مر خمسة أشهر على أبطالنا، خمسة أشهر من الحزن والألم، خمسة أشهر من العذاب والإحساس بالذنب. حدث الكثير في هذه الأشهر الخمسة الماضية. نجد أن وليد أصبح أكثر انطواءً، وقد نبتت لحيته كثيراً ولم يزيلها، ويبدو حزيناً، وقد مُحيت ضحكته. كم اشتاق إليها وإلى عنادها ولمشاغبتها. أما منة، فلا تنام إلا وهي تبكي، فقد اشتاقت إليه إلى حد كبير، كم تشتاق لنصائحه لها وعصبيته عليها وكل شيء، فقد اشتاقت لكل شيء.
أما عن سليم، فبعد أن كتب الكتاب بأسبوع، تحدث مع جده ليسمح له بالذهاب إلى أمريكا لكي ينشغل وينسى كل شيء ليبدأ حياة طبيعية، وسيحاول بأن يحب فاطمة، فمن الممكن أن البعد يجعله يشتاق لها أو يحبها. أما فاطمة، فقد خسرت الكثير من وزنها بسبب الحزن، فهي حزينة ونادمة جداً على ما فعلته وما حدث منذ خمسة أشهر. العائلة جميعها إلى الآن لم تذق طعم السعادة منذ ما حدث في تلك الفترة.
كان جالساً منقضاً على مكتبه يراجع الملفات ويمضي ويراجع ويمضي ويتحدث في الهاتف. فهو يحاول إبعادها عن تفكيره ولكنه لا يستطيع. إلى أن قاطع تفكيره صوت رنين هاتفه. أحمد: حبيبي عامل إيه؟ وليد: بخير الحمد لله. أحمد: واحشني والله. وليد: انتَ أكتر يا حبيبي. طمني عليك. أحمد: أنا بخير والله. فرحي بعد يومين ومستنيك إن شاء الله. وليد: آسف يا أحمد مش هينفع والله. أحمد بإصرار: لا والله مش عايز أعذار. هتيجي يعني هتيجي.
وليد: حاضر يا أحمد إن شاء الله. كانت جالسة في غرفتها أمام نافذة غرفتها، تاركة لشعرها العنان يتطاير من نسمات الهواء وغارقة في تفكيرها. دخلت سعاد لغرفتها وجلست بجوارها ومسكت يدها. سعاد: هتفضلي لحد امتى كدا يا منة؟ منة بإبتسامة: مالي يا ماما. ما أنا بخير أهو. سعاد بتنهيدة: مش كفاية بقى. هتفضلي مخبية حزنك ووجعك كدا كتير؟ منة: أنا بخير يا ماما الحمد لله. ما تقلقيش عليا. قاطع حديثهم صوت رنين هاتف منة. منة: الوو. (لا رد)
منة بعصبية: ولما انتوا هتستهبلوا كدا بترنوا ليه؟ لتسمع صوت لم تسمعه منذ فترة طويلة. "وحشتيني". صُدمت منة مما سمعت الآن وكأن العالم بأكمله قد توقف. أغلقت الهاتف بسرعة. سعاد: مين يا حبيبتي؟ منة بتوتر: م مفيش يا ماما. ناس فاضية. سعاد بتنهيدة: طيب يا حبيبتي. يلا قومي البسي عشان تروحي لـ مروة. ما تسيبهاش اليومين دول، مهما كان برضه دي يتيمة يا حبيبتي، وده فرحها واكيد هتكون منهارة عشان أمها مش معاها. منة: حاضر.
وبعد أن خرجت سعاد، جلست منة وكأنها تود أن تمسك قلبها الآن كي تهدئه، فقد كان يدق بسرعة رهيبة. فهي الآن منذ وقت طويل تسمع صوته، صوت حبيبها وزوجها. فحاولت أن تهدأ ولا تفكر فيه. بدلت ملابسها لتذهب لصديقتها. كانت جالسة في البستان تضم رجليها وترفع رأسها للسماء. وبما أنه لا يوجد أحد في المنزل في هذا الوقت من الرجال، فكانت تاركة لشعرها بأن يطير من نسمات الهواء. لتسمع صوت مألوف. سليم: قاعدة لوحدك ليه؟ لتنظر فاطمه إليه.
كم تغير زوجها. نبتت لحيته قليلاً وكم يبدو أن وجهه منير. فما هذا التغير الذي حدث؟ وقفت فاطمه لتنظر إليه وكأنها تستوعب: أهذا أنت يا سليم؟ ابتسم سليم ويبدو أنه قرأ أفكارها. سليم: أيوه أنا سليم جوزك. ثم أضاف ببعض الغضب: انتِ إزاي تطلعي كدا بشعرك؟ افرض وليد شافك مثلاً.
ولم يكمل إلى أن ارتمت في أحضانه. فهي لا تعلم لماذا فعلت ذلك، ولكن ما تعلمه أنها اشتاقت له كثيراً. ابتسم سليم لذلك وابدلها نفس الحضن. فشعرت بيده على ظهرها لترتبك وتبتعد عنه. سليم بضحك: أنا جوزك والله مش حد غريب. فاطمه: س سليم انتَ جيت إمتى؟ سليم: لسه جاي وشوفتك وانتِ قاعدة جيتلك هنا. ثم نظرت للحيتها بإستغراب. ابتسم سليم ابتسامة جميلة.
سليم: كان لازم أتغير يا فاطمه. الغلط اللي غلطناه دا علمني كتير. كان لازم أقرب من ربنا وأرضيه وأتوب عن اللي عملته. ثم تنهد. سليم: وأتمنى تكوني عملتي زيه. فاطمه ببكاء: عملت كدا من زمان أوي. أنا لحد دلوقتي مش قادرة أبطل تفكير في اللي عملته. نفسي أصلح اللي عملته ده بس مش عارفة إزاي. سليم مسك يديها: هنصلح كل حاجة سوا يا فاطمه. أول حاجة تعالي أسلم على الجماعة ونقعد مع بعض نشوف حياتنا هتبقى عاملة إزاي.
ذهبت منة عند صديقتها وظلوا يغنون ويفرحون، ولكن كانت منة من وقت لآخر تسرح وكأنها ليست معهم. مروة: مالك يا حبيبتي؟ منة بدموع: كلمني النهارده يا مروة. مروة بإستغراب: مين؟ قصدك وليد؟ منة: آآه. مروة: إزاي؟ منة: في رقم اتصل و... مروة بإبتسامة: بيحبك. وانتِ كمان بتحبيه. نظرت لها منة ثم صمتت. دخل سليم وهو ممسك بيد فاطمة ليتفاجأ الجميع به. الجد: سليم؟ ابتسم سليم: أه يا جدي أنا.
ثم احتضن الجميع، ما عدا تلك التي عندما رأته أدارت وجهها. مسك يدها وقبلها. سليم: وحشتيني يا أمي. تركت يده وكانت ذاهبة. سليم ببكاء: عارف إنك مش راضية عني وإني غلطت غلط كبير، بس غصب عني يا أمي سامحيني. أنا والله اتغيرت، واتغيرت أوي كمان. ارجوكِ سامحيني. نظرت له بجمود: لو عايزني أسامحك يبقى صلح أكبر غلط انتَ عملته. رجع أخوك ومراته لبعض يا سليم. صمت سليم لوقت ثم: هحاول أبذل جهدي عشان يرجعوا يا أمي.
عاد وليد للمنزل وكعادته منذ خمسة أشهر، لا يتحدث مع أحد، يأتي ويلقي السلام ويذهب لشقته. وعندما كان يصعد السلم تفاجأ بسليم ينزل. نظر له وليد نظرة عتاب وكم هو الآن متعب مما حدث، وكان يكمل للصعود حتى أمسك سليم بيده. سليم بحزن: مش هتسلم عليا؟ مش هتحضني وتحتويني كالعادة يا وليد؟ وليد بسخرية: ليه؟ انت مين عشان أحضك؟ سليم بندم: عارف يا وليد إنك مش طايقني ولا طايق تتكلم معايا، بس اديني فرصة يا وليد. أنا اتغيرت. وليد: بجد؟
اتغيرت؟ طب كويس. إنجاز حلو. بعد إذنك يا ابن أبويا. ذهب وليد لشقته ليتركه يتألم. ذهب سليم إلى شقته وجد فاطمه جالسة أمام التلفاز. سليم بهدوء: السلام عليكم. اعتدلت فاطمه من جلستها. فاطمه: وعليكم السلام. جلس سليم بهدوء: فاضية نتكلم مع بعض شوية؟ فاطمه بإبتسامة: أكيد. سليم: فاطمه عايزه تكملي حياتك معايا؟ صمتت فاطمه قليلاً: مش عارفة.
سليم بهدوء: فكري براحتك يا فاطمه وأنا مستني ردك وهحترمه مهما كان. لو عايزة تكملي قوليلي، مش عايزة يبقى كل واحد يروح لحاله. فكري وخذي وقتك براحتك. مر اليوم بسلام دون حدوث أي شيء جديد. كان يوم حنة مروة وذهبت منة منذ الصباح لصديقتها حتى لا تتركها بمفردها. في الصعيد. نزل وليد بهدوء ليخبرهم بأنه ذاهب القاهرة لحضور حفل زفاف صديقه وسيعود فور انتهاء الفرح.
كان يوم جميل ومليء بالبهجة والسرور، فكانت مروة عروس جميلة ورقيقة. انتهى اليوم بسعادة ليأتي اليوم المنتظر. في اليوم التالي ذهبت مروة للكوافير وذهبت معها منة، وكان وليد طوال اليوم مع صديقه العريس. كان كل منهم يفكر في الآخر. كانت منة تود أن تعيش هذه اللحظات وترتدي الفستان الأبيض مثل ما يحدث مع صديقتها الآن. وهكذا كان يفكر وليد، كم كانت ستبدو منة جميلة لو أنها ارتدت الفستان الأبيض.
جاء المساء لتكون قد أنهت العروس الميكب وكانت جميلة للغاية. أما منة، فمن يراها يتمناها له، فكانت أجمل وأجمل. كانت ترتدي فستاناً رقيقاً باللون النبيتي وخماراً باللون البيج ولم تضع أي مساحيق تجميل، فهي جميلة لا تحتاج للتصنع.
كان وليد يرتدي قميصاً أبيض وبنطالاً أسود، ونظراً لأنه خسر الكثير من الوزن بسبب حزنه، فهذا ما جعله أكثر وسامة. نعم، لقد نبتت لحيته ولم يزيلها منذ وقت طويل، ولكنه أيضاً سيظل وليد الوسيم الذي تتمناه كل البنات.
بعد الانتهاء من التصوير وما شابهمر الوقت، وكانت منة لا تترك مروة. لم يراها وليد نظراً لأنه كان يغض بصره، فلهذا لا يراها. كانت مروة ومحمود يرقصون سلو. بكت منة، فكانت تود أن تعيش هذه اللحظات، لذلك ذهبت للخارج فهي تريد البقاء بمفردها قليلاً، وعندما كانت خارجة خبطت في شخص ما لتنظر له وتعتذر، ولكن فوجئت به. وهنا كان أول لقاء لهم منذ شهور. فماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!