الفصل 4 | من 6 فصل

رواية طيف السلطان الفصل الرابع 4 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
22
كلمة
1,962
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

شعرت بالأمان للمرة الأولى منذ أمد بعيد. منذ تناول منها العصى بصمت وأشار لها لتتابع طريقها ثم غاب عن ناظريها، لكنها تعلم أنه هناك. كم هو شعور ممتع أن تشعر بشخص مهتم لأجلها هي. وهي قد اعتادت تهميش الجميع والحياة أيضًا. كانت أوقاتًا تظن أنها لا ترى للأعين، وأن هؤلاء الناس لا يرونها إلا وقت حاجتهم لعملها الذي يسخرونها فيه لقاء القليل من المال. كثيرًا ما رأت اسمها مطابقًا لحياتها؛ طيف لا يرى ولا يشعر أحد بوجوده.

تسير بين الناس لا تتربص بها سوى الأعين الجائعة لجمالها، والذي مهما حاولت إخفاءه يراه من يشتد جوعه لها. للمرة الأولى تقطع هذا الطريق وتتمنى ألا ينتهي، فقط لتشعر أنها بعنايته لفترة أطول. كادت أن تصل لتدور على أعقابها تبحث بعينيها عنه لتراه على مقربة منها. بادلها ابتسامة صافية لم تر مثلها على وجه رجل منذ الأزل. رأت بعينيه نقاء لم تره بعيني رجل غير أبيها. استشعرت بقربه طمأنينة لم تشعر بها مطلقًا.

هل يمكن أن تشعر بكل هذا وهي قد رأته منذ ساعات؟ كيف ومتى تبدلت مشاعرها تجاه الرجال؟ ربما لأنه أول من رأت من الرجال. تقدمت نحو منزلها المتهالك بنفس مطمئنة ولم تنظر للخلف، فهي تثق أنه لازال هناك. *** دخل سلطان المنزل الهادئ كالعادة ليتجه نحو غرفة أمه. فتح الباب وأطل عليها وكانت على نفس وضعها الذي لم يعد يتغير سوى في مرات معدودة. تقدم نحوها بمرح: السلام عليكم.. عاملة إيه يا حاجة.

نظرت نحوه براحة: عليكم السلام يا نور عيني. وضع الطعام أمامها لتمسك الأرغفة متسائلة: انت جايب العيش ده منين؟ ابتسم سلطان: خابر إنه هيعجبك.. واحدة بتبيعه على الطريق. اقتطعت قطعة ورفعتها تشم رائحتها لتبتسم ثم تضعها بفمها فورًا. أستلذت المذاق: تسلم يدها.. ابقى هات لي منها على طول. اتسعت ابتسامة سلطان: بس كده من عنيا.. دوقي السمك كمان. هزت رأسها رفضًا: لاه هات لي حتة جبنة من الزلعة.

ابتسم وأسرع يلبى رغبتها، بل وشاركها وجبتها التي طلبت. تذكر فورًا تلك الوجبة التي كانت في الماضي لأيام عديدة كل ما يملكون. أصبحت اليوم تشتهيها الأنفس وتتمناها أحيانًا. *** دخلت طيف لتتجه نحو أبيها فورًا: مش هتصدق يا أبا، أول مرة في حياتي أكسب مبلغ كبير كده. أنا لازم النهاردة أعملك فرخة. ابتسم عبيد بضعف: فرخة مرة واحدة! لا يا بنتي وفري الفلوس هتنفعك وأنا هاكل شوربة خضار زي كل يوم، وأنت نامي شوية أنت سهرانة أغلب الليل.

انتفضت واقفة: لا هتاكل شوربة فراخ وأنا هنزل السوق أجيب دقيق، هجيب فرخة معايا. غادرت من جديد بعد استراحة قصيرة وعادت مسرعة. أعدت الطعام الفاخر الذي لا يتناولانه سوى على فترات متباعدة ثم خلدت للنوم سريعًا، فهي أمامها ليلة طويلة. كانت ليلتها تشابه البارحة، لكنها اليوم تعمل بحماس أكبر فقد وثقت فيما ستجني من ربح بفضل تلك الأرغفة. *** أغمض سلطان عينيه أمام فرشته يبغي بعض الراحة بعد يوم مهلك.

تراءت صورتها خلف أجفانه المغلقة ليفتح عينيه وينظر إلى حيث كانت جالسة منذ ساعات. عاد يرخي أجفانه مبتسمًا، مرحبًا بصورتها التي تعلن الاستيلاء على تفكيره، فلا يملك إلا استسلامًا غير مشروط. *** وقف في الصباح التالي أمام بضاعته يراقب موقع ظهورها الذي شعر أنه تأخر، لكنه يشعر ببعض الراحة لوجود نمر الذي يرمقه بنظرات منكسرة منذ ظهر صباحًا. اقترب منه حكيم متسائلاً: مالك يا سلطان؟ سرحان من ساعة ما رجعت.

رفع سلطان عينيه نحوه: ابدأ مش سرحان، هات قهوة يا حكيم. اقترب حكيم برأسه منه: مش البت طيف اتأخرت؟ نهره بعينيه: إيه البت دي! ما تحترم نفسك يا حكيم. اعتدل حكيم ضاحكًا: امال هي ولد! لما تتجوز هقولها يا ست طيف.. مبسوط يا سيدي؟ زفر سلطان: حكيم أنت فاضي شكلك وأنا مش رايق، روح هات القهوة. هز حكيم رأسه أسفًا وتحرك نحو القهوة لتظهر أمامه تسير بخطى ثابتة لينتفض قلبه: ولا أقولك بلاش.. بلاش.

تحركت عيناه معها وهي تراقب الطريق لتعبر نحو القهوة التي ستقف بجوارها. رفعت كفها بالتحية ليهلل حكيم بلا مناسبة: صباح الخير يا طيف.. اتأخرت كده ليه ده واحد واخد عيش امبارح سأل عليك؟ وضعت حمولتها بسلاسة: معلش كله نصيب.. كنت بملى ميه وأطمن على أبويا. نظرت نحوه بطرف خفي: يسعد صباحك يا سلطان. لانت ملامحه فورًا: وصباحك يا طيف.. أمي عجبها العيش، اعملي حسابنا كل يوم.

تهلل وجهها الظاهر له وقلبها الخفي عنه دون أن تحمل نفسها عناء معرفة سبب تلك النبضات القوية وهي تجيب بهدوء: بس كده من عنيا الاتنين. لم يتحرك عن مقعده الذي وضعه منذ الصباح الباكر بالقرب من المكان الذي جلست به أمس، ليكن على مقربة منها قدر الاستطاعة.

ورغم أنه حفظ تلك القسمات في سويعات بالأمس، لم يمنعه ذلك من استراق النظر عله أغفل أحد تفاصيل براءة وجهها الذي أسلم قلبه رآيته لها فور رؤيتها وقبل أن يعلم أنه قد يحظى بقرب منها. شرد سلطان في يوم أمس. حين ظهرت طيف على الاتجاه المعاكس من الطريق، أسرته تلك البراءة بملامحها. تساءل فور ظهورها عن سبب تواجد مثلها على قارعة الطريق الذي لا يخلو من الوجوه القاسية والقلوب الأشد قسوة.

وحين رأى هذا الهمجي يتعرض لها، أسرته مرة أخرى بتلك القوة التي رآها تتحداه بها رغم أنها ليست ندًا له. المرأة القوية.. صورة مبهرة أشعلت حواسه ليسمع حوارها مع حكيم عن الزواج. لم يهتم سوى بأنها غير متزوجة، أما رفضها الزواج فمجرد فكرة يسهل تغييرها. عاد من شروده على صوت أحد زبائنه ليتحرك مبتعدًا عنها ببدنه فقط. *** تحرك ياسر نحو باب المنزل لتوقفه أمه: يا بني رايح فين وانت تعبان كده؟ نظر لها مدعيًا

الهدوء: هتمشي شوية وراجع.. ما تخافيش عليا أنا راجل مش بت لكل حركة بسؤال يا أما! ربتت فوق صدره بحنان: يا بني مش قصدي.. أنا خايفة حد يتعرض لك ما انت ياسر ابن الشيخ يونس وبرضه مطمع للحرامية.. اديك شايف راسك لسه ما فكتش الرباط. تقلصت ملامحه: جرى إيه دي حادثة ممكن تحصل لأي حد؟ مش حكاية علشان كل شوية نتكلم فيها.. أنا ماشي. غادر فورًا لتضرب كفيها بحزن: أكيد عين وصابتنا لازم أبخر وأطلع حاجة لله.

تحرك ياسر فورًا نحو منزلها، سينزل بها أشد انتقام ويطيح بها. ستأتيه ذليلة خاضعة يمن عليها. اخترق الزراعات نحو المنزل الوحيد القابع بتلك البقعة. أولئك الفقراء البؤساء تتنافر منازلهم عن بعضها بفضل أصحاب الأراضي الذين لا يدخرون جهدًا لتشريدهم كلما سنحت لهم الفرصة. هو نفسه سيفعل ذلك بعد أن يستلم أراضي والده. نفخ بضيق وهو يتذكر ما يقوم به والده تجاه هؤلاء المتطفلين برأيه.

تلك الفتاة وأبيها ومنزلهما البائس يحتلون أرض أبيه الذي لم يمانع ذلك. وصل ليطرق الباب بكل ما بقلبه من أحقاد تجاه تلك التي تجرأت ورفضته بل وتطاولت عليه أيضًا وأصابته تلك الإصابة التي ستجعله يذكرها مدى الحياة ويكرهها لمدى الحياة أيضًا، لكن تلك الكراهية ستكون النيران التي يحرقها بها ولن يكتفي بنيلها. لم يعد ذلك خيارًا متاحًا لها بعد فعلتها الشنيعة تجاهه.

بل لم يعد نيلها مقصده الأول، سيدهسها بقدميه حتى تنزوي كرامتها المزعومة وتزهق روح مقاومتها الشرسة، ثم لن يبذل جهدًا لنيلها فستكون متاحة له ومن بعده للجميع. وقف متأففًا بضيق لدقائق حتى فتح أبوها الباب وهو يستند لإطاره بضعف. احتلت الدهشة ملامح الرجل: ياسر بيه؟ اتفضل أهلاً وسهلاً. وقف ياسر مكانه ونظر لعبيد بغضب: اتفضل فين؟ أنا أدخل الزريبة دي؟ أفف. شعر الرجل بحرج شديد وظهر عليه ذلك ليبدأ

ياسر تسديد نصاله السامة: بص يا عبيد أنا جيت لك على السكة اهو، يا تحوش بنتك عني يا أفضحها. قاطعه عبيد بلهفة: بنتي؟ مالها طيف جرى منها حاجة؟ سكنت أحقاده قليلًا وهو يرى كلماته تأتي بما تمنى فيتابع: أنا مش هكدب وأقول ما كنتش معاها مرتين تلاتة، لكن ده طيش مني مش أكتر. لكن ترمي بلاها عليا وتفكر أني ممكن أتزوجها أدفنها لك تحت رجلك.. أنا ياسر ابن الشيخ يونس كبير الناحية وكل البنات يتمنوا إشارة مني. عاد عبيد يقاطعه

بأنفاس لاهثة ووجه شاحب: كنت معاها إزاي يعني؟ انت قصدك إيه؟ أجاب ياسر بنفس الحدة: هو إيه اللي إزاي هتستهبل؟ زي أي راجل وست وبعدين فكرها إني ما كنتش أول واحد يعني، تتلم بدل ما يلمها القبر. أنا حذرتك، أنت راجل كبير وغالي على أبويا، لكن لا أنت ولا هي أغلى مني في ساعة العشة دي تنهد على دماغكم.. أنا ماشي. وتحرك مغادرًا وقد رأى أثر كلماته ليبتسم بخبث، فبعد ساعات سيعلم بمقتل تلك الفتاة أو على الأقل نزوحها وأبيها عن البلدة.

لن يضطر أن يواجه نظراتها القوية المتشفية مجددًا ولن يفعل. أغلق عبيد الباب وقد أختنق صدره. بدأ السعال يهاجمه بضراوة. طيف! لا، لن يصدق ادعاء هذا الفاجر. طيف! تعالت وتيرة الألم ليرفع رأسه نحو السماء التي تظهر له من سقف منزله المهترئ. أعين باكية وقلب ذبيح توجها إلى السماء بينما عجز لسانه عن النطق لتسارع أنفاسه التي بدأت تشق صدره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...