الفصل 1 | من 41 فصل

رواية يكفيني منك عقابا الفصل الأول 1 - بقلم عبير سليم

المشاهدات
66
كلمة
4,884
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

لقد مسني من السأم والملل ما يجعلني أعلن عن رغبتي الملحة في إعلان الحرب على ذاك الفتور بكتابة إحدى الروايات الجديدة، لعلها تكون متنفساً لي ولكم من صخب الحياة ومللها. ولكن أي قصة من قصص الحياة أكتبها لتستمتعوا بها؟ فلقد تلاشت الأفكار من خاطري، وليس به من القصص ما يحتويه.

وفي وسط تلك الرغبة في الكتابة، أجد نفسي فجأة أقف أمام نافذة غرفتي المطلة على تلك الحياة ببيوتها ومنازلها المغلقة عليهم، ولكني آسفة، مضطرة أن أقتحم حياة بعضهم لنعرف ما تكنه تلك البيوت من الأسرار وما تحويه من الحكايات لنعيش معهم.

ولكني أبعدت وسرحت بخاطري بعيداً، ودققت النظر في تلك البلورة التي تطلعني على ما لا تراه عيني، وإذا بي أخترق ذاك الحاجز وأعبر المدن من خلال ذاك النهر الخالد، نهر النيل، لأصل لأحد الأماكن البعيدة عنا، وهي تحديداً صعيد مصر، حيث عراقة التاريخ وموطن حضارتنا المصرية.

فقد رأيت من وراء نوافذها إحدى الحكايات التي راقت لي، وانتابتني الرغبة في معرفة ما يدور بها، وزادت رغبتي في الاطلاع على أسرارها، والتي أتمنى أن أجسدها بقلمي بقدر المستطاع. وما رأيته وعلمته عن تلك الحكايات يجعلني أضع لها عنواناً، لعله ينال إعجابكم: يكفيني منك عقاب... فكم تتمنى قلوبنا وتحلم أفئدتنا، ولكن منذ متى ونحن نقدر على تحقيق ما نريد وما تتمناه أنفسنا وتصبو إليه صدورنا؟

فكم حلمنا وتمنينا وسرحت خواطرنا، ولكن دائماً ما يكتب القدر كلمته الأولى والأخيرة لنا. وها قد حان الآن أن أغلق ستائر غرفتي وأجلس وهاتفي بيدي، نسبح في روايتنا عبر أسوار الحياة ونتخطاها ونتجاوزها لندخل إلى عالمنا الخاص، ذاك العالم الذي يعشقه الكثيرون منا، وهو البحث عما يدور حولنا من حكايات وقصص تأخذنا معها إلى أبعد مكان، تجعلنا نهيم بها وبأبطالها، فنحزن معهم ونسعد بضحكتهم.

ولكن هل يا ترى سيكون أبطالنا هؤلاء ممن كتب لهم القدر السعادة، أم ممن ستأتي عليهم الحياة وتبكينا آلامهم؟ ولكن كيف لنا أن نتوقع الفرح والسرور وهي تحمل من اسمها الآهات والدموع؟ فليس هناك أصعب من ذاك العقاب الذي نعاقب فيه أحباءنا على ما فعلوه لنا وما اقترفوه في حقنا. يكفيني منك عقاب... فلنكمل تلك العبارة سوياً لنعرف من خلال تلك الأحداث، ما هو ذاك العقاب الذي سينزل على صاحبه جراء ما فعله.

والآن، دعونا نسافر عبر المدن المصرية حتى نصل إلى صعيد مصر، وإلى تلك البلدة التي يعيش بها أبطالنا، وتحديداً في إحدى القرى الصعيدية. ولكنها ليست مثل بقية القرى، فهي تتصف بالجمال والهدوء، حيث أنها تقع على نهر النيل بمائه العذب. بها العديد من العائلات الثرية ذات المناصب العليا، وغيرها من فئات المجتمع، ولكنها ما زالت تتمسك بالعادات والتقاليد، وأكثرهم الأخذ بالثأر الذي ما زالوا يتمسكون به رغم تغير كل شيء حولنا.

أقف في حديقة ذاك المنزل الواسع وعيني معلقة على تلك الغرفة من خلال شرفتها المضيئة بألوان هادئة وخافتة، حيث تجلس بداخلها إحدى فتيات الصعيد الجميلات، متكئة على فراشها تتحدث إلى إحدى صديقاتها عبر الهاتف. "هههههههه، يخرب عقلك يا ندى، ده إنتي مجنونة رسمي." "لأ، وإنتي الصادقة، أنا عاملة نفسي مجنونة عشان يحرموا بقى ويريحوا نفسهم شوية. وأنا عاملة نفسي نايمة." "هههههههه، اعملي مهما تعملي، مش حيسيبوكي غير لما يجوزوكي."

"وأنا مش حتجوز غير اللي قلبي يختاره يا عطر. أنا نفسي أعيش قصة حب حقيقية، مش عاوزة أتجوز أي واحد وخلاص لمجرد إنه مناسب ليا، وإن وضعه الاجتماعي مناسب لينا مش أكتر." "ومين فينا يا ندى منفسيهاش في إنها تعيش الحب وتتمتع بيه؟ لكن أحياناً الظروف بتجبرنا على حاجات كتير حتى لو مش مقتنعين بيها." "لأ يا صديقتي العزيزة، أنا مليش دعوة بالكلام ده خالص، أنا لازم أعيش حالة حب، يا إما عليا وعلى أعدائي." "ده إحنا حنقلب على إليسا بقى."

يقطع كلامهم دخول عتاب على أختها عطر وهي بتكلم ندى، فتضطر عطر إنها تنهي المكالمة. "معلش يا نودي، حقفل معاكي دلوقتي عشان هادم اللذات ومفرق الجماعات." "هههههه، إنتي أكيد قصدك عتاب." "وهو في غيرها؟ يلا سلام مؤقت يا روحي." "سلام يا حبي، وسلميلي على عتاب." "وهي بتسلم عليكي." تغلق المكالمة وتلتفت للي قاعدة على السرير ومنتظرة أختها تكلمها. "بجي إني مفرق الجماعات وهادم اللذات يا عطر."

"هههههه، حبيبة جلبي إنتي يا توتة، ده إنتي حبيبة جلبي ونور عينيه من جوة." "أقسم بالله إنك ناوية على شللي أو جناني." "في إيه عاد يا عتاب؟ حشللك ليه؟ بعد الشر." "فيه إنك غريبة جوي يا خيتي يا توأمي. لساكي كنتي بتتحدتي مع صاحبتك وإنتي عاوجة لسانك كيف أهل البندر، وفجأة اتقلبت حالك وبجيتي بتتكلمي كيف ما بنتكلم بالظبط. ما بجتش عارفالك حاجة يا بت أمي وأبوي."

"هههههههه، يخرب عجلك يا عتاب. لكل مجام مجال يا حبيبتي. وبعدين ما إنتي عارفة إن لو عليا، حابة لغة البندر كيف ما بتجولي، لكن حعمل إيه عاد، وعمك حالف عليا إني ما أتحدت اهنيه معاكم غير صعيدي وبس." "إنتي كل الكلام بيطلع من خاشمك حلو وزي العسل." "إني عسل ولا إنتي اللي عسل وسكر يا عتاب." "لأ، إنتي اللي عسل وشهد مكرر كمان." "إذا كنت إني عسل، فأنتي حتبجي أعسل مني، ولا نسيتي إننا توأم عاد."

"ودي حاجة تتنسي بردك يا نور عينيه. بس بردك إني حروح جمبك فين؟ كفاية جوز عينيكي اللي حينطجوا من حلاوتهم وشجوتهم." "وإنتي كفاية عليكي طيبة وحنية جلبك اللي تساع الدنيا كلياتها. طب ديه إنتي ما فيش حد يعرفك غير لما يحبك يا عتاب يا خيتي." يغيب عقلها لثوان معدودة، شاردة بمكان آخر. "روحتي فين يا حبيبتي." "هاه، بتجولي حاجة عاد يا عطر." "بجول اللي واخد عجلك وجلبك يتهنى بيه يا جلب أختك." "إيه الكلام الماسخ اللي بتجوليه ده؟

جلب إيه وعجل إيه؟ عيب أجده يا عطر." "وهو الحب عيب يا عتاب؟ الحب لا عيب ولا حرام يا ضي عينيه." "حتى لو زي ما بتجولي، إني مليش صالح بالكلام ديه واصل." "على خيتك بردك يا عتاب." "ده إني مبقاش أستاهل يتجال عليا أختك وتوأمك لو محسيتش باللي إنتي حاسة بيه." "طول عمرنا حاسين ببعض يا عطر، وعمر ما في واحدة منا تعبت ولا شكت دبوس غير والتانية حست بيها."

"ربنا يخليكي ليا يا عتاب يا رب. إنتي عارفة هما طول عمرهم يجولوا عتاب أكبر من عطر عشان اتولدتي جبلي بعشر دقايج، بس إني بحسك مش اختي توأم، والكبيرة عني بعشر دقايج. لا يا عتاب، إني بحس معاكي إنك أمي اللي بحس جارها بالحنان والطيبة اللي في الدنيا كلها. ديه إنتي عوضتيني عن حنان أمنا اللي اتحرمنا منه بدري جوي." تحتضنها عتاب بشدة وتمسح على شعرها وتدمع عيناها.

"يا حبيبتي يا عطر، ربنا يخلينا لبعض يا حبيبتي وميحرمنيش من بعض واصل." "عتاب، إني نفسي جوي أزور قبر أمي وأبوي." "وإني كمان والله يا حبيبتي، بس حنعمل إيه؟ وعمك مبيرضاش يخلينا نهوب ناحية المقابر." "طب جوليله إنتي يا عتاب، هو بيحبك جوي وبيسمع كلامك، ومبيزعلكيش واصل." "حاضر يا حبيبتي، حجول له." يسمعون طرقاً على الباب، وإحداهن تقوم بفتحه وتتحدث إليهم. "عمي الحاج بيجولكم انزلوا عشان تتعشوا معاه."

"ماشي يا نسمة، جوليله حاضر نازلين." بعد مرور عشر دقائق، يجتمعون على مائدة الطعام مع عمهم نعمان، الذي يتولى تربيتهم منذ وفاة أبيهم وهم أطفال صغار، وزوجة عمهم زينب، التي تتسم بالطيبه والحنان وتعاملهم كما لو كانوا من أحشائها، ولا تفرق بينهم وبين ابنتها رحمة، التي تصغرهم بعامين.

وعمتهم حفصة، التي تقيم معهم منذ انفصلت عن زوجها بعد علمها بقرار زواجه من أخرى لعدم قدرتها على الإنجاب، حيث أصرت على الطلاق منه برغم محاولاته الكثيرة على الإبقاء عليها، ولكن أمام رفضها لم يجد بداً من تنفيذ أمرها، ومنذ ذلك اليوم وهي تعيش في بيت أخيها الكبير معززة مكرمة. "مالك يا عتاب؟ إنتي تعبانة ولا حاجة يا بتي." "لأ يا أما، إني كويسة، مفيش حاجة." "امال مبتاكليش ليه يا حبيبتي." "لأ، إني باكل أهوه."

"كيف يعني بتاكلي وصحنك جدامك زي ما هو." "لأ، أصلي كنت مكترة أكل في الغدا ومليش نفس." "ربنا ما يسد نفسك أبداً يا عتاب." "ما لكم مكبرين الكلام أجده مع البت ليه؟ سيبوها براحتها تاكل زي ما تحب." "يوه يا أبو عامر، مش خايفين عليها؟ البت أكلها جليل وأكده حتخس وتروح عافيتها، وهي اسم الله عليها كبرت وبجت عروسة، ولازم تبجى حلوة أجده ومربربة." "هههههه، حلوة ومربربة! والنبي إنتي اللي حلوة ومزة كمان يا أما."

"مزة إيه الكلام ده يا بت عطر؟ إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟ "حيكون منين يعني يا أما غير من المسلسلات التركي اللي عمالة تتفرجي عليها ليل ونهار من وقت ما خلصتي علامو، ومن صحباتها البندر اللي متصاحبة عليهم ومخللينها تعرف تعوج لسانها وتتكلم كيف ما بيتكلموا." "عطر دي دماغ لحالها." "عمي، لو سمحت، كان ليا عندك طلب." "إنتي تؤمري، مش تطلبي يا غالية." "إني وعطر كنا عايزين نزور قبر أمي وأبوي وندعيلهم."

"وهي دعوتكم متوصلش من أهنيه؟ لازم تروحوا المقابر." "عمي، إني سمعت الشيخ بيجول إننا لازم نزور المقابر، وإن الميتين بيحسوا بينا وبيفرحوا جوي بزيارتنا ويعرفوا إننا مش ناسينهم." "وإحنا عمرنا ما نسيناهم يا بتي، دول كانوا أغلى الناس، الله يرحمه." "بصوا يا بنات، إني مبحبش زيارة المقابر دي، وإذا كنتم مصرين، يبجى إني إن شاء الله حاخدكم يوم وأروح معاكم بنفسي." "ربنا يخليك لينا يا عمي يا رب." "مالك يا رحمة؟

إنتي كمان مب تتكلميش ليه." "وإني حتكلم إيه أقول عاد؟ إني محدش وجهلي أي كلام عشان أتكلم. إنتوا حديثكم كله مع عطر وعتاب بس." "وهي الجعدة تحلى من غير حديثك يا رحومة؟ ديه إحنا ما كناش بنشبع ضحك غير وياكي." "إني شبعت يا أما، وعندي مذاكرة كتير، عن إذنكم." "ذاكري يا رحمة كويس عشان أجيبلك الهدية اللي وعدتك بيها." "ربنا يخليك ليا يا بوي، إن شاء الله حنجح وأجيب مجموع كبير وأفرحك بيه." "إن شاء الله يا جلب أبوكي."

"هي مالها رحمة؟ معجبانيش اليومين دول. البت ضحكتها مكنتش بتفارق وشها." "مش عندها ثانوية عامة يا عمتي؟ الله يكون في عونها، دي واعرة جوي." "اه يا فالحة، وإنتي عشان عارفة أجده أخدتيها من جاصرها وجلتي كفاية عليا الدبلوم. وعطر أهيه دخلتلها معهد هي كمان وجعدت على أجده." "إنتي زعلانة منينا يا أما عشان مدخلناش الجامعة؟

"إني عمري ما أزعل منكم يا حبايبي. إني زعلانة عشانكم، العلم حلو وبينور، وكان نفسي تخشوا الجامعة وتتعلموا، لكن حنجول إيه؟ كل شي نصيب." "وربنا حيجعل نصيبهم في الطيب إن شاء الله، ويرزجهم بولاد الحلال اللي يريحوا بالهم." "إذا كانوا على ولاد الحلال، موجودين، بس ربنا يهدي." "هو إنتي زهجتي منينا يا ما؟ عاوزانا نتجوز ونمشي؟ "زهجنا منيكم ديه إيه يا حبايبي؟ ده انتوا اللي منورين البيت، وربنا يطمن جلبي عليكم يا رب."

"ربنا يخليك لينا ولا يحرمنا منك أبداً يا عمي يا رب." "أمال عامر ومصعب اتاخروا ليه لحد دلوقتي." "مع العمال بيجبضوهم وبيطمنوا على البضاعة في المخازن وعلى وصول... لم يكمل الكلمة حتى دق جرس الباب، فخرجت وهي تجري. "يوه، مابالراحة، حتنكفي على وشك." "عشان الحاج افتح الباب." تفتح نورة الباب وتبتسم له، فيبادلها الابتسامة. "إزيك يا نورة." "تسلم وتعيش يا سي مصعب." "مساء الخير عليكم." ويردون جميعهم عليه التحية.

بينما تدخل نورة للمطبخ مرة أخرى، فتمسكها نسمة من يدها بقوة. "واه يدي حتنكسر، في إيه عاد." "إن شاء الله تنكسر يدك ورقبتك كمان." "ليه أجده يا نسمة؟ إني عملتلك إيه عاد." "عمايلك سودة ومهببة على دماغك. إنتي عايزة إيه يا نورة؟ ناوية على إيه يا بت أبويا." "إنتي قصدك إيه يا نسمة." "يعني معرفاش. طب إني حجولك، إنتي ما حترتاحيش غير لما يطردونا من اهنيه يا نورة." "يطردونا ليه يا نسمة."

"استغفر الله العظيم يا ربي وأتوب إليه. بتسألي كنك متعرفيش عاد. بس إني متأكدة إن طردنا من البيت ده حيكون على يدك، ويا رب وجتها ترتاحي وتنبطي على خيبتك." "مش بيدي، غصب عني يا نسمة. جلبي مش بيدي." "خايفة عليكي يا حبيبتي. إحنا فين وهما فين؟ اللي يبص لفوق يقع وتنكسر رقبته." "بس هو بيحبني زي ما بحبه." "يا سلام! بجي هو بيحبك إنتي؟ وحيسيب بنات عمه ولا خواله ولا بنات البلد كلها ويحبك إنتي يا نورة." "و ميحبنيش ليه عاد؟

ناجصا إيد ولا رجل." "لأ، وإنتي الصادجة، ناجصا مال وحسب ونسب. إحنا فين وهما فين يا نورة يا خيتي. وحتى لو هو عاشجك زي ما بتجولي، الحب حاجة والجواز حاجة يا نورة. وهو يوم ما حيجول جواز، ألف مين تستمناه. ديه إذا ما كانوا مرتبينله جوازته من دلوقتي. فوّجي يا نورة، فوّجي يا حبيبتي، بدل ما تفوجي على جلم على وشك، ووجتها حتعرفي إنك كنتي في كابوس." "كل ده عشان إحنا بنشتغل عنده."

"لأ، وإنتي الصادقة، إحنا خدامين عندهم، عايشين بلجمتنا وهدمتنا اللي علينا. هما اللي سترونا في بيتهم بعد اللي حصل لأبوكي الله يرحمه. ويوم ما حيطردونا من اهنيه، محلاقيش حتة تتاوينا، ووجتها كلاب السكك حتنهش فينا نهش. متزعليش يا نورة من حديثي ده،

وعلى رأي المثل: يا بخت مين بكاني وبكى عليا، ولا ضحكني وضحك الناس عليا. ارجعي لعقلك وفوجي أجده، و خلينا في لقمة عيشنا اللي لو خرجنا من اهنيه، منحلاقيهاش. ومش حيكون جدامنا غير صفايح الزبالة ناكل منها." "خلاص، كفاية يا نسمة، كفاية. الله يخليكي ليا. يا ربي ليه بيحصل معايا أجده."

"مقدر ومكتوب يا نورة، والمكتوب ممنوش مهرب يا نن عين أختك. لكن إحنا بردك ربنا مدينا عقل عشان نفكر بيه ونوزن الأمور. واللي بيشيل جربة مخرومة بتخر على دماغه. على نورة. يلا يا نورة، جومي شوفي اللي وراكي، خلينا نلحج ننعس جبل ما يجي الصبح وينهب حيلنا في البيت." تقوم نورة عشان متزعلش أختها منها، ودموعها على خدها.

بينما في الخارج يتحدث نعمان إلى أبنائه ليطمئن على سير العمل. كان قلبها يكاد أن يخرج من مكانه من شدة حبها له، ولكن هل يا ترى هو الآخر يبادلها تلك المشاعر أم يتعلق قلبه بسواه؟ تخطف النظرات إليه بين الحين والآخر، وتحيد نظرها عنه سريعاً حتى لا يكشفها أحد ويفهم ما بداخلها تجاهه. ينتهي الجميع من تناول وجبة العشاء، ويستأذنون جميعهم للانصراف.

بينما يلاحقها الآخر بعينيه التي تكاد أن تنطق من عشقه لها، وكم تحدث مع والده في أمر زواجه منها، ولكنهم دائماً يؤجل الحديث في هذا الموضوع. وما إن صعدت الفتاتان إلى غرفتهما حتى التفت لوالده للحديث معه للمرة الألف في هذا الموضوع. "إيه يا بوي؟ مش ناوي تريحني بجى." "يووه يا عامر، إنت مبتزهجش من الكلام في الموضوع ده عاد."

"ما ني معرفش يا بوي ليه مش عايز تريحني. بجالي جد إيه إني بتحدث معاك في الموضوع ده وإنت عمال تماطل فيه، وكل مرة تجولي بعدين بعدين. طب لحد إمتى." "إنت عايز إيه يا عامر." "عايز عطر يا بوي. عطر بت عمي، وإني أولى بيها، وفوق أجده بحبها ورايدها." "حب إيه وكلام فارغ إيه؟ جلة حيا ديه." "وإني جلت إيه يا بوي؟ الحب مش عيب ولا حرام. وإني بحبها ومحسيبهاش لحد غيري واصل، وحتجوزها يعني حتجوزها." "كنك اتجننت عاد يا عامر!

إنت بتعلي صوتك على بوك يا متربي يا محترم." "لا حول ولا قوة إلا بالله. إني مجصدش يا بوي، حجك عليا، بس إني خايف يا بوي. عطر كبرت وكبرت جوي، وكل البنات اللي في سنها اتجوزوا واتجوزوا وعيالهم في إيديهم، وهي كل يوم والتاني عريس متجدملها." "الجواز جسمه ونصيب، ولسه مجاش نصيبها." "وإني منفعش أبجى نصيبها ولا إيه يا بوي؟ على الأجل إني ابن عمها وأولى بيها، مش هي دي الأصول بردك."

"مش إنت اللي حتعلمني الأصول يا بن زينب. جوم شوف وراك إيه دلوك، وبعدين يبجى لينا حديث في الموضوع ده." "حاضر يا بوي، بس يكون في علمك، عطر ما حتكونش لحد غيري واصل مهما حصل." "جلت اطلع أوضتك دلوك." يزفر عامر بشدة ويصعد الدرج وهو في قمة غضبه، بينما يتبعه غافر وهو يحدث نفسه: "عارف إنك بتحبها وبتعشقها كمان من صغرك يا ضناي، ولو بيدي كنت جوزتهالك النهارده قبل بكرة، لكن مينفعش يا ابني. يا رب حلها من عندك إنت يا ربي."

يتجه إلى غرفته ويغلقها خلفه بغل وغضب. فهو يعشق عطر منذ الطفولة، كبرت أمام عينيه وحبها يجري في دمه مجرى الدم. ولكن لا يفهم سبب ما يفعله والده معه، ولما هو لا يستجيب له وهو أحق الناس بها. تدخل عليه أمه الغرفة. "مالك يا عامر؟ في إيه؟ الباب كان حيتخلع. إني فكرت إن البيت بيتهد والجيامة اتجمعت." "إني اللي جيامتي حتتهد يا ما." "واه ليه عاد الكلام العفش ده؟ ألف بعد الشر عنيك يا نن عيني."

"إني تعبان يا ما، وأبوي هو سبب همي وتعبى." "يا لهوي! ديه إنت وأخواتك نور عينيه يا حبيبي." "لو زي ما بتجولي كان ريح جلبي وجوزني من اللي جلبي رايدها. مش كفاية إني سمعت كلامه ومفتحتش معاه سيرة في الموضوع ده نهائي، ولا حتى لمحتلها من بعيد إني عاشجها، وكل ده عشان وعدته. ودلوقتي كبرت والعرسان كل يوم والتاني يتقدموا. إيه حفضل واقف لحد ما أشوفها وهي بتروح من إيديا. ديه إني كنت أصور فيها جتل."

"متزعلش نفسك يا عامر، إني حتكلم مع أبوك في الموضوع ده، وإن شاء الله عطر محتكونش من نصيب حد غيرك واصل." تخرج زينب من عنده وهي حزينة عشان ابنها، وتروح لنعمان بكل غلها عشان تعرف في إيه بالظبط. "جلت بعدين، ومعوزش حديث في الموضوع ده دلوك." "امال نتحدث متى يا واد عمي؟ بجولك إيه؟

إنت طول عمرك كلمتك نافذة عالكبير جبل الصغير، والكل بيجولك أمين، وإني عمري ما كسرتلك كلمة، وطول عمري مبجولش غير حاضر وبس. لكن المرة دي إني حجفلك يا نعمان. ديه ولدي اللي منايا أشوفه سعيد ومتهني مع اللي جلبه رايدها. ولو حكمت والله لاجوزهاله ويحصل اللي يحصل." "أيوه عشان تبجى نهايتك على يدي. طب إيه رأيك بجى عشان ترتاحي؟ عامر ما حيتجوزش عطر." "واه ليه يا نعمان؟ ليه؟ حرام عليك. ديه الواد روحه فيه."

"عشان إني اللي عالم الصالح فين، وولدك مش حيكون لعطر ولا عطر حتكون ليه. ريحي نفسك بجى وجفلي خالص عالحديث ده." تحاول زينب أن تفهم منه سبب رفضه لزواجهم، ولكن يعطيها ظهره وينام، وتقرر هي ألا تخبر ولدها بهذا الأمر حتى لا تحزنه، لعله قد نطق بتلك العبارات كيداً بها لا أكثر. تقرر السكوت خوفاً من بطشه بها، وتسلم أمرها إلى الله.

بينما عامر يظل طوال الليل في حيرة من أمر أبيه ومن تماطله في هذا الموضوع، ويقرر أن يفاتح عطر في ذاك الأمر الذي يكتمه في قلبه منذ طفولتهما، ويقف أمام والده ويعلن غضبه مهما كلفه الأمر. تشرق الشمس بنور ربها لتعلن عن بدء يوم جديد. تحاول أن تسمع كلام أختها كي لا تغضبها، ولكن هل لقلبنا سلطة علينا. تصعد السلم وتطرق الباب عليها لتجدها ترتدي ملابسها استعداداً للخروج. "صباح الخير يا رحمة." "صباح النور يا نورة."

"اتفضلي فطورك أهوه. ستي الحاجة بجولك متخرجيش غير لما تاكلي الأول." "نورة، خدي الحاجات اللي على الكرسي ده." "بس دي حاجات كتيرة وشكلها جديد كمان." "وهو إني من متى عطيتك حاجة مقطعة ولا قديمة يا نورة." "لأ، إني مجصدتش حاجة والله. إني جصدي إنها جديدة جوي وإنتي لسه ملحجتيش تتهني بيها." "لأ، معوزهاش. ولا إنتي مش عايزة تاخديها مني." "كيف معوزاش أخدها منك؟

وإني أصلاً كل لبسي من خلجاتك اللي بتديهالي. ربنا ينجحك ويفرح جلبك يا رب." "تتهني بيهم يا نوارة." تفتح نورة في العياط. "واه وليه العياط عالصبح أجده عاد." "أصلي افتكرت أبوي، محدش كان بيجولي نوارة غيره." "ربنا يرحمه يا حبيبتي." "يا رب يا رحمة."

تنزل رحمة عشان ياخدها السواق ويوصلها للمدرسة، وتبدأ رحمة في توضيب أوضتها وفرشها، وبعد كده تاخد الملايات والهدوم اللي اديتهالها رحمة وتنزل بيهم على تحت. وهي نازلة عالسلم تتفاجئ باللي بيخضها فتقع الحاجة من إيدها. "واه خضتني يا سي مصعب." "ههههههههههه." تتوه نورة في ضحكته وجماله. "نورة، رحتي فين." "إني كل ما بشوفك وأطلع فيك بروح لآخر الدنيا." "من جلبك يا نورة." "يعني ما خبرش يا سي مصعب."

"خابر يا نورة، وإنتي كمان خابرة باللي جوة جَلبي." "يا لهوي! الدنيا اتبعترت." توطي على السلم عشان تلم الملايات والهدوم، ويلمهم مصعب معاها. "بحبك يا نورة." "وإني كمان بحبك جوي، بس إني خايفة يا سي مصعب." "أياكي تجولي خايفة وأنا موجودة على وش الدنيا." فجأة ينتبهون على صوت عالٍ ينادي عليها. "نووووورة."

هنا تنتهي حلقتنا الأولى. عارفة إنها صغيرة ومفهمتوش حاجة، ولا عرفتوا حتى مين البطلة ولا مين البطل، بس كل حاجة حتبان مع الحلقات الجاية إن شاء الله. أتمنى نتفاعل على الرواية لأن تفاعلكم هو اللي حيخليني أتشجع وأكملها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...