بعد مرور يومين، محمد وياسمين ما زالا في المستشفى. ياسمين نائمة تحت تأثير المهدئات، لا تعي شيئًا مما حولها. وهو يقف في الشرفة يدخن ويلقي بنظره بين الحين والآخر إليها. سمع رنين هاتفه، كان عمر. محمد: عملت إيه؟ عمر: ما تقلقش، خلصنا الدفن ودلوقتي أنا طالع عند زينب وعلي وعم أدهم. محمد: خد بالك منهم يا عمر لحد ما نرجع. عمر: ما تقلقش، هي عاملة إيه دلوقتي؟
تنهد محمد: لسه نايمة مش داريانة باللي يجرا حواليها. بقالها تمانية وأربعين ساعة على الحال ده. عمر: يعني هتفضل كده؟ محمد: لا منا مش هسيبها كده. ليمسح على وجهه بضيق: أنا كان مالي ومال المشاكل دي، ربنا يسامحك يا بابا. عمر: بالراحة عالبنت عشان هي مصدومة، مهما كان أبوها اللي خسرته، مش أي حد. محمد: يعني هعمل إيه؟ أنا مش عارف أتصرف. عمر: حاول تخرجها من اللي هي فيه بالراحة. محمد: هحاول. ليرى الممرضة تدخل تريد إعطائها الحقنة.
محمد: اقفل دلوقتي وخد بالك من بابا وزينب وعلي. عمر: ماشي، ما تقلقش. محمد طرد الممرضة ومنعها من إعطائها حقنة أخرى لكي تستيقظ وتستعيد وعيها. مضى بعض الوقت، واستيقظت الأخرى بتعب. وضعت يدها على رأسها تشعر بالدوار والإرهاق. محمد: حمد لله على السلامة. ياسمين... محمد: يلا خلينا نمشي. ياسمين... اقترب منها: هساعدك تغيري عشان نمشي. يلا يا ياسمين. ياسمين حاولت النهوض بتعب لتهمس: أنا هغير. لتشعر بالدوار لكنه
أمسكها وأجلسها على السرير: بطلي عناد، هساعدك تغيري ونروح. ياسمين استسلمت له فهي حقًا ليست بحالة تستطيع النقاش بها، وبالفعل ساعدها وأخذ بيدها وهي تستند إليه. ياسمين: إحنا هنروح فين؟ محمد: هتعرفي بعد شوية. ياسمين: بس أنا تعبانة وعايزة أنام. محمد: خلاص مفيش نوم بعد النهارده، كفاية عليكي كده. أدارت وجهها بضيق ونظرت من نافذة السيارة تراقب الطريق والناس الذين يتجولون، كل يذهب إلى عمله منشغلون بهذه الحياة يتسابقون للعيش.
محمد: ياسمين. ياسمين. محمد هزها لتنظر إليه: وصلنا. انزلي. تحدرت من السيارة لتجد نفسها فوق تلة وسط غابة تحيطها الأشجار الخضراء. ياسمين: إحنا هنا ليه؟ محمد: عشان تعيطي براحتك، ومحدش يشوفك. ياسمين: مش عايزة أعيط. محمد: لا عايزة تعيطي، ما تكتميش عشان كده مش في صالحك. ياسمين بغضب: أنا عايزة أروح. لتهم بصعود السيارة، لكنه أمسك يدها وأوقفها. محمد بسخرية: عارفة أنا ما شفتش حد أضعف ولا أجبن منك بكل حياتي. نظرت إليه بصدمة.
محمد: بتبصيلي كده ليه؟ ليكمل بسخرية: أنت بتمثلي الزعل عشان تهربي، تهربي من مسؤولياتك، من أخواتك اللي بقالك يومين مش داريانة عنهم. أنت فاكرة بس أنت اللي خسرتي. هم اللي خسروا معاكي، وعلى فكرة هما خسروا أكتر منك عشان هما لسه صغيرين محتاجين أبوهم معاهم، إنما أنت عشتي معاه عمرك كله. ودلوقتي عايزة تعيشي الدور كويس عشان تهربي من المسؤولية اللي بقت عليكي.
ليضحك: ما أعرفش إزاي أنت جبانة كده. بصراحة أنا زهقت منك ومن أنانيتك، خلاص كفاية بقى، كفاية تمثيل. ياسمين بحدة: أنت بتكلمني كده ليه؟ اسكت، اسكت، كفاية مش عايزة أسمع حاجة خلاص. محمد بحدة: لا مش كفاية. فهمنا أبوكي مات، خسرتيه وبقيتي يتيمة، بس بعد كده إيه؟ لو فضلتي كده هتخسري. أيوه أخواتك كمان هيضيعوا عشان أنانيتك. نزلت دموعها كالشلال، الدموع التي كتمتها منذ وفاة
والدها تضربه على صدره: كفاية كفاية حرام عليك. أنا تعبت، تعبت مش قادرة أكمل، مش قادرة. ابتسم لأنه وصل لمبتغاه فمنذ وفاة والدها جفت دموعها مما أثار قلقه وقلق الطبيب الذي عالجها. لتردف الأخرى: أنا تعبت، ما أقدرش أقاوم أكتر. محمد: صوتي أيوه، صوتي كمان. طلعي كل اللي جواكي. زاد صراخها، وقفت على تلك التلة لتصرخ بكل صوتها تنادي والدها ودموعها تتطاير مع نسمات الهواء البارد. لتجلس على الأرض وشهقاتها تعلو.
جلس بجانبها: ربنا يرحمه. أبوكي راح عند ربنا الرحيم. قومي زينب وعلي بحاجتك. ياسمين ببكاء وشهقات: أنت إزاي، إزاي كده، إزاي؟ محمد: عارف إني قسيت عليكي، جرحتك بس لازم تطلعي من الدوامة اللي أنت فيها. مش هتفضلي كده. قومي يا ياسمين، قومي. جذبها لتنهض. احتضنها لثوانٍ حتى هدأت شهقاتها. أبعدها عنه ومسح دموعها ليقول: مش هنفضل كده، زينب وعلي مستنينك ما يعرفوش حاجة وهما لسه صغيرين. لازم حد يفضل جنبهم. أنا حجزت وطيارتنا المسا.
دموعها ما زالت تتناثر على وجنتيها دون توقف. شعر بالراحة وهو يراها تخرج كل حزنها وغضبها بتلك الدموع. استسلمت له وهو يجذبها خلفه لتصعد السيارة ويغادرا. _فتحت زينب الباب لتراه، فهي لم تعلم بعد بوفاة والدها. عمر بابتسامة: مساء الخير يا قمر. زينب بغيظ: أنت إيه اللي جابك؟ دخل عمر بابتسامة: جاي أشوفك يا حبيبتي، ما وحشتكيش؟ زينب: لا ومش عايزة أشوفك. عمر: ليه هو القمر بيغير والا إيه؟ زينب: أغير ليه؟ ومن مين؟ ربنا يوفقكم.
عمر: تؤ تؤ تؤ، ما تدعيش ليا وليها، قولي ربنا يوفقني أنا وأنت، وتغور هي بداهية. زينب بابتسامة حاولت إخفائها: ليه مش خطيبتك وأنت بتخاف عليها؟ عمر: خطيبتي آه، بس مش بعد النهارده. سعادة غمرت صدرها، ابتسامة لم تستطع إخفائها عنه لتقول: يعني إيه؟ عمر: يعني النهارده فسخت الخطوبة. زينب بسعادة: بجد؟ لترتبك: أحم، أحم. فسختها عشان إيه؟ عمر: عشان الخطوبة دي من الأساس غلط وماما أصرت عليها. زينب بكذب: وأنا مالي؟
عمر: مالك بقى، أنا بعمل كل ده عشانك وجاية تقوليلي مالك يا حبيبتي. زينب: ما تقولش حبيبتي. عمر: ما يبقاش قلبك أسود بقى، خلاص خلصت منها ومن قرفها. ابتسمت زينب. عمر: أيوه كده اضحكي بدل البوز اللي مصدراه مالصبح. ليقترب منها. لتردف بتحذير: أوعى تقرب، علي هنا والشغالين. عمر: وأنا هعمل إيه يعني، عايز أحضنك، مش اتصالحنا؟ زينب: من غير حضن. عمر جذبها إليه: مهو مش بمزاجك. احتضنها بشدة إلى صدره. زينب أبعدته بضيق: كفاية هتخنقني.
عمر: أحسن، دي عقوبة بس عشان ما كنتيش بتردي عليا. زينب: والله وأنا مش هعاقبك ليه يعني؟ ليفتح ذراعيه: عاقبيني براحتك، تعالى مدام فيها حضن. زينب بحرج: لا خلاص يلا بقى امشي. عمر: استني نسيت أديكي حاجة. زينب: حاجة إيه؟ عمر: غمضي عينيكي. زينب: يوه يا عمر بلاش سفالة بقى. عمر: هو أنا عملت حاجة يا بنتي؟ والله محدش سافل إلا أنتِ بدماغك الجزمه دي. يلا يا بنتي غمضي. زينب: طيب ماشي أهو. عمر: طيب فتحي كده.
لتُصدم بقلادة من الفضة يتدلى منها قلب كُتِب عليه بحبك. زينب بسعادة: الله يا عمري دي ليا! عمر بسخرية: لا لأمي. لتضربه على كتفه: بطل بقى. عمر: طيب إيه مش هلبسهالك بقى؟ زينب: لا هلبسها أنا. عمر: تؤ، ما ينفعش، هلبسهالك أنا. هاتيها. ألبسها لها ليقبل يدها وقال: أوعي تقلعيه أبداً يا زينب، فاهمة؟ عشان كل أما تشوفيه تفتكريني. زينب بخجل: ماشي. عمر: أنا هروح دلوقتي. زينب: مع... قاطعها بقبلة سريعة جانب شفتيها،
وأسرع بنزول الدرج: هشوفك بكرة. أغلقت الباب ووضعت يدها على قلبها بسعادة عله يهدأ قليلاً. بعد مرور شهرين، والوضع هادئ جداً. محمد بقي عشرة أيام اهتم فيهم بياسمين وإخوتها، ثم انتقل للعيش بقصره لوحده، وانشغل بالعمل ولم يحاول إزعاج ياسمين أبداً. ياسمين تحاول استجماع شتاتها وتقبل فراق والدها، والاهتمام بإخوتها، ولا تنسى الاهتمام بأدهم. أما عمر وزينب فيعيشان قصة حب لطيفة. ذات يوم، عاد محمد متعباً من العمل. محمد: مساء الخير.
أدهم وياسمين: مساء النور. محمد: أنت طلبتني يا بابا، خير، في حاجة؟ أدهم: أيوه، تعالى يا محمد عايزك. محمد: جلس بجانبه. ياسمين بتوتر: أنا هروح أحضرلك الأكل. محمد: اتعشيت مع عمر. ياسمين بتهرب: طيب هحضر لكم قهوة. لتغادر بسرعة. محمد: في إيه يا بابا؟ أدهم: مراتك هتفضل كده؟ محمد: مش فاهم. أدهم: يعني مش هتشتغل؟ أنت مانعها تشتغل ليه؟ محمد: أنا ما منعتهاش تشتغل بس هي مصرة تشتغل شغلانة مش من مستوانا.
أدهم: ما أنت طردتها من الشركة. محمد بملل: دلوقتي عايز إيه يا بابا؟ أدهم: عايزك تشغلها معاك يا ابني، البنت بتقعد طول النهار معايا بتزهق. شغلها يمكن تنسى موت أبوها وخسارته. محمد: ماشي يا بابا، عايز حاجة تانية؟ أدهم: لا يا ابني، ربنا يباركلك. محمد: هخش الأوضة أريح عشان تعبان. لتدخل بالقهوة. محمد نظر إليها: خلصي وحصليني. أومأت برأسها. لترى أدهم يبتسم لها: حصلي جوزك يا بنتي.
أومأت برأسها وتبعته. سمعت صوت الماء في الحمام. تنهدت بضيق وهي ترى بعثرة ثيابه. رتبت الثياب التي بعثرها محمد، ليجدها تضع رأسها بالخزانة ترتبها. اقترب منها وجذبها من خصرها. ياسمين بشهقة: خضتني. محمد: دفن وجهه وشعره المبلل بعنقها، يستنشق عبيرها. ياسمين بارتباك: محمد، أنا... محمد نظر إلى عينيها: مش لما الواحدة تبقى عايزة حاجة تبلغ جوزها؟ ياسمين: أنا والله... صرخت إثر ضغطه على خصرها ليقبلها، ويبتعد واضعاً جبينه
على خاصتها ليقول بخفوت: آخر مرة. مرة تانية لو عايزة حاجة تقوليلي أنا، ماشي؟ أومأت برأسها بتوتر، ووجنتيها تشتعل من قربه المهلك منها. ياسمين: ممكن تتبعد؟ محمد وهو ما زال يحيط خصرها ويده تتحرك بجرأة على جسدها: ليه؟ ياسمين: عشان اتبلت هدومي مية. محمد بوقاحة: نغيرها، مفيش مشكلة، وإلا أنتِ استحليتي بعدنا الفترة اللي فاتت؟ ياسمين: أنا... محمد: أشششش. ليحملها وووو... حل الصبح.
استيقظت ياسمين ولم تجد محمد بجانبها. اغتسلت وبدلت ثيابها وخرجت لتطمئن على أدهم وترى إخوتها. لكنها وجدت محمد يجلس ويعبث بهاتفه بملل وأمامه كوب قهوة كبير. ياسمين: صباح الخير. محمد نظر إلى الساعة: صباح النور، معاكي نص ساعة تجهزي. ياسمين باستغراب: أجهز؟ محمد: مش عايزة تشتغلي؟ نص ساعة لو ما جهزتيش همشي وأسيبك. ياسمين بسرعة: لا لا، ثواني وأكون جاهزة. لتتذكر أدهم وتقول: بس عمو أدهم...
محمد: عمك أدهم خد الدوا والشغالة هتهتم بيه، وإخواتك راحوا المدرسة من الصبح. يلا بسرعة. وهو ينظر إلى الساعة. لتسرع من أمامه إلى غرفتها لتجهز. بعد فترة وقد استلمت مكان حازم في مجال التسويق الذي طُرد وعرفت من الموظفين أنه محمد قد أمسكه متلبساً وهو يقوم بالسرقة من خلال عقود مبيعات وهمية. مر يومان، وياسمين منشغلة بعملها حتى اصطدمت بعمر. عمر: أنا آسف. ياسمين: ما حصلش حاجة. عمر: إزيك عاملة إيه؟
ياسمين: الحمد لله، أنا قولت مش هتجي النهارده. عمر: ليه في حاجة؟ بلغوني إنك سألتي عليا. ياسمين: أيوه، عايزة أتكلم معاك بحاجة مهمة جداً لو سمحت. عمر: طيب تحبي نروح مكتب محمد؟ ياسمين: لا لوحدنا عشان موضوع خاص شوية. ممكن تجي لمكتبي أو نروح لمكتبك. عمر باستغراب: اللي أنتِ عايزاه. ياسمين: ماشي اتفضل على مكتبي.
كل هذا الحديث دار ومحمد يستمع لهم بالصدفة وهو متجه لمكتب ياسمين ليسألها عن العمل. شعر بشيء غريب وقرر اللحاق بهم. وقف عند الباب، ليُصدم بسماعها تقول:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!