احمد بترجي وهو مازال يمسك بيد آسر:
علشان خاطري أنا يا آسر، إنك توافق وتتجوز تنسيم بنتي. أنا عارف أن الموضوع ده مش ساهل، بس الظروف ومرضي حكموا بكده. إني عاوز أطمن عليها قبل موتي، وأنا مش هطمن عليها غير معاك يا أسر. أنا واثق إنك الإنسان الوحيد اللي قادر تحميها من شر أمها. ميرفت مراتي مش هتسيبها في حالها، أنا عارف. أنا عاوز أموت وأنا مطمئن على بنتي الوحيدة. أنا طلقت ميرفت وكتبت كل حاجة باسم تنسيم بنتي، بس خايف عليها من أمها. دي واحدة حرباية ما عندهاش قلب
ولا ضمير، مش هتسيبها في حالها غير لما تاخد كل حاجة أنا كتبتها باسم تنسيم. هي هتغير لونها زي الحرباية وهتبين قدام الكل إنها عاوزة تنسيم تكون في حضنها، بس الحقيقة هي مش هتعوز غير الفلوس اللي أنا حسبتها باسم تنسيم. أنا عاوز بنتي تتربى في وسط أهلها، مش عايزها تبقى في دولة غريبة لوحدها. وأنا متأكد إن حصل لي حاجة، ميرفت هتعوز تاخد تنسيم وتسافر تركيا عشان تعيش معاها هناك. وزي ما أنتم كلكم شايفين، هي مش بتهتم بحاجة غير المال
والحفلات والسهرات اللي مالهاش لازمة. عشان كده إني طالب منك يا أسر إنك تكتب على تنسيم بنتي، وكده هتطمن إنها هتفضل في أمان بعيد عن شغل وشر أمها. عشان خاطري يا ولد عمي وافق يا أسر.
يرد أسر بحيرة وحزن: أنه لا يقدر أن يرفض شيء لصديقه عمر، لكن في نفس الوقت لا يقدر على تنفيذ هذا الطلب التي سوف يدمر حياة طفلة مسكينة ما لهاش ذنب في أي شيء يحدث. أسف يا ولدي عمي، مش هنقدر على تنفيذ طلبك.
يستيقظ آسر من شروده على صوت هذه التي تصرخ بصوت عال. تركض تنسيم إلى الخارج وهي تبكي وتصرخ بصوت عال، وهي تقف تحت ضوء القمر في الحديقة بينما تمطر السماء وفي وجود رياح قوية. تصرخ بصوت عال وتصرخ السماء معها كما لو كانت تشعر بحزن الأم هذه الطفلة المسكينة، وخصلات شعرها تحلق مع الرياح خلف ظهرها. بابا حبيبي، ليه مشيت وسبتني؟ ليه، ليه يا بابا؟ مش أنا عملت كل اللي أنت عاوزه؟ ليه سبتني ومشيت؟
بعد ما وافقت وتجوزت واحد أنا طول عمري بقول له يا عمو وبعتبره في مقامك يا بابا. أنت كذاب يا بابا، أنت كذاب. أيوه أنت كذبت علي لما قلت لي إنك ما تقدرش إنك تعيش من غيري. كذبت لما وعدتني إنك مش هتسبني لوحدي مهما يحصل. وعدتني وأنت عارف إنك هتمشي هتسبني ومش هتوفي بوعدك لي. ليه سبتني ومشيت يا بابا؟ أنا هعيش مع مين دلوقتي؟ مين لما أقوم من النوم ألاقيه مجهز لي الفطار عشان أفطر قبل ما أمشي المدرسة؟
مين هيسهر يذاكر لي في الامتحانات؟ مين هيحضني ويحميني من البرد اللي أنا حاسة به دلوقتي ده؟ أيوه أنا لسه أمي عايشة، بس أنا من غيرك يتيمة الأم والأب. أنا من غيرك ماليش حد يا بابا. أنا مش عاوزة حاجة غيرك أنت. ارجع تاني يا بابا، تعال بقا وحشتني أوي.
ثم تنهار بجسده فوق الأعشاب المبتلة التي تتراقص مع الرياح وهي تعزف وترقص تحت الأمطار، ومع أصوات الرياح والأمطار يصدر من بينهم عزف الشتاء. وهي تبكي بشدة وتقول من بين بكاء شديد وتنظر إلى السماء التي تبكي على بكائها:
والله وحشتني أوي يا بابا. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك قدرت ومشيت وسبتني إلى الأبد لوحدي وخلاص. مش هقدر أشوفك تاني خلاص يا بابا، مش هشوفك تاني. أنا مش مصدقة والله. يا ربي أنا تعبت أوي. أتمنى لو إني أكون بحلم أو أكون في كابوس وبابا هو اللي يجي يصحيني منه.
يقف الجميع خلف تنسيم ولا أحد يمتلك الشجاعة من أجل أن يقترب منها، من هذه الطفلة في هذه اللحظة وهذه الكلمات التي تتفوه بها هذه الفتاة التي جعلت قلوب كل من يقف خلفها تنفطر من شدة الحزن على حال هذا الطفلة. وبينما يبكي الجميع على بكاء تلك الطفلة، تأتي مرفت من الخلف وهي تحمل مظلة في يديها وتقف بجوار تنسيم التي تجلس على العشب تحت المطر، ثم أردفت قائلة بكلمات جافة مثل قلبها الذي جف منه الدم، وهكذا أصبحت تعيش بلا قلب. من أجل ذلك لم تراعي حزن ابنتها على ولدها الراحل، ولم تراعي أن ابنتها يتمزق قلبها من الحزن
على فراق ولده المتوفي:
تنسيم ياحبيبتي، تعالي ادخلي جوه. اللي حصل حصل وما فيش حد يقدر يعترض على أمر ربنا. بس ياحبيبتي، انتي ما تخافيش. طول ما أنا لسه موجودة معاكي، مش هسمح لأي مخلوق في الدنيا إنه يقرب منك أو يلمس شعرة من شعر راسك. أنا وانتي من بكرة هنسافر تركيا وها نعيش هناك. ما تخافيش ياحبيبتي، أمك لسه موجودة معاكي أهو. ولازم تتقبلي موت أبوكي لأن دي الحقيقة وما فيش أحد هيغيرها. يبقى ما فيش داعي إنك تعملي في نفسك كده، عشان مش هتقدري تغيري الحقيقة يا تنسيم. ها تتعبي نفسك على الفاضي ياحبيبتي.
تنزيم بعين دامعة إلى هذه المرأة التي تدعي أنها أم لها. لأن وأين كان كل هذا الاهتمام منذ زمان؟ أين كانت هذه الأم في أصعب فترة تمر عليها؟ أين كانت عندما مرض أبي وظللت أبكي ليالي بمفردي ولم أجد من يؤانسني في وحداتي؟ أين كانت عندما كنت بحاجة ماسة إلى أحضانها الدافئة تحميني من برد هذا الشتاء القارص؟ وما الذي تقوله لأن لا أحزن على فراق أبي الذي كان لي الأب والأم في نفس الوقت والسند القوي الذي لا يمل؟ كيف لا أحزن؟
كيف وأنا قلبي يتمزق وأنشق صدري من شدة حزني على فراق أبي حبيب قلبي؟ كانت كل هذه أسئلة في عين تنسيم، لكن من قسوة قلب هذه الأم لم تقدر. بجاهلة وقد عمي قلبها الذي ينبض داخل صدرها، ولم تستطيع أن ترى أو تقرأ حرف واحد من هذه الأسئلة التي تطرحها عين ابنتها عليها. يأتي صوت آسر قائلاً بجمود من خلفهم:
معك حق يا أمراة. اللي حصل حصل، ومحدش يقدر يعترض على أمر ربنا. وتنسيم خلاص بقت مراتي، ومحدش يقدر ياخد مرة من جوزها. مش أكده بردك يا حضرت المحامية؟ وتنسيم من الفجر وهتسافر معانا كلنا الصعيد. وانسي إنك تاخديها في أي مكان غير مصر. ترد مرفت بغضب وصوت عال وهي تنظر إلى أسر بحنق، بينما كان يرمقها أسر ببرود وهو يضع يداه الاثنين في جيب البنطلون: يعني إيه؟ هتاخدوا بنتي مني؟
ده يكون نجوم السما أقرب لكم. دي بنتي وما فيش قوة على وجه الأرض تقدر تاخد بنت من حضن أمها. ترد هالة قائلة باشمئزاز وهي تنظر بضيق إلى مرفت: وكان فين حضن أمها ده من وهي لسه بنت سنة؟ تفتكر أنهو يوم؟ هو يوم عيد ميلاد بنتك، عملتي لها إيه؟ عشان جايه دلوقتي تقولي بنتي وعاوزة في حضني؟
وزاي ما قالت تنسيم من شوية، هي من غير أبوها يتيمه الأم والأب. هي خسرت أم وأب النهارده، الله يرحمه. أحمد أخويا كان لابنته أم وأب وصاحب وصاحبه في نفس الوقت. ما خلاش تحس بغياب أمها اللي كل يوم في بلاد شكل. ونسيت إن عنده بنت محتاجة لحضنها؟ جايه بعد 16 سنة تقولي ما فيش قوة على وش الأرض تقدر تاخد بنت من حضن أمها؟ ولا عشان بقت هي الوريثة الوحيدة على كل حاجة، وإنتي طلعتي من المولد بل حمص؟
جايه دلوقتي تقولي بنتي وحبيبتي وابصر إيه؟ ترد مرفت قائلة وهي تمثل الحزن مثل الثعالب: أنا عارفة إني أنا كنت بعيدة جدا عن تنسيم بنتي، بس ده ما يعنيش إن أنا مش بحبها أو أنا مش أمها. أنا محامية مشهورة جدا، وكلكم عارفين كده. وشغلي كان بيجبرني إني أكون كل يوم في بلاد، بس أنا أم في النهاية وما أقدرش أعيش من غير بنتي.
يرد على هذه المخادعة التي تمثل الحزن من أجل أن تأخذ ابنتها، والجميع يعلم لماذا هي تريد ابنتها لأن أنها تريدها من أجل المال والثروة لا أكثر. قال الحاج عطية بهدوء عكس ما بداخله من أحزان وهموم:
والله ما فيش حد قال إنك حتتحرمي من بنتك يا حضرت المحامية. لو حب تفضلي مع بنتك، يا مرحب بيك. بس تنسيم مش هتسيب بلادها وأهلها وزوجها وتروح لمكان تاني. ومن الفجر، زي ما قال آسر، هنرْجع كلنا الصعيد. لو عاوزة تيجي معانا يا مرحب بيكي، بس تاخدي تنسيم لمكان يكون نجوم السما أقرب لك يا حضرت المحامية؟
بعد موت الأب بأسبوع، ذهبت تنسيم مع عائلة الحاج عطية إلى الصعيد. لكن حزنها على فراق والدها لم يزل بعض. دائما تجلس بمفردها لا تتحدث ولا تتعامل مع أحد وترفض الوجبات الغذائية. دائما وأصبحت من فتاة مرحة والجميع يحقد عليها بس جمالها الغير طبيعي إلى فتاة بائسة، ومن يراها يرتاعب منها من كثر ما سيطر الحزن على ملامح وجه الشاحب دائما.
أما مرفت، لم تجد خيار ثاني غير أنها تذهب مع عائلة الحاج عطية إلى الصعيد. لكن ليس من أجل حبها لابنتها، بل من أجل الجشع والطمع في الأموال. أما عائلة الحاج عطية، فالجميع يحب تنسيم ويهتم بها. أما آسر، فهو لا ينظر إلى تنسيم غير على أنها ابنة أخ وليست زوجة. يظل طول الوقت في العمل، لا يرجع إلى المنزل غير بعد ما الجميع يصبح نائم بسبب كثر الأعمال التي أصبح هو المسؤول الوحيد عن كل شيء بعد موت صديقه وشقيقه أحمد.
ولأن تجلس تنسيم في غرفة آسر على الفراش، ويجلس بجوارها الطفل حازم، ابن آسر، وهو يقول بحزن من أجل تنسيم الفتاة التي لم تحرمه يوماً من عطفها وحنانها: مالك يا بنت عمي؟ ليه ما بقيتي تتكلمي معي زي الأول؟ هو أنا عملت لك حاجة زعلتك مني؟ عشان كده ما تعوزي تتكلمي معي؟ لكن تنسيم كانت لا تسمع ولا ترى. فقط دموعها تتسابق على خديها بصمت. يقترب منها حازم ويضع كف يده الصغير على خديها، بينما كان يمسح آثار دموعها. وأصبح يبكي هو الآخر،
بينما لم يتوقف عن الحديث: تعرفي يا تنسيم، إني كمان زعلان قوي عشان موت أمي من قبل ما أشوفها. ومش عارف أشوفها غير في صورتها. بس إني بحبك جد أمي يا بنت عمي. اتكلمي معي يا تنسيم. أحب على يدك والله وحشتيني قوي يا تنسيم. ما تكوني زي أبويا ما يتكلم معاي ولا بشوفه زي أمي. تعرفي يا بنت عمي، إني عاوز أروح عند أمي. بس ما كنت بروح عشان أقعد معاكي عشان ما أخليكي تقعدي لوحدك. بس انت كمان ما تعوزي تتكلمي معي. عشان كده حروح عند أمي.
كل هذا يقف آسر على باب الغرفة، الذي رجع من منتصف الطريق من أجل أن يأخذ ملف العمل الذي لم يتذكر أخذه منذ البداية. وقبل أن يدخل إلى الغرفة، استمع إلى حديث ابنه الذي ما زال في 5 من عمره. تفوه بهذه الكلمات التي جعلت قلبه يتمزق. أربأ ولم يشعر بنفسه غير وهو يركض إلى الطفل، الذي أجبره الحزن على موت زوجته أن يظل بعيد البعد عن طفله ويحاول قدر الإمكان أن يظل خارج المنزل وبعيد عن طفله الذي يشبه أمه كثيراً. ويأخذ في أحضانه ويضمه إلى صدره أكثر فأكثر، كما لو كان سوف يتركه ويرحل حقاً. ولم يشعر غير بهذا الدموع الحارقة التي
تسللت على جبينه وهو يقول: تعوز تروح فين يا ولدي وتسيب أبوك لوحده يا حازم؟ أنت ما تعرفش إنك أنت النفس اللي أبوك يتنفس به يا حازم. أبوك والله ما أحتمل خسارة تاني يا ولدي. ما تقولش كده تاني. احب على يدك يا ولدي، ما تقولش كده تاني. وإنك تعوز تروح عند أمك وتسيب أبوك لوحده يا حازم. يرد حازم ببراءة قائلاً: خلاص يا بوي مش حأترككم أنت وتنسيم وأروح على مكان. بعد آسر طفله حازم من صدره وهو يقول: دي كلمة راجل يا حازم.
حازم بحزن طفولي: حأحاول يا بوي. آسر يقبض حاجبيه وهو يقول: حتحاول كيف يا حازم؟ الراجل وقت ما يقول كلمة لازم يكون قدها يا حازم، ما يقول ححاول. حازم: عارف يا بوي، بسي أنا زعلان عشان تنسيم ما بتتكلم معي. ومش عارف كيف أصلحها وأخليها ترجع تتكلم وتلعب معي زي الأول. والله يا بوي ما عملت ليها حاجة عشان تزعل مني كده وما تتكلم وترد عليا زي الأول.
ينظر آسر باتجاه تنسيم التي تجلس على الفراش كما لو كانت تمثال حجري لا يتحرك. ثم ينظر باتجاه صنية الطعام التي توجد على الرف بجوار الفراش الذي تجلس عليه تنسيم. وهو يقول: هي تنسيم ما أكلت حاجة من وقت ما طلعت؟ يرد حازم قائلاً: لا يا بوي، ما بترضى تاكل حاجة. ينظر آسر إلى حازم، ثم يقوم من فوق الأرض التي كان يركع عليها أمام طفله حازم. ثم يتجه نحو باب الغرفة وهو يقول بصوت عال: نور يا نور. تأتي نور وهي أبنة أخ آسر وهي تقول:
نعم يا عمي. تعوز حاجة؟ يرد آسر قائلاً بينما يشير بيده إلى الداخل على الطعام التي يوجد فوق الرف: أيوه يا نور، معلش خدي الأكل ده وهاتي غيره. تنظر نور إلى الطعام وهي تقول بحزن: والله يا عمي حاولت أخليها تاكل حاجة، ما رضيت تفتح حتى حنكها. يرد آسر: طب خدي أنت بس الصنية دي وهاتي أكل نضيف وتعالي. أنا حأعرف كيف حاخليها تاكل، مش تخافيش.
تنظر نور إلى عمها وهي تعلم كيف سوف يطعم تنسيم. ثم تدخل نور إلى الغرفة وتأخذ الطعام وتغادر الغرفة. ولم تمر خمس دقائق إلا وقد عادت نور مرة ثانية ومعها طعام غير الذي كان يوجد سابقاً. أردفت قائلة: أحط لك الأكل فين يا عمي؟ يرد آسر قائلاً: حطي على السرير يا نور وروحي أنت شوفي مذكرتك. شكراً تعبتك معي يا بنت أخوي. ترد نور قائلة: ولا تعب ولا حاجة يا عمي، بسي أهم حاجة أنها تاكل. يلا حنزل إني دلوقتي. حتعوز مني حاجة تاني يا عمي؟
يرد آسر قائلاً بينما جلس أمام تنسيم من أجل أن يطعمها: لا يا بنت أخوي، روحي أنت. متشكراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!