حور غمضت عينيها للحظات وكأنها بتنفض منها كل اللي دار بينها وبين نفسها. ولحظات وفتحت عينيها وهي حاسمة قرارها. فضلت طول الليل تفكر، وكل ما تحاول تنام عقلها يرفض إنه يستسلم لسلطان النوم. وفضل ضميرها يجلدها بكرباج الوجع والثقة. لحد ما طلعت الشمس وأخدت معاها سواد الليل اللي كان محمل بسواد الأفكار والوجع.
قامت من سريرها اللي كان أشبه بشوك بيقطع في جسمها. وجافاها فيه النوم برغم التعب والشقى. إلا إن الوجع والفكر كان أقوى من إنه يسلم جسمها قصاد راحة عقلها. وزي ما بيقولوا ما ينام إلا خالي البال، وحور بالها مهموم وشايل ومعبي كتير. استغفرت ربها ودخلت الحمام، اتوضت وصّلت فرضها. وطلعت كانت هدى مجهزة الفطار كعادتها. هدى: صباح الورد يا ضنايا. حور بإبتسامة باهتة: صباح الفل يا هدهد الجناين.
هدى بإستغراب: مالك عنيكي حمرا زي مشاخيب النار. حور وهي بتفرك عينيها: ولا حاجة، ده إرهاق بس عشان عندي اليومين دول ضغط شغل كتير وكمان التفتيش بتاع الضرايب قرب، فتلاقيني اليومين دول عقلي مش فيا. هدى بعدم تصديق، ولكن قلب أم صادق وحنون،
رفعت إيدها للسماء: ربنا يريح بالك يا حور يا بنت بطني، قادر يا كريم يكتبلك السعد والوعد ويجعل لك الخير ملازمك في كل طريق. ويفتح لك أوسع أبوابه في كل ضيق. ويجعل قدامك أخضر ووراكي أخضر. ويجعل حياتك قدح برسيم، قادر يا كريم. حور ابتسمت ابتسامة صافية براحة من دعاء أمها العفوي، إلا إنه ريحها كتير: اللهم آمين. يلا أنا شبعت، فوتك بعافية. هدى بصت على الأكل اللي راقد زي ما هو، متاخدتش
منه إلا لقمه واحدة بالعدد: كليتي فين ده يا بنتي؟ ده الأكل راقد زي ما هو، ده اللقمة دي متشبعش جنزورة عشان تقوّت بني آدم. حور بتبرير: معلش بقى، انتي ست العارفين. طول ما أنا مشغولة مبقدرش آكل. يلا نهارك أبيض. هدى بهزة راس، ولكن قلب وعقل أم مشغول على بنتها، ولكن ما باليد حيلة. حور زي الصندوق المقفول، محدش يقدر يفتحه ولا يقدر يعرف اللي جواه إلا إذا هي سمحت بكده: نهار أبيض يا ضنايا.
طلعت من البيت وركبت عربيتها. وزي ما كان جلد الذات والضمير ملازمها طول الليل، فضل ملازمها طول الطريق. وصلت ودخلت مكتبها بعد ما طلبت قهوة وصاية. شربتها ونزلت. كان الكل اتجمع. ***
يونس صحي من النوم وحاله أحسن بكتير من إمبارح. مارس روتينه اليومي، أخد شاور سريع وغير وصلى فرضه. وجهز فطار بسرعة وشرب قهوتهم. وكالسابق جهز مج حراري فيه بلاك كوفي واتحرك على الورشة. طول الطريق سرحان في حور واليوم اللي جمعهم ببعض. وبالرغم من اللي عملته، إلا إنه مبسوط من وجوده معاها في مكان واحد.
الوقت عدى بسرعة. يونس كان مستعجل وسايق بسرعة. وصل الورشة ودخل من سكات، غير هدومه وطلع. كان في نفس وقت نزول حور. اتقابلت عيونهم في نظرة مكملتش ثواني، لكن حور لفت دماغها وكأنها بتدور على حاجة معينة بعيد عن مرمى بصره. يونس بجدية: أنا جاهز، هانتعلم إيه انهارده؟ حور بهدوء: سبارس هيتابع معاك. ورايا كام حاجة. وبصوت عالي: سبااااارس. سبارس بفزعة من صوت حور: أيوه يا أسطى.
حور: مع البشمهندس وعلمه من الألف للياء. كل مسمار في العربية إيه ووظيفته إيه ويتفك إزاي ويتركب إزاي. ومن دلوقتي هو مسؤوليتك. يونس كش حواجبه وبيحاول يستشف إيه سبب تغير حور الواضحة في كلامها: مش المفروض إن حضرتك اللي هاتعلميني؟ مش عامل من العمال هنا.
حور بحده: أقل عامل هنا أحسن من أحسن مهندس دارس. عشان شاربين الصنعة على أصولها. اللي بمدرسة في الكتب حاجة، واللي بتشتغله بإيدك حاجة تانية. اللي هنا أستاذ ورئيس قسم في مجاله. واللي اخترته لك جامع الاثنين. البشمهندس محمود طالب في كلية الهندسة قسم ميكانيكا سيارات وكمان شغال هنا، يعني شارب الشغل على أبوه. وأنا ورايا مليون حاجة. اللي يخصك إنك تتعلم سواء معايا أو مع غيري. التعليم مبيقفش على مدرس، بيقف على اللي عايز يفهم.
وبالاذن سابته واتحركت تشوف شغلها. يونس اتحرك مع سبارس بعقل شارد، ولكن عينه متابعة. وكل شوية ينبه نفسه ويلتفت بعنيه ناحية حور اللي مش باصة عليه إطلاقا. فضل على وضعه لحد ما جه وقت البريك. وطلعت حور مكتبها. ودقايق وكان ديشا طلع ليها بفنجان القهوة. والعمال كل واحد بعت جاب أكله. ولكن من حاله يونس والوضع اللي فيه، محدش أصلا بالجوع.
مر الوقت، ولكن في عز انشغال الكل، حضر ضيف عزيز وغالي على قلب حور، ولكن أشعل النار في قلب يونس. ياسر بصوت عالي: صباحو فل يا أسطي. الله ينور. حور بإبتسامة: صباحو ورد يا ابن العم. ينور علينا وعليك. إيه الشقة الغالية دي؟ ياسر بضحك: جايلك ووشي في الأرض ورقبتي قد السمسمة. حور برفعة حاجب: والله سلامة رقبتك، مهي قد الزرافة أهي. وغمضت عين وفتحت التانية. خييير يا ابن عابد.
ياسر بهزة راس: مفيش فايدة فيكي. على العموم يا ستي، شاور على العربية الحلوة اللي عملتها معايا. جايبها بالزق لهنا. حور بصت على العربية: غالي والطلب رخيص. كل الحوار دار تحت أنظار يونس اللي الغضب بلغ محله عنده لأقصى درجة وعنيه مثبتهم على حور. اتحركت حور وفتحت العربية وبدأت تشتغل فيها بحرية شديدة. ياسر قعد، ولكن لفت انتباهه عينين بتطلع نار مركزة عليه. وبصله وبيحاول يفتكر شافه فين، لأن الشكل ده مش غريب عليه. اتحرك بخطوات
ثابتة وقف قدامه للحظات: أنا شوفتك فين قبل كده؟ حاسس الشكل ده مش غريب عليا. يونس بتمالك أعصاب وبرود: فعلاً اتقابلنا، وكلنا عيش وملح قبل كده. ياسر بصله وغمض عينيه نص تغميضة وهو بيحاول يفتكر شافه فين. حسم يونس التفكير: لما جيت هنا أصلح عربيتي، لما الآنسة حور كانت لسه طالعة من المستشفى. ياسر بتذكر: آآآآآآه صح. طيب وحضرتك بتعمل إيه هنا؟ تتصلح عربيتك تاني ولا إيه؟ بس مش شكل هدومك، أشك إنك جاي تصلحها. شكلك شغال هنا.
يونس بنفس البرود: لاء، جاي أتعلم الميكانيكا. لأني جالس شغل في موقع في قلب الصحرا في منطقة معزولة. والعربية لو عملتها مهلاقيش اللي يلحقني. ياسر بصله بعمق وكلامه مش مقنع بالنسبة لياسر. ببصله لأنه شاب زيه وعارف النظرة اللي في عينيه كويس أوي. ولكن فضل الصمت في الوقت الحالي: تمام، الله المعين. وسابه وفضل قاعد مكانه على الكرسي، ولكن بعينين بتردد كل حركة ونظرة منه لحور ومن حور ليه. دقائق طويلة تكاد تصل لربع ساعة أو نص ساعة.
حور: عربيتك خلصت وتقدر تاخدها. ياسر بهدوء: الله ينور. ما يجيها إلا بنت عامر بصحيح. حور بإبتسامة: طيب يلا، طريقك أخضر مسفلت كن غير مطبات. ياسر: طيب الحساب. حور بنظرة عضب: يوم الحساب يا خفيف. ياسر بتوضيح: الشغل شغل. حور بنفس النمط: تبقى شتيمة لما تيجي ورشة عمك وتدفع فيها. يلا طريقك أخضر. وسابته ورجعت تكمل شغل العربية اللي كانت في ايدها قبل ما ييجي ياسر.
ياسر هز رأسه بقله حيلة وخد عربيته. اتحرك ولكن عقله مشغول وألف سؤال وسؤال فيه. ولكن أجل الكلام لحد ما يعرف مين ده وعايز إيه من بنت عمه. *** خلص اليوم ومرت الأيام ورا بعضها لحد ما عدى أسبوعين على وجود يونس في الورشة. وكل يوم يتسرّب بحجة شكل وشبه. اتأكد إن فيه حاجة بين يونس وحور ولكن مخفية. طلع من الورشة وركب عربيته واتحرك وهو حاسم قراره. في عز اندماج يونس في الشغل، تليفونه رن وما كان إلا مازن. يونس مسح
إيده بالفوطة ورد بسرعة: أيوه يا مازن، خير. مازن: خير يا يونس، إنت فين بالظبط؟ يونس: ما إنت عارف أنا فين. مازن بتوضيح: يا ابني أقصد المنطقة فين، المكان فين بالظبط؟ يونس: ليه؟ مازن: فيه حاجة في التصميم الأخير عايزة تعديل. وأنا مقدرش لأنك الوحيد اللي عاينت الموقع وعارف أبعاد المساحة. يونس بتفهم: تمام. العنوان... عارفه. مازن: اه عارفه. أول ما أوصل هناك هتابع معاك بالتليفون. يونس: تمام. مر الوقت ووصل مازن الورشة.
أول ما شاف يونس ابتسم: لا أسطى ميكانيكي قد الدنيا. أسطى أسطى يعني مفيش كلام. يونس بحدة: اخلص يا زفت. مازن بترقص حواجبه: لا الواحد كده ضمن يصلح عربيته ببلاش. يونس بشخطه: اخلص والا والله أشغلك هنا سنة لقدام وأوصي عليك. مازن بضحك: لا يا عم الله الغني. يونس: في إيه بقى؟ مازن بص حواليه: طيب هانفرد التصميم فين؟ يونس التفت حواليه وقفل كابوت عربية مفتوح: تعالي هنا.
ومازن فرد التصميم اللي كان جايبه معاه. وبدأ يوضح النقط اللي مطلوب تعديلها. يونس بإنصات: تمام. هاتظبط المساحات المطلوبة وغيرها حسب المساحة المتوفرة. وبدأ يشرح بالتفصيل وهو بيوضح بمفك كان في إيده على الرسم الهندسي المطلوب. ومازن عينه على كل تفصيلة بتركيز شديد. خلص يونس كلامه وشرحه: كده تمام، عرفت هاتعمل إيه؟ مازن بهزة راس: اه تمام. ولو حاجة وقفت قدامي معاك على تليفون.
يونس: أشطا. يلا اتوكل على الله عشان التعديل المطلوب مش سهل. مازن: إن شاء الله خير. قدها وقدود، متقلقش. ومال على يونس همس في ودنه: إيه الأخبار؟ طمني عملت إيه ووصلت لحد فين؟ يونس بص على حور نظرة سريعة: لسه الطريق طويل يا مازن. طلع أطول وأصعب مما اتخيل. مازن بتقدير لموقف صحبه: قدها وقدود يا بوص. طول عمرك لما بتحط هدف بتوصله مهما كانت الصعوبات. مش إنت يا ابن اللباد اللي تنسحب.
يونس: متقلقش. بس هي الموضوع محتاج صبر. فيه حاجات غامضة كتير ومش عارف ممكن أبدأ منين ولا أبدأ إزاي. بقيت عامل زي اللي تايه في صحرا وضَل طريقه. مازن بتفهم: قول يارب. وربنا هايسخر لك اللي يساعدك ويحطك على الطريق الصحيح اللي تقدر تكمل فيه في أمان. يونس بحرقة: يارب يا مازن، يارب. قبل ما يكمل كلامه، حد من العمال نده عليه. ألتفت لمازن ثواني وراجعلك. مازن هز رأسه: ماشي، روح وأنا مستنيك.
أتحرك يونس. ومازن أخده فضوله يتفرج على الورشة اللي صاحبه مبطلش كلام عنها. وفضل يلف ويتفرج بإنبهار من المكان وطريقة الشغل اللي ماشية زي الساعة. ووقف وسند إيده على برميل مركون جنبه. ولسوء حظه، كان البرميل عليه فوطة مليانة شحم بهدلت إيدين مازن. مازن وهو بيبص لإيديه بصدمة وبدأ يتلفت حواليه على حاجة يمسح إيديه بيها. حور خدت بالها منه وقربت بهدوء: في حاجة؟ عمال تتلفت حواليك زي اللي ضايع منك حاجة.
مازن بص لإيديه: لاء، ابداً. بدور على حاجة أمسح إيديا اللي اتدمرت دي. حور بصت على إيديه وبلا مبالاة: اممم، ده شحم. مش حاجة صعبة. شوية بنزين واغسل إيديك هايروح. بس متحاولش تلمس هدومك عشان مبيطلعش من الهدوم. وسحبت زجاجة صغيرة من جنبها وحطت شوية على إيديه. افركهم كويس عشان يروح بسرعة. مازن بسرعة بدأ يفرك إيديه جامد. حور بهدوء: روح اغسل إيديك بسرعة.
مازن بص بعنيه على مكان الحمام. ممكن يكون فين في مغارة على بابا اللي هو فيها دي؟ حور بإستفزاز: الكابينية عندك في آخر الطرقة دي على إيدك الشمال. مازن بعدم فهم: نعم؟ حور: هو كل ما أكلم حد يقول إيه؟ إيه؟ هو أنا بقول طلاسم ولا بتكلم بالأوندي؟ قبل ما مازن يعترض ويرد، كان وصل يونس اللي شاف صاحبه مذهول وبوقه مفتوح بطريقة مضحكة: مالك واقف متنح كده ليه؟ مازن بعدم وعي: بحاول أترجم الطلاسم اللي مش فاهمها.
يونس كش حواجبه: طلاسم إيه؟ مازن بذهول: الكابينية. يونس بضحكة عالية لدرجة ظهرت غمازاته: ااااه لاء، ده العادي بتاع حور. هي قصدها على الحمام. مازن بصدمة أكبر: يا راجل! يعني الطلاسم الهيروغليفية دي يعني الحمام؟ سبحان الله يا جدع. فعلاً البني آدم مهما اتعلم بيفضل جاهل. يونس بنفس الضحك: طيب يلا، عرفت مكانه ولا أقولك؟ مازن بهزة راس: لاء عرفت. كان مترجم آخر الطرقة. يونس بضحك وهو عينه على حور: كويس إنك ترجمت. يلا.
مازن أتحرك ودخل غسل إيديه وطلع وهو مذهول. إزاي يونس بيحب حور؟ الاثنين على النقيض من بعض. يونس ابن ناس ودايماً لابق. حور عفوية، عصبية، حاطة ألف حاجز وحاجز بينها وبين الناس. بعد دخول مازن الحمام، وصلت شذى بشعنوتها المعتادة. شذى بصوت عالي لفت نظر كل اللي في الورشة: يا صباحوووو يا رايق، سفن أب. حور بإبتسامة صافية طالعة من القلب: أهلاً بالناس الطفسة يا بت. نفسي مرة تتكلمي من غير سيرة الأكل والشرب.
ختمت كلامها بخطبة في كتف شذى. شذى بضحكة وابتسامة حالمة وسرحت بخيالها وغمضت: وهو في زي الأكل؟
ويا سلام لو كانت حلة محشي، لا لا حلتين، لا لا تلاتة. كل واحدة شكل. واحدة ورق عنب وواحدة كرنب وواحدة مشكل، بقى إيشي فلفل وإيشي كوسة وتيجي بتنجان. وأخدت نفس طويل ويا سلام لما يبقى معاهم فرحة بلدي عتاقي محمرة في السمنة البلدي أو دكر بط بلدي متزغط ومعمول على شوربته شوية ملوخية خضرا وعيش بيتي مخبوز وسخن وطازح موحوح كده بنار الفرن. لا لا ده من التخيل. جوعت. وفتحت عينيها مرة واحدة وبصت
لحور بعينين القطة البريئة: متقولي لأمك تكرر العزومة اللي فاتت. إلهي تنستري. بطني نشفت والنشا من كتر أكل البطاطس طفحت على وشي. حتى تلاقي وشي خس وأبيض من كتر الأنيميا والدموية وقفت في عروقي وركبي سابت. حور بضحك لحد ما عينيها دمعت، ميلت وسندت بإيديها على ركبتها وبتكح بطريقة صعبة كأنها بتستجدي النفس. شذى بعويل وبقت تهزها: لا يا حور متموتيش يا حور قبل ما توكليني. ده أنا غلبانة وهفتانة وهبيانة من الجوع.
حور وهي بتحاول تنظم نفسها اللي اتقطع من كتر الضحك: يابت اتهدي بقي.
شذى: اسكتي يا حور، اللي إيديه في الميه مش زي اللي إيديه في النار. مهو بصي، يا تعزميني، يا تخلي أمك تتبناني. مهو مش عدل. أمك شيخة محترمة وأمي هريانا بطاطس. طيب والله العظيم أبويا لو ما كان كاتب نص البيت باسم أمي لكان طلقها. ده الراجل خس وعدم وبقى زي عصاية الزعافة بس من الحتة الرفيعة اللي فوق. الشبه اللي بينهم هو نفس الكدش بتاع الزعافة هو هو اللي في راس أبويا. حور بضحك: يابت اتهدي، الله يحرقك. قلبي هايقف. شذى
بجدية مزيفة وتفكير أهبل: طيب بقولك يا بت يا حور، إيه رأيك نخلي زيتنا في دقيقنا؟ أنا أقول لأبويا يتجوز أمك، وإنتي تقنعيها توافق. حياة عيالك يا شيخة. ادنا وأبويا وإخواتي نفر نفر ندر عليا والندر دين لأصلي قيام الليل كل ليلة. لا مش أنا بس، الكل. وندعي لكِ ولأمك. مهو حرام المواهب دي تتدفن. وأمي مطلعاه على جتتنا زي حب العزيز من كتر البطاطس. حور بنظرة غضب: نعم؟ نعم يا اختي؟ إيه؟ ليه رخص واتكب؟
وكله الكلب اتلمي يا شذى في ليلة أهلك المغفلقة دي. وإيه يا اختي اللي حدفك علينا انهارده؟ شذى ببرود وتناحة: أصلي عزمت نفسي عندكم النهارده على الغدا. ولو عجبتني الخدمة والإقامة، ممكن أمدها لعشا وفطار وغدا وعشا لمدة أسبوع ولا أسبوعين. حور بكز سنان: تنحة وباردة. شذى برفعة كتف وقلبة شفايف: قديمة. مجبتيش جديد يعني. حور أخدت نفس طويل وطلعت: لاء بجد، إيه اللي فكرك بيا وجابك الورشة؟
شذى شدت كرسي وقعدت عليه: والله يا بنتي لا كان بيا ولا عليا. أمي اتصلت بيا في الشغل أعدي على أخويا ومراته عشان عازمني على الغداء. وروحت وعوجت بوقي يمين وشمال. وياريتني ما روحت يا اختي. البيه ومراته جايبين لي عريس. معرفش لقوه في أنهي مقلب زبالة. جسم زي الفحل ووش زي الفحم وصوت زي العجل. واقعد ومجعوص أوووي وبيتنك ابن الوارمة. وشغلك وفلوسك وعربيتك وبتقبضي كام؟
وهانعيش مع أمه. وبعد ما غار عريس الهم المعدولة عايزاني أنضفلها مقلب الزبالة اللي عايشة فيه. حور سمعتها للأخر بإنصات شديد. حور بهدوء: بصي يا شذى، مبدئياً من حقك تقبلي أو ترفضي حسب قناعتك الشخصية. وده حقك محدش يقدر يتعدى عليه بالشرع والدين والأصول تماماً. أما إنك تنتقدي شكله ده أكبر غلط. لأن ربنا قال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. صدق الله العظيم.
إنك تنتقدي شكله ده أكبر غلط ويدل على سطحيتك. لأن شكله إنتي متقدرش تخلقي منه شعرة. تاني هام، اتعودت دايماً إنك لما تدخلي بيوت الناس متنتقديش حد لأنك متعرفيش ظروفه. افتكري مرة زمان وأنا لسه عيلة كنت عند ناس معرفة وحصل حاجة وبعقل طفلة جيت البيت أحكي لأمي اللي حصل هناك. يومها قالت لي كلمة لازقة في دماغي بغراء لحد دلوقتي. قالت لي: ((يا غريب كن أديب. ادخل بيوت الناس أعمى واخرج منها أصم)
). يعني إنتي ضيفة غريبة مهما شوفتي عينيكِ كانها ما شافت. وأوعي، سامعة؟ أوعي لسانك يترجم اللي شافه عينك وينطقه. دي الأصول. كنا لما نقف في البلكونة وحد فاتح شباكه ولا بلكونته قدامنا، لو جيت أرفع عيني أمي تقولي: أوعي عينك تنتهك حرمة بيوت الناس. الأولى لك والثانية عليك والثالثة تقذف بها في نار جهنم. أوعي النظرة تسرقك وتستحلي كشف ستر بيوت الناس.
من يومها ومنين ما أروح، عيني متترفعش في بيت حد. ومهما حصل أو سمعت أو شفت منطقش وكأنه لم يكن. واتعودت منين ما أشوف بيت فاتح شباكه ولا بابه، عيني تنزل الأرض. أصل البيوت ليها حرمة والحرمة ليها حرمانية واحترام. فهماني؟ شذى بإقتناع: فهماني. عندك حق. ولا يهمك. دار الحوار بينهم غافلين عن العيون المراقبة بعيون الصقر.
يونس بفخر من كل كلمة طلعت من لسان حور وزادت اقتناعه ويقينه أنها ضلعه الناقص ومش هاتكون لحظة غيره لأنه اتخلق ليها وهي اتخلقت ليه. ومازن اللي سمع الكلام وضحك على عفوية شذى واتصدم من عقل حور اللي ميكس متناقض. لسان زي الكرباج وشكل جمالي يغري الزاهد وعقل حكيم شعرة شاب في فهم الدنيا. يا ترى مصير يونس إيه؟ وحور هتعمل إيه؟ وإيه حكاية يا مازن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!