الفصل 34 | من 60 فصل

رواية تربية حواري الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ولاء حامد

المشاهدات
22
كلمة
3,715
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

حور روحت وفي طريقها وصلت البنات، كل واحدة راحت لبيتها. اتأكدت إن كل واحدة دخلت بيتها، واتحركت لبيتها مع أمها. أخيرًا وصلت، كان الوقت نص الليل. حور بتعب: يا الله! على قد ما كان يوم جميل، بس تهد من امبارح لحد دلوقتي. الواحد فصل شحن. يلا يا أمي خلينا ندخل الحاجات دي ونفرش جدتنا شوية، أحسن أنا حاسة إن عضمي عدي عليه قطر. هدي: والمواعين دي كلها هنسيبها كده؟

حور بإرهاق: الصباح رباح يا أمي. مش هاياكلها كلب لو باتت للصبح. أنا هاموت وأنام. مش قادرة حتى أفرد إيدي عشان أقعد كام ساعة أغسل تل المواعين ده كله وأروق البيت اللي عايز معجزة. ننام ونريح جدتنا، والصبح نقوم نعمل اللي ورانا. هدي بعدم اقتناع: مش هعرف أنام والبيت يضرب يقولي: "يا بت ربنا يكفيكي شر كفّي المواعين، روحي نامي ومالكيش صالح بيه".

حور بتعب من المناهدة: يا أمي الله يرضى عليكي، أنا عارفة دماغك. بس بالله عليكي يا شيخة، مرة من نفسي تريحيني بدل وجع القلب ده. هدي بنظرة تفكير وبتقلب الموضوع في دماغها. حور: طيب خلينا ندخل الحاجات وندخل بدل وقفتنا في الشارع كده. قبل ما ترد هدي، كان صوت ياسر سبق: خير يا مرات عم، واقفين ليه كده قدام الباب؟ مدخلتش لحد دلوقتي؟ هدي

بهزة راس وابتسامة بسيطة: ولا حاجة يا ضنايا، دانا كنت لسه هانزل الحاجات مع حور ندخلها عشان نشوف اللي ورانا. ياسر بعدم فهم: إيه اللي وراكم؟ الكل روح مكسح من التعب وما يصدق يطول السرير. حور بصت لأمها برفعة حاجب، وكأنها بتقولها: "صدقتي معايا". هدي ودت وشها الناحية التانية وسكتت. ياسر بص للاثنين: طيب يلا ادخلوا، وأنا هدخل الحاجات المدخل عشان الوقت. آخر وقفتكم كده متصحش. يلا، الدنيا عتمت من بدري.

دخلت حور ووراها أمها، ودخل ياسر الشنط ومشي. حور: يلا يا أمي ندخل الشنط دي المطبخ وندخل نستحمى من ميه البحر ونفرد جدتنا شوية. إلا جسمي بينقح عليا من التعب. هدي قعدت على الكنبة: بس والنبي كان يوم حلو. وأهو يوم كل كام سنة، يا عالم بقى باللي جاي. حور بهزة راس وضمة شفايف: اممم. هو من ناحية حلو، حلو مفيش كلام. واللمة والهيصة، بس التعب جامد أوي. هريه وهده.

هدي: عندك حق، بس شوية الهوا اللي يردوا الروح دول غسلوا الواحد من كل التعب. وميه البحر تحسي كده إنها بتفك عضمك من التعب. حور بابتسامة: طيب يلا نريح بقى، لحسن أنا هنام مكاني وأنا واقفة. هدي: طيب يلا خلينا ننفض الملح اللي على جدة الواحدة دي، يا أختي. عمال ياكل زي الفاش.

دخلت حور أوضتها وطلعت غيار ودخلت استحمت. وأول ما حطت راسها على المخدة، فكرت إنها هاتروح في النوم. ولكن سلطان النوم أبعد ما يكون عنها، وأحداث الكلام مع ياسر كلها بتدور في دماغها زي شريط الكاسيت. حور بسرحان: وبعدين المستور بدأ يتكشف يوم بعد يوم. ياترى هايتستر بين اللي يعرفوه بس، ولا هايتقل على البطون وتنفض اللي في جوفها في يوم؟

وبعدهالك يا ابن ثريا، شكلك مش هاتجيبها لبر. عيونها دمعت ونزلت الدموع زي ميه النار تكوي على وشها. وبعدين يا بنت عامر، عمرك لا كنتي ضعيفة ولا جبانة، ولا عمرك استخبيتي وداريتي. امتى ضعفتي كده؟ ليه سمحتي لكلب زي ده يكسر عينك؟

دانتي قويتي في عز ضعفك ووقفتي على رجلك وقولتي "لا". مقبلتيش بالكسرة وإنك تتجوزي وإنتي عينك مكسورة. طول عمرك رافعة راسك ومنخيرك في السما. يابنت عامر، وقفتي في عز ضعفك وسدّيتي مكان أبوكي بألف راجل أقوى. وأوعي تضعفي والموضوع ده مات، اتدفن وخدتي العزاء فيه. ولو اتفتح تاني يبقى فتح على نفسه نار جهنم اللي هاتحرقه هو وأهله. أيوه، ارجعي حور القوية، حور القادرة. حور الضعيفة دي مش توبك ولا وئمك ولا مقامك.

خلصت كلامها مع روحها وغمضت عينيها براحة شديدة، وسحبها سلطان النوم على بساطة. *** أما هدهد الجناين، بعد ما استحمت، اطلعت وبصت على بنتها. لقتها نايمة. قفلت الباب بالراحة وطلعت على المطبخ. هدي: استعنا على الشقا بالله، يا معين يا رب.

بدأت ترتب المواعين: الحلل فوق بعضها، والأطباق فوق بعضها، والصواني فوق بعضها، والكوبيات والمعالق. وبدأت تغسل المواعين اللي خدت منها ساعات. ورجعت رصت كل حاجة في مكانها. وبدأت تغسل البوتاجاز وحيطان المطبخ والأرضية. خلصت وأذان الفجر بينادي بنداء الرحمن. قامت وغيرت هدومها، وصلت فرضها. ومع كل ركعة تدعي لحور براحة البال والزوج الصالح اللي يقبلها ويكون ضهر وسند ليها. وسلمت وحست براحة شديدة ودخلت نامت قريرة العين. ***

ياسر وصل بيته وهو همومه زايدة فوق كتافه. كانت نعمة في انتظاره. ياسر بهدوء: مساء الخير يا أمي. نعمة بعصبية: ومنين ييجي الخير، وانتا عامل خدك مداس تحت جزمة بنت هدي، عمالة تدوس عليه وتفعص. يا ابن عابد. ياسر: حيلك حيلك يا أمي، في إيه؟ للموشح ده كله؟ نعمة بزعيق: بتسألني يا ابن بطني، مانتش عارف اللي جرا؟ سايب بيتك وحالك ومالك ومشاغلك، وطالع تجري ورا السنيورة تحميها وعاملها زي الغفير الأجري؟ منين ما تروح تروح تحروسها.

ياسر بنظرة حادة ومترقبة: وماله يا أمي؟ ماهي بنت عمي، يعني لحمي ودمي. وإنتي بذات نفسك كنتي في يوم من الأيام عايزاني أتجوزها، واقنعتي أبويا إنك يتجوز مرات عمي. يبقى إيه اللي جد وقلبك قلبه اللي لا عالبال ولا عالخاطر؟ ماهو الموضوع كده فيه إنا. نعمة بتردد وخوف من شك ياسر اللي باين في كلامه، ومن تصرفات عابد اللي ليها فترة مش مظبوطة معاها،

قالت أول حاجة جت في بالها: "ولا إنا ولا نونا يا عين أمك، كان زمان يا ابن عابد، وقول الزمان ارجع يا زمان". وكملت ببجاحة: كان قبل ما تنيمني في التخشيبة وتدخلني الكركون وتفتح قرنك وتبهدلني وتبهدلكم، قبل ما تنصب على أبوك وتسرق شقايا ونور عنيا. عرفت من إمتى؟ ياسر بخبث: ومين اللي زن من البداية؟ أبويا؟

وكان حاطط إيده على كل الورث، وعمي عمره ما قال بم، ولا ليا ولا ليك. إنتي اللي نارك قامت بشرارك بعد موت عمي الله يرحمه، وفضلت تزني على نفوخنا عشان المال. وكأني وماني، يبقى متجيش تقولي عملت وسوت. إنتي عملتي الأسوأ. إنتي خدتي بيتها وشغلتيها هي وبنتها خدامين، حتى فرشتها خدتيها تنامي فيها. وداه لا كان يصح ولا ينفع. ولو كانت عملتلنا قعدة عرب، كنا ركبنا حق وكعّينا دم قلبنا، الطاق عشره.

نعمة بصراخ: ومشفتش غليلي من بنت الرفدي دي! وكملت بصراخ أعلى أشبه بالجعير: إيه عينتكم إفوكاتوا عنها؟

بنت هدي عمالين تحاملولها وتشموا وتلموا فيها، إنت وأبوك. فوق يا ابن بطني، فوق وبص لروحك في المراية على الغرز اللي لسه معلمة فيه من مرا فوق، وافتكر كسرتي أنا وإنت وأبوك لما دخلتونا القسم وبهدلتنا، وبوسات إيديها عشان تتنازل. لو نسيت، أفكرك. أصلي منسيتش ولا هانسى. ويمين مرا ما يمين راجل، ما فوتها في حالها إلا لما أكسرها وأجيب رأسها تحت رجلي، ولو كانت آخر حاجة أعملها في عمري، إني أشوف هدي وبنتها مذلولين.

ياسر بصدمة: إيه الشر اللي مالي قلبك ده كله؟ ليه عملولك إيه؟ وأوعي تقولي ورث، لأنك أدرى الناس إنهم اللي كان ليهم حق. وبرضه، أوصي تقولي عشان القسم واللي جرا، لأن الغلط بدأ من عندنا، يبقى إيه؟ نعمة بوجع: شر ده كره. دانا بدعي أشوف كل الوحش اللي في الدنيا يصيبها هي وبنتها، بحق كل وحش عملته فيا. ياسر بعنين مبرقة: ليه؟ لييييه؟ عملت إيه لداه كله؟ رسيني عشان أبقى على نور، مش ماشي على عمايا في الضلمة. اضبط. نعمة بصت وسكتت.

عابد قام من النوم وطلع على صوت الزعيق اللي خرم ودنه، وبصوت عالي: إيييه؟ في إيييه؟ صوتك عامل زي سرينة الإسعاف، جايب آخر الشارع في أنصاص الليالي. ياسر: مفيش يا حاج، أمي كانت قلقانة لما اتأخرت بره بس وسهرت تطمن عليا. عابد بهزة راس: ماشي يا ابني، حمد الله على السلامة. يلا ادخل اتشطف من ملح البحر، لا يهري جدتك وأفرد طولك عالسرير شوية. ياسر هز رأسه من سكات وسابهم ودخل أوضته.

عابد اتلفت لنعمة بشر: عارفة يا بنت الدلالة، يمين يحاسبني عليه ربي يوم اللقا العظيم، يوم ما تمسي حريم المرحوم أخويا بسوء، لخفيكي من على وش الأرض. وغلك اللي جواكي هو اللي هايموتك. هايفضل السم يكبر ويكبر لحد ما يسم بدنك ويريح الناس من شرك. أنا صاحي من بدري، وكل اللي طرطشة حنكك سمعته وخرم سرسور ودني. خليكي فاكرة، أنا في الأذية، إبليس يضربلي تعظيم سلام. كني وعيشي عشان ابنك الراجل اللي مبقيني عليكي، وإلا من مكان مجبتك أرجعك، وبطولك وبالهدومة اللي عليكي. خليكي فاكرة الكلمتين دول، وحطيهم زي الحلقة في ودنك، عشان متنيش وأعيدهم. لآني لو عدتهم، هاعيدهم فعل مش قول.

وسابها واقفة تغلي ودخل أوضة ينام، ولا كان شي حصل، ولا كان قعدت نعمة مكانها على الكنبة وهي عمالة تغلي وتهري في روحها، وتحلف وتتحالف بالأذية لهدي وبنتها. *** صبح الصباح، فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم، ارزقنا خيره، ويكفينا شر النهار وما يأتي فيه. قامت حور من النوم وهي بتردد الكلمة اللي دايما تسمعها من أمها، وقبلها أبوها الله يرحمه، وبصوت مسموع ولكن مش عالي: "يا أمي يا هدي، إنتي لسه نايمة؟ " وبتأول وراكي وراكي.

بصت يمين وشمال، مسمعتش صوت أمها. "امممم، شكلها لسه نايمة. مهو ليها حق الصراحة، دي واخدة يومين فحت وردم. أدخل أنا أشطب شوية مواعين قبل ما تقوم." دخلت المطبخ، وكانت الصدمة. خبطت على صدرها بشهقة: "هاااا! يالهوي! عملتيها يا هدي؟ برضه مفيش فايدة فيكي. في جدتك نار قايدة. لو بيتي طبق في الحوض، دي الولية اتكسحت من أكوام المواعين اللي كانت معانا. يالا الحمد لله نفدت منها." وطلعت الصالة،

بصت على الساعة: "امممم، لسه بدري، دي الساعة مجاتش عشرة. أتوكل على الورشة، أطل عليها وأشوف اللي ورايا." وفعلاً دخلت أوضتها وغيرت هدومها بسرعة، وطلعت خدت مفاتيح العربية في طريقها للورشة. ولكن افتكرت حاجة في طريقها خلتها حادت من طريقها. *** يونس في شقته معاه مازن، قاعدين ساكتين. مازن بمرح: وحدووووو! يونس بشبه ابتسامة: لا إله إلا الله. مازن: محمد رسول الله. إيه؟ هانفضل قاعدين نبص على بعض كده كتير؟ إيه نويت على إيه؟

طول الليل تتقلب زي اللي نايم على شوك، وعينك ماشفتش النوم. يونس: بفكر. مازن بتعقل: في حور بردوا؟

يونس بهزة راس: آه، حور لغز كبير أوي. عاملة زي المتاهة اللي دخلتها ومش عارفة أخرج منها. كل ما أقول قربت، ألاقي نفسي ببعد أكتر. ولسه بدري جواها، وحياتها لغز كبير مستخبي جواها. محدش عارفه. جواها طريقة كلامها مع ابن عمها إمبارح، بتقول إنها بتتكلم في حاجة كبيرة وحاجة مهمة. عرفت إن من كام يوم إن طليقها اتعرض ليها، وابن عمها شد معاه. في لغز ولغز كبير أوي في حوار طلاقها. الواضح إنه ندمان، وهي باين إنها كارهه. تفسره بإيه؟

مازن بتفكير: ممكن يكون عمل حاجة كبيرة، والأكيد إنه هو اللي غلطان، وإلا ما كانش يلاحقها في كل مكان يخطب ودها ويراضيها. يونس بإنصات وتفكير: فعلاً، بس إيه هي الحاجة دي؟ مازن: الإجابة عندها، أو عنده على ما أظن. ابن عمها ممكن يكون عارف السبب بردوا، والدليل إنك بتقول إنه اتخانق معاه عشانها. يونس بتروي: هيبان كل شيئ، وليه أوان لسه أوانه مجاش. مازن: طيب، وإنت ناوي على إيه الفترة اللي جاية؟ يونس بابتسامة جانبية وبصة وسكت. ***

عند ياسر، دخل أوضته ودماغه عاملة زي زحمة السوق. من ناحية كلام هدي بيتردد في ودانه، ومن ناحية كلام حور ورفضها القاطع لطلبه، بالرغم من إنه وضح لها وشرح لها موقفه. ومن ناحية كلام أمه وكرهها الغير معروف سببه لمرات عمّه وبنته. الموضوع مش موضوع مال، الموضوع أكبر من كده بكتير أوي. بس إيه هي الحكاية؟

هايتجنن ويفهم. ومن ناحية موقف أبوه اللي اتغير من الشرق للغرب ناحية بيت عمّه. ومن ناحية خوف اللي اتملك قلبه إن جبل زي ما نطق وبجح فيه، يقدر يتكلم ويفضح حور، وهو مش هايسمح لداه إنه يحصل أبداً، حتى لو حكمت إنه يقطع لسانه مدى الحياة ويعيش آخرس. غمض عينيه بتعب وهو عمال يهزها، بيحاول يطرد كل الأفكار اللي بتدور في دماغه. حس بصداع رهيب. قام منطور وطلع من أوضته. كانت أمه لسه قاعدة مكانها، ومنظرها يغني عن أي كلام. موجهلهاش أي كلمة. واتحرك يفتح الباب، بس هي لمحته.

نعمة بسرعة: رايح فين؟ أكي، رايح للي ما تتسمى صح؟ طالع تتسحب ورايح في أنصاص الليالي ليها تتذللها صح؟ ياسر غمض عينيه وفتحها بصعوبة من الصداع اللي هايفرتكها: لاء، مش صح خالص، لأنه مش من الأصول أروح لولاي بيتها أنصاص الليالي زي ما بتقولي، ولا إيه؟ نعمة: أومال رايح فين؟ ياسر بصبر يحسد عليه: لو بغيتي هتلاقيني بهدوم البيت، وأنا مبطلعش بيها بره البيت. طالع غيه الحمام بتاعتي.

نعمة: دلوقتي طالع المخروبة دي، أنصاص الليالي في العتمة والدنيا كحلي. ياسر خد نفس طويل وطلعه بصعوبة مرة واحدة: هانور النور، أمي، مش هاطلع أضبط. وسابها واقفة مكانها وطلع قعد في تاني أكتر مكان بيرتاح فيه، ومع تاني كائن حي بيرتاح معاه. لأن أولهم بيت ربنا اللي عوده عليه عمّه عامر الله يرحمه، وأول كائن حي كان بيرتاح معاه هو برضه عمّه عامر الله يرحمه. فضل قاعد ساكت وواقف يبص للحمام بهدوء. اتنفض لما حس بإيد بتبطبط على كتفه.

عابد: أهدا، ده أنا. ياسر: غريبة! فكرتك نمت بعد الخناقة. عابد قعد جمبه وهز راسه: لا، كنت صاحي وحسيت بيك. قولت اطلع وأسألك مالك؟ إيه اللي صابك؟ ياسر بتعب: ولا حاجة. محتاج أفهم. حاسس إني عامل زي الأطرش في الزفة. عابد بتفهم: عايز تفهم إيه؟ مطير النوم من عينك ومخليه مجافي فراشك. ياسر بصّله بعمق: كل حاجة. كرهك لعمي، مع إني عمي، ما حسيت من ناحية ليك بأي حاجة وحشة. كره أمي اللي ملوش سبب، وإصرارها على أذيتهم بأي شكل كان. ليه؟

عابد اتنهد بتعب واتكلم بكسرة ووجع حقيقي: أنا عمري ما كرهت عامر، بالعكس. عامر الله يرحمه طول عمره يتخب عشان كان جدع. كنت بغير منه عادي زي أي أخوات في الدنيا. أنا حبيت التجارة من أبويا، وهي كان مهووس بكل حاجة مقفولة. مكانش يرتاح إلا لما يفكها مسمار مسمار ويركبها تاني، ولازم يتأكد إنها اشتغلت. ودخل كار الميكانيكا. عارف إن عمك خريج هندسة، مش دبلوم زيي. ياسر بصّله بصدمة: نعم؟ يعني عمي الله يرحمه كان مهندس؟

طيب وليه مشتغلش بشهادته؟ وأكيد وقتها الشهادة كان ليها قيمة. عابد: فعلاً، كان ممكن يشتغل بيها، بس كان دايماً

يقول: "أنا حر نفسي، مبعرفش اشتغل وأنا متكتف. الميكانيكا مش حبر على ورق أشرحه للطلبة، ولا حد يستغله عشان يعمل من وراه قرشين. كل عربية وليها سرها، والذي يعرف سرها عشان يكشفه ويحلها. مفيش عربية بتموت، العربية بتعيش، بس عايزة اللي يفهمها". كان مغرم بيهم، ويمكن ده السبب اللي خلاه البريمو في شغله. وسيطه اللي بقى زي الطبل ومسمع من شرق لغرب. ياسر بحيرة: طيب ليه كرهته؟ ليه قاطعته سنين وسنين، مع إنه كان دايماً يخطب ودك؟

عابد بتهكم من روحه: الشيطان لما يتجسد في بني آدم، أصعب منه لما يوسوس. ياسر بصّله بعدم فهم، وتعابير وشه بتدل على كده: يعني إيه؟ ومين الشيطان اللي اتجسدلك ده وخلاك تكره أخوك الوحيد؟ عابد غمض عينيه

كأنه بيهرب من اللي حصل: أمك. من يوم ما خطت البيت ده، وكان عامر فيه، وهي كانت بتتعمل توقع بيني وبينه. ووصلت لأبويا الله يرحمه، بس أبويا كان تاجر، بيعرف يقرأ الناس أوي. كان بيسيبها تهبل بكلامها ويرميه تحت رجله ويدوس عليه بجزمته. لحد ما عامر

اكتفى من المشاكل وقال: "انفد بجلدي". يومها أبويا الله يرحمه، قوم البيت قيامة مقعدوش، ومرتاحش إلا لما عمك صرف نظر عن اللي في دماغه. وفضل وراه يزن على دماغه إنه يتجوز. كان ساعتها الورشة دي صغيرة. ولعلمك، مرضاش أبويا يدفع قرش فيها. كان بيشتغل عند الناس عشان يحوش حقها، وفرحته يوم ما فتحها كأنه ملك الدنيا وما فيها. مع إنها كانت على قدها، وبقى الكل يضرب كف بكف، إزاي ابن النصراوي يشتغل عند الناس، وإزاي يفتح ورشة على قدها كده. بس عمك كان دايماً يبص لقدام، مش تحت رجليه. وأبويا مستسلمش، بنا له الدور التالت وصبه، وخلى الصنايعية تشتغل فيه. وفي أقل من شهرين تلاته، كانت الشقة جاهزة من مجاميعه. ويوم ورا يوم، سيدك يكلم عمك في حوار الجواز،

وأمك نارها تغلي وتقول: "لسه بدري"، وميت هاترضى بميكانيكي بفوطة مشحم ومزيت؟ وبابا يقول: "ده راجل من ضهر راجل، طالع لأبوه، بدأها من الصفر، ومعتمدش على عيلته ولا اسمها ولا فلوسها، وألف مين يتمنى يناسبه". يروح رمح لحد ما في يوم عمك قال: "خلاص، لقيتها بنت الحلال". وفعلاً جدك يومها الدنيا مساعتهوش، وعرف هي مين وبنت مين. كانت لسه هدي بنت 16 سنة، وراح لأبوها وخد ميعاد. وضحك للذكرى اللي مرت بباله. ياسر باستغراب

من تحول أبوه المفاجئ: وراها إيه الضحكة دي؟ *** ياترى الضحكة دي وراها إيه؟ وياترى حور رايحة فين؟ وياترى يونس هايعمل إيه؟ هانعرف في الحلقة اللي جاية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...