الفصل 2 | من 28 فصل

رواية تزوجني متملك قاسي الفصل الثاني 2 - بقلم صباح عبد الله

المشاهدات
48
كلمة
2,758
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

في منزل أحمد، يجلس كل من مرفت زوجته، التي لا يظهر عليها أي ردة فعل أو علامة حزن على وجهها تدل أنها حزينة على فراق زوجها وأب طفلتها الوحيدة، وأخواته البنات. هاتان اللتان لديهما قلب من حجر، لقد مرض شقيقهن الوحيد لثلاثة شهور ولم تذهب أي واحدة منهن يومًا من أجل أن تطمئن عليه. والسبب هو أنه كان يعاني من هذا المرض الملعون الذي يسمى كورونا، وهذا الذي زرع الخوف في قلوبهم ومنعهم أن يذهبوا إلى شقيقهن الوحيد من أجل أن يطمئنوا عليه. وحتى زوجته هربت منه وسافرت دون أن تفكر ما الذي سوف يحدث في زوجها أو طفلتها الوحيدة في غيابها.

الحاج عطية وأولاده وأولاد أولاده أيضاً. صمت مرعب يسيطر على المكان والزمان. ليس هناك صوت غير صوت عقارب الساعة التي تعلق على الحائط. يقطع هذا الصمت صوت تلك الزوجة المتسلطة قائلة: أنا قررت أبيع كل حاجة باسم أحمد وآخد تنسيم بنتي وأسافر تركيا تاني. نظر الجميع إلى مرفت بصدمة. لا، هذا الحاج عطية الذي ينظر إليها باستحقار هو وأسر الذي كان يراقبها بنظرات حارقة مليئة بالغضب. بينما أردفت هالة، شقيقة أحمد، قائلة بغيظ:

نعم تبيعي إيه وتنسيم مين اللي عاوزة تاخديها وتسافري تركيا؟ ترد مرفت قائلة، بينما تراقبها بحنق: تنسيم بنتي يا مدام هالة وأبيع كل حاجة باسم جوزي واللي هي بقت من حقي أنا وبنتي. ترد سحر بصوت عالٍ وهي تضع إصبعها السبابة على جبينها بطريقة غير لائقة وشهقة بصوت عالٍ: نعم يا دلعدي بنتك؟ وكانت فين بنتك لما كنتي بتسافري بالخمس والست شهور من غير أخبار ولا حس؟ كانت فين بنتك لما سافرتي وهي لسة بنت سنة؟

كنتي فين لما أحمد كان بيرجع من شغله يشوف بنته محتاجة إيه يعملوا لها اللي كان مفروض إنتي اللي تعمليه. ترد مرفت بغضب وصوت عالٍ وهي تنهض من الكرسي: إنتي واحدة من الشارع عشان كده مش هرد عليكي غير بكلمتين اتنين: تنسيم بنتي، إذا كان بمزاجكم أو من غصب عنكم، أنتم فاهمني؟ وهاخدها معي واللي عندكم اعملوه. سحر بغضب وهي بتشردح على يديها: هي مين دي اللي من الشارع؟ يا اللي ما عندك أخلاق ولا لقيتي أحد يربيكِ. ترد هالة

بنفس الطريقة وهي تقول: تنسيم مش بنتك وعمرك ما كنتي أم لها عشان تيجي دلوقتي تقولي بنتي. كانت فين بنتك لما كان أحمد في المستشفى وهي تفضل طول الليل والنهار لوحدها ودمعتها على خدها؟ إنتي مش أم، إنتي واحدة قلبها من حجر. تدخل وفاء، زوجة حمزة ابن الحاج عطية، قائلة: صلوا على النبي. اهدوا يا جماعة مش كده. أمال الراجل لسه ما طلعش عليه شمس. عيب اللي أنتم بتعملوه ده. يرد الحاج عطية بصوت جعل الجميع يصمت من الخوف من قوته وهيبته.

وعندما يتحدث يصمت الجميع: وأنتم دلوقتي اللي تحججوا دي كانت فين ودي كانت فين؟ كنتوا أنتم لاهيين فين لما كان أخوكم بيصارع الموت لوحده؟ الله يرحمه. ليه ما فيش واحدة فيكم قالت هروح أطمن على الغلباينة اللي لسه ولا راحت ولا جات؟ ليه ما جيتوش إنتي وهي تؤنسوها وتطبطبوا عليها؟ ما أنتم شايلين همه وخايفين عليها أكده ولا عشان عرفتوا إن ليكم مصلحة جايين دلوقتي وتشيلوا همه؟

يصمت الحاج عطية عن الحديث للحظات وهو ينظر إلى كل من هالة وسحر، اللتين ينظران إلى الأسفل وتتمزق وجهيهما أرباً من الخجل. بينما أردفت مرفت قائلة وهي تنظر إلى هاتين الاثنتين التي لا تقدر واحدة منهما رفع عينيها وهي تقول بانتصار: أتمنى دلوقتي يكون كل واحد عرف مكانته الحقيقية فين وما فيش حد ها يشيل هم بنتي أكتر مني. أنا هاخد تنسيم وأسافر بعد ما أبيع كل حاجة لينا في القاهرة. يرد الحاج عطية قائلاً بسخرية:

حاجات إيه اللي تعوزي تبيعيها وتنسيم مين اللي تعوزي تاخديه وتسافري بيها في بلاد غريبة؟ مش ليه حد هناك يا حضرت المحامية؟ تنظر إليه مرفت بطرف عين وهي تقول، بينما شعرت بالقلق والتوتر من نبرة الحاج عطية: تنسيم بنتي يا حاج عطية وأبيع أملاك أحمد اللي باسمها وهعمل مشروع في تركيا ونعيش منه إحنا الاتنين. من بعض أحمد الله يرحمه. يرد الحاج عطية قائلاً بجمود:

ده أنا مش أأمن عليها تعيش مع واحدة زيك تحت سقف واحد. كيف أأمن عليها تسافر معاكي بلاد غريبة زي تركيا. ثم أكمل حديثه بصوت عالٍ وهو يلوح بيديه: وبعدين مين إنتي عشان تقولي أبيع ولا مش أبيع؟ إنتي ما لكيش الحق في أي حاجة باسم أحمد الله يرحمه. أحمد طلقك قبل ما يموت بأسبوع يا ست هانم وحسب القانون الطلاق ومات جوزها ماليها حاجة، مش كده بردك يا حضرت المحامية؟ في غرفة تنسيم.

تفتح تنسيم عيناها ببطء شديد وهي تنظر إلى سقف الغرفة، ثم توجه نظرتها إلى هذا الفراغ التي يحوطها من كل الجهات. وفي لحظة ملعونة تتذكر كل ما حدث. تذكرت هذه الطفلة موت أبويها، موت الحضن الدافئ التي لم تجد غيره يوماً. تذكرت موت السند. لم يملك قلبها إلا أن يصرخ من شدة حزنها. وعبرت الصرخات من فمها بكلمات من النادر فهمها من شدة سرعتها في نطق الأحرف: لا لا مستحيل! أنا بابا مش مات! لاء بابا! أنا عاوزة بابا!

وهنا تنهض هذه الطفلة الباكية من فوق الفراش وهي تبكي وترفض أن تصدق موت أبويها. تركض تنسيم باتجاه الدرج لتنزل من عليه مسرعة كما لو كانت تحلق في الهواء وهي تصرخ باسم أبويها الذي لم يعد يجمعها به غير الدعاء. وقالت من بين بكائها الشديد وهي تركض على الدرج: فين بابا يا جدو؟ ليه جبتني هنا وسبتوني لواحده في المستشفى؟ أنا عاوزة أروح لبابا المستشفى. هو مش بيحب يفضل لواحده.

لتركض كل من هالة وسحر اللتين تبكيان من شدة الخجل والندم من كونهما تركتا شقيقهما يعاني وحده في آخر أيام حياته. وكان يتمزق قلبيهما أرباً من بكاء هذه الطفلة المدللة التي لم تعلم شيئاً عن البكاء غير هذا اليوم الملعون. بينما أردفت هالة قائلة وهي تعانق تنسيم: أهدي يا تنسيم يا حبيبتي. إحنا مؤمنين بالله وعرفين أن اللي حصل قضاء الله وقدر. ودى سنة الحياة.

تنظر تنسيم بعينيها الزرقاء التي احمرت من شدة البكاء ودموعها تغلغل على جفونها وقالت بصوت كاد لا يظهر: إنتي ليه بتقولي كده يا عمة؟ هو فين بابا؟ ينظر الجميع إلى تنسيم بحزن ولا أحد يقدر أن يجيب على سؤال هذه الطفلة التي تنتظر الرد بفارغ الصبر. ترد عليها تلك التي يقال عليها أمها التي لا تمتلك قلب، بكلمات متحجرة مثل قلبها قائلة بكل برود: أبوكي خالص مات يا تنسيم الله يرحمه. وجاهزي نفسك عشان هنسافر بكرة على تركيا.

ينظر الجميع إلى هذه التي تتحدث نظرات مليئة بكره واستحقار. تنظر تنسيم بعين متحجرة إلى الجميع وهي ترفض تصديق ما سمعته أذانها. لتخرج الكلمات من فمها وهي لا تدرك ما تقول: إيه؟ لا؟ إنتي بتقولي إيه ده؟ إنتي أكيد بتكذبي. فين بابا؟ أنا عاوزة أروح أشوف بابا. ترد عليها سحر قائلة بحزن وهي تبكي: لا يا حبيبتي مش بنكذب. أبوكي خالص مات يا تنسيم يا حبيبتي. ادعي الله يرحمه ويغفر له يا حبيبتي.

تنظر تنسيم إلى الجميع بذهول ومازال عقله الصغير يرفض أن يتقبل هذه الحقيقة المؤلمة. تركض باتجاه هذا الرجل العجوز الذي لا يقدر على النظر في عين تلك الطفلة التي تبكي أمامه. وقالت ببكاء وهي تمسك بكف يديه: هم ليه بيقولوا أن بابا مات يجدو؟ فين بابا؟ هو في المستشفى صح؟

ينظر هذا العجوز نظرات متألمة ويخشى أن يكون هو سبب في كسر قلب هذا الطفلة المسكينة. كان يتمنى أن يخبرها أن الجميع يكذب ومزال ولدك في المستشفى ينتظر قدومك. لكن لا يقدر بأن يقول شيء غير الحقيقة المؤلمة. وهذه الكلمات التي جعلت قلب تنسيم يصرخ من الفزع مما هو قادم وأشدت حزنها على فراق أبويها:

لا يابنتي. أبوكي مش في المستشفى. أبوكي عند اللي الخالق العظيم. دلوقتي راح وبكانا كلنا يابنتي. بس مش حنقول إلا ما يرضي الله ورسوله يابنتي. إن الله وإنا إليه راجعون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. البقاء لله وحده يابنتي.

تترك تنسيم يد ذلك العجوز الذي لم يقول الذي ما كانت تريد سماعها. وهي تتراجع إلى الخلف ومن شديد الصدمة تفقد التوازن. فسقط جسدها فوق الأرض كما لو كانت جثة هامدة لا حول ولا قوة لها. تركض إليها كل من هالة وسحر ويعانقوها بقوة. بينما يقف أمامهم ذلك ذو القلب المتحجر وهو يقول دون أن ينظر إلى تلك الصغيرة التي أصبحت أشبه بجثة لا روح بداخله: جهزوا تنسيم يا هالة إنتي وسحر عشان هنرچع كلنا الصعيد. تجيب مرفت بصوت عالٍ

وهي تنظر إلى أسر: إنت اجتننت؟ تنسيم مين اللي ها تاخدها الصعيد؟ تنسيم هتفضل معايا وهتسافر تركيا معايا، فاهمني كلكم؟ تنسيم بنتي وأنا مش ها سيبها. يرد عليها أسر بصوت رجولي قائلاً وهو يقف أمامها بثبات: والله ما فيش حد قالك تسبيها. عاوزة بنتك؟ أفضلي معها. عاوزة تسافري؟ الله معكِ. بس تنسيم هتفضل معي وأنا دلوقتي اللي وصي عليها وعلى كل حاجة تخصها. وما فيش حد غير مسؤول عنها دلوقتي.

ينظر الجميع إلى أسر ولا أحد يفهم ما يقصد بكلامه غير ذلك العجوز الذي يعلم كل شيء. بينما نظر هذا العجوز إلى تلك الصغيرة التي وقعت فوق الأرض ولم تقدر على الحركة بسبب هذه الصدمة القاسية. تنظر فقط إلى الفراغ أمامها. بينما قال ياسر، الأخ الأكبر، إلى أسر: واه إيه الكلام اللي تقوله ده يا أسر؟ تنسيم بنتنا كلنا وكلنا هنكون مسؤولين عنها. ما راح نخليها تحتاج حاجة زي ما كان أبوها عايش بالضبط.

يرد أسر قائلاً بجمود ونظر أخيراً إلى تلك المسكينة التي تجلس أرضاً جسد بلا روح: ما اقصدش يا أخويا. أكيد تنسيم بنتكم كلكم ومتأكد أنكم تعتبروها زي أولادكم. لكن هي دلوقتي بقت مراتي وما فيش حد غيري هيكون مسؤول عن مراتي. ودي وصية أحمد لي قبل ما يموت الله يرحمه.

يقف الجميع مندهشون مما يقاله آسر، وبالأخص مرفت التي أجبرتها الدهشة على الرجوع إلى الخلف بضع خطوات. وصمت مرعب يسيطر على الجميع. لا أحد يقدر أن يقول شيء ولا يستوعب أحد هذه الكلمات التي تفوه بها آسر الآن. وبعد لحظات من هذه الصدمة التي صدمت الجميع، أردفت مرفت قائلة بانفعال وهي في حالة من الذهول: إنت تجننت؟ إيه الهبل اللي إنت بتقوله ده؟ تنسيم مين اللي بقت مراتك؟ إنت تجننت؟ نسيت إنك بتكون عمها وفي مقام أبوها بالضبط؟

إزاي بقت مراتك؟ ولا فرق السن اللي بينك وبينها؟ ينظر آسر إلى والده وهو يتذكر كل ما حدث في المستشفى قبل أسبوع. رجوع إلى الماضي. في مستشفى وبالأخص في غرفة أحمد، تجلس تنسيم بجوار والدها وهي تحكي له كيف مر يومها. ويجلس بجواره الحاج عطية الذي يبتسم وهو يسمع ما تقوله تنسيم. ولم تقف عن مداعبة والدها. وآسر الذي يجلس وهو يشعر بضيق ولا يعجبه دلال هذه الفتاة الزائد عن الحد. أردف أحمد قائلاً وهو يبتسم بضعف إلى تنسيم:

معلش يا تنسيم يا حبيبتي. أنا عايز عمو آسر وجده عطية في حاجة كده. تبتسم تنسيم ابتسامة هادئة وهي تقول: حاضر يا بابا زي ما تحب. أنا هاستنى في الاستراحة لو احتاجوا مني حاجة نادوا علي. أحمد بتعب وارهاق وهو يضع يديه على فمه ويسعل بقوة: حاضر يا حبيبتي. خدي الباب في إيدك من بعد إذنك يا قمري.

أسمع يا ولد عمي، حابب أطلب منك طلب بس وحياة غلواتي عندك وغلاؤه كل حاجة حلوة حصلت بيني وبينك وحياة العيش والملح اللي كلنا مع بعض، توافق وما ترفض لي أنا هاطلبه منك يا ولد عمي. آسر بحزن على حاله صديقه ورفيق عمره وابن عمه الغالي. وفي خطوة واحدة كان يقف أمام هذا الرجل الذي يسارع من أجل أن يظل ظله في الحياة. وقال وهو يمسك بكف يديه: واه يخويا لييه تحلفني أكده؟

حنفذه لو على رقبتي. اطلب اللي تعوزه يا أحمد وأنا وحياة غالوتك عندي لو أقدر أنفذه ما حتأخر لو كانت رقبتي يا ولد عمي. يرد أحمد بحب وهو يمسك يد آسر كما لو كان يترجاه: عارف إنك راجل يا خويا عشان كده أنا كنت عاوز أطلب منك إنك إنت تكون الحامي لتنسيم بنتي من بعد ربنا وبعدي أنا. مش هطمن عليها غير معك إنت يا آسر. عشان كده وحياة غلاوة أخوك اللي على فراش الموت، توافق وتتجوز تنسيم بنتي يا آسر.

يقف كل من آسر والحاج عطية في حالة من الذهول والصمت يسيطر على الغرفة بأكملها للحظات. ثم يقطع هذا الصمت صوت الحاج عطية قائلاً وهو مزال في حالة من الذهول: واه إيه اللي تقوله ده يا أحمد يا ولدي؟ تنسيم مين اللي آسر ولدي يتجوزها؟ دي لسه حتة عيلة ولا راحت ولا جات. أما آسر ابني ما شاء الله عليه عند ولد عنده خمس سنين ولا نسيت ده يا أحمد؟ حرام تعمل في بنتك أكده دي لسه عيلة حرام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...