الفصل 13 | من 27 فصل

رواية يونس وبنت السلطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
18
كلمة
7,385
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

أثناء ذهاب يُسر للمدرسة، تقابلت مع ذالك الحقير. قطع عليها الطريق كعادته القذرة. وقفت متعجبة تنظر له برعب. ضحك بسخرية عالياً ثم تحدث قائلاً: "أيه، فكرتي نفسك خلصتي مني؟ أنا عايش لسه مموتش، أنا عملتلك الأسود." جذبها من ذراعها بقوة يشدها قائلاً: "اللي مكملش المرة اللي فاتت هيكمل المرة دي. هتدفعي التمن مضاعف يا بنت السلطان." حاولت سحب يدها من يده، لكنه كان يحكم عليها بقوة.

صرخت بقوة تستنجد بأحد، لكن لا أحد يمر على الطريق. تصرخ وتصرخ. فجأة شعرت بيد تشد يدها الأخرى. نظرت خلفها، كانت المفاجأة. تحدثت قائلة: "يوسف." نظرة عين يوسف طمئنتها قليلاً، لكن ذالك الوغد أمجد يشد يدها الأخرى بقوة، واليد الأخرى يشدها يوسف. هي بينهم الاثنين، شعرت أن يديها سيُقطعان من جسدها. لم لا يتركها أحدهم؟ تخشى أن يترك يدها يوسف ويتركها لذالك الوغد أمجد الذي يبتسم بتشفى يعلن أنه هو من سيفوز بها. صرخة وصرخة.

إلى أن استيقظت ترتعش. يد حانية تمسد على ظهرها تتحدث قائلة: "اهدئي، أنتي كنتي في كابوس خلاص انتهى. فُوقي يجي." شدت يُسر على من تحتضنها ثم تحدثت: "أمي." ردت نواره: "متخافيش، أكيد ده كان كابوس. أنا صحيتك من شوية عشان تصلي الفجر بس أنتي رجعتي ونمتي تاني، فربنا حب ينبهك." دخلت الجدة قائلة: "في إيه يا بتي؟ دي تاني مرة تصرخي وانتي نايمة وتصحي مفزوعة أكده. أكيد ده شيطان. أنا هرقيكي وبعدها هيبعد عن الشيطان ده."

همست نواره لنفسها: "يارب يبعد عنها الشيطان ويكون انتهى." تعجب صفوان. رشيدة جلست أرضاً، غير قادرة على الوقوف، كأن جسدها أصيب بالشلل. جسدها يرتعش. تحدث صفوان بلهفة ينادي: "أنهار." أتت أنهار سريعاً وتعجبت من جلوس رشيدة. انحنت جوارها قائلة: "ست رشيدة، مالك؟ نهضت أنهار قائلة: "هروح أجيب ميه بسكر وأجي." تحدثت رشيدة بوهن: "لأ، أنا زينة. بس مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كده. بالدوار." دخلت نرجس إلى غرفة غالب.

تحدثت: "يونس كان هنا في وقت زي ده، ليه؟ عملتي إيه يا غالب؟ أنت مشبعتش من اللي سارة عملته؟ لسه الانتقام في قلبك؟ رد غالب قائلاً: "أنا معملتش حاجة. مش أنا اللي ورا القبض على الشيخ أيمن." تعجبت نرجس، ولكن قبل أن ترد، طرقت الباب إحدى الخادمات ودخلت بعد أن سمحوا لها. تحدثت الخادمة قائلة برجفة: "الغفير اللي عالباب بيقولي إن يونس بيه انضرب بالنار في الشارع وهو راجع من هنا." "ماذا؟ " قالت. عقله لا يصدق. فاق على

قول نرجس التي خرجت تهرول: "ولدي! أعاد نفس كلمتها برجفة: "ولدي." ثم خرج خلفها. بالشارع، تجمع الناس حول يونس الذي رحمه القدر من موت مؤكد. حين اهتزت يد القاتل حين رأى بعض الأهالي يخرجون من بيوتهم ليعرفوا سبب إطلاق الرصاص. فبدل أن يطلق الرصاصة الثالثة بقلبه، أخطأها وأطلقها بضلوع كتفه. لكن أيضاً ينازع الموت. فمن ينتصر الآن؟ بدار يونس. يقولون الخبر السيء يأتي سريعاً. هكذا حدث. دخل صبحى إلى الداخل.

وجد أنهار ورشيدة جالستان ومعهن صفوان. تحدث حزيناً: "يقولون يونس بيه وهو راجع من الدوار لهنا، طلع عليه قاطع طريق." وصمت قليلاً. وقفت رشيدة قائلة برجفة وارتعاش: "وإيه؟ يونس جراله إيه؟ وهو فين؟ رد صبحى: "وانصاب بالرصاص. وغالب بيه خده لمستشفى المركز." عقلها لا يصدق. الحلم سيتحقق. يونس سيتركها؟ لا، لن تقدر على فراقه. جرت للخارج سريعاً. بعد قليل. بأحد المستشفيات الخاصة والكبيرة بسوهاج. أمام غرفة العمليات.

وقفت نرجس تبكي دماً. فولدها الوحيد الآن بين يدي الله، تدعو أن يرأف به. كذلك غالب الذي على ملابسه دماء ابن أخيه. لا بل ابنه، لا يفرق عن ابنه. تذكر قبل قليل. وصل إلى مكان تجمع الناس، وجد يونس ممدد أرضاً، هناك أحد من الأهالي يساعد في كتم دمائه. نساء تصرخ أن ينجده أحد. تحدثت نرجس قائلة للنساء: "اكتموا منك ليها." جلست نرجس أرضاً وربتت على وجهه قائلة: "يونس، ولدي." فتح عيناه، تحدث قائلاً: "وصيتك رشيدة وابني."

انحنى غالب قائلاً: "ولدك أنت اللي هتربيه يا ولدي. جاوب عشانهم. كفايا عليا، مش هقدر أتحمل فقد ولد تاني." صرخ غالب على الأهالي: "بعدوا أكده." حاول غالب حمله، لكن لكبر عمره لم يقدر. أتى له أحد الأهالي وساعدوه. وحملوا يونس ووضعوه بالسيارة التي انطلقت كالبرق تسابق الزمن. دخلت نواره إلى دار يونس. تقابلت مع أنهار التي تحمل حسين. تحدثت قائلة: "إيه اللي حصل يا أنهار؟ البلد كلها بتقول إن العمده انضرب بالنار. ورشيدة فين؟

ردت أنهار: "ده اللي أعرفه يا أم صفوان. والست رشيدة طلعت ومعاها السواق وصبحى." نظرت نواره للصغير الباكي بين يدي أنهار. مدت يديها، أخذته منها، وبدأت تهدهد به عله يسكت. لكن ما زال يبكي. تحدثت أنهار: "أكيد جعان. هو كان نايم ولسه صاحي. هروح أعمله شوية كراوية وأسقيهم له على ما الست رشيدة ترجع. ربنا يسلم وتطلع إصابة يونس بيه بسيطة. والله ما يستاهل، بس شر النفوس بجى." تنهدت نواره قائلة: "يارب الطف بيه."

همست نواره: "رشيدة، يونس لو جراله حاجة مش هتستحمل بعده." بالمشفى. وصلت رشيدة وذهبت إلى غرفة العمليات. وجدت نرجس تجلس تبكي، وكان غالب واقفاً جوارها. ذهبت سريعاً ووقفت أمام نرجس وتحدثت بلهفة وهي تنهج: "يونس فين؟ إيه جراله؟ كان رد نرجس هو البكاء، هي غير قادرة على التحدث. أعادت رشيدة سؤالها، ولكن رد هذه المرة غالب: "يونس في العمليات. ادعي ربنا يلطف بيه." نظرت له رشيدة قائلة: "دلوقتي مبسوط من محاربتك له؟

خليت عدوه يعرف أنه وحيد وقدر يصطاده. بس أنا عارفة مين اللي حاول يقتل يونس، وأنا بنفسي هعرفه أنه مكنش وحيد. وأنا بنفسي هحاسبه قبل ما يطلع يونس من العمليات." قالت رشيدة هذا واتجهت مغادرة للمشفى. بعد وقت قليل. بدار ناجي الغريب. فرحة عارمة يشعر بها ناجي. ضرب عصفورين بحجر واحد: القبض على الشيخ أيمن وأيضاً قتل يونس. نادى ناجي على أحد العاملين عنده. أتى له العامل ووقف ينحني له قائلاً: "أمرك يا ناجي بيه."

تحدث ناجي: "فين سيدك أمجد؟ مش باين بقاله يومين." رد العامل: "معرفش يا ناجي بيه. هو خرج بالكارته من يومين الصبحيه وبعدها مشفتوش ساعتك." ضحكت همت التي دخلت وتحدثت بسخرية قائلة: "هتلاقيه عند غازية من اللي كنتوا بتروحوا لها سوا. تلاقيها ضاحكة على عقله ومفهماه إنه سيد النجع. ده الدناوة فيه زي أبوه." تحدث ناجي للعامل بحزم: "تغوطس وتقب وتجيب لي أمجد أو تعرف مكانه فين، يلا غور." خرج العامل.

نظر ناجي لهمت قائلاً: "ما راجي كان زاينا بيحب الغوازى ويسهر عندهم. مكنش دني زي غالب." نظرت له همت باستنحار، ولكن قبل أن ترد عليه، وجدت رشيدة أمامهم. تبسمت همت شامته قائلة: "يا مرحب ببنت السلطان. خير؟ سايبة جوزك بين الحيا والموت وجاية هنا ليه؟ رفعت رشيدة ذالك السلاح الذي كانت تخفيه أسفل حجابها ووجهته إلى رأس ناجي. وتحدثت قائلة: "أنا جايه آخد بتار جوزي، وقبل ما يطلع من العمليات هكون جابته اللي اتسبب في إصابته."

نظر لها ناجي برعب، هو جبان أمامه الآن، موت محقق. أطلقت رشيدة الرصاصة، كان دويا كأنه انفجار بركان. بمشفى آخر. دخل الطبيب إلى غرفة المريضة، يقوم بفحصها، لكن لا تعطي أي إشارة للحياة. هي فارقت الحياة. خرج إلى عواد الجالس أمام الغرفة وجواره نفيسة غير المستوعبة لما حدث لابنتها الوحيدة. وقف عواد قائلاً: "خير يا دكتور؟ رد الطبيب بأسف وبإختصار: "البقاء لله." صراخ وعويل ونحيب من نفيسة. صدمة اقتسمت قلبه.

شعر بظلام أمام عينيه، خطئه القديم حين ترك زوجته الأولى بطفل صغير، لا تعرف ماذا فعلت لترسل لها ورقة طلاقها غيابياً. تركها بطفل لم يكمل شهور، وسمع إلى غباء والده وتزوج بأخرى. تركها دون مُعيل، وهو يعرف إمكانيات أهلها المتوسطة. كان يتوقع أن تذل له ليقوم بالإنفاق على ولده، لكن لم يعرف أن من يُغني هو الله القادر. دفع الثمن كثيراً حين تذكر كلمة واحدة

قالتها له زوجته الأولى: "أنا مش هدعي عليك ولا هقولك ينتقم منك ربنا، أنا فوضت أمري لربنا. منك لله." اليوم هو سداد الدعوة البسيطة من قلب مظلومة. حاول محاربتها، ولكن أنصفها القدر. أصبح لها زوج آخر وأبناء آخرين بينها وبين ابنه، ود كبير، عكس ما هو معه حين واجه ولده وقال له أن أمه تزوجت بآخر وتركته هي الأخرى. دافع عنها قائلاً: "زي ما عطيت لنفسك حق، هي كمان من حقها زوج يصونها ويشاركها الحياة." لما لم يلتمس له نفس العذر؟

لا، هو ليس مثلها. هو تخلى بإرادته، حتى لو كان غصباً. ماذا كان سيحدث لو رجع الزمان للخلف؟ لما سمع لأمر والده وما ترك ولده ولا حب حياته، حتى لو تنازل عن اسم الهلالي. نفيسة، عقلها يشرُد. ابنتها التي شاء القدر أن لا تنجب غيرها، ولا تعرف ما السبب. هي حاولت الإنجاب بعدها، ولكن لم يرزقها الله. ابنتها دفعت ثمن طمعها فيما في يد غيرها، أرادت السلطة والجاه من أجلها. لم تعلمها الحب والتضحية، علمتها الأنانية.

لم تدافع عنها أمام ذالك الحقير راجحى الذي انتهك جسدها بالضرب والاغتصاب مرات. حقاً كانت زوجته، لكن كان يعاملها كالحيوان، وأوقات كان يرأف بالحيوان، أما ابنتها لم يرأف بها لمرة واحدة. هي استراحت من عشق ميؤوس منه، أو بالأصح لم يكن لها أبداً. بالقاهرة. وقعت سماعة الهاتف من يد ياسمين. كان جوارها يوسف يقف مبتسماً، لكن حين وقعت منها السماعة، نظر لوجهها، رأى دموع بدأت تسيل من عينيها. تحدث سريعاً: "إيه؟ بتبكي ليه؟

ردت ياسمين: "يونس ابن عمك انضرب بالنار وهو في المستشفى دلوقتي، وميعرفوش عنه حاجة في الدوار." رد بذهول: "بتقولي إيه؟ ومين اللي له مصلحة في كده؟ يونس ميستاهلش القتل." ردت ياسمين ببكاء: "خلينا نسافر النجع ونشوف إيه اللي حصل." رد يوسف: "يلا بينا. أنا لسه راجع امبارح من هناك. كان الكل سعيد برجوع يونس الصغير. إيه اللي حصل فجأة؟ ومين اللي قدر يعمل كده؟ خلينا نرجع بالعربية، هنوصل أسرع من القطر." بدار ناجي الغريب.

انفجرت الطلقة بتلك النجفة المعلقة بالسقف، أصابت شظايا زجاجها وجه ناجي، لتشُق جرحاً كبيراً وبارزاً به. نظرت رشيدة إلى من يمسك يدها وقالت بلوم: "ليه مسبتنيش أقتله وأخلص النجع من شره؟ رد عليها قائلاً ببرفق: "بلاش يا بتي تلوثي يدك بدم خسيس." نظرت همت مذهولة مما تراه أمامها. غالب هو من أمسك يد رشيدة، وبدل أن تطلق الرصاصة برأس ناجي، رفع يدها لتصيب الرصاصة تلك النجفة.

غالب حدث رشيدة برفق ولين: "هل نسيت أنها شاركت بقتل ولدهما؟ قبل أن تتحدث همت، شد غالب يد رشيدة وأخذ منها السلاح قائلاً: "يلا يا بتي، ميلقش بمرات يونس الهلالي توقف في بيت قذر زي بيت ناجي الغريب." نظرت رشيدة لغالب. تحدثت بدموع قائلة: "لو يونس جراله حاجة، أنا هموت. سيبني أخلص عليه حتى لو آخر حاجة هعملها في حياتي."

رد غالب: "لأ، مش هسمحلك تلوثي يدك بدم خسيس. يلا يا بتي، وادعي ليونس. ربنا يلطف بيه ويمن علينا برحمته ويرأف بينا ويقوم لنا يونس بالسلامة." شدها غالب لتسير معه. لكن قبل أن يخرج من الغرفة، تحدث وهو ينظر ل ناجي: "متفكرش إنك هتهرب من حسابي، بس استناني أطمن على يونس الأول." خرج غالب ومعه رشيدة، وترك همت وناجي المذهولان بما حدث أمامهما.

همت مذهولة لما لم يترك غالب رشيدة تقتل ناجي وتعاقب على ذالك بالإعدام أو بالسجن على الأقل، ويكون بذلك أخذت جزائها في قتل راجحى. ناجي، من تلك القوية التي رفعت عليه السلاح وكادت أن تقتله لولا تدخل غالب؟ لما هو مرعوب إلى هذا الحد؟ إنها امرأة بالنهاية، كيف استطاعت فعل هذا؟ تحدثت همت ساخرة: "بت السلطان علمت على وشك." رد ناجي: "وغالب الهلالي اللي فكرت إنه هيوقف جساد واد أخوه، أهه قدامك هو اللي ساند مراته قدامك."

نظر الاثنان لبعضهما، نظرات غلول. بدار يونس. نواره تسير بالصغير ذهاباً وإياباً. دخل صفوان عليها. تحدثت بلهفة قائلة: "رشيدة كانت جت لهنا وأخدت سلاح وطلعت تاني، ملحقتهاش." رد صفوان: "اطمئني يا أماي، أنا شوفتها من بعيد وهي طالعة من هنا ولحقتها وشوفتها داخلة دار ناجي الغريب. بس بسرعة لجيتها طلعت مع عمي غالب اللي دخل وراها. ولما سألت واحد من اللي واقفين عنده عالبوابة قالي إن في صوت رصاصة بس مصابتش حد."

تعجبت نواره قائلة: "غالب الهلالي طلع مع رشيدة؟ رد صفوان: "أنا شايفه بنفسي، حتى ركبوا العربية سوا. تلاقيهم رجعوا المستشفى تاني. أنا هروح المستشفى وهبقى أرجع أطمنك." تعجبت نواره ونظرت للصغير الذي تحمله وقالت له: "ربنا يرد لك أمك وأبوك يا ولدي." بالمشفى. نرجس جالسة تقرأ القرآن من رأسها ودموعها تسيل زخات، تدعو أن لا يحرمها الله من ولدها. دخل غالب ومعه رشيدة. تحدث غالب: "محدش من الدكاترة خرج من الأوضة."

ردت نرجس: "لأ، مفيش غير ممرضة وكانت خرجت ورجعت بسرعة معاها أكياس دم. ولما سألتها مردتش عليا." جلست رشيدة جوار نرجس. الوقت لا يمر، الساعات توقفت. نرجس تغمض عينيها وتبكي بصمت وقلبها يدعو بالرأفة بها. غالب يجلس قليلاً وأحياناً يقف. رشيدة تشعر بألم، ألم قلبها، وهناك ألم جسدي فتاك ينهش جسدها. تتألم بخفوت. نظر غالب باتجاه نرجس ثم نظر إلى رشيدة. عينه وقعت بالخطأ على الأرض أسفل قدم رشيدة. وجد بركة دماء تتجمع.

رفع نظره لها، وجدها جالسة تنحني قليلاً، تضع يدها على بطنها ووجهها شاحب للغاية. قبل أن يتحدث، رشيدة فجأة، الألم لم تعد قادرة على استحمّاله. صرخة خافتة منها. فتحت نرجس عينيها ورأت تلك الدماء ورشيدة المتألمة، فجأة غابت عن الوعي هي الأخرى. نهضت نرجس وتحدثت برجفة: "رشيدة! نظرت نرجس لغالب الذي ذهب سريعاً وأتى لها بدكتورة، وتم نقلها إلى غرفة هي الأخرى. رافقتها نرجس قليلاً ثم خرجت وتركتها مع الطبيبة.

بعد وقت خرجت الطبيبة من الغرفة. تحدثت نرجس لها: "خير يا دكتورة؟ ردت الطبيبة بعملية: "للأسف، المريضة كانت حامل، حوالي شهرين، والجنين نزل." انصدمت نرجس. يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى. أمام غرفة العمليات. خرج الطبيب. أقبل غالب عليه متحدثاً بلهفة قائلاً: "خير، طمني يا دكتور."

رد الطبيب: "خير، اطمن. احنا طلعنا الثلاث رصاصات من جسم المريض. هو مكنش خطير غير الرصاصة اللي في الظهر، بس النزيف كمان أثر على حالة المصاب. بس الحمد لله ربنا كتب له حياة تانية، لأن لو رصاصة الظهر كانت اتمكنت من العمود الفقري أو اقتربت من أي عضو من أعضائه الداخلية، كانت هتبقى مشكلة. بس الرصاصة اللي في فخد المصاب ممكن يكون لها أثر، لأنها كادت تخترق عضم فخده وممكن تسبب عرج مؤقت. مع العلاج هيروح. وهو دلوقتي هيخرج على العناية بس زيادة للمتابعة، وبمجرد ما هيفوق هننقله لغرفة عادية."

تنهد غالب قائلاً: "شكراً يا دكتور." أماء الطبيب برأسه وغادر من أمام غالب، الذي رأى خروج يونس من غرفة العمليات ودخوله إلى غرفة العناية. تذكر رشيدة. ترك غرفة العمليات وتوجه إلى تلك الغرفة التي بها رشيدة. وجد نرجس تخرج من الغرفة وتغلقها خلفها. تحدثت بلهفة قائلة: "يونس." رد غالب: "يونس خرج من العمليات والدكتور أكد حالته مش خطيرة قوي، بس هيفضل في العناية للمتابعة لحد ما يفوق. ورشيدة مالها؟

ردت نرجس بحزن: "رشيدة كانت حامل وأجهضت." أغمض غالب عينيه متألماً. ألا يكفي إصابة يونس؟ ولكن ربما هذا الجنين ونزوله افتدى يونس. المهم أن يُشفى يونس ويعوض بغير هذا الجنين. ظهراً. بمسجد النجع. وقف صفوان أمام بالمصلين بالجامع. ختم الركعة الأخيرة وأثناء التسليم نظر لخادم الجامع الذي بجواره، نظرة عرف مغزاها. نهض خادم المسجد وذهب إلى الباب وأغلقه من الداخل على المصلين.

بنفس الوقت صعد صفوان إلى منصة الإمام ووقف متحدثاً: "أكيد مش صدفة إننا في النجع نصحى على خبر القبض على الشيخ أيمن. ولا كمان خبر ضرب عمدة النجع بالرصاص. في إيد بتفحر في النجع عاوزه الجهل والظلم يفضلوا مسيطرين على النجع. الشيخ أيمن من إمتى اتكلم في السياسة؟ ده حتى مبيشاركش في الانتخابات البرلمانية. ولو حد سأله أنتخب مين،

كان بيقول: انتخبوا الإيمان والفلاح. إحنا مش محتاجين نايب عننا، إحنا نواب نفسنا، نقدر ننفع بعضنا لما نحط إيدينا في إيد بعض. يبقى إزاي صدقتوا إنه بيحاول يسيء للنجع أو يستخدم السياسة في الدين؟

وكمان العمده يونس اللي ضربه بالرصاص مكنش أكيد له عداوة معاه. فوقوا يا أهلي. أنا بدرس قانون وعارف فيه كويس. اللي وراء القبض على الشيخ أيمن وكمان ضرب العمده بالرصاص قاصد ومخطط كويس. الاتنين لما حطوا إيديهم في إيد بعض، بقى عندنا وحدة صحية فيها علاج للغلابة اللي مش قادرة على حق العلاج، وكمان بقى فيها دكتور، حتى لو واحد أفضل من مفيش. وبكرة هتكبر الوحدة الصحية. كمان مدرسة قربت تنتهي من بنائها وهتعلم ولادكم وهيطلع منهم الدكتور اللي يعالج أهل النجع، وكمان المهندس اللي يبني والمدرس اللي يعلم أولادكم وأحفادكم ويزيل الجهل والظلم ويزرع مكانهم النور والعدالة. الشيخ أيمن مفيش حد احتاج له وموقفش جنبه ونسي الإساءة لكثير وكان بيتعامل معاهم بالحسنى دايماً.

كان مبدئه: من عفا وأصلح. النهار ده الشيخ أيمن محتاج إننا نثبت له حبنا ودعمنا له. الشيخ أيمن لسه في المركز مترحلش للمكان تاني. لو ملحقناش واتصرفنا بسرعة ممكن تتثبت عليه التهمة الباطلة. لو طاوعتوني، أأكدلكم إن الشيخ أيمن هو اللي هيؤممنا لصلاة ظهر بكرة. ها معايا؟ صمت صفوان قليلاً ينظر للمصلين وهم يتهامسون معاً. تبسم صفوان على مشاورتهم وهمسهم لبعضهم.

نطق أحد المصلين قائلاً: "أنا معاك، الشيخ أيمن هدفه دايماً مصلحة أهل النجع. أنا معاك." نطق خلفه آخر وآخر. تبسم لهم صفوان. قبل العصر بقليل. بمنزل نواره. فتحت الباب بلهفة. وجدت أمامها حسين متحدثاً يقول: "معلش يا مرات عمي، كنت في البندر ولسه راجع ويادوب عرفت باللي حصل ليونس. خير؟ طمنيني، إيه الأخبار؟

ردت نواره: "أنا معرفش حاجة من الصبح غير إن يونس اتصاب. روحت لداره، أنهار متعرفش حاجة هي كمان. وصفوان جالي إنه هيروح للمستشفى ويعرف إيه اللي حصل ويرجع قبل الضهر ومرجعش لحد دلوقتي. ورجعت هنا عشان خاطر أمي وكمان يُسر. أمي من ساعة ما عرفت وهي نايمة حزينة. ويُسر وراها درس راحت له. وأنا معايا ابن رشيدة وفضل يبكي لحد ما نام. يا ضنايا." تنهد حسين قائلاً: "خير يا مرات عمي، لو حاجة مش كويسة حصلت كان زمان الخبر وصل."

تنهدت نواره هي الأخرى، وقبل أن تتحدث سمعت بكاء الصغير. دخلت له وحملته وخرجت به. حاولت إسكاته لكن لا يهدأ. تحدثت نواره بألم: "أكيد جعان، من الصبح مشربش غير شوية كراوية." رد حسين وهو يمد يديه ليأخذه منها قائلاً: "هاتيه يا مرات عمي، أما أوديه لسلوى يمكن يرضع منها على ما رشيدة ترجع." تبسمت نواره بغصة وأعطته له قائلة: "أهو يا ولدي، ويبقى كتر خيرك."

تحدث حسين: "خير، رشيدة سابق يا مرات عمي، أنا منساش لو مرضعتش رشيدة يمكن كانت ماتت." بعد قليل. دخل حسين إلى الغرفة. وجد سلوى تقوم بترتيب الدولاب. حين رأته يحمل طفلاً تحدثت سريعاً: "مين اللي على إيدك ده؟ رد حسين: "ده حسين، ولد رشيدة، بت عمي." ردت سلوى: "وجايبه ليه؟ رد حسين: "جايبه لكِ، خدي رضعيه من صبحية ربنا وهو جعان ومش مبطل بكى، ورشيدة عند جوزها في المستشفى، ربنا يرده له الاتنين."

ردت سلوى قائلة: "وهو كانوا قالوا لك إن مُرضعة؟ رد حسين: "هينوبك ثواب، ومتنسيش إنها فضلت يقارب على أسبوع ترضع بتك وأنتِ مريضة." أخذت سلوى الصغير من حسين بسخط قائلة: "هات أرضعه، وبلاش كل شوية تحسسني إنها عملت اللي غيرها ميعرفش يعمله." جلست سلوى بالصغير وحاولت إرضاعه، لكن كان رافضاً في البداية، ثم رضع منها ونام هادئاً. بعد العصر. أمام المركز. تجمع مجموعة كبيرة من أهالي النجع يقودهم صفوان. وقفوا يهتفون باسم الشيخ أيمن.

انضم إليهم أيضاً بعض من الرهبان يهتفون معهم. بداخل المركز. تحدث الضابط على الهاتف قائلاً: "يا أفندم، بقول لحضرتك في تجمع كبير قدام المركز من الأهالي ومعاهم كمان بعض من الرهبان." تحدث الآخر بتعسف قائلاً: "وحبة أهالي مش قادر تتعامل معاهم؟ اضرب عيارين في الهوا، هيخافوا ويمشوا."

تحدث الضابط: "يا أفندم، إحنا هنا في الصعيد، ده مش تجمع طلبة جامعات. سهل جداً يكون معاهم سلاح، ووقتها هتبقى مجزرة دموية، وكمان فيه رهبان وممكن يتقال فتنة طائفية." تنهد الآخر قائلاً: "طيب، خليك معايا دقايق وراجعلك." بعد دقائق. على الهاتف. تحدث الآخر قائلاً: "أنت بتقول إنك عملت تحريات عن الشيخ المقبوض عليه، وهو ملوش ولا بيتكلم في السياسة."

تحدث الضابط: "فعلاً يا أفندم، أنا عملت التحريات، بس معرفش إزاي صدر أمر بالقبض عليه، وأنا هنا بنفذ القانون." تحدث الآخر: "طيب، خلاص افرج عنه." تبسم الضابط يتحدث بضبط نفس: "حاضر، هنفذ أوامرك يا أفندم." بعد دقائق دخل الضابط إلى الغرفة الخاصة به في المركز، قائلاً

بسعادة: "مبروك يا شيخ أيمن، صدر الأمر بالإفراج عنك. واضح إن أهالي النجع وكمان بعض الرهبان لك عندهم معزة خاصة. أنا متأكد لو مش تجمهرهم قدام المركز، كان ممكن يكون لك مصير تاني." تحدث أيمن قائلاً: "الشكر لله، ثم لأهلي بالنجع وأخواتي الرهبان. وكمان بشكرك على استضافتك ليا ورفضك إني أنزل الحجز مع المجرمين وحجزتني هنا في الأوضة الخاصة بيك."

تبسم الضابط قائلاً: "أنا يشرفني إني أتعرف على شخصية متواضعة ومحبوبة هنا. بس فيه خبر غير سعيد للأسف، يمكن متعرفهوش." رد أيمن: "خير." سرد الضابط له عن محاولة اغتيال يونس. أنصدم أيمن قائلاً: "ربنا يتلطف بيه، ومفيش أخبار وصلت بحالته؟ رد الضابط: "وصلني خبر من المستشفى إنه خرج من العمليات وحالته مطمئنة لحد كبير." تنهد أيمن قائلاً: "خير إن شاء الله. ربنا يكمل شفاها."

مد أيمن يده للضابط قائلاً: "بشكرك مرة تانية لتطبيقك لروح القانون بدون تعسف منك." بعد قليل خرج الشيخ أيمن من المركز مع الضابط، بعد أن أنهى إجراءات خروجه. نزل بين الأهالي الذين التفوا حوله متبسمين. تحدث إليهم شاكراً يقول: "بفضلكم ربنا نجاني من فخ كان منصوب ليا. أنتم أهلي وناسي اللي ساعدوني في محنتي. وبتمنى لكم كل الخير." تحدث الأهالي له بحب. أتى أحد الرهبان متحدثاً يقول: "الفضل كله يرجع لصفوان، هو اللي جمعنا هنا."

تبسم أيمن قائلاً: "صفوان صديق وأخ صغير، لكن صاحب عقل كبير. ربنا يحقق العدل في يوم على إيده لما يكون وكيل نيابة ويتشرف بيه نجع الهلالية." قبل المغرب. بالمشفى. دخلت نواره ومعها حسين السلطان. رأت غالب يقف أمام أحد الغرف. ذهبت إليه قائلة: "غالب بيه، يونس أخباره إيه؟ وفين أم يونس؟ وكمان رشيدة؟ رد غالب: "يونس الحمد لله، الدكتور طمنا عليه. إنما نرجس مع رشيدة في أوضة. تعالي أوديكِ ليها." تحدثت

نواره أثناء سيرها بقلق: "في أوضة ليه؟ خير؟ رد غالب: "خير." وقف غالب قائلاً: "رشيدة ونرجس جوه. ادخلي لهم وخليك أنت يا حسين هنا معايا." دخلت نواره لداخل الغرفة. وجدت رشيدة نائمة ومعلق بيدها محلول طبي، ونرجس تجلس على مقعد جوارها. تحدثت نواره بلهفة: "خير يا أم يونس، رشيدة مالها؟ ردت نرجس: "هي بخير، اطمئني." سردت نرجس لها عن حمل رشيدة وإجهاضه.

تنهدت نواره بحزن قائلة: "كنت شاكة من كام يوم، جلتلها وردت جالتلي لأ، وجالت إن يونس كمان عنده نفس الشك. يلا الحمد لله، المهم ربنا يقومها هي ويونس بخير، وربنا يخلي لهم ولدهم ويعوضهم بغيره." أمنت نرجس على دعائها قائلة: "وفين حسين؟ ردت نواره: "حسين في داري مع أمي ويُسر. وجلتلها لو بكى تبجى توديه لسلوى، مرات حسين سلفي، ترضعه." ليلاً.

بعد أن فاقت رشيدة، لم تهمها صحتها ولا ماذا فقدت، ولا محايلة نواره ونرجس لها أن تظل بالسرير لراحتها. كل ما تريده هو الاطمئنان على يونس ورؤيته. بعد محايلة لها للطبيب، سمح لها بالدخول إلى يونس. دخلت إلى غرفة العناية بعد أن تعقمت. مالت عليه وقبلت جبهته. تحدثت

بهمس جوار أذنه قائلة: "أنا جنيتك، وكمان ذات الخال وسمراؤك، وبنت السلطان. وأنت عشقي يا واد الهلالية. أنا هنا مش حلم، أنا كيف دايماً تجولي. أنا الحقيقة والخيال مستنياك." انتهت تلك الليلة مع شروق جديد. بالدوار، هناك تجهيز لجنازة سارة. النحس يطارد عائلة الهلالي. النسوة يتشحن بالسواد وبعض العويل. عواد تائه. غالب حزين، وكذالك يوسف، يقفان معاً. بالقرب من أحد اسطبلات الخيل التابعة لناجي الغريب. توقف عاملان.

ليقول أحدهم: "في ريحة نتنة جاية من ناحية الأسطبل القديم. أنت مش شامم؟ تحدث الآخر: "يمكن فار ولا قطة." رد العامل: "لأ، دي ريحة جوية وكل مادي بتزيد. تعالي نروح نشوف إيه، يمكن كلب ولا ثعلب من الجبل." دخل العاملان إلى داخل الأسطبل القديم. ازدادت الرائحة الكريهة، ولكن انصدما بشدة من سبب تلك الرائحة. إنه هو ابن رب عملهم. نظرا له، جثته بدأت تتحلل.

لم يقتربا منه خوفاً، وخرجا سريعاً من الأسطبل بسبب الرائحة، وقفا الاثنان يسحبان الهواء لرئتيهما بشدة، ويعلنان. بعد وقت هدئا ووقفا الاثنان خائفان. تحدث أحدهم: "لازم نروح نبلغ ناجي بيه. أنا سمعت إنه كان بيسأل عن ولده." رد الآخر: "إني خايف منه، لو عرف إن ولده مات." رد الآخر: "وإحنا مالنا؟ وهو كان إحنا اللي موتناه." رد الآخر: "أنا بقول أحنا نبلغ المركز وهما يعرفوه." رد الآخر: "موافقاً له." بالمشفى.

رشيدة لا تمتثل لحديث الطبيبة بإلزامها للراحة، فهي بالأمس أجهضت، لكن لا يهمها. رغم حزنها على فقدان جنينها، لكن تريد أن يكون فقده قرباناً لله يفدي به حياة يونس. كل ما تريده فقط هو أن يفتح يونس عينيه، لكن هو مازال بسكرته. بعد وقت. بمنزل ناجي الغريب. دخل أحد الغفر قائلاً: "الحق يا ناجي بيه، البوليس في الأسطبل القديم." هب ناجي قائلاً برعب: "بتقول إيه؟ هو الأسطبل ده فيه حاجة؟

رد الغفير: "لأ جنابك، بس معرفش. أنا شوفت دخول البوكس وجيت ل جنابك أقولك." قال ناجي: "غور، وأنا هحصلك." خرج الغفير. دخلت همت ساخرة تنظر لوجه ناجي تقول: "ها؟ مداري وشك بالشال بسبب علامة بنت السلطان؟ لأ، وكمان فشل الراجل بتاعك وبيجولوا في النجع إن واد الهلالي لسه عايش."

نظر لها ناجي بغيظ وتحدث ساخراً: "مش سارة، بنت بنت عمك وكمان كانت أرملة ولدك، ماتت. أنا بقول تروحي تعزيها، أنتي زي ما بيجولوا تجتل الجتيل وتمشي بجنازته. فكراني مش عارف إنك السبب بموتها." قال هذا وتركها لحقدها وغيظها التي ستدفع ثمنه. بالأسطبل. تجمع رجال من الشرطة ومعهم أحد الأطباء الشرعيين، يضعون جميعهم الكمامات على وجوههم.

دخل ناجي، والذي أوقفه على الباب تلك الرائحة قليلاً، ووضع ذالك الشال الذي كان يداري به وجهه على أنفه. ثم دخل إلى داخل الأسطبل. متحدثاً بثبات إلى حد ما قائلاً: "خير يا حضرة الظابط." تنحى الضابط وبعض العساكر، ليظهر أمام ناجي ذالك المدد أرضاً وجثته منتفخة. رأى وجهه. عقله رفض، مذهول، غير مستوعب ما يراه أمامه. كابوس.

وقف الطبيب الشرعي متحدثاً: "مبدئياً كده، واضح إن الوفاة بسبب جرعة مخدرات. مفيش شبهة قتل، بس أكيد النتيجة النهائية هتكون بعد تشريح الجثة." ماذا تحدث الطبيب؟ قال وفاة بسبب جرعة مخدرات؟ لا، عقله لا يصدق، يرفض ما سمعه. فاق حين وضع بعض العساكر جسد أمجد على ناقلة. اعترض طريقهم وتحدث قائلاً: "وخدينه فين؟ سيبوه ولدي. أنا هدخله أغلى مستشفى وهجيب له دكاترة من بره. سيبوه ولدي حي." وضع العساكر الناقلة أرضاً.

انحنى ناجي يتحدث باستجداء، ناسياً تلك الرائحة الكريهة: "ولدي، فوق يا ولدي. قول لهم إنك عايش." لم يتعجب العساكر وأيضاً الضابط، فبالنهاية هو ولده. وأشار الضابط للعساكر بحمل الناقلة مرة أخرى. وأمسك ناجي أحد العساكر ورجع به للخلف، حاول ناجي الخروج من قبضة العسكري، لكن لم تحتمل ساقيه وجلس أرضاً متحسراً على نبتته الشيطانية التي ماتت سريعاً. بعد دفن سارة. وقف غالب ويوسف يسندان عواد المصدوم.

وقفوا ثلاثتهم يتقبلون العزاء أمام الدوار. بداخل الدوار. أعطى الطبيب ل نفيسة حقنة منومة. جلست النساء تتهامس وتتلامز فيما بينها. فابنة الهلالية وزوجة اثنين من العُمد، لا توجد امرأة من الهلالية تأخذ عزاءها سوى تلك الصغيرة ياسمين. كذب ولدها، لم يمت هكذا تقول همت. فبعد أن كانت شامته أصبحت مشمتة. لا يهم، لكن ولدها الصغير لم يمت هو الآخر. هكذا تهذي بين تلك النسوة اللائي أتوا بعد أن علموا بالخبر.

هي تنتظر خبر موت ولد نرجس، لا، خبر موت ولد آخر لها. قبل العصر بقليل. دخل صفوان إلى غرفة أمام المسجد قائلاً: "نورت الجامع يا شيخ أيمن، كان مظلم من غيره." تبسم أيمن قائلاً: "بيوت الله دائماً منورة بنور الله. الفضل يرجع لك يا صفوان. أنا مشفتكش من بعد ما خرجت من المركز. كان عندي لك سؤال، بس قبل ما أسأله، طمني، أنا عرفت إنك كنت عند يونس في المستشفى."

رد صفوان: "الحمد لله، الدكاترة بيقولوا حالته مطمئنة ومستنين يفوق في أي لحظة. ربنا لطف بيه. بس اللي زعلني رشيدة كانت حامل وأجهضت، واكيد يونس أما يفوق ويعرف هيزعل."

رد أيمن قائلاً: "كل أمر ربنا خير، وجدامهم العمر كله يعوض عليهم ربنا. أهم حاجة يتم شفاؤه ويعود لأهله وكمان لأهل النجع. وده كان سؤالي ليك. مخوفتش إن الحكومة تقبض عليك وتتهمك بالتجمهر قدام المركز، وأنت اللي كنت بتقود الأهالي، وكمان واحد من الرهبان جالي إنك أنت اللي خبرتهم وطلبت منهم يشاركوا في المظاهرة. لو اتقبض عليك كان هيتنسب لك تهمة كبيرة وكان هيضيع مستقبلك."

رد صفوان: "لأ، مخوفتش ولا فكرت أتراجع لثانية واحدة. أنا بدرس قانون وأساس القانون هو العدل. والعدل بيجول إن اللي يساعد الناس بحسن نية، إزاي يكون بيستخدم الدين كوسيلة للسياسة. وكمان الدين بيجول: الساكت عن الحق شيطان أخرس. يرضيك يا شيخ أيمن صفوان ولد حسين السلطان يكون شيطان أخرس." تبسم أيمن قائلاً: "متأكد إن صفوان ولد حسين السلطان هيجي في يوم قاضي يحكم بين الناس بالعدل." بالمشفى.

دخلت نواره إلى تلك الغرفة التي تنزل بها رشيدة وترافقها نرجس. دخلت تحمل ذالك الصغير. التي بمجرد أن رأته نرجس، وقفت وأخذته من نواره وقبلته قائلة: "من زمان مشوفتكش يا نور عيني." ضمته بحنان وتأملت ملامحه قائلة: "جاب شكل يونس وهو صغير." ردت نواره ببسمة: "ربنا يخليه ويشفي يونس. مفيش جديد."

ردت نرجس: "لأ، الدكتور قال ممكن يفوق بأي لحظة، وإحنا مستنين. وبالعافية على ما أقنعت رشيدة تفضل هنا في الأوضة، والدكتور جالي بمجرد ما هيفوق هيجي بنفسه يبشرنا." تحدثت نواره وهي تنظر لرشيدة الشاردة قائلة: "ربنا يبشرنا بالخير. يلا، كل شيء قدرنا. كنت في عزا سارة، ونفيسة الدكتور نيمها، كانت مش مبطلة صريخ وعويل. وكمان بيجولوا همت وناجي عقلهم هيشت على ولدهم. ربنا يرأف بالجميع." نزلت رشيدة من على الفراش وتحدثت قائلة: "يونس!

يونس فاق! قلبي حاسس بكده." تبسمت نرجس وهمت قائلتان بنفس اللحظة: "يارب." تبسمت رشيدة وأخذت صغيرها من نرجس وقبلته قائلة: "أبوك رجع لنا، مش هيسيبنا. الحلم اتعكس، بس الحمد لله." بغرفة العناية. دخل الطبيب سريعاً بعد أن أعطى جهاز المؤشرات الحيوية إنذاراً له. تبسم وهو يرى يونس بدأ في الإفاقة. ظل جواره إلى أن فاق كلياً. تحدث الطبيب قائلاً: "أهلاً برجوعك مرة تانيه للحياة." تبسمت شفاه يونس يتحدث بهمس وهمهمة: "رشيدة."

فهم الطبيب كلمته قائلاً: "رشيدة؟ دي أكيد مراتك اللي مكنتش عاوزة تسيب الأوضة وتفضل جنبك، رغم إنها هي كمان محتاجة للراحة. بس واضح إن الاهتمام بينكم مشترك، إنك أول ما تفوق تسأل عليها. على العموم، أنت دلوقتي هتتنقل لغرفة عادية، وأكيد هتشوفها." تبسم يونس بوهن. بغرفة رشيدة. بكى الصغير بين يديها. تحدثت نواره قائلة: "أكيد جعان. امبارح والنهاردة سلوى رضعته، كتر خيرها، مع إن أنتِ مسبقة معاها، بس كتر خيرها. امبارح

الدكتورة لما سألتها جالت: بلاش ترضع ابنها عشان البنج وكمان أكيد صحتها مرضانه." ردت نرجس: "لأ، خلاص بجت زينة والدكتورة شافتها من شوية وجالت لها ترضع ولدها عادي، بس بلاش إجهاد زيادة." جلست رشيدة ورفقت ولدها على صدرها، الذي يبدو أنه لم ينسى حنان صدرها. من يقول أن الرضع ليس لديهم ذاكرة؟ فمن ينسى حنان حضن أمه من ليلة غابتها عنه؟ بعد قليل. سمعن طرقاً على الباب. ذهبت نواره وفتحت الباب. وجدت أمامها طبيباً.

تنحت له ودخل إلى الغرفة مبتسماً يقول: "أنا جيت بنفسي زي ما وعدتك. يونس بيه فاق واتنقل لأوضة عادية." نهضت رشيدة بصغيرها مبتسمة، سعادتها لا توصف. كذلك نرجس عادت لها نور عينيها، نسيت ألم بكاء عينيها. خرجن الثلاثة خلف الطبيب. وقف الطبيب أمامهن أمام غرفة يونس متحدثاً

يقول: "ياريت بلاش اندفاع وكمان بلاش إجهاد للمريض. أنا كان ممكن مقولش لكم، بس رأفة بحالكم هسمح لكم بالدخول. من فضلكم، المريض لسه متعافى لدرجة كبيرة، ياريت تحافظوا عالهدوء." تبسمن له وأمأن برؤسهن. دخل الطبيب وهن خلفه. عندما رأين يونس يفتح عينيه، روحهن ردت لهن. اقتربت نرجس وانحنت قبلت جبهة يونس متحدثة: "حمدلله على سلامتك يا ولدي. ربنا ما يوريني فيك سوء تاني، ويتم شفاك." تبسم لها يونس.

اقتربت نواره قائلة: "تذكر ولا تتعاد، ويخليك لولدك ومرتك، وتنك حسك في الدنيا." تبسم لها يونس أيضاً. ظلت رشيدة بولدها بعيداً قليلاً تنظر له فقط دون تحدث. تحدثت نرجس قائلة: "تعالي معايا يا نواره، عاوزكِ في حاجة. إحنا خلاص اطمنا على يونس." خرجت الاثنتين وتركن رشيدة وولدها مع يونس. ظلت رشيدة واقفة مكانها متسمرة تنظر ليونس، الذي نظر لعيناها الدموية ووجهها الشاحب، تبدو مريضة.

تحدث يونس بوهن قائلاً: "هتفضلي تبصي لي كده كتير، ولا عاوزاني أرجع تاني؟ ردت رشيدة سريعاً: "لأ." تبسم يونس قائلاً: "خلاص قربي مني، أنتي وحسين. وحشتوني جوي." أقتربت رشيدة من الفراش ووقفت قائلة: "أنت كمان وحشتنا جوي." تحدث يونس قائلاً: "واقفة جنب السرير بعيد ليه؟ قربي مني شوية." أقتربت رشيدة. تحدث يونس: "قربي حسين مني، عاوز أبوسه." قربت رشيدة حسين من وجه يونس، قبله من وجنتيه. لاحظ ذالك الإصق الطبي الذي على ظهر يد رشيدة.

تحدث قائلاً: "مالها إيدك؟ نظرت رشيدة ليدها قائلة: "ولا حاجة، دي تعويرة بسيطة. المهم أنت." تحدث يونس بوهن قائلاً: "أنا اتولدت مرة تانية على لما شوفت بنت السلطان." تبسمت قائلة: "الدكتور جالي لازمك راحة. أنا هروح أدي حسين لأمي تاخده معاها وهي رايحة، وأنا اللي هبات هنا." قالت هذا وتركت الغرفة سريعاً. تعجب يونس، ولكن ليس قادراً على النهوض ولا على الحركة. بخارج الغرفة. وجدت رشيدة نرجس ونواره تجلسان.

وقفت نرجس بخضة قائلة: "خرجتي بسرعة كده ليه؟ نزلت دموع رشيدة قائلة: "مفيش، بس جَلبي مش مستحمل يشوف يونس راقد بالشكل ده ع السرير." تبسمت نرجس تضمها بحنان: "إحنا نحمد ربنا إنه لطف بيه. بكرة هتعود له صحته ويبقى زين. لكن تفهمت نواره خوف رشيدة. هو ليس من ذالك فقط، هي تخشى أن يعرف يونس أنها أجهضت جنينهم الذي كان بأحشائها. #يتبع.. بالخاتمة بكرة إنشاء الله. دومتم سالمين وأحبائكم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...