... قطع حديثه باسم وهو يقول بضيق:
"حج عوني، أنا مكنتش حابب أتكلم في الموضوع ده، بس أكيد انت عارف إحنا موافقين على مشروع السفن أنا وبابا ليه، عشان خاطر صبا مش أكتر وعشان الجوازة تكمل من غير مشاكل، وانت عارف كده كويس، وبالنسبة للمشروع انت أكتر واحد كسبان فيه وإحنا معندناش مشكلة في ده، كل حاجة عشان صبا أنا متنازل عنها، انت حاطط فلوس في المشروع ده متجيش نص فلوس المشروع وهتاخد 3 أضعافها في الأرباح السنوية، فـ لو سمحت زي ما أنا ساكت انت كمان احترم مراتي لو سمحت، وكمان عايز أقولك إن صبا هتفضل قاعدة عندنا لحد ما الامتحانات تخلص بعد كده هنعمل الفرح على طول."
ابتلع عوني تذلك الحديث الذي مثل السم. تحدث بجدية هو الآخر: "إزاي يعني هتفضل عندكم؟ أكيد مينفعش." باسم بجدية: "لأ ينفع، أنا جوزها ومش عيب تعيش معايا تحت سقف واحد، وكمان أنا عايزها تركز في مذاكرتها وتبعد عن أي ضغط، وياريت يا حج عوني تفكر كمان مرة كده في علاقتك مع بنتك وأفعالك، أنا كنت ساكت قبل كده بس دلوقتي وبعد ما ضربت مراتي، أنا مش هسكت تاني وأي حاجة تخص صبا هتبقى مسؤوليتي أنا." أنهى حديثه ثم استدار وذهب.
رغم أن غضبه لم يتلاشى. يئنبه قلبه وبقوة لأنه تركها بمفردها ولم يكن درعاً حامياً لها عندما تعرضت للضرب من قبل والدها قاسي القلب. جلس عوني على مكتبه وهو يتأمل الفراغ. يا الله، هل هو بشع هكذا؟ الجميع يمقتونه ويلومونه. هل فعلاً أصبح عبد للمال كما قالت منال زوجته؟ تنهد بضيق واضعاً يديه فوق رأسه مستنداً على المكتب، وأخذ يفكر ويفكر. ذهب ماهر للقصر تحت إصرار أن يذهب ويرتاح، وطمأنه أن حوله الحرس وأيضاً توليب معه وتعتني به.
أرسل ملابس لتوليب وأسر، لتأخذ توليب ملابس رياضية سوداء اللون وترتديها وجمعت شعرها على هيئة كعكة عشوائية. بينما أسر جالس بنطال أسود رياضي ولا يرتدي كنزة بسبب الجرح. كان معتدلاً بجلسته وتوليب بجواره. شابكة يدها بيده، ويتحدث بكل شيء... غير تلك الليلة المشؤومة، وكل هذا وأسر يحتضنها بقوة يشعرها بأحضانها الدافئة. طرق باب الجناح، تلاه دخول الممرضة وبيدها باقة كبيرة من الورود.
ذهبت توليب وأخذت منها الباقة، لتذهب الممرضة وتقف توليب أمام الفراش، وتحدثت بمرح وهي تنظر للباقة بانبهار: "اسر... ده توليب أحمر... يا ترى من الشخص الذوق والشيك ده؟ قهقه أسر وتحدث بمرح هو الآخر: "هو عشان الورد توليب يبقى شخص ذوق وشيك يا تولـ... توليب بغرور مصطنع: "طبعاً، هو فيه أشيك وأحلى من التوليب؟ أسر بهيام: "لأ الصراحة مفيش زي توليب، أو زي شفايف توليب." عضت توليب شفتيها في خجل بينما تورّدت وجنتيها.
وجدت ظرف كبير بمنتصف الباقة لتأخذها وهي تقول بفضول: "ده معاه ظرف كبير يا أسر." أسر: "ظرف... طب افتحيه كده." فتحت توليب الظرف، لتخرج منه حفنة من الصور. لتهرب الدماء من وجهها فجأة، ليناظرها أسر باستغراب. تحول استغرابه بفزع وهو يرى أعين توليب بدأت في ذرف الدموع بصدمة ووجهها أصبح أصفر للغاية وكأن الدماء هربت من وجهها. تحدث بحدة وقلق: "توليب، في إيه، تعالي وريني." لم تجبه بل لم تسمعه من الأساس، بل كل حواسها بتلك الصور.
صور لها وهي عارية، فقد ملاءة تستر جسدها وفهد نائم بجوارها. لحظة واثنتان حتى صرخ أسر باسم توليب التي ترنحت فجأة لتسقط أرضاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!