وقطع كلامهم موبايل جبل. طلعه همام من جيبه، لأنهم سلمهوله مع متعلقاته الشخصية في المستشفى. بص لقيه رامي. همام: الو، ازيك يا ابني. همام بصدمة: انتا بتقول إيه؟ إنتوا فين دلوقتي؟ وفجأة التليفون وقع من إيده، وسابه وطلع يجري من غير ما يحس هو ماشي كيف وإزاي، ولا حتى رايح فين. جبل بتعب: بابا يا بابا، إيه اللي حصل؟ مسمعش رد من أبوه اللي أصلاً مش داري بالدنيا. فضل مكانه مش قادر يتحرك، وموبايله قدامه على الأرض.
حس بالعجز في اللحظة دي، ووجع الدنيا اتمكن منه. فضل ينادي بجنون على حد يرد عليه، لحد ما أخيراً دخلت ممرضة من صوته. الممرضة بهدوء: خير يا أستاذ، صوتك إنت في مستشفى وفي مرضى حواليك. جبل بنفاذ صبر: عايز الموبايل بتاعي، عندك على الأرض، مش قادر أقوم أجيبه. الممرضة بهزة راس ميلت جابت الموبايل من الأرض ومدت إيديها بالموبايل ليه. اتفضل تليفونك. أخده منها من غير ولا كلمة، وطلعت الممرضة بتضرب كف بكف من تصرفه.
جبل مسك التليفون بلهفة وحاول يشغله، بس للأسف الوقعة دمرت الشاشة تماماً والتليفون مش نافع. فضل قاعد على أعصابه وهايموت ويطمن، إيه وأبوه طلع يجري زي المجنون ليه. ودموعه نزلت بعجز على حالته، وهو راقد عاجز مش قادر حتى يقوم يطمن على أبوه، ولا قادر حتى يهون على نفسه، لأنه هو اللي وصل نفسه للوضع ده. فضلت دموعه تنزل في صمت. *** همام محسش هو ماشي إزاي، ولا إنه سايق بجنون.
كل اللي حاسس بيه نار شبت في ضلوعه، وصوت الكلام بيتردد في ودانه مبيرحموش. عينيه دمعت من غير ما يحس، وآه والف آه من وجع بينخر في قلبه وعقله زي السوس. اتمكن منه ومش قادر يطلع منه. صرخ بصوت عالي: يااااااارب رحمتك بيا ياااارب، عبدك الضعيف تعب ياااارب. وتشاء الأقدار، وبكاء حور من زمن عاد اليوم بصوت همام. كمل سواقة ودموعه موقفتش لحظة. *** يونس فضل في حيرة من أمره، وبيتفكر في كلام ياسر اللي اقتنع بيه قلباً وقالباً.
يونس بشرود: حور فعلاً عنيدة ومش هاتنطق إلا تحت ضغط، ضغط شديد. للأسف يا حور مفيش حل قدامي غير كده. حسم أمره ومسك تليفونه: أيوه يا ياسر. ياسر بمكر وهو متأكد من سبب مكالمة يونس: أيوه يا كبير، اؤمر. يونس بتنهيدة: حور هاتنزل الورشة إمتى؟ ياسر بإبتسامة خبث اترسمت ببراعة على وشه: بالكتير بكرة، خليك معايا على تليفون أول ما تنزل، واتأكد إنها وصلت الورشة هاديك رنة. يونس بهدوء: تمام، ماشي، هاستنى.
ياسر: تمام يا كبير، عد الجمايل. يونس بإبتسامة: عاددهم متقلقش، مردوده في الأفراح. ياسر بإبتسامة صافية: واثق ومتأكد يا هندسة، قد القول. يلا أسيبك، ولما تنزل هابلغك. يونس: تمام، مستنيك بس متتأخرش عليا. ياسر: متشلش هم، أنا مستعجل أكتر منك. بس اسمعها مني نصيحة، دوس جامد، حور عنيدة ودماغها جزمة قديمة، أوعى تتساهل معاها. حور عايزة اللي يضغط عليها عشان تقدر تطلع اللي جواها، وأوعى يخوفك صوتها العالي، لأنه سلاحها في عز ضعفها.
لما تلاقيها اتعصبت وزعقت اعرف إنها بدأت تضعف، وقتها تقدر تخرجها عن شعورها. يونس بإنصات: تمام، تقريباً أنا عارف جزء كبير من شخصية حور. ياسر: كده تمام، أنا كده اطمنت، الله معك يا غالي. يونس: تمام، يلا مع السلامة. قفل المكالمة وهو بيحاول يرتب أفكاره للي جاي. *** حور قاعدة دماغها شغالة زي الطاحونة. يا ترى اللي حصل لجبل ده مين اللي وراها؟ ده حد قاطرها؟ تنهدت تنهيدة طويلة: يمكن يونس.
هزت رأسها بنفي: لالا، يونس ملهوش في جو البلطجة والشبيحة. أووووف، أومال مين؟ بس دماغي هاتشت. بس واشمعنى بعد اللي حصل على طول؟ ما هو لو حد تاني يعرف الحوار كنت قلت هو. بس ده حتى أمي متعرفش اللي حصل. أووووف أوووف، وبعدين بقى في خوتت الدماغ دي. أنا هافضل أهري في روحي ليه؟ يا خبر بفلوس شوية ويبقى ببلاش. كده كده اللي في الدست هاتطلعه المغرفة، والأيام جايه جايه.
فضلت تتكلم وتفكر مع نفسها، وشغلها الشاغل هو اللي حصل، ولا حست بنفسها ولا بأمها اللي كل شوية تبص عليها تلاقيها قاعدة تايهة في ملكوت ربها. هدي دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، وكعادتها من أول امبارح وهي مش بتعمل حاجة إلا إنها كل شوية تمسك التليفون وترن على ياسر. والمرة دي فضلت ترن مرة ورا مرة ورا مرة من غير كلل أو ملل.
ياسر شايف التليفون ومش عارف يرد، ولا عارف يعمل إيه، خصوصاً إن مرات عمه شخصية طيبة وعلى نياتها، ومبتعرفش تخبي. والأكيد إن حور لو عرفت إنه عارف، هتتأكد إنه هو اللي ورا اللي حصل، زي ما هو واثق إنها ورا اللي حصل في ضرب جبل. وللأسف أيقن إن مرات عمه مش هاتحل عنه. قفل التليفون خالص عشان يريح دماغه. هدي اتأكدت إن ياسر عرف حاجة ومخبيه. هدي بقلق: ماشي يا ابن نعيمة، بقى كده طيب، اصطبر بقى على رزقك.
طلعت عبايتها ولبست حجابها وخدت البوك في إيدها وطلعت. هدي بصوت عالي: بت يا حور، أنا طالعة، هاتعوزي حاجة؟ حور أخيراً انتبهت لأمها: بتقولي حاجة يا أما؟ هدي بـكـزة سنان: بقولك أنا طالعة، هاتعوزي حاجة؟ حور بإستغراب وكـشـة حواجب: رايحة فين السعادي؟ لو عايزة حاجة هاللبس أنا وأنزل أجيبها. هدي بعصبية: فيه إيه يا بت، إنتِ بتحاسبيني ولا بتحاسبيني؟ ولا أكونش مستنية الإذن من جنابك السامي. حور بـتـبـرقة عـينـين
من عصبية أمها الغير مبرر: مش القصد يا أما، أصلك مبتطلعيش أصلاً عشان تطلعي السعادي، فبأسأل مش أكتر. هدي: رايحة مشوار السوق، صد رد، عايزة أشوف حاجة. حور بعدم اقتناع: السوق؟ غريبة، طول عمرك مبتحبيش تروحي السوق، حتى أيام أبويا الله يرحمه. هدي بـعـوجـة بـوق: زهقت، طـقـت كمـكـمـت من قعدة البيت، قولت أمشي رجليا، كفرت ولا كفرت يعني؟ حور بصدمة: لا ده ولا ده، براحتك، طيب تحبي أجي أوصلك بالعربية؟
هدي بحسم: لاء، عايزة أمشي رجليا تفك شوية، يلا فوتك بعافية. ونزلت اتمشت شوية لحد أول الحارة ووقفت تتلفت حواليها، وشافت محل همام وهو كومة فحم. هدي بـآسـى: لا حول الله يارب، اللطف بعبادك يارب. وشاورت لتوكتوك وركبت وقالتله المكان. دقايق وكانت وصلت المكان المطلوب، دخلت وهي عينيها بتتلفت حواليها. عابد شاف هدي قدام المحل، قام بسرعة وبترحاب: أم حور، يا خطوة عزيزة، يا ألف أهلا وسهلا. هدي بتوتر: الله يعز مقدارك يا أبو ياسر.
عابد: خير، إيه اللي جايبك هنا السعادي؟ إنتوا بخير وحور بخيره؟ هدي بهزة راس: لاء، كلينا بخير، نحمد الله، أنا بس كنت عايزة ياسر بس، هأسأله على حاجة. عابد بشك: ياسر؟ هدي وهي بتبلع ريقها بصعوبة: أيوه، بس كنت عايزة أسأله على حاجة كده يعني. عابد: تؤمري، اقعدي ارتاحي، وشاور على كرسي. قعدت عليه هدي اللي حست إن رجليها مش شيلاها. عابد اتحرك من مكانه كام خطوة وزهق بصوت عالي: ياسر يا يااااسر. ياسر كان واقف
مع العمال وجه على ملا وشه: خير يا حاج، فيه إيه؟ عابد بغموض: فيه ناس عايزينك. ياسر: ماشي يا حاج، تعالي معايا. مشي الاتنين كام خطوة وياسر اتصدم لما لقى اللي قدامه مرات عمه. بلع ريقه بصعوبة: ازيك يا مرات عمي؟ هدي بغضب مكتوم: الله يسلمك يا ياسر، عايزة إياك بس في كلمتين. ياسر بص لابوه اللي عينه متشالتش من عليه، ورجع بص لها بـكـزة سنان: من عيني يا مرات عمي، اتفضلي، وشاور بإيده على بره المحل.
عابد بسرعة: ادخل المكتب جوه، أفضل من كلام الشارع. ياسر بص لابوه بسخرية لأنه عارف إن المكتب فيه كاميرات مراقبة: لالا يا حاج، أنا هاشوف مرات عمي وجاي وراك على طول، خلي بس عينك على العمال عشان بيعملوا جرد، عشان البضاعة الناقصة نبعت نجيبها من المخزن. عابد بص لابنه بشك ولكن ما باليد حيلة، هز رأسه من سكات واتحرك من قدامهم. مشي ياسر وهدي وراه لحد ما طلع من المحل. فتح العربية: اركبي يا أم حور.
هدي بجدية: مش لازم يعني، أنا جايه في كلمتين ورد غطاهم، عمالة أتصل بيك ع المدعوق اللي في إيدك مبتردش عليا، جرا إيه يا ابن عابد؟ ياسر بتنهيدة: وعشان أنا عارف إنك جايه تتكلمي في الحوار ده، بقولك أهو، الكلام مينفعش في الشارع، الحيطان ليها أذان، ولو كنتي صبرتي لحد بالليل، كنت أنا هاتصل بيكي. هدي بـشـخـطـة: اخلص ياض، بلاش تلف وتدور زي الحنش عليا.
ياسر بقلة حيلة: طيب يلا يا أم حور، اركبي، الله لا يسئك، فرجتي عليا أمه لا إله إلا الله، اركبي، وكتاب الله الكلام اللي هايتقال ما ينفع في الشارع، وخصوصاً لو كان معاكي إنتي بالذات. هدي حست بالقلق من كلامه وحست إن اللي جاي مش سهل ولا هايعدي بالساهل. حسمت أمرها وركبت ورا، شغل العربية واتحرك من مكانه بسرعة. دقايق وكان وصل المقابر. هدي نزلت وهي بتتلفت حواليها بإستغراب: إنت جايبنا هنا ليه في الوقت ده؟
ياسر بتنهيدة: مفيش للأسف مكان أأمن من هنا، وكمان أضمن إن محدش يسمعنا ولا يشك في مجينا هنا. هدي بقلة حيلة دخلت معاه. (( السلام عليكم أهل قوم من المسلمين والمؤمنين، أنتم السابقون ونحن بكم إن شاء الله لاحقون، نسأل الله لنا ولكم الرحمة والمغفرة ) واتحركت بخطوات ضعيفة لمقبرة جوزها، قرأت الفاتحة ودعتله هي وياسر. اتحرك ياسر كام خطوة بيعد عن القبر واتلفت حواليه شوية، اتأكد من خلو المكان. هدي
اطمنت إن مفيش حد سامعهم: ها بقى بتهرب ليه يا ابن عابد؟ ياسر بقلة حيلة: كنت عايز أفرحك إني جبت تارك وتار بنتك. هدي بعدم فهم: إيه اللي حصل من غير لف ولا دوران، تعالي دغري. ياسر بجدية: الكلب اللي كان متجوز حور يوم ما جاتلك متبهدلة، اتهجم عليها وكان عايز يعمل عملته الوسخة، ويونس لحقها، وبنتك عملت معاه الصح وزيادة. هدي خبطت على
صدرها بخوف وعيون مبرقة: يالهوووي يا مصيبتي، مش هايسيبها في حالها، اللي ينخفي من الدنيا ابن ثريا. وكملت بهذيان: طب والحل؟ الواد ممكن يشوه عليها في الحارة ويحكي اللي جرا، وتبقى سيرتنا لبانه في حنك اللي يسوى وميسواش، يتشدق بيه. وتـهـدت وبصت لياسر بعيون مـرغـيـة بالدموع اللي خانتها ونزلت زي المطر: دانا ممكن أموت فيها. وقربت بوجع من
قبر عامر وترمت قدام بابه: قوم يا سندي، قوم يا عامر، شوف اللي جرالنا من بعدك، الدنيا عماله تنهش فينا، قوم الحقنا يا عامر. وفضلت تخبط على باب القبر بجنون. ياسر بوجع وغـلـة دموع لمعت في عينيه بس قدر يمنع نزولها: قومي يا أم حور، حرام عليكي تقلقي نومته. هدي بوجع: يعني هو مش حاسس باللي بيجرالنا؟ مش شايف؟ ياسر بشدة: حق بنتك جه، متني ومتلت، ولو فكر بس يتكلم، ورحمة عامر في قبره وشاهد أهو على كلامي، لكون حاطه في قبره.
هو أصلاً راقد متكسر في المستشفى. هدي ببعض الأمل بصتله ومسحت دموعها بكم العباية: إزاي؟ هي حور عملت فيه إيه؟ سكنه المستشفى؟ ياسر: مش حور، أنا اللي كريت ناس، دقوا عظمه في لحمه. هدي بإبتسامة: برواه عليك ياض، بردت ناري. ياسر: ومش بس كده، لاء، بعت اللي يحرق قلبهم على المحل. والله لفضل وراه لحد ما أخليهم يطفشون من الحارة زي النسوان. هدي بزعل: ليه كده يا ابني؟ تكسره تموته، هو يستاهل، بس قطع العيش لاء والف لاء يا ابني.
ده بيقولك قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق. كام بيت كان مفتوح من وراه، حرام يا ابني. أنا صحيح بعد عملتهم لا بطيقهم ولا بطيق سيرتهم، بس لحد كده. ولا يا ابني ياريتك كنت شورتني قبل ما تعمل كده. ياسر: خلاص يا مرات عم، اللي حصل حصل. ومن جه ابن الـ... ولا بلاش، هايفكر مليون مرة قبل ما يجيب سيرة حور على لسانه، ولا حتى بينه وبين نفسه مرة تاني.
يلا انفضي هدومك عشان أوصلك، وحسك عينك تجيبي سيرة لحور على معرفتي، ولا حتى بمعرفتك باللي جرا. إنتي أدرى الناس ببنتك. هدي هزت رأسها بموافقة لكلامه وقامت ونفضت هدومها ومشيت معاه من سكات معاه. رجعت البيت، حور كانت قاعدة على نار. حور بإستغراب: أما؟ هدي بصت لها وعنيها كلها وجع وبصوت مبحوح: أيوه يا ضنايا. حور بلهفة من شكل أمها: مالك يا أما؟ فيكي إيه؟ قلبي كلني عليكي. هدي بإبتسامة وجع: سلامة قلبك، أنا زي الفل أهو.
حور بـكـشـة حواجب واستغراب: مالك يا أما؟ كنتي فين كده وجاية هدومك متربة وعنيكي مورمة من العياط. هدي: مفيش، أبوكي وحشني، روحتله، وشكل هدومي شالت من التراب هناك. حور بقبضة قلب: مالك يا أما؟ فيكي إيه؟ هدي بحرقة: مفيش يا بنتي، والله أبوكي كان واحشني، قولت أروح أزوره، أديني ياما مزرتهوش. حور: طيب كنتي قولتيلي، كنت روحت معاك، إنتي بتخافي تدخلي الترب لوحدك. هدي بحنان أمومي: متخافيش يا ضنايا، معايا ربنا.
خليني بس أدخل أريح جتتي وأرتاح شوية. حور بقلق: ماشي يا أما، ريحي، وأنا هاجهز الأكل، أنا النهارده. هدي هزت رأسها ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح، وطلعت هدوم عامر وآخر جلابية كان لابسها قبل ما يموت، طلعتها من كيسها وحضنتها وفضلت تبكي بحرقة، وكأن الوجع اللي جواها بترمي في حضن حبيبها، لحد ما تعبت ونامت بنفس هدومها وهي حاضنة هدومه.
حور فضلت واقفة مكانها وعينيها على باب أوضة أمها، وقلبها واكلها عليه ونسيت كل حاجة من قلقها. فضلت واقفة شوية وعينيها متحركتش من على الباب. وأخيراً واتحركت على المطبخ وبدأت تعمل روتين أمها اليومي بعقل شارد والف حوار وحوار في دماغها، وكل همها وشغلها الشاغل إن أمها ممكن تكون عرفت حاجة، وده اللي وصلها للحالة دي. مر الوقت وهي مش حاسة بأي حاجة غير أمها وحالتها ووضعها.
وأخيراً خلصت ومر الوقت وحور قاعدة على الكنبة اللي في وش أوضة أمها ومتحركتش من عينيها، وعنيها على الباب. كل شوية تقوم تقرر تهبط وترجع في آخر لحظة تاني. لحد ما أخيراً صحيت أمها على أذان العشاء. حور أول ما شافت الباب بيتفتح، أخدت نفس طويل كأن غريق في بحر ووصل البر بأمان. حور جريت على أمها بلهفة: إيه يا هدهد الجناين، نايمة نومة أهل الكهف من صباحية ربك. هدي بإبتسامة: يابت لسانك ده إيه؟ بينقط مازوت؟
تدلعي مرة وتـعـكـي ألف مرة. حور بغمزة: أيوتها خدمة يا معلمة، عشان تعرفي بس إننا كفاءة. هدي بضحك: الله يحظك يا دي البت. حور بهدوء: طيب يلا فوقي كده واغسلي وشك على ما أسخن وأغرف. هدي بـشـهـقـة: لاهو انتي دخلتي المطبخ وطبختي؟ حور بهزة راس: إينعم. هدي وهي بتجري: مطبخي؟ دخلت؟ بسرعة؟ يالهوووي عملتي إيه في المطبخ؟ دانتي شـنـدلـتي حاله وجبتيه عاليه واطيه، منك لله. حور بـزغـرة عـينـين: تصدقي بالله؟
أنا أستاهل ضرب الشبشب إني تعبت روحي أصلاً ووقفت أطبخ. هدي وهي ناقصة العياط: ده أنا اللي مني لله إني سبتك تدخلي مطبخي، اطلعي يا بت، فورتي دمي. حور بإبتسامة وراحة إنها قدرت تخرج أمها من الحالة اللي هي فيها، طلعت تجري من قدامها زي العيلة الصغيرة. هدي هزت رأسها بـآسـى من عمايل بنتها، اللي واثقة ومتأكده إنها عملت كده عشان تضحكها وتضحك عليها. هدي بإبتسامة صافية طالعة من القلب: ربنا يحميكي يا بنتي ويكفيكي شر أولاد الحرام.
دانتي الحاجة الحلوة اللي مصبراني على هم الأيام، في عز تعبي ووجعي بتيجي على روحك عشاني، بنت أبوكي بجد، الله يرحمك يا غالي، اللي خلف مماتش. كنت تكتم وجعك جواك وتيجي تطل في وشي وضحكتك مرسومة رسم. فاقت من شرودها وبدأت تحول الأطباق على بره. حور ساعدت أمها وقعدوا ياكلوا. حور بإستغراب: أما. هدي وهي تاكل: اممم. حور: هو ليه دايماً لما كنا بناكل أنا وإنتي وأبويا الله يرحمه، دايماً تحطي الأكل كله في طبق واحد ونقعد على الطبلية؟
ولما ييجي ضيوف تحطي لكل واحد في طبق وتحطي على السفرة. هدي بإبتسامة بسيطة: عشان إيدك تتعود تشارك الأكل مع غيرك، متقرفيش، تكون نفسك حلوة. اللقمة لما تتقسم من طبق واحد ليها طعم مختلف، تحسي إن ليها حلاوة غير أما قعدة الطبلية فالأرض منها وإليها نعود، وتخليكي تحسي كده بالونس والدفا واحنا قاعدين جنب بعض. أنا الضيوف، فداه غريب، ليه واجب على أكمل وجه، مينفعش يمشي باللي تحبيه، تمشي بالأصول، لأنك متعرفيش طبعه.
حور بصت لأمها بلمعة عين: عارفة يا أما، إنتي فيكي كتير من طبع أبويا الله يرحمه. هدي بإبتسامة: عامر، ألف رحمة ونور تنزل عليك يا غالي. خدني وأنا عيلة بضفاير، شوفت الدنيا بعنيه وعرفت واتعلمت على إيديه، كان عقله يوزن بلد، كان حلوووو ونفسه حلوووه. آه يا عشرتي الحلوة اللي استكترتها الأيام عليا يا غالي. حور بـآسـى: الله يرحمه. وكملوا أكل من سكات. ***
وصل همام وقفل العربية بسرعة ونزل يجري وهو مش حاسس بالأرض من تحت رجليه، ومع كل خطوة يدعي ربنا بأمل وحرقة. *** مر اليوم بحلوه ومرة، وصبح يوم جديد. حور قامت من نومها حاسمة أمرها لله وطلعت بعد ما غيرت هدومها، وصلت فرضها، لقيت أمها بتبص الفطار. حور بإبتسامة: صباحوا فل يا هدهد الجناين. هدي بهزة راس: مفيش فايدة فيكي. حور بـتـرقـصـة حواجب: لو مش عاجبك طلقني. هدي بضحك: الله يحظك يا دي البت.
وبصت لحور بإستغراب لابسة كده ورايحة فين. حور: هاروح الورشة. هدي بخوف من اللي سمعته امبارح: طيب متريحي جتتك كام يوم تكوني طبتي شوية. حور: لاء، متقلقيش عليا، أنا زي الفل وصحتي بمب، وميتخافش عليا. كملت بقوة: بنتك يتخاف منها. هدي بقلة حيلة: طيب ربنا معاكي، شقي ريقك كده بلقمة، متروحيش على ريق النوم كده. حور: معلش والله ما هالحق، يادوب ألحق طريقي في الورشة، هابعت أجيب أكل. هدي: يابني هو أكل الشارع ده يشبع ولا يقوت؟
وكمان منيش عارفة هو معمول كيف وإزاي؟ الواحد بيبقى متـوغـوش منه. حور بإبتسامة: يا أما ربنا بيحلي لكل واحد رزقه وزاده، ودي نفس، وإنتي دايماً تقولي النفس الحلوة ليها الجنة. يلا بقى، فوتك بعافية. هدي بقلة حيلة: الله يعافيكي يا ضنايا. طلعت حور وشغلت عربيتها وطول الطريق للورشة وعقلها موقفش عن التفكير في حاله أمها امبارح. حور بشرود: يا تري فيكي إيه يا أما؟
اللي بيكي مش هين يخليكي تروحي الترب في عز النهار وهي مفيهاش صريخ ابن يومين. يا تري عرفتي حاجة ولا إيه اللي جرا؟ عقلي هايشت مني. آه يا ناري لو أعرف بس، كنت ارتاحت. فضلت تهري في نفسها لحد ما وصلت، نزلت وركنت العربية ودخلت تشوف شغلها. مر الوقت وسمعت صوت معروف صاحبها كويس أوووي. حور رفعت رأسها وبجمود: أهلاً يا بشمهندس. اتفضل. يونس دخل بهدوء: ممكن كلمتين من فضلك. حور بهزة راس شاورتله على المكتب، لأنها واثقة هو جاي ليه.
طلعت المكتب وفتحت ودخلت ووراها يونس. قعدت على المكتب: اتفضل يا بشمهندس، اؤمر. يونس بهدوء شديد: أخبارك إيه دلوقتي؟ أتمنى تكوني بخير. حور بهزة راس: متقلقش، أنا زي الفل، ورفعت رأسها بكبرياء: أنا يتخاف مني مش عليا. يونس بإبتسامة: لاء، منا شوفت، لو مكنتش سلكته من إيدك، كان زمانه في خبر كان. حور بحدة: اؤمر يا بشمهندس. يونس اتنحنح: كنت عايز الجاكيت، كمل بمكر: لو طبعاً مش محتاجاه.
حور بتذكر: ااااه تمام، أنا كنت نسيته، تمام، تقدر تعدي بكرة عليا، هاجيبه معايا وأنا جايه. يونس بمكر: بكرة صعب أقدر أجاي، ممكن لو مفيهاش تعب تجيبيه الموقع أو عند الشلال، أو أقرب مكان ليه، لأن فيه في جيبه من جوه ورق مهم جداً، محتاجاه ضروري في الشغل. حور بإستغراب: ممكن تبعت حد تبعك ياخده؟ يونس: للأسف مفيش حد أثق فيه غير مازن، وهو حالياً في القاهرة كام يوم بيخلص أوراق مهمة هناك. حور بتفكير: إن شاء الله، هاشوف، وأبلغك.
يونس: تمام، بس بالله عليكي متتأخريش، لأن الورق ده مهم جداً جداً. حور بهزة راس واستغراب: اه تمام، تمام. يونس قام بهيبته المعتادة: طيب، استأذن أنا. حور بنظرة غموض: إذنك معاك. مشى يونس وحور مستغربة: الله، ده حتى ده مسألش في حاجة غير عليا، معقول يكون صدق الكلام اللي سمعه؟ حور بهزة راس وكأنها بتنفضه من التفكير فيه: لالا، لو كان صدق مكانش جه لحد هنا بنفسه، كان ممكن يبعت حد مكانه.
طيب، مهو بيقول الورق مهم، غمضت عينيها بـآسـى ونفخت بصوت عالي: أوووووف، وبعدين بقى. قطع تفكيرها باب المكتب اللي اتفتح بعنف واتقفل بحده، وسـكـعـة صدى صوتها سمع لآخر الورشة. حور بصت قدامها بصدمة: انتا خييير؟ ترى مين اللي جه لحور؟ ترى إيه اللي ناوي عليه يونس؟ ترى إيه اللي حصل وهمام كان بيعيط ليه؟ يتبع.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!