شهرين مروا، حور اتعودت على شبح جبل اللي بقى مطاردها في كل مكان، بس بتحاول تصد قلبها عن أي شيئ، لأنها اتربت واتعودت إن قلبها غالي، محدش يملكه إلا بالحلال، واللي عايزها ييجي البيت من بابه. *** في بيت همام، جبل قاعد سرحان وشارد، ومنفصل بعقله وقلبه عن كل العالم اللي حواليه. ثريا بلؤم: مالك يا جبل؟ سرحان وشارد. جبل بانتباه: خير يا ماما؟ بتقولي حاجة. ثريا بمكر: بقالي ساعة بكلمك، وانت ولا انت هنا خالص. مالك يا حبيبي؟
جبل: ولا حاجة، مشكلة بس في الشغل. جميلة، اخت جبل: شكلك بتحب، يا نصه. همام بانتباه وبص لجبل بفرحة وعينيه بتلمع بأمل: الكلام ده بجد ولا إيه؟ أنا ملاحظ بقالك فترة حالك مش مظبوط. جبل بهدوء: سلامتك يا حاج، انت عارف جميلة بتحب تهزر. وبص لجميلة بزغرة بطرف عينه: ولا إيه يا جوجو؟ جميلة وهي بتبلع ريقها بصعوبة: آه آه، بهزر. ثريا بمكر: حبيبي لما ييجي يحب ويتجوز، يختار زينة البنات، مش كده ولا إيه يا قلب ماما؟ جبل بشرود: آه آه.
ثريا بتلميح مبطن: لازم يا حبيبي، لما تفكر تتجوز، تختار بنت الأصول اللي تصونك، لازم تختار اللي تكون تحت طوعك وملك إيدك، لازم تكون من مقامك ومستواك، واقلها زيك في التعليم، لازم تكون بنت حسب ونسب، أصل يا بني العرق دساس، فاهمني يا جبل؟ جبل بشرود في كلام أمه من ناحية، وقلبه وعقله اللي مع حور من ناحية، هز رأسه واكتفى بالصمت. همام بعدم فهم ومحاولة للاستفهام: قصدك إيه بالكلام ده يا أم جبل؟
ثريا بلا مبالاة: ولا حاجة يا حاج، بعرفه إن الجواز مسؤولية، ولازم شريكته تكون من مقامه، مش أي واحدة والسلام. همام بقى ينقل عينيه بين جبل وبين ثريا، وجواه محتار في وضع الاتنين والكلام المبطن اللي بيرموه لبعض، ولكن فضل السكوت في الوقت الحالي. *** هدى: مالك يا حور؟ بقالك فترة متغيرة. حور بانتباه: ها؟ بتقولي حاجة يا أما؟ هدى باستغراب: سلامتك يا ضنايا، مالك؟ بقالك فترة مش زي عوايدك، مالك، كفا الله الشر.
حور: مش عارفة يا أما، متلغبطة أوي ومحتارة، مش عارفة أرسى على بر، ولا عارفة ساسي من راسي. هدى بإنصات: احكيلي، احنا أصحاب قبل ما نكون أم وبنتها، وأنا ربيتك أنا وأبوكي طول عمرك على الصراحة. حور بتنهيدة طويلة. هدى بخضة: بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا حور؟ قلبي اتوخوش عليكي أكتر بعد التنهيدة دي. احكي يا ضنايا وطلعي اللي كاتم على قلبك. حور: جبل. هدى بنظرة بمعنى: كملي.
حور: بقاله فترة عمال يحوم حواليا، ومش عارفة غرضه مني إيه. هدى بهدوء: جبل ده ابن الجماعة اللي جم الحتة جداد، صح؟ حور بهزة رأس: أيوه هو. هدى: وانتي إيه كلامك معاه؟ حور: ولا حاجة، الرد على قد السؤال، والرد على قد السلام، بس حاسة بحاجة غريبة، وكل شوية ينطلي زي فرقع لوز، منين ما أروح الاقيه ورايا.
هدى بتفهم: امممم، طيب بصي يا ضنايا، خليكي زي ما انتي، واللي عايز الباب مفتوح ويا أهلا وسهلا، واللي نيته غير كده، يفتح الله. خليكي عالية، اللي عايزك لازم يعافر عشان يوصلك، خليكي غالية أوي، اللي شاري يكع دم قلبه عشان ياخدك عشان يصونك. البنت الخفيفة والرخيصة ملهاش تمن عند الرجالة، عاملة زي السيجارة، أولها في بوقه، وآخرها تحت جزمته، أصلها رخيصة والكل يقدر يشتريها.
أما حتة الألماظ بيحافظ عليها، يتزين ويتباهى بيها، ميقدرش في يوم يرميها أو يدوس عليها، عشان غالية أوي، كع دم قلبه فيها، مش أي حد يقدر على تمنها. فهمتي؟ قال: "مالك مغليها؟ قال: "دافع دم قلبي فيها." فهمتي يا ضنايا؟ حور بهزة رأس: فهمت يا أما، ربنا يديمك سند ليا. هدى: ربنا يريح قلبك وبالك، ويكتبلك الصالح. خلي قلبك غالي يا بنت قلبي، أوعي، سامعة؟
أوعي في يوم تفرطي في قلبك ولا نفسك، ولا تتنازلي. التنازل عامل زي حتة الكروشيه، لو فكيتي أول عقدة، الباقي بيكر ورا بعضه، مبيوقفش. حور: طمنيني قلبك يا أم حور، بتك صاينه قلبها ونفسها للي يستاهله، وخايفة من ربها قبل خوف من الناس، وعشان عامر الله يرحمه ميستحقش اسمه يتذكر إلا بكل خير. هدى ضمت بنتها لحضنها بحنان وحب: ربنا يطمن قلبك ويجعله للي يستاهله. حور: آمين يارب العالمين. *** مر شهر، والحال كما هو الحال، لم يتغير الوضع.
بل بالعكس، زاد تعلق جبل بحور، ووصل للحب بمرحلة صعبة. جبل بشرود لنفسه: آآآه يا حوريتي، طلعتيلي منين؟ خطفتي قلبي؟ اشمعنى انتي من دون بنات حوا؟ آآآه يا قلبي منك يا حووور. فاق من شروده على إيد بتخبط على كتفه. رامي: إيه يا ابني؟ بقالك فترة متغير، وبقيت أغلب الوقت سرحان. مالك يا صاحبي؟ جبل بتنهيدة طويلة، غمض عينيه. رامي بذهول: يااااه، إيه التنهيدة دي كلها؟ شكلك تعبان. مالك؟ احكي، احكي وسرك في بير.
جبل: الموضوع مش زي ما انت فاهم، الموضوع صعب شوية. رامي برفعة حاجب: طيب فهمني، واحدة واحدة، والصعب هنلاقي له حل إن شاء الله. جبل: بحب واحدة. رامي بذهول ورفع أذان الاستشعار والانصات: وإيه المشكلة؟ حب من طرف واحد يعني؟ جبل بهزة رأس: لا، المسألة مش كده، المسألة إننا مختلفين زي الليل والنهار. رامي بمحاولة للفهم: إزاي يعني؟
جبل: هي مسترجلة أوي، شغالة في ورشة ميكانيكا بتاع أبوها، ظروف المادية على قدها، بت تركيبة غريبة، اتعرفت عليها في خناقة مع أمي، بعدها روحت أعتذرلها لما عرفت إن ماما هي اللي كانت غلطانة، بس بقت عادة عندي، لحد ما بقى قلبي بيعمل مزيكا حسب الله كل ما عيني تقع عليها. رامي بذهول: دانت وقعت ومحدش سمى عليك يا ابني! طيب إيه المشكلة؟ إنها مادياً مش زيكم؟
الفلوس مش كل حاجة. ثانياً، اللي زي دي بنت بلد وجدعة، ويوم ما جوزها يقع في مشكلة، هاتكون السند والعون ليه. اللي زي دي دهب أصلي، عمر الدنيا ما تغير أساسه. اللي زي دي هاتكون ملك لجوزها، وأنثى بمعنى الكلمة، هاتعيش مع جوزها كل اللي اتحرمت منه. اللي زي دي يا صاحبي، سكتها واحدة، الحلال، وادخل البيت من بابه، ومادام بتحبها، عافر وأثبت حبك ليها بالفعل. جبل: يا ابني افهمني، مش بالسهولة دي. أهلي هايرفضوا. رامي: أهلك ولا أمك؟
جبل بتنهيدة: أمي، والأكيد إنها هاتقنع بابا إنها مش مناسبة لي. رامي: لو بتحبها، حارب عشانها. ده اللي أقدر أنصحك بيه. الحب زي القدر، لما تصادف قدرك، لو زي حبيبتك، اوعي تفرط فيها. والباقي شكليات. وبالنسبة لأبوك، فهو عارف أمك وحافظها، وبياخدها على قد عقلها، بس وقت الجد، أبوك في قراراته حازم وصارم. فكر وخد قرارك بالعقل، وحدد خطواتك عشان مترجعش تندم بعد كده. سلام يا صاحبي.
جبل وزادت حيرته أضعاف مضاعفة، ولكن قرر إنه لازم ياخد خطوة عشان يقدر يحدد موقفه ويحسم الحيرة دي نهائي. رجع بيته على غير عادته، على طول شارد ومش مركز مع أي حد. همام: مالك يا جبل؟ ملاحظ إنك بقالك فترة طويلة شارد في ملكوت لوحدك، ومتقولش مشكلة في الشغل والحجج العبيطة دي. جبل بتنهيدة طويلة، بص لأبوه نظرة وجع. همام جعد ملامح وشه: يااااه، للدرجة دي الموضوع صعب؟ دي تنهيدة وجع. جبل اكتفى بهز رأسه وميل دماغه للأرض.
همام رفع دماغه بإيده: بص في عيني وقولي مالك؟ إيه اللي صابك وايه اللي فيك؟ احنا أصحاب مش أب وابنه. جبل: مش هاتفهمني. همام: جرب، متحكمش من غير تجربة. امتى خذلتك؟ عشان دلوقتي أخذلك أو مبقاش فاهم وجعك؟ جبل: بحب. همام هز رأسه: تمام. كمل. جبل: أكمل إيه؟ بحب. همام: أيوه فهمت، بتحب. وبعدين ماله الحب؟ من طرف واحد مش متكافئ؟ رفضتك؟ إيه المشكلة؟ جبل بتردد: لأ، هي متعرفش أصلاً. همام بهدوء: بمعنى إيه؟
جبل: يعني مشاعري جوايا، مقولتلهاش عليها، بس إحساس جوايا إنها بتبادلني نفس الشعور. همام لمح ثريا واقفة تتصنت عليهم: طيب يلا نوصل المحل، نتطمن على العمال وصلوا لفين، ونكمل كلام. نزل جبل وهمام لتحت البيت. همام بصوت عالي: الله ينور يا رجالة. العمال بصوت عالي وفي صوت واحد: الله يخليك يا حاج. همام شد كرسي وقعد عليه، وشاور لجبل يقعد قصاده. همام: اقعد بقى واحكيلي، وخليني نفكر مع بعض. جبل: ليه مخلتناش نكمل كلامنا فوق؟
همام: عشان عادة أمك في تلميع الأوكر. جبل بإبتسامة بسيطة: عندك حق، وخصوصا الموضوع ده مينفعش ماما تعرف عنه حاجة دلوقتي خالص. همام: يااااه، للدرجة دي الموضوع صعب؟ جبل: فوق ما تتخيل. همام: احكيلي، وسيب الحكم للآخر. جبل: حور. همام جعد ملامح وشه: حور مين؟ الاسم مش غريب على وداني. جبل بلع ريقه وكمل: اللي اتخانقت مع ماما. همام: آآآه، مالها حور؟ جبل: هي البنت اللي بحبها. همام: طيب، وإيه المشكلة يعني؟
جبل: ماما طول عمرها بتحب المظاهر، وكمان خناقتها مع حور قفلت ماما من ناحيتها. أنا وحور عاملين زي طريقين مختلفين، هي عايشة ومتربية في الحارة، متعودة على أسلوب الدراع والصوت العالي والشرشحة.
بس برغم كل ده، خطفت قلبي، كل ما بشوفها قلبي بيتخطف، بحس إن عيني مش شايفة من الدنيا غيرها، طول الوقت عقلي وقلبي معاها، بقيت عامل زي العيل المراهق، بفكر في كل حاجة تخصها، حفظت كل تفصيلة من حياتها، كل حركة بتعملها، كل ضحكة، امتى بتكون مجاملة وامتى بتكون من قلبها، وشها اللي بيحمر لما بتتعصب، خوفها اللي بتداريه ورا صوتها العالي، العباية السودا اللي بترسمها زي بنت البلد على حق، تحس إنها معموله مخصوص عشانها، مناقرتها مع البيعين عشان تجبر بخاطرهم، حتى زيارة كل خميس للمقابر، وجركان الميه اللي دايمًا تاخده وتسقي الصبار اللي على قبر أبوها.
جبل كان بيتكلم وهو سرحان ونسي أبوه اللي قاعد قدامه وعينيه قربت تطلع من الذهول. همام بذهول: إيه؟ حيلك حيلك، دانت وقعت ولا حد سمى عليك، للدرجة دي يا جبل؟ ده أنا كنت بقول إنك اسم على مسمى، بس طلع للجبل قلب واتخطف كمان. جبل فاق من شروده: ها، ياريت أقدر أرجع قلبي واللي ملكت قلبي يا أبو جبل. همام: وإيه اللي يمنع؟ اللي زي دي ليه داخلة واحدة البيت من بابه يا ابن همام؟ جبل: مش بسهولة يا حاج، أمي هاتعمل مصيبة.
همام بحزم: لو هاتفضل طول عمرك ماشي بشورة أمك، يبقى بلاش تظلم بنات الناس معاك، سامع يا ابن همام؟ خليك راجل، صوتك من دماغك. أمك طول عمرها عايشة على الفشخرة الكدابة والمظاهر وبس، تحب تهين ومحدش يرد، تحب تؤمر والكل يقول سمعاً وطاعة، فاهم؟ خليك راجل، صوتك من دماغك، وحارب اللي زي دي، بنت بلد تسندك وتصونك، وبنت بألف راجل. اسمع من أبوك، وسيبك من كلام الحريم اللي لا بيودي ولا بيجيب، فاهم؟ جبل: فاهم يا بابا.
همام: ناوي تاخد خطوة جد ولا إيه؟ جبل: إن شاء الله، هافاتح أمي وأقنعها، وأبلغ الجماعة عشان ناخد ميعاد. همام بإبتسامة نصر: على بركة الله، ده اليوم اللي اتمنيته من يوم ما شلتك حتة لحمة حمرا في إيدي. جبل ميل، باص إيد أبوه: ربنا يخليك لينا يا حاج. همام: ربنا يرضى عليك ويبارك فيك ويسعدك. *** طلع همام وجبل تاني، بس المرة دي اختلفت الأمور. ثريا بلؤم: تتغدوا ولا اتغديتوا تحت؟ همام
بتركيز شديد مع ملامح ثريا: لا، هنتغدى هنا، وأنا سبت فلوس للعمال تحت عشان يجيبوا غدا. ثريا بلوية بوق: طيب وماله، ربنا يقدرك على فعل الخير، بس والله موضوع المحل ده عمره ما دخل دماغي بقرش. همام: مش مهم يدخل دماغك، المهم يدخل دماغي أنا ومقتنع بيه. يلا حطي الغدا خلينا ناكل لقمة ونقوم نشوف اللي ورانا. اتحط الأكل، والكل اتجمع ياكل في صمت رهيب. ياترى اللي جاي مخبي إيه تاني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!