انتهيت، سحبت كل السموم اللي كانت في جسده، أسمع ولا أرى، حلم بالمعكوس أصوات بلا صور! ماذا ستفعلين به؟ لم أفكر بعد! صمت طويل، تبعه: ألم تلاحظي شيء غريب بذلك الصبي؟ طبعًا لاحظت! عيونه الخضر الجميلة الواسعة، وجهه الأبيض اللي يشبه الأمراء، جسمه المنحوت زي الصخر، وشعره الناعم. امنحيه لي ليلة يا رعلينة! إنه مجرد صبي يا بتلاحة! وأين المشكلة؟ أنا كمان صبية صغيرة عمري ما عدى المائتي عام! صمت طويل.
أنا غير مهتمة، بعد ما يصحى تقدري تسوي فيه اللي تبغيه! لماذا أنقذتيه إذا؟ لا أعرف، خيّل لي إني سمعت صوت كانت تحمله الريح، صوت سمعته قبل كده بس لا أتذكر أين! رعلينة، سأخرج لبعض الوقت، احرصي لا يهرب! بتلاحة، إلى أين؟ إنه مقيد بالسلاسل يا رعلينة! خرجت رعلينة وجلست بتلاحة تحدق بجاسم، كان يتنفس بهدوء، بلا حراك! عندما يفتح عينيه سأحضر له خدعة، سأتحول لحية ضخمة وأهم بابتلاعه حتى يتبول في بنطاله. ضحكت بتلاحة!
أسمع كل شيء وأنا غير قادر على الحركة، أسأل نفسي: من بتلاحة ذي؟ ماذا تريد مني؟ بتلاحة، سأحضر بعض الأعشاب اللي تجعله يستيقظ. بعد مدة قصيرة عادت بتلاحة تحمل أعشاب، فركتها على الجمر المشتعل فتصاعد دخان أخضر. اختفت بتلاحة خلف صخرة. فتح جاسم عينيه، كان مقيدًا بالسلاسل، حاول تحريك يديه وأقدامه دون فائدة.
جعل يعيد في عقله ما مر به: الشيخ، القرية، جدته، الصحراء، بحيرة الحيات. ابحث عن ذاتك بداخلك، لا تنسَ من تكون وما أنت قادر على فعله! بتلاحة، مسكين ها ها، راحت تتحول لحية ضخمة وظهرت في مقدمة الكهف تزحف نحوه. جاسم ثابت في مكانه لا يتحرك. بدأ الشك يتسرب لبتلاحة، فتحت فمها وأطلقت فحيح وهي تزحف نحو جاسم، فمها مفتوح. وصلت حتى أقدام جاسم! أطلق جاسم طلسم التثبيت، بتلاحة في هيئة الحية تسمّرت في مكانها بلا حراك!
وضع جاسم يده على السلاسل وأغمض عينيه راح يتذكر ما كان يعلمه له سيمون. بدرت منه ابتسامة وتمتم بأحد الطلاسم، تقصفت السلاسل وأصبح جاسم حر. نهض جاسم بمكانه وحلق ببتلاحة المثبتة في مكانها كجماد. أطلق طلسم التحول، عادت بتلاحة لشكلها، صبية مليحة. مشي جاسم خطوات نحو بتلاحة، وضع يده تحت ذقنها، رفع وجهها وطبع قبلة على شفتيها قبل أن يغادر الكهف!
كانت المغارة التي حمل إليها جاسم في منتصف جبل مهجور فوق جرف حاد حتى إنه كاد يسقط على الأرض. نظر جاسم لأعلى، كانت قمة المغارة في متناول يده إذا قفز. قفز جاسم وتشبت بالصخور في قمة المغارة وارتقى فوقها. وجد طريقًا يصعد لفوق بين الصخور فتبعه حتى انحنى الطريق عرضيًا قبل أن ينعرج لأسفل في الناحية الأخرى من الجبل.
كانت هناك أشجار مبعثرة حول الطريق، عبر خلالها جاسم حتى وصل إلى الوادي ثم ركض عرضيًا مبتعدًا عن المغارة بأقصى سرعة. لم يرغب جاسم بالتوقف، كان يعلم أن طلسم التثبيت مؤقت وأن بتلاحة ستتمكن من استعادة قوتها في أي لحظة، وقتها لا توجد قوة ستمنعها من القضاء عليه. كلما تقدم جاسم في الركض شعر بالبرودة كأنه ينطلق من مناخ إلى مناخ آخر حتى وصل به الأمر أن يرتعش من البرد، لكنه واصل الركض حتى بعد أن حل الظلام.
سرعان ما لمع القمر فوق رأسه، كان خافتًا في البداية ثم راح ضوؤه يقوى! توقف جاسم لدقائق لاسترداد أنفاسه، جلس خلالها على الأرض محلقًا في القمر متذكرًا الليلة التي كان يجلس فيها مع إخوته وجدته حول الحطب ينظرون نحو القمر! عادت رعلينة بعد فترة طويلة من نزهتها، وجدت بتلاحة مقيدة في الهواء على وجهها نظرة شارده وملامح ابتسامة. صرخت رعلينة: بتلاحة، من فعل بك ذلك؟ أدارت يدها في الهواء أربع مرات قبل أن تسقط بتلاحة على الأرض!
رعلينة، أين عبدي؟ بتلاحة، هرب! رعلينة بغضب: كيف؟ من ساعده؟ بتلاحة: باغتني بطلسم لا أعرفه! رعلينة: ساحر؟ بتلاحة: أجل ساحر! رعلينة: كنت أشعر أن هناك شيء غامض بذلك الصبي! بتلاحة وهي تبتسم: فعلاً! رعلينة: لماذا تضحكين أيتها الغبية؟ بتلاحة: لأنه قبلني قبل رحيله! رعلينة: قبل أحد بنات ملك الجن الرمادي؟ يجب أن يموت حالًا! أدارت رعلينة يدها في الهواء مرة أخرى، تكونت دائرة لازوردية خرج منها كائن نصف جني. الكائن: أمرك مولاتي؟
رعلينة: أريدك أن تحدد لي مكان أحد الإنسيين! الكائن وهو يحني رأسه: أمرك مولاتي! أريد شيئًا من أثره؟ مسحت رعلينة المغارة بعينها قبل أن تطلق لعنة: لم يترك شيئًا! بتلاحة وهي تبتسم: هناك شيء واحد. وأشارت لشفتيها. رعلينة وهي تصرخ بغضب: اصمتي يا غبية! بعد دقيقة أخرى طلبت رعلينة من بتلاحة أن تبصق: هذا أثره ولا تتأخري؟ لعق الكائن البصاق، أغمض عينيه وتنشق الهواء قبل أن يقول فورًا: يا مولاتي!
كانت بتلاحة شارده بينما رعلينة تتنفس غضبًا من أنفها وهي تفرك يديها. عاد الكائن وهو يلهث، قال: وجدته! رعلينة: أين؟ الكائن: يركض، نحو الجبل الملعون! رعلينة: لن يفلت بفعلته، أقسم بحياة والدي ملك الجان الرمادي! جذبت رعلينة بتلاحة من يدها وقفزت فوق قمة المغارة قبل أن تنطلق بسرعة خارقة نحو مكان جاسم. كان جاسم يحلق بالقمر وفي عينيه دمعة تشكلت حيث أخذه الحنين لعائلته.
وهو ينظر رأى جاسم جنية بحيرة يزخ مرة أخرى أكثر وضوحًا، تلك المرة كانت تمد يدها كإشارة لم يفهمها جاسم. راح جاسم ينظر بتركيز نحو القمر، كانت اليد تشير إلى خلفه تمامًا! سمع جاسم صوت ركض وتقصف أشجار، فهب من مكانه مزعورًا يركض مبتعدًا عن الصوت. صوت غناء حزين ينبعث من بعيد، أسمعه يناديني. الصوت يرتفع كلما واصلت الركض. من خلفي أسمع صوت ركضهم يقترب. مجنون من يعتقد أنه يستطيع أن يسبق جنيه!
بوادر جبل جليدي تقترب، أرى الثلج بعيني رغم غباشة الرؤية. صقيع يجمد أطرافي. أنا أقترب من الثلج. قبل خطوة كانتا خلفي تمامًا. لا توجد فرصة، سيقبضون علي! رعلينة، ماذا فعلتي يا حمقاء؟ كانت رعلينة تتدحرج على الأرض بعد أن عثرتها بتلاحة! بتلاحة وهي تبكي: أنا أحبه! واصلت الركض. رعلينة، نهضت مرة أخرى تركض خلفي! بتلاحة وهي تطلق ضحكة: انتهى الأمر، وصل الثلج! كل ذلك بسببك، صرخت رعلينة!
لاحظت توقفهم عن الركض، فوقفت في مكاني ألهث من التعب! رعلينة، تعالي هنا، لن أؤذيك! بتلاحة وهي تمد يدها: خذني معك! لم أفهم ما يحدث، كل ما أدركته أنهم لا يستطيعون تعدي حاجز الجليد! عقلي يشرد في ذلك الجمال، أتوق لحضن، جسدي يرتعش من الاضطراب. صوت الغناء يعود مرة أخرى. نار هائلة تشتعل في قمة الجبل. أنظر تجاه الضوء! رعلينة، لا تذهبي إليها، ستقتلك! بكلتا الحالتين أنا ميت، قلت في نفسي! أدبرتهم ظهري ومشيت تجاه الجبل!
رعلينة تصرخ بشماتة: لن تستطيع تسلق الجبل، لم ينجح لا مارد ولا جان بالوصول للقمة، ستسقط أو تحترق أو تصيبك لعنة! بتلاحة: خذني معك، لا تتركني هنا! مددت يدي تجاه بتلاحة، لكن رعلينة أدارت يدها في الهواء، فجأة راحت القيود تطبق على يدي بتلاحة وقدميها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!