مر يومان والكل مترقب، ووصل الوقت المنشود. حور حسمت قرارها، ولكن لم تعرف كيف تبلغه. كانت جالسة على الطاولة شاردة، دون أن تبصر الطعام الذي أمامها، تحدق في نقطة وهمية وعيناها لا ترمش. هدي، وهي جالسة تراقبها، لم تفهم ما يحدث. "هييييييييي! " نادت هدي، ولوحت بيدها أمام عيني حور. حور بقيت على نفس وضعها. هدي، بعينين واسعتين وفم متعجب، قالت: "يا أختي، البت مالها؟ اقتربت ومرة واحدة، ضربت حور على كتفها بكل قوتها.
قامت حور مفزوعة، وهي تحاول تدليك كتفها من الألم: "آآآآه! إيه يا أمي؟ مرزبة رنت على كتفي؟ هدي، رافعة حاجبًا ثم نازلة بالآخر: "سلامتك يا نني عين أمك." وعدلت وجهها، وكملت بشخطه: "مالك يا بت؟ أديلك كام يوم قاعدة مسهمة، لا حاسة ولا دريانة بالدنيا. فيكي إيه؟ حور بتعب: "كل خير يا أمي، ده حوار في الشغل." هدي بتهكم: "الشغل؟ والنبي إيه يا بت؟
أنا ببلع وبعدي بكيفي وبمزاجي، مانيش هبلة ولا بريئة عشان البوقين الحمضانين بتوع كل مرة. الشغل، الشغل، مشكلة في الشغل؟ أنا طول عمري مع أبوكي، من أول ما فتح الورشة دي، عمري ما شفته جاب مشاكل الشغل عتبة البيت. وانتي كمان يا بنت أبوكي، طول عمرك معاه ومن سنين، من وقت ما أبوكي ربنا افتكره وانتي مكانه، عمري ما شفت مشاكل الشغل اللي جدت كل يوم والتاني عليكي. وآخرها المتمة، قاعدة مسهمة زي مجاذيب الست عيشة الملاحة."
حور أغمضت عينيها، ومسحت وجهها كذا مرة بكف يدها، وحاولت أن تتمالك أعصابها. أخذت نفسًا طويلًا وخرجته بهدوء، وهزت رأسها: "طيب، اقعدي يا أمي عشان فيه كلمتين عايزة أتكلم معاكي فيهم، وما كنتش لسه عارفة أجيب لك الموضوع كيف أصلًا." هدي جلست بقلق وترقب، والشك بدأ يلعب بعقلها: "خير، كلمتين إيه؟
أنا مطرطقة أوداني أهو، قولي يا بنت بطني وريحي باللي وطمنيني عليكي. لآه وكتاب الله مبخاف من حاجة قد ما بخاف من كتمتك اللي شبه كتمة العدس دي." حور كزت سنانها، وابتسمت ابتسامة صفراء: "طيب يا أمي، خلصتي موشح الشتيمة ولا لسه في جوفك حاجة تاني؟ هدي بعوجة فم يمين وشمال: "لآه، خلصت. قولي بقى يا بت، منا مش هاشد الكلام بالكماشة من على لسانك." حور أخذت نفسًا
وخرجته: "وكتاب الله لو سكتي 3 ثواني بس، كان زمانك عرفتي. إنما هدي تسكت من غير ما تبلبع اللي جواها وتحبش الموقف ده؟ لآه يحصل ولا يكون." هدي وضعت يديها على فمها: "اديني اتكمت أهو. في رقعة س*و*ت*ي؟ إيه بقى؟ حور أخذت نفسًا طويلًا، ونظرت لأمها: "بصي، انتي عارفة اللي حصل من طليقي في وادي الريان، صح؟ هدي نظرت لها: "حصل إيه؟
حور ببوادر عصبية: "أماااا، بلاش الشغل ده معايا. أنا عارفة إن ياسر مرسيكي على الدور، فالله يسترك، تعالي معايا دوغري." هدي قلبت وجهها وودته الناحية الثانية: "ما علينا، يعني مالي اللي ينخفي اسمه ابن ثريا تاني؟ حور نفخت: "مالوش يا أمي. اللي حصل إن يومها رمى كلام زي السم الهاري في حقي قدام الجدع اللي كان متقدملي آخر مرة." هدي بخبث: "إنهو ده؟ دانتي اتقدملك ياما شعيط ونعيط ونطاط الحيط."
حور بنفاذ صبر: "أمااااااااا، بلاش لؤم الحريم ده عليا. انتي عارفة أنا أقصد مين يا أمي. وكتاب الله هاسيبك تضربي أخماس في أسداس، وأبقى قابليني لو عرفتي كلمة من أساسه." هدي كزت على أسنانها وسكتت، ونظرت لها بنصف عين بغيظ. حور أخذت نفسًا، ونظرت لأمها بابتسامة صفراء: "المهم، يومها أنا كنت على آخري، وانتي بنفسك شوفتي اللي جرا." هدي هزت رأسها بمعني: كملي، سامعة.
حور أغمضت عينيها ونفخت: "بعدها بكام يوم، جالي الجدع تاني، وكان عايز الجاكيت بتاعه. وبعديها بقيمة يومين كده، ودّيتله الجاكيت بتاعه، وفتح حوار جبل واللي قاله، وعرف المستخبي." هدي شهقت بصوت عالٍ وخبطت على صدرها: "يالهووووي! انتي بتقولي إيه؟ حور أغمضت عينيها: "أما، الله يسترِك، سبيني أكمل الكلمتين اللي عندي عشان يعلم ربنا اللي بيا، وأنا بقولهم إيه."
"المهم، عرف الحوار كله، وقال إنه ما يعيبنيش، وعايزني. ولسه على رأيه، وسابني كام يوم أفكر وأرد عليه، وأنا بيني وبينك، صليت استخارة وارتاحت. يومها حلمت بأبويا." هدي، أول ما سمعت اسم عامر، عدلت في قعدتها، ورفعت أذن الاستشعار، والابتسامة ارتسمت على وجهها. حور كملت كلامها من غير ما تنتبه لوضع أمها اللي اتغير 360
درجة: "يومها، شوفته جاي بطلته اللي تشرح القلب، وخدني من إيدي. كنت تعبانة، لأني كنت لسه طالعة من طريق صعبة أوي. وخدني ومشي شوية في طريق كله أخضر وحلو أوي. ولما قربنا أوي، لقيته حضني وابتسم زي عادته، وحط إيدي في إيد يونس، وقالي: 'اللي فات كان ليا، واللي جاي ليه. وصله وقاله أمانة حافظ عليها، ولما هنقف قدام ربنا، هسألك عليها.' ورجع بص لي،
وقالي: 'انسى اللي فات، خلص خلاص ومات. خليكي في اللي جاي. ربنا حطك في اختبار ونجحتي، ودي النتيجة.' وبص ليونس وضحك واختفى." "يومها، قمت من النوم الفجر، بيقول: الله أكبر. قمت وأنا الضحكة على وشي، وحاسة بدفا حضنه، كأنه فعلاً كان في حضني. حسيت إني شامة ريحته. بالرغم من كده، إلا إني فصلت بردوا، مقلقة، وصليت تاني وتالت ورابع، وكل يوم على داه الحال. وكل يوم أشوف نفس الحلم، لحد ما قررت." وسكتت شوية، وضمت شفايفها لجوه.
هدي نظرت لها بعيون بتلمع، وقرأت اللي على لسانها، وخايفة يطلع: "وإيه قرارك؟ إيه يا بنت بطني؟ أبوكي جالك وعرفك، زي ما طول عمره سندك وضهرك، حتى وهو في قبره ماسابكيش. يبقى إيه؟ حور أغمضت عينيها، وابتسامة ارتسمت على وجهها، زادته جمال فوق الجمال: "يبقى موافقة يا أمي. بس معرفش أبلغه رأيي إزاي، ولا أجيبهاله كيف. ومينفعش تيجي مني ليه؟ أنا غالية يا أمي، وعمري ما رخصت روحي."
هدي بقلب وش: "طبعًا يا ضنايا، غالية، وطول عمرك عالية. يابت، ده بيقول لك: 'من غَلىَ غِلي، ومحدش قدر عليه، ومن رَخص رِخص، وما لقى من يشتريه'." حور: "وعشان كده بقولك، مينفعش تيجي مني ليه." هدي بابتسامة: "متقلقيش، محلولة." حور بعدم فهم، كشت حواجبها وهزت رأسها: "إزاي بقى؟ هدي بنصف عين: "بصي، لو مرنش عليكي من هنا لآخر النهار عشان ياخد الرد، نعمل إيه؟ نتصل بالحو اللي جابه." حور بغباء: "وهو إحنا نعرف أبوه منين إن شاء الله؟
هدي كزت سنانها: "يا شيخة، بتيجي في وقت وبحس إن الغباء ركبك من ساسك لراسك. اللي يعرفه مين؟ حور بنفس الغباء: "مين؟ مفيش غير صاحبها، وأنا معرفهوش أصلًا." هدي بصريخ: "يالهووووووي! يارب! هانجلط! يابت، أبوس إيدك، فتحي مخك الزنخ ده! أنا أقصد إحنا نعرف مين يعرفه." حور بنفس الغباء بردوا: "أنا، لأنه اشتغل معايا في الورشة." هدي بصوات ولطمة على خدها من غباء بنتها: "ياااااسر! يااااارب! ابن عمك يا حور! يااااارب!
أقول كمان ولا فهمتي؟ حور باستيعاب أخيرًا: "ياااسر؟ تصدقي نسيت خالص إنه يعرفه." هدي برد فعل غير متوقع، زغردت: "لولولولولولولي! الحمد لله! ربنا اتممها بالسلامة وفهمت." حور بنفخة: "خلاص بقى يا أمي، ماهو راخر مجاش على بالي من أصله." هدي: "طيب يا آخرة صبري، بصي بقى عشان ميبقاش فيها تقليل منك، إحنا نكلمه وهو يجيبها بصنعة لطافة." حور بتفكير للحظات بسيطة: "ماشي، بس من هنا لآخر النهار، لو مسألش، نبعت لياسر."
هدي برفض: "لآه يا ذكية! لازم نعرفه من دلوقتي عشان يبقى معانا في الصورة ويفكر ويتصرف عشان يبقى معاه وقته." حور بتردد: "مش عارفة يا أمي، حاسة إن اللي هاعمله هايقلل مني. أنا بقول بناقص، لو لازمه هايحصل، ولو مش لازمة يبقى بالسلامة."
هدي بتسرع: "بطلي عبط يا بت، ولا تقليل ولا دياولوا. لو مكانش لازمه، مكانش فضل يلف ويدور ويدور عشان توافقي يا عبيطة. ده شاري، واوعي تفرطي في راجل شاري. ده الراجل جاب الحبق، والنبي، وشوشة أمه وأبوه في الطبق." حور بتنهيدة: "خلاص يا أمي، اعملي اللي تعمليه." هدي بهزة رأس، قامت منزلت وسكتت، ودخلت تجيب تليفونها. *** يونس رجع القاهرة، واستقبله أبوه وأمه بحفاوة شديدة. أحمد اللباد: "حمد الله على السلامة يا بشمهندس."
يونس بابتسامة، وهو يضم أبوه لحضنه جامد: "الله يسلمك يا بابا، وحشتني أوي." شهيرة، وهي تشد يونس من حضن أبوه: "سيبهولي شوية يا أحمد." وضمت ابنها لحضنها: "وحشتني أوي يا نور عيني." يونس، وهو يضحك بين أسنانه: "وانتي كمان. بس إيه الحلاوة دي؟ هو أنا كل ما أسافر وأرجع ألاقيِك بتصغري وبتحلوي؟ لآه، خدي بالك، كده الموضوع بقى خطير." شهيرة بضحك: "بكاش كبير، وطول عمرك كلامنجي، طالع لأبوك يا بشمهندس، بجداره."
يونس بغمزة عين: "من الشكل ولا الطبع؟ أصل بيقولوا إن طالع لك في الجمال يا قمر." شهيرة هزت رأسها بقله حيلة: "مفيش فايدة فيك. أنا هاقوم أجهز الأكل على ما تاخد شاور وتغير من السفر." يونس بهزة رأس: "ماشي." قبل ما يطلع أوضته، أبوه بنظرة غموض واستفسار: "يونس، في حاجة؟ يونس باستغراب من سؤال أبوه المفاجئ: "ليه حضرتك بتقول كدة؟
أحمد هز كتف: "علشان من وقت ما استقريت في البلد، وعمرك ما جيت إلا لما بتبلغنا، ومجيّك على غفلة بيقول إن فيه حوار كبير. خصوصًا إنك قلت إنك مشغول جدًا في الموقع اللي شغال فيه ومش هاتعرف تيجي قريب." يونس بابتسامة وعيون بتلمع لأبوه اللي بيقدر يفهمه من غير ما يتكلم: "بعد ما نأكل ونريح، هاحكي لحضرتك وماما على كل حاجة، لأن الخطوة اللي جايه محتاجكم معايا فيها، ومحتاج دعمكم." أحمد
كش حواجبه وبصله بانتباه: "للدرجة دي الموضوع خطير؟ يونس بهزة رأس بالنفي: "لآه خالص. بعد الغداء، هاتعرف. أسيبك ألحق آخد شاور قبل ما الحكومة تطب علينا." أحمد ضحك على ابنه وشقاوته اللي مبتظهرش إلا ليهم، وبسا: "أحمد هز له رأسه وفضل عينه عليه لحد ما اختفى من قدامه،
وفي نفسه: 'شكلك جاي ووراك حوار يا يونس. دانا أكتر واحد عارفك، وقريك من عينيك، بس شكله موضوع كبير اللي يجيبك على ملا وشك بالشكل ده.' ونفخ بطريقة كوميدية، كأنه بينفخ زماره بشفايفه لفوق." مر أكثر من ساعتين، كان يونس أخذ شاور وريح شوية، بيهيئ نفسه عشان يعرف أهله بموضوعه مع حور. فضل فترة يرتب أفكاره عشان يدخل معاهم المناقشة صح. أخذ نفس طويل وحسم أمره، وطلع لأهله.
اتجمع الكل على الغداء، ويونس بياكل وبهدوء، وأبوه بيبصله بغموض، بيحاول يقرأ اللي جواه، مش عارف. قطع الصمت الرهيب ده شهيرة: "بس غريبة يا يونس، إحنا لسه كنا بنكلمك، قلت إنك مش هاتعرف تيجي اليومين دول عشان الموقع اللي شغال فيه عندك ضغط شغل." يونس هز رأسه بموافقة على كلام أمه: "فعلاً، أنا جاي عشان فيه موضوع مهم عايزكم فيه، لأنكم احتمال تنزلوا معايا البلد قريب." شهيرة وأحمد باستغراب: "ننزل البلد؟ ليه؟
هو الموضوع كبير ومهم للدرجة دي؟ يونس: "نخلص أكل الأول، لأني وحشني أكلك جدًا، وميت من الجوع جدًا. وبعدها تعمليلي فنجانين قهوة محترمين من إيديكي، ونقعد نتكلم على رواقة، مش على الأكل، ولا إيه؟ شهيرة بصت لجوزها باستغراب وهزت رأسها وسكتت. الكل فضل في جو فضول مغلف بغموض، ومحدش عارف حاجة، والكل بيخمن بطريقته، ودماغه شغالة في مليون اتجاه، ومحدش عارف يستقر على رأي محدد في دماغه.
مر الغداء اللي مغلف بالغموض أخيرًا، وشهيرة شالت الأكل بسرعة رهيبة، وفي دقايق كانت عملت القهوة، واتجمع الكل في الصالة. شهيرة حطت صينية القهوة وقعدت: "ادي القهوة يا بشمهندس. إيه بقى الموضوع المهم اللي جابك بالسرعة دي، وسيبت أشغالك عشانّه، وعمال تشوقنا عليه؟ يونس أخذ فنجان القهوة وشرب بق بهدوء، وأخذ نفس طويل، وطلعه دفعة واحدة: "أنا بفكر إني أكمل نص ديني."
شهيرة بفرحة: "ده أحلى خبر سمعته. وكنت مستغربة إنك لحد دلوقتي مفكرتش تتجوز." أحمد بهدوء: "وياترى بتفكر، ولا مقرر، وعينك على حد معين، جاي تبلغنا وتاخد رأينا في الموضوع؟ يونس بابتسامة: "فعلاً، أنا في واحدة معجب بيها." شهيرة باستغراب: "مين دي؟ وبنت مين؟ وبتشتغل؟ ومؤهلها إيه؟ يونس بهدوء وصبر: "هي من البلد، ولسه في العشرينات من عمرها، يعني مش كبيرة، وخريجة كلية تجارة." شهيرة: "طيب كويس، فين المشكلة اللي موتراك كل ده؟
يونس: "مفيش مشكلة خالص." أحمد بغموض: "طيب، هي دي كل المعلومات اللي عندك عليها؟ أظن مش كافي للارتباط، لأن دول عيلتين بيرتبطوا ببعض. قولي اسمها واسم أبوها وعنوانهم، وأنا هاتصل بعمك في البلد يسأل عليهم ويجيب قرارهم." يونس
أخذ بق تاني من القهوة: "أنا أعرف عنهم كل حاجة. هي اسمها حور عامر النصراوي. أبوها كان مهندس ميكانيكا، وعنده توكيل قطع غيار سيارات وموتوسيكلات ملحق بيه ورشة، وعمها تاجر كبير عنده محلات خشب وورش نجارة ومعارض موبيليا فخمة، وخلانها تجار كبار بردوا، عندهم معارض سجاد، وعندهم مصنع كارتون، وورش ألوميتال." أحمد: "كل ده كويس بالنسبة لعيلتها. طيب والبت؟
يونس بتوضيح: "والدها متوفي من كذا سنة، وعايشة مع والدتها في حارة المغربي، وماسكة شغل أبوها، وكانت مخطوبة ومكتوب كتابها، وانفصلوا قبل الفرح بكام شهر." شهيرة بصدمة: "ميكانيكي؟ بقى البشمهندس يونس اللباد، ابن أحمد اللباد، أستاذ ورئيس قسم بكلية الهندسة، وشهيرة الجمال، دكتورة في كلية الألسن، يتجوز جوازة زي دي؟ ليه؟ من قلة البنات؟ وكمان ساكنة في حارة؟
يعني لا تصلح بكل المقاييس، لا اجتماعيًا، ولا علميًا، ولا عمليًا، ولا ماديًا. لآه، والأصعب مطلقة يا بشمهندس." يونس بجمود وملامح لا تنم عن البركان المشتعل جواه: "أولاً يا أمي، الشغل عمره ما كان عيب. وهي مش شغالة ميكانيكي عند حد، دي بتشوف مالها، وداه مش مكان صغير، ده مكان فخم، وبتديره بكل حرفنة وجدارة." "ثانيًا، هي مادياً زينا، إن ما كانش أعلى." "ثالثًا، هي مؤهل عالي، خريجة جامعة زي زيها."
"رابعًا، هي اتطلقت قبل ما تروح بيت جوزها، يعني تعتبر خطوبة مش جواز، وداه شيء ما يعيبهاش." وبص لأبوه: "ثم حضرتك معودني دايماً إني محكمش بظواهر الأمور. ولا إيه؟
ولو على الأرياف والبلد، فإحنا أصلنا من نفس البلد، ولما استقرينا هنا عشان شغل حضرتك انت وماما، وأنا شغلي في البلد، وعملت اسم وفلوس، وشركتي في البلد مش في القاهرة. شوفيها واتكلمي معاها واحكمي. عمر حضرتك ما كانت نظرتك سطحية للأمور، ولا بتحكمي على الشخص من خلال بعض الظروف. دايماً حكم حضرتك نافذ من خلال معاملتك للشخص نفسها."
أحمد بهدوء وحكمة: "وانت عرفتها واتعاملت معاها عشان تدافع باستماتة عنها، وبتبرر كل ظروفها بالطريقة دي، ولمعة عينك اللي بتخفيها ببرود؟ يونس بمراوغة: "قصد حضرتك إيه؟
أحمد بوضوح: "قصدي إن مراية الحب عميا، لا بتشوف أخطاء الحبيب، ولا بتسمع انتقاداته، ولا بتشوف مساوئه. لكن مراية الجواز لازم تشوف الأغلاط، وتفكر فيها، وتسمع وتقارن، وتتكلم عن سلبياتها وإيجابياتها، وتعمل مقارنة في العقل بينهم، وتشوف مين فيهم أكتر، لأن دي حياة مقترنة وميثاق غليظ بينكم." يونس
بإنصات شديد وتوضيح وصدق: "مش هانكر إن جوايا مشاعر ليها، ودي حقيقة. بس أنا مش إنسان سطحي عشان أحكم بمشاعري. بس أنا بحكم بعقلي. أنا عرفت حور قلباً وقالباً." شهيرة بمحاولة لاختراق داخل ابنها: "وانت عرفتها منين عشان تقدر تحكم وتتكلم بثقة مطلقة؟ أظن بتقول عايشة في حارة، يعني الناس دي بتخاف أوي من كلام الناس، وملهاش خلطة بحد إلا في أضيق الحدود. ولا دي بجحة، وخدت وادت معاك في الكلام، ومعملتش اعتبار لأي أصول ودين؟
" وصفه سكتت ثواني ومطت شفايفها بسخرية: "امممم، مهو طبيعي، واحدة واقفة وسط الرجالة، وتعاملها كله معاهم طبيعي، تبقى بجحة، ووشها مكشوف كمان، ولا عندها خشا ولا حيا؟ طبيعي تروح وتيجي وتتكلم معاك، مهي لقيتك صيدة." يونس بكزة سنان قربت تتكسر من كتر الضغط، وطلع صوته بحدة وصارمة: "ماما! من فضلك، بلاش كلام بالأسلوب ده، لأنه مرفوض شكلاً وموضوعاً وإجمالاً."
"ثانيًا، وده الأهم، لآه دي أخلاق ولا أسلوب حور. وأنا بنفسي حاولت شهور وشهور إني حتى أتكلم معاها، ورفضت رفض قاطع إني حتى أتجاوز حدود التعامل زي أي عميل." قبل ما يكمل كلامه، قاطعه أبوه. أحمد بتريث: "اومال حكمت بناءً على إيه، لما انت لا اتعاملت ولا اتكلمت معاها، وكل تعاملك في إطار الشغل؟ أخذ يونس نفس طويل، وتنهد بوجع العشق اللي جواه، وشرد بخياله للأيام الخوالي اللي عاشها بطريقة
جديدة وحياة غريبة عليه: "أول صدفة جمعتني بيها، كانت عربيتي عطلانة في مكان مفيهوش صريخ ابن يومين زي ما بيقولوا. فضلت واقف أكتر من ساعة مش عارف أتصرف، وربنا بعتها نجده في وقتها. كانت معدية بعربيتها." شهيرة باستغراب: "هي معاها عربية؟ قبل ما تكمل، بصلها زوجها بنظرة: اصبري للآخر، واسألي بعدين. يونس مسمعش كلام أمه من الأساس، لأنه شارد في ذكريات
مرسومة بريشة فنان جواه: "وقفت العربية ونزلت بقلق وخطوات محسوبة، ووقفت على بعد مسافة كافية لأمانها، وسألتني: 'واقف ليه في الحتة المقطوعة دي؟ ببرود ومنتهى الغباء رديت: 'تفتكري ليه؟ عربيتي عطلانة ومش لاقي ميكانيكي.' ردت بهدوء: 'طيب وسع وافتح الكبوت، وحاول تدور العربية.' رديت وأنا بنفس الغباء: 'تفتكري لو كانت شغالة، كنت وقفت الوقفة دي؟ قالت لي: 'اعمل اللي بقولك عليه.' قولتلها بتهكم: 'ليه حضرتك ميكانيكي وأنا مش واخد بالي؟
بس لقيتني بقول لنفسي: 'أمري لله، خليك مع الكداب لحد الباب.' وحاولت أشغل العربية، ومشتغلتش. بصيت لها زي اللي فاز في مسابقة، اللي هو: إيه رأيك؟ من غير ولا كلمة، اتحركت لعربيتها، وطلعت شنطة عدة كاملة متكاملة، وفي دقايق، طلبت أدور العربية مرة تانية، وفعلاً اشتغلت. اتصدمت، وعرضت عليها فلوس، رفضت، وقالت لي: 'ربنا ييسر لك طريقك.' بمنتهى الغباء سألتها: 'انتي ميكانيكي؟ ' مردتش، واتحركت. وقبل ما تركب عربيتها،
قالت لي: 'روح نضف الكاربيراتير، واعمل تشيك على العربية.' وركبت عربيتها واتحركت من سكات. فضلت واقف مصدوم. هي ميكانيكي بجد؟ أصل مينفعش بنت بجمالها ده، عيون زي لون الزرع تخض، مشعبه بلون البحر وسط خطوط من الشمس بيلونها ميكس غريب. وفعلاً، عدت أيام وشهور، وأنا نسيت وتناسيت مع زحمة الشغل والأيام، لحد ما في يوم، عملتها فيها العربية تاني، وسألت عن أحسن ميكانيكي في البلد، ويكون نضيف في شغله، مش مجرد صيت.
الكل بالإجماع قالي: 'عليك وعلى ورشة الأسطى عامر النصراوي، هو ومتسألش بعده.' استغربت بصراحة. خدت العربية بالزق لحد ما وصلت، ومن صدمة عمري، لقيتها هناك. وفعلاً، اتعاملت بتهكم على ست بتشتغل في ورشة، وأول ما جاه في بالي إنها بنت، الدنيا طحناها، لحد ما فوجئت إنها صاحبة الورشة بعد أبوها ما مات، وهي اللي ماسكة الورشة. وفعلاً، صلحت العربية لدرجة التحدي اللي خلاني أجيب العربية وجيت التوكيل هنا اللي قالي إن كل قطعة فيها أصلية. شدتني، مين دي؟
وإيه القوة والإصرار اللي عينيها غريب؟ ميكس يشد. لقيتني بنجذب ليها، بس حسابات العقل بتحكم. حبيت أقرب منها، وقفت قدامي ند بند، ورفضت، واتعاملت برسمية شديدة وحسم غير طبيعي، لحد ما قررت فكرة مجنونة." وابتسم للذكرى اللي رجعته لأيام بيتمنى ترجع تاني: "روحت واشتغلت معاها في الورشة." أبوه وأمه، الاثنين بصوا لبعض بذهول وعينين مبرقة من الصدمة. كمل بدون ما يحس بكل الجو المشحون حواليه، وكأنه
بيكلم روحه قدام المراية: "اشتغلت معاها وقربت منها، بس في حدود الشغل. لقيت بنت بميت راجل، واقفة وسط رجالة، ند بند، لا بتخاف ولا بتهاب، طول ما هي على حق. شوفت في قلبها رحمة على كل اللي حواليها، عمرها ما عملتهم على إنهم شغالين عندها، وهي صاحبة مال. بالعكس، بيتعاملوا كأنهم فريق شغال مع بعض، وبتشتغل معاهم يد بيد، من غير كسوف أو خوف. سمعت بالصدفة مشكلة لصاحبتها، لقيت فيها حكمة، كأنها راجل شعر رأسه شاب منه، ومكانه خد حكمة
الأيام. استفزتني أكتر، فضلت أدور وراها لحد ما عرفت إنها بنت أبوها بجد، بدون خوف. خدت من حكمت أبوها، لأنه كان كبير منطقته. واستغرابي زاد لما عرفت إن أبوها أصلاً كان مهندس، وهي بكالوريوس. صدمتين، والأكتر إنها تعتبر مليونيرة، ودماغ اقتصادية تخوف. غصب عني، لقيتني بتشد ليها كل يوم عن اللي قبله، لحد ما عشقتها، وعشقها ملك قلبي، وأقنع عقلي، والاتنين اتفقوا عليها. شوفت فيها ضلعي الناقص، شوفت فيها رفيقة الشباب والمشيب، شوفت
فيها أم عيالي."
خلص كلامه، فاق لنفسه، وبص على أبوه وأمه المصدومين من وضع ابنهم. يونس بخجل طفيف من حاله، لأنه عرّى مشاعره قدام أهله بالطريقة دي: "أحمد بهدوء اتنحنح: 'طيب، وانت ناوي على إيه بالظبط؟ يونس بتروي: "عايز حضرتك وماما تيجوا معايا، ونشوفها، وحضرتك وماما ليكم حكمكم، وتقدر تحكم بنفسك، وتعرف إن كان حكمي صح ولا غلط، وزي ما اتعودنا، نتكلم بالعقل والإقناع."
أحمد بص لمراته وهز رأسه: "تمام، بس مفيش قرار قبل ما نروح ونشوفهم بنفسنا. وزي ما سبق وقلت لك، أنا هابعت لأعمامك في البلد يسألوا عليهم قبل ما نروح." يونس: "تمام، أنا هابعت لحضرتك اسمها وعنوانهم، وكل حاجة تخصهم، وحضرتك تسأل النهارده، عشان إن شاء الله هانروح بكرة." شهيرة بصدمة: "بكرة؟ بكرة إزاي؟ المفروض إنتا عارف أصول البلد، لازم نروح بحاجة معانا، وزيارة محترمة، واحنا داخلين على الناس، ونبلغهم بالمعاد ومجينا ليه."
يونس: "من الناحية دي، متشيليش هم يا ست الكل. أنا هاخد علبة شوكولاتة فخمة، ونجيب ورد وهدية شيك، والمعاد أنا معايا رقم ابن عمها، هاتصل أبلغه، يكون بابا سأل واتطمن." شهيرة: "حيلك حيلك، الدنيا عدل، مش عجل يا بشمهندس." يونس: "وأنا بتكلم بالعدل يا ماما. أنا مش رايح أتجوزها بكرة، إحنا رايحين رؤية شرعية بالأصول." شهيرة بصت لجوزها اللي هز لها رأسه بقبول: "متقلقيش يا أم يونس، كل حاجة هاتمشي زي ما انتي عايزة، وبالأصول."
فعلاً، يونس بعت لأبوه رسالة فيها اسم حور وبياناتها، ومنتظر الوقت. في نفس الوقت، يونس اتصل بياسر يسأله على رأي حور، ويحدد معاد بكرة يكون مناسب عشان جاي هو وأهله. ياسر بفرح: "تمام، اديني شوية وقت، وأنا هاتصل إن شاء الله أزفك البشرى اللي تريح قلبك وتطمن بالك." يونس: "يارب. أنا فتحت أهلي وبلغتهم، والمرة دي أنا حاطط إيدي على قلبي."
ياسر: "متقلقش، حور المرة دي غير حور. قلبها وعقلها اتفقوا المرة دي، وصدقني، هازفك البشرى بنفسي." يونس بتمني: "يارب يسمع منك ربنا يهديها، لأن المرة دي غير." ياسر بتأكيد: "عيب عليك يا زميلي، بقولك مالي إيدي." يونس: "تمام، شوف الميعاد المناسب، وبلغني النهارده، عشان أنا هاجيب أهلي وأجي من القاهرة بيه." ياسر: "متقلقش، النهارده هايكون عندك الرد والميعاد. يلا أسيبك تجهز روحك." يونس: "تمام، ياياسر. يلا سلام."
وقفل المكالمة بنفس حلمه، وضمير بيتمنى القبول والقرب. مر الوقت تقيل زي الجبل، وكأن عقرب الثواني واقف، وموقف جاره عقرب الدقايق والساعات. ولأول مرة يونس يكون مترقب الوقت بالطريقة دي، اللي مترقبهاش في نتيجة الثانوية العامة. وكل شوية يمسك التليفون، عايز يرن على حور، بس الخوف من رد فعلها. بالرغم من إن الرقم معاها من زمان، إلا إنه ولا مرة فكر يتصل بيها. *** عند حور، كل شوية تمسك التليفون، تبص فيه، وترجعه مكانه.
شوية بشوية، والوقت بيعدي، والقلق جواها بيكبر ويزيد. طلعت أمها من المطبخ شايلة صينية عليها كوبايتين شاي بالنعناع الأخضر، وحطتهم على الطاولة قدامها، وقعدت جمبها على الكنبة. هدي باستفسار: "يوه، مالك يا دي البت؟ قاعدة حاطة إيدك على خدك زي اللي زرعها بطيخ؟ طلعت لفت؟ حور بنفخة طويلة: "أوووف، مفيش يا أمي." هدي بدهشة: "طيب بالراحة بالراحة، بدل النسخة اللي طلعت هاتطيرني دي يا أختي. قولت لك اصبري على رزقك."
حور بنفخة: "في إيه يا أمي؟ شايفاني بشد في شعري ولا باكل في هدومي؟ هدي بلويه وش: "بقولك إيه؟ بلاش جعورتك تقوم عليا." وسكتت شوية تفكر، وبعدين اتكلمت: "طيب، مش يمكن ممعاهوش رقم المحمول بتاعك؟ حور بصت لها وخبطت على راسها: "يالهووووي على غبائي! دانا نسيت إنه فعلاً معاهوش رقم تليفوني الجديد." هدي بعدم فهم: "رقم إيه؟ حور بتوضيح: "يا أمي، مش أنا غيرت رقمي من قريب بسبب المشاكل اللي جدت الفترة الأخيرة؟
هدي بتريقة: "طيب يا معدولة، يبقى هايحصل إزاي؟ هايشم على ضهر إيده، ولا هاينجم ويضرب الودع؟ حور بصت لها بغيظ وسكتت. هدي بابتسامة: "طيب، متتقمصيش بس كده. إحنا نتصل بياسر ونبلغه." حور بهزة رأس: "خلاص، اتصلي انتي بلغيه منك لنفسك، كأني معرفش عن الحوار حاجة، والكلام جاي منك ليه بصنعة لطافة." هدي بتفهم: "فهمتك، عشان متبانيش في الصورة." وتبقى جاية منهم. حور هزت رأسها بتأكيد لكلام أمها.
اتحركت هدي بهدوء ودخلت جابت التليفون من أوضتها هي وعامر، وطلعت ماسكاه، وبتحطه بطريقة مضحكة قدام عينيها، بتطلع الرقم. وأخيرًا طلعته، ودست اتصال. حور وهي بتشاور لأمها بصوت واطي: "افتحي الاسبيكر عشان أسمع، ومتقوليلهوش إني جنبك، ولا أعرف بالمكالمة دي." هدي هزت رأسها وشاورت على بقها تسكت عشان المكالمة فتحت. حور رفعت أذن الإنصات الشديد. هدي بابتسامة: "الو، ازيك يا واد يا ياسر؟ ياسر بضحك: "ازيك يا مرات عم؟
مش كبرت على كلمة 'واد' دي؟ هدي برفعة حاجب: "كبرت على مين يا ابن نعيمة؟ بقى يا واطي، لو ما اتصلتش، متسألش؟ ياسر بضحك: "هي دي هدي، ما شاء الله عليكي، لسان زي بنتك بالظبط. أؤمري يا غالية." هدي بضحكة مماثلة: "ميؤمرش عليك غالي يا أخويا. عامل إيه؟ ياسر بابتسامة: "الحمد لله على كل حال. انتي عاملة إيه؟ وحور، أخبارها إيه؟
هدي بتنهيدة: "نحمدوا على كل حال يا ابني. وحور كويسة الحمد لله، قاعدة جوه ممققة عينيها في ورق ودفاتر قد كده." ياسر بصدق: "ربنا يعينها، شغلها صعب ومحتاج اللي واقف بالسكر والنضارة." هدي بتنهيدة: "ووجع قلب، وغلب، وحرقة دم، وخلت البت بقت دكر." حور بصت لأمها برفعة حاجب وكزت سنانها. هدي بصتلها بلا مبالاة. ياسر: "طيب، بقولك إيه؟ بما إنها مشغولة دلوقتي، كنت هاتصل بيكي آخر النهار، بس الحمد لله جات منك."
هدي بتركيز: "خير يا ابني، في إيه؟ ياسر: "كل خير. متجسي كده ميتها، وتشوفي رأيها إيه في موضوع يونس؟ الراجل لسه مكلمني، وعايز ييجي بكرة هو وأهله. والله وكيلك، حاطط إيدي على قلبي من بنتك دي، خلت الراجل قفاه يقمر عيش مرتين."
هدي بفرحة ظهرت على وشها: "والنبي انت ابن حلال ياواد يا ياسر. دانا كنت بتكلم معاها واحنا بنتغدى، وفضلت وراها لحد ما وافقت. بس انت عارف بنت عمك، روحها في مناخيرها، وكرامتها على رأسها، وحلفت إيمانات المسلمين محد يديه خبر إلا لما هو يتصل ويسوق طوب الأرض." ياسر بتفهم: "متخافيش يا مرات عم، كرامة حور غالية." "ومحدش يقدر يقول يميتها. وأنا بنفسي مش هابلغه إلا لما يتصل تاني يسأل إذا كنت عرفت ولا لأ."
هدي بفرحة: "أيوه كده، عفارم عليك. خليه يلف حوالين نفسه. واد يا ياسر، متديهوش موافقتها إلا أما يجيب الحباء والنبق، وشوشة أمه وأبوه في الطبق." ياسر بضحكة عالية مجلجلة: "يالهووووي عليك يا هدي! عليكي شوية أمثال عنب. بتجبيهم منين وإزاي؟ بصراحة معرفش، بس للأمانة، بييجوا في الجون." هدي بلويه بوق وعوجة شفايف: "من الدنيا يا أخويا، اللي داقّت على راس الواحد لما قال جايي." ياسر بابتسامة
لسه مرسومة على شفايفه: "يالهووووي عليكي. خلاص، كل كلمة بموال. أنا كده كده على ميعاد معاه آخر النهار، وعلى ما أبلغه، هاردلكم خبر." هدي بفرحة: "ماشي، بس أول ما يقولك، قولي. لآه، ورايا هم ما يتلم في البيت عشان الناس لما تيجي تلاقي البيت فلة وشمعه منورة." ياسر بهزة رأس: "مفيش فايدة فيكي، منتي كل أسبوع بتجيبي البيت عالية واطيه، يعني البيت أصلاً فلة لوحده."
هدي بعدم رضا: "لآه طبعًا، دي حاجة ودي حاجة تانية. دول ناس أغراب ومصريين، وأول مرة يخطوا بيتنا، يبقى لازم يلاقوا البيت على سنجه عشرة، وواجب يرفع الراس ويشرف." وكملت بفخر: "هما داخلين أي بيت دول؟ داخلين بيت الحاج عامر النصراوي، الف رحمة ونور تنزل عليه، كبير حارة المغربي، وواخدين ست البنات وزينة الصبايا، نوّارة حارة المغربي، حور على سن ورمح."
ياسر بفرحة لفرحة بيت عمه: " عندك حق. أنا هاعرف الميعاد وأبلغك. يلا مع السلامة." وفعلاً، قفل المكالمة، وهو متردد يتصل بيونس، ولا ينتظر زي ما هدي قالت له. فضل على حيرته ساعة كاملة، مش عارف ياخد قرار، لحد ما يونس حسم القرار واتصل بيه. ياسر أخذ نفس زي غريق ومصدق وصل البر، ورد بهدوء بعد ما تملك أعصابه اللي اتحرقت: "الو، ازيك يا هندسة؟ يونس بأعمال بتتحرق: "تمام. ها، كلمتهم؟ قالوا لك إيه؟ موافقين؟ طيب نيجي إمتى؟
ياسر بضحكة مجلجلة: "حيلك حيلك، كل دي أسئلة ورا بعض. على العموم، يا عم، كلمت مرات عمي، وهي قالت لي إنها موافقة، يا سيدي. وشوف الميعاد عشان أبلغهم، وأعمل حسابي أنا وأبويا عشان نكون في انتظاركم." يونس أخذ نفس طويل واتنفس براااااحة: "الحمد لله. طيب، إمتى يناسبكم نيجي؟ على العصر تمام؟ ياسر بضحك: "يا ابني، اهدأ. بقالك كام شهر بتلف حوالين نفسك، مجاتش من كام ساعة. بص، خليها المغرب، تمام كده؟ يونس بعبوس طفولي: "صبر إيه يا عم؟
دانا الصبر اشتكى مني." ياسر بتوضيح: "يا ابني، عشان تكون مستعد، وكمان الناس عندهم معايش وأشغال. الصبر حلو، مفرقتش العصر من المغرب، كلهم ساعتين تلاتة." يونس بإحباط: "ماشي يا عم. أنا هانزل أبلغ أهلي. يلا سلام." قفل المكالمة، ونزل السلالم جري حافي، ومركزش إلا وهو بيقول لأبوه بفرحة وعينين بتلمع: "ميعادنا بكرة المغرب، تمام؟ أحمد بص على ابنه بذهول: "مالك يا بشمهندس؟
منتش على بعض. عيب عليك، اجمد كده يا واد، مع اللي زي حور دي، لازم تكون مالي مكانتك ومركزك." شهيرة بقلق: "مالها يا أحمد؟ انت كنت بتكلم أخوك من شوية؟ هو قال لك حاجة مش تمام على البنت دي؟ أحمد بهزة رأس بالنفي: "خالص. البنت أصيلة، ومن بيت متأصل. أبوها كان راجل ابن بلد وجدع، والبنت بشهادة حق من الكل، واخدة طبع أبوها. بس دمها حامي، ودماغها سم. يا شيخة،
داه عاصم أخويا بيقولي: 'دي ماشية ورشة وتوكيل فيهم أكتر من 50 عامل، على العجين ميلخبطهوش، بس كرامتها غالية، وأبية، وعنيدة، ومتمرّدة. وكمان دماغ سم في الشغل، دي شريكة في تجارة بملايين، تجارة أدوات منزلية، وبتستورد من المنشأ نفسه، ووقفت السوق على رجل، وكلمتها بتمشي على الكبير والصغير.'" شهيرة بحيرة: "طيب، لما هي غنية كده، ليه ساكنة في حارة زي ما ابنك بيقول؟
أحمد: "الناس اللي زي دول، أولاد بلد، مبينكروش أصلهم، ولا بيتكبروا عليه. عاملين زي السمك، لو طلع من الميه يموت. عايشين بعادات وأصول زمان، اللي أغلبها انتهى في زماننا، وبقى فيه الانحلال. يعني يا شهيرة، اللي زي دي تصون ابنك، وتكون الضهر والسند. يعني نروح واحنا متطمنين، وكمان ضامنين لابنك بنت لو غاب تصون، مش تخون، ولو وقع تسند، مش تخلع، ولو ضعف تقويه، مش تكمل عليه. بنت تعرف معنى الزوج والعيلة، وقدسية الحياة الزوجية."
شهيرة باقتناع: "تمام يا أحمد، مادام أخوك قال لك كده، يبقى فعلاً كده، لأن أخوك أصلاً دبش، ومبيجامِلش حد." أحمد بضحك: "عندك حق. طيب، يلا بقى عشان نروح نشوف هانجيب إيه واحنا رايحين؟ مش من الأصول نروح إيدينا فاضية؟ متنسيش إننا أصلنا من الفيوم، مش القاهرة، وعارفين عادات وأصول البلد." شهيرة: "تمام، يلا نلبس ونجهز، على ما البيه يجهز." واتحركت كام خطوة،
وبصت ليونس: "آه، متنساش تلبس شوز، وتنزل حافي تاني كده يا حبيبي." وكملت ودخلت أوضتها. يونس واقف في الصالة مذهول، وبص على رجليه، واكتشف إنه نازل حافي فعلاً. ضحك على نفسه وهز رأسه، اللي حور طيرت البرج اللي فاضل فيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!