الفصل 3 | من 6 فصل

رواية طيف السلطان الفصل الثالث 3 - بقلم قسمة الشبيني

المشاهدات
20
كلمة
1,870
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تطلعت لصاحب الصوت فوجدته ذو بنية جسدية تقل كثيراً عن المتعدى. زاد ضيقها وتوجست خيفة أن هذا الضخم سيبرح هذا الشاب ضرباً وسيكون يومها الأول هو الأخير. أشاح الضخم بكفه: "مالكش فيه يا نمر.. دى بت عاوزة تتربى علشان تعرف مين كبير الطريق." اقترب الشاب فوقف بينها وبينه: "ومن امته الطريق ليه كبير يا نمر؟ انت علشان سكتنا عليك هتسوق فيها ولا إيه؟

زاد غضب هذا النمر وتحول نحو المدعو سلطان ناهراً: "أنا كبير الطريق يا سلطان ومفيش حد هيقف يسترزق هنا غير بإذني وبعد ما يدفع المعلوم كمان. ارفع صوته ناظراً حوله: والكلام للكل.. من النهاردة فى معاملة جديدة." عاد ينظر لها: "وانت كفاية عليكى البريزة اللى اخدتيها من الزبون وباقى العيش معلوم الأسبوع."

جذب سلطان منه الوعاء بنفس الطريقة التى سلباها إياه بها. اتسعت عينيه وهو ينظر لكفيه خاويين وفى لحظة كان الخبز بين يديها لتتراجع بخوف. رفع نمر كفه وقبل أن يتمكن من لكم سلطان، كان الأخير يضربه بتلك العصا الغليظة التى يحملها. أسرع البعض يقترب لكن زاد الأمر سوءاً مع اندفاع نمر نحو سلطان ليطرحه أرضاً. أمسك رجلان نمر يعيدانه للخلف لينتفض سلطان واقفاً على قدميه مجدداً. أسرع بعصاه يعيد الكرة لكن أحدهم

طوق خصره وأعاده للخلف: "خلاص يا سلطان ده واد شرانى." لكن سلطان دفع ممسكه عنه: "هملني يا حكيم.. هو فاكر هيعمل علينا كبير." أحاط الجميع مجموعة من الرجال أشداء البنية وقد بسطوا أذرعهم الغليظة ليقول أحدهم أمراً: "كله عند الحج رماح يلا." ربت هذا الشاب فوق كتف صاحبه يهدأ من غضبه وأحدهم يشير لها: "وانت معاهم يا ست."

تحرك الجميع وعلى رأسهم نمر نحو مبنى جانبي مكون من دور واحد وقد تراصت أمامه العديد من السيارات والتى كما يبدو لها معدة للبيع. في غرفة جانبية أغلب جدرانها من الزجاج جلس رجل في عقده السادس خلف مكتب فخم. دارت عيناه على الوجوه لتتوقف عند نمر: "وبعدين يا نمر؟ كل يومين خناقة ودوشة وهتلم البوليس على المنطقة وكلنا نتأذى فى أكل عيشنا علشان جشعك."

نظر نمر أرضاً: "يا حج رماح ماينفعش الطريق ما يبقاش له كبير.. وأنا أحق واحد محدش شغال هنا زيي." ابتسم رماح بتهكم: "هو انت بتشتغل أصلاً؟ انت واقف تترازل على خلق الله وقلت لك قبل كده بلاغ صغير هتتسحب لوحدك والطريق يفضل نضيف."

فهمت من الحوار أن هذا النمر حديث العهد بوجوده هنا لكنه ترك أثراً سيئاً في نفوس الجميع، فعمله الذي يتشدق به ينحصر في جباية المال من الضعفاء في الغالب وقد كسدت بضاعته التي لم تزد عن علب السجائر والمناديل الورقية فيبدو أن ملامحه الفظة تنفر الزبائن منه أو ربما هيئته التي يبالغ في إظهار قوتها.

تحذير شديد اللهجة من هذا الوقور كان كافياً لتنكيس رأسه والإذعان. نظر لها الرجل أخيراً بعد أن أشبعها توبيخاً: "وانت يا بنتي إيه رماكِ الناحية دي؟ تلفتت حولها وكأنها تتأكد أنه يتحدث لها ثم قالت: "أكل العيش يا حج.. أنا بخبز طول الليل في الرغيفين دول وما حلتيش غير تمنهم عاوزة أرجع بيه وكنت واقفة في حالي والله." اعترض نمر: "لا واقفة جمب نصبتي هي تبيع وأنا ينخرب بيتي." نظر له رماح مستخفاً

ثم عاد لها قال: "هو صعب تلاقي حد يرضى تقفي جمبه والجهة زي ما انت شايفة مافيهاش متر فاضي.. شوفي لك حتة تانية تقفي فيها." اعترضت هي أيضاً: "دي أقرب منطقة لنواحينا وأنا باجي وهروح مشي.. أروح فين بس؟ أسرع شاب من الموجودين: "تقف قدام قهوتي يا حج وربنا يرزق الجميع." أومأ الحاج مستحسناً: "ماشي يا حكيم أُقله زباينك كلهم يشوفوها." اتفضلوا. لاحظت أنه لم يتحدث طيلة تواجدهم بمكتب هذا الوقور. كان نمر أول المغادرين أيضاً

ليناديه رماح: "سلطان." نظر له الفتى بتأدب: "أمرك يا حج." ابتسم الرجل بمودة بالغة: "يسلم دراعك.. سكوت الناس وخوفهم هو اللي بيكبر أمثاله." ابتسم سلطان وأفسح الجميع لها مجالا لتمر أولا لتشعر أن هذا المكان رغم كل آفاته إلا أن هؤلاء الرجال يعلمون كيفية معاملة امرأة. وهي لم تحظ كثيراً بتلك المعاملة الراقية.

وقفت أمام المقهى حيث حدد لها حكيم، على الطرف الآخر يقف نمر متربصاً لها ناقماً عليها ويتمنى أن يحصل على فرصة أخرى لتأديبها. بدأ بعض رواد المقهى من السائقين يسأل عن خبزها والبعض ابتاع منها بعضاً منه. اقترب منها حكيم ليقدم لها كوباً من الشاي: "خدي يا بنت عمي اعدلي راسك." تناولته منه برحابة: "إن شاء الله يسعدك.. بكام الشاي؟ ابتسم حكيم: "المرة دي علينا من بكرة تدفعي. بس انت إيه رماكِ على الغلب ده؟

هزت رأسها: "أكل العيش ما هو اللي ياكل قطمة يلطم لطمة." ضحك حكيم: "بس الكلام ده مش للحريم لامؤاخذة.. انت مش متجوزة ولا إيه؟ أشاحت برأسها: "ولا متجوزة ولا عاوزة اتجوز." ضحك حكيم مجدداً: "عملت طيب هههههه.. لو عوزتي حاجة نادى عليا. بس أي حاجة إلا الجواز." ضحكا معا وعاد لعمله وعادت تنتظر زبائن يلقي بهم الجوع في طريق ارغفتها التي يتضاءل عددها مع مرور الوقت.

كان يراقبها منذ جلست بمحاذاته ولحسن حظه كان مقعده مقابلاً لها من الأساس فلم يضطر إلى إظهار اهتمامه بها. سعد لمجرد رواج خبزها الذي بدا له شهياً واخترقت رائحته المحملة باحتراق الحطب صدره حين انتزعه من نمر الذي لم يخف عليه تربصه بها وسوء النية الواضح بنظراته المتوعدة. تشجع بدفع من معدته ليتجه نحوها متسائلاً: "انت يا... اسمك ايه؟ رفعت رأسها تنظر له: "طيف أسمى طيف." ردد بتعجب: "طيف!! اسم غريب.. تعرفي طيف يعني إيه؟

تصادف مرور حكيم الذي ضحك مجدداً: "ههههه يعني عفريت هههههه." شهقت ونظرت له وكأنها تستنجد به لرفع هذا المعنى عنها لينهره برفق: "بس يا جاهل.. طيف يعني خيال." ابتسمت بخجل: "هو انت متعلم؟ هو انت اسمك سلطان." هز رأسه مبتسماً: "السلطان.. أسمى السلطان ما اعرفش ابويا كان نفسه في الحكم ولا إيه؟ اتسعت ابتسامتها لينظر نحو الخبز وينحني ليحمل بعضاً منه: "أمي هتفرح بالعيش ده جوي جوي." عادت تتطلع لوجهه: "لا هو انت صعيدي؟

رفع حاجبًا واحدًا: "أيوه صعيدي." أشاحت وجهها عنه: "أجدع ناس." ابتسم وقدم لها المال لتحاول رفضه لكنه أصر على أن يدفع وهو في الواقع كان يستزيد من وقته معها. جمعت المال الذي حصلت عليه بسعادة غامرة، إنه أكبر مبلغ حصلت عليه بحياتها صرته بمنديل قماش قديم ودسته بجيبها لتنهض حامدة الله على فيض كرمه. اتجهت نحو القهوة تخبر حكيم أنها ستغادر وتعود في الصباح ثم انصرفت.

وقف حكيم يراقب عبورها الطريق ثم هرولت تجاه منطقة زراعية ولم تمر لحظات حتى كان نمر يتلفت حوله ويتبعها. أسرع حكيم نحو سلطان: "شايف يا سلطان؟ اتجه سلطان نحو الطريق وعصاه بكفه: "خد بالك من الفرشة." عبر الطريق مسرعاً ليتخذ نفس الاتجاه والذي لم يكن صعباً عليه السير فيه ولم يكن صعباً أيضاً تتبع نمر. سارت لدقائق قبل أن يلحق بها نمر: "استنى عندك يا مقصوفة الرقبة." نظرت للخلف

لترى نمر فتقف أمامه بتحدي: "انت عاوز ايه يا جدع انت؟ مد كفه لها: "هاتي الفلوس اللي معاكي وحسك عينك ترجعي للطريق تاني." ابتسمت بتهكم: "لا تكون فاكرني خايفة من طولك ولا من عرضك.. أنا ما صدقت لقيت مكان أسترزق فيه وبموتي أنكسر قدام واحد زيك." رفع نمر حاجبيه بدهشة: "لا ده انت لازم تتربي." التقطت حجراً من الأرض ورفعته مهددة: "لو قربت لي هجيب خبرك."

استمر نمر يتقدم منها ببطء ليخرج سلطان عن صمته رغم إعجابه بتلك القوة التي تتصدى له بها إلا أن قوتها لن تصمد أمام ثور بجسد بشري مثل نمر: "وبعدها لك يا نمر؟ دار نمر على عقبيه ينظر له: "ده الحكاية كبيرة على كده.. ونازلين الغيطان كده عيني عينك؟ تجهم وجه سلطان وقد وصل إليه ما يقصده من معنى: "انت إيه شيطان؟

هجم عليه نمر لينحني متفادياً هجومه ثم يبدأ رده بعدة ضربات مستخدماً عصاه التي يتقن استخدامها والتي أوقفت محاولات نمر لصدها مما منحه الوقت ليتقدم نحوه. ألقى العصا أرضاً وأمسك رأسه بكفيه وبضربة رأسية قوية زلزل صرح قوته المتصدع. تراجع نمر ليتقدم سلطان ويضربه أخرى فأخرى حتى أسقطه أرضاً. انحنى يمسك مقدمة ملابسه يجذبه نحوه بقوة: "عارف إن شوفتك في طريقها تاني يا نمر... قاطعه نمر: "مش هتشوفني يا سلطان مش هتشوفني."

جذبه مجدداً حتى التصق وجهيهما. رأى نمر احتراقاً بعيني سلطان وكأنهما مرجلين اشتد لهيبهما. شعر سلطان برجفة نمر فقال بحدة مشيراً لها وهمساً لم تسمعه هي: "دي طيف السلطان فاهم." أومأ نمر ليدفعه بحدة ويستقيم. وجدها تقف مبتسمة ببشاشة ممسكة بعصاه الذي أسقطه وكانت تلك الابتسامة كخزات المطر التي تساقطت فوق حطب مشتعل فأخمدت لهيبه بتروي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...